فصل: يوم أقرن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.يوم فيف الريح:

وهو بين عامر بن صعصعة والحارث بن كعب، وكان خبره أن بني عامر كانت تطلب بني الحارث بن كعب بأوتارٍ كثيرة، فجمع لهم الحصين ابن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي، وهو ذو الغصة، واستعان بجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصداء ونهد وخثعم وشهران وناهس وأكلب ثم أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون مكاناً يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى لا يفروا. فاجتمعت بنو عامر، فقال لهم عامر بن الطفيل: أغيروا بنا على القوم فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم ولا تدعوهم يدخلون عليكم. فأجابوه إلى ذلك وساروا إليهم. فلما دنوا من بني الحارث ومذحج ومن معهم أخبرتهم عيونهم وعادت إليهم مشايخهم، فحذروا فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام يغادونهم القتال بفيف الريح، فالتقى الصميل بن الأعور الكلابي وعمرو بن صبيح النهدي، فطعنه عمرو، فاعتنق الصميل فرسه وعاد، فلقيه رجل من خثعم فقتله وأخذ درعه وفرسه.
وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر بن الطفيل فأبلوا بلاء حسناً وسموا ذلك اليوم حريجة الطعان لأنهم اجتمعوا برماحهم فصاروا بمنزلة الحرجة، وهي شجر مجتمع.
وسبب اجتماعهم أن بني عامر جالوا جولة إلى موضع يقال له العرقوب، والتفت عامر بن الطفيل فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في المعركة، فرجع وهو يصيح: يا صباحاه! يا نميراه! ولا نمير لي بعد اليوم! حتى اقتحم فرسه وسط القوم، فقويت نفوسهم، وعادت بنو عامر وقد طعن عامر بن الطفيل ما بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنةً. وكان عامر في ذلك اليوم يتعهد الناس فيقول: يا فلان ما رأيتك فعلت شيئاً، فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه، ومن لم يبل شيئاً تقدم فأبلى، فكان كل من أبلى بلاءي حسناً أتاه فأراه الدم على سنان رمحه أو سيفه، فأتاه رجل من الحارثيين اسمه مسهر. فقال له: يا أبا علي أنظر ما صنعت بالقوم! انظر إلى رمحي! فلما أقبل عليه عامر لينظر وجأه بالرمح في وجنته ففلقها وفقأ عينه وترك رمحه وعاد إلى قومه. وإنما دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل بقومه، فقال: هذا والله مبير قومي! فقال عامر بن الطفيل:
أتونا بشهران العريضة كلّها ** وأكلب طرّاً في جياد السّنّور

لعمري وما عمري عليّ بهينّ ** لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر

فبئس الفتى أن كنت أعور عاقراً ** جباناً وما أغنى لدى كل حضر

وأسرت بنو عامر يومئذ سيد مراد جريحاً، فلما برأ من جراحته أطلق.
وممن أبلى يومئذ أربد بن قيس بن حر بن خالد بن جعفر، وعبيد بن شريح بن الأحوص بن جعفر؛ وقال لبيد بن ربيعة، ويقال إنها لعامر ابن الطفيل:
أتونا بشهران العريضة كلّها ** وأكلبها في مثل بكر بن وائل

فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا ** يبت عن قرى أضيافه غير غافل

أعاذل لو كان البداد لقوبلوا ** ولكن أتانا كلّ جنٍّ وخابل

وخثعم حيّ يعدلون بمذحج ** فهل نحن إلاّ مثل إحدى القبائل

وأسرع القتل في الفريقين جميعاً، ثم إنهم افترقوا ولم يشتغل بعضهم عن بعض بغنيمة، وكان الصبر فيها والشرف لبني عامر.

.يوم اليحاميم ويعرف أيضاً بقارات حوق:

وهو بين قبائل طيء بعضها في بعض. وكان سبب ذلك أن الحارث بن جبلة الغساني كان قد أصلح بين طيء. فلما هلك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة والغوث بموضع يقال له غرثان، فقتل قائد بني جديلة وهو أسبع بن عمرو بن لأم عم أوس ابن خالد بن حارثة بن لأم، وأخذ رجل من سنبس يقال له مصعب أذنيه فخصف بهما نعليه، وفي ذلك يقول أبو سروة السنبسي:
نخصف بالآذان منكم نعالنا ** ونشرب كرهاً منكم في الجماجم

وتناقل الحيان في ذلك أشعاراً كثيرة، وعظم ما صمعت الغوث على أوس ابن خالد بن لأم، وعزم على لقاء الحرب بنفسه، وكان لم يشهد الحروب المتقدمة هو ولا أحد من رؤساء طيء كحاتم بن عبد الله وزيد الخيل وغيرهم من الرؤساء، فلما تجهز أوسى للحرب وأخذ في جمع جديلة ولفها قال أبو جابر:
أقيموا علينا القصد يا آل طيّء ** وإلاّ فإنّ العلم عند التحاسب

فمن مثلنا يوماً إذا الحرب شمّرت ** ومن مثلنا يوماً إذا لم نحاسب

فإن تقطعيني أو تريدي مساءتي ** فقد قطع الخوف المخوف ركائبي

وبلغ الغوث جمع أوس لها وأوقدت النار على مناع، وهي ذروة أجأ، وذلك أول يوم توقد عليه النار. فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، منهم زيد الخيل وحاتم، وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لأم، وحلف أوس أن لا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى وتجبي له أهلها، وتزاحفوا والتقوا بقارات حوق على راياتهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودارت الحرب على بني كباد بن جندب فأبيروا. قال عدي بن حاتم: إني لواقفٌ يوم اليحاميم والناس يقتتلون إذ نظرت إلى زيد الخيل قد حضر ابنيه مكنفاً وحريثاً في شعب لا منفذ له وهو يقول: أي ابني أبقيا على قومكما فإن اليوم يوم التفاني فإن يكن هؤلاء أعماماً فهؤلاء أخوال. فقلت: كأنك قد كرهت قتال أخوالك! قال: فاحمرت عيناه غضباً وتطاول إلي حتى نظرت إلى ما تحته من سرجه فخفته، فضربت فرسي وتنحيت عنه. واشتغل بنظره إلي عن ابنيه، فخرجا كالصقرين، وحمل قيس بن عازب على بحير بن زيد الخيل بن حارثة بن لأم فضربه على رأسه ضربة عنق لها بحير فرسه وولى، فانهزمت جديلة عند ذلك وقتل فيها قتلٌ ذريعٌ، فقال زيد الخيل:
تجيء بني لأم جيادٌ كأنّها ** عصائب طير يوم طلٍّ وحاصب

فإن تنج منها لا يزل بك شامة ** أناء حياً بين الشّجا والترائب

وفرّ ابن لأم واتّقانا بظهره ** يردّعه بالرمح قيس بن عازب

وجاءت بنو معنٍ كأنّ سيوفهم ** مصابيح من سقف فليس بآيب

وما فرّ حتّى أسلم ابن حمارسٍ ** لوقعة مصقول من البيض قاضب

فلم تبق لجديلة بقية للحرب بعد يوم اليحاميم، فدخلوا بلاد كلب حالفوهم وأقاموا معهم.

.يوم ذي طلوح:

وهو يوم الصمد، ويوم أودٍ أيضاً، وهو بين بكر وتميم، وكان من حديثه أن عميرة بن طارق بن أرثم اليربوعي التميمي تزوج مرية بنت جابر العجلي أخت أبجر وسار غل عجل ليبتني بأهله. وكان له في بني تميم امرأة أخرى تعرف بابنة النطف من بني تميم، فأتى أبجر أخته يزورها وزوجها عندها. فقال لها أبجر: إني لأرجو أن آتيك بابنة النطف امرأة عميرة. فقال له: ما أراك تبقي علي حتى تسلبني أهلي. فندم أبجر وقال له: ما كنت لأغزو قومك ولكنني مستأسر في هذا الحي من تميم، وجمع أبجر والحوفزان بن شريك الشيباني، الحوفزان على شيبان وأبجر على اللهازم، ووكلا بعميرة من يحرسه لئلا يأتي قومه فينذرهم. فسار الجيش، فاحتال عميرة على الموكل بحفظه وهرب منه وجد السير إلى أن وصل إلى بني يربوع فقال لهم: قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل، فأعلموا بني ثعلبة بطناً منهم، فأرسلوا طليعة منهم فبقوا ثلاثة أيام، ووصلت بكر فركبت يربوع والتقوا بذي طلوح. فركب عميرة ولقي أبجر فعرفه نفسه، والتقى القوم واقتتلوا فكان الظفر ليربوع. وانهزمت بكر وأسر الحوفزان وابنه شريك وابن عنمة الشاعر، وكان مع بني شيبان فافتكه متمم بن نويرة، وأسر أكثر الجيش البكري؛ وقال ابن عنمة يشكر متمماً:
جزي الله ربّ الناس عنّي متممّاً ** بخير الجزاء ما أعفّ وأجودا

أجيرت به أبناؤنا ودماؤنا ** وشارك في إطلاقنا وتفرّدا

أبا نهشل إنّي غير كافرٍ ** ولا جاعلٍ من دونك المال سرمدا

.يوم أقرن:

قال أبو عبيدة: غزا عمرو بن عمرو بن عدس التميمي بني عبس فأخذ إبلهم واستاق سبيهم وعاد حتى إذا كان أسفل ثنية أقرن نزل وابتنى بجارية من السبي، ولحقه الطلب فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل أنس الفوارس ابن زياد العبسي عمراً وابنه حنظلة واستردوا الغنيمة والسبي، فنعى جريرٌ على بني دارم ذلك فقال:
أتنسون عمراً يويم برقة أقرن ** وحنظلة المقتول إذ هو يافعا

وكان عمرو أسلع أبرص، وكان هو ومن معه قد أخطأوا ثنية الطريق في عودهم وسلكوا غير الطريق، فسقطوا من الجبل الذي سلكوه فلقوا شدة ففي ذلك يقول عنترة:
كأنّ السرايا يوم نيقٍ وصارةٍ ** عصائب طيرٍ ينتحين لمشرب

شفى النفس منّي أو دنا لشفائها ** تهوّرهم من حالقٍ متصوّب

وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ** مراتب عمروٍ وسط نوحٍ مسلّب

وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو من عبس، فزاره خاله فقتله بأبيه، فقال في ذلك مسكين الدارمي:
وقاتل خاله بأبيه منّا ** سماعة لم يبع نسباً بخال

.يوم السلان:

قال أبو عبيدة: كان بنو عامر بن صعصعة حمساً، والحمس قريش ومن له فيهم ولادة، والحمس متشددون في دينهم، وكانت عامر أيضاً لقاحاً لا يدينون للملوك. فلما ملك النعمان بن المنذر ملكه كسرى أبرويز، وكان يجهز كل عام لطيمة، وهي التجارة، لتباع بعكاظ، فعرضت بنو عامر لبعض ما جهزه فأخذوه. فغضب لذلك النعمان وبعث إلى أخيه لأمه، وهو وبرة بن رومانس الكلبي، وبعث إلى صنائعه ووضائعه، والصنائع من كان يصطنعه من العرب ليغزيه، والوضائع هم الذين كانوا شبه المشايخ، وأرسل إلى بني ضبة بن أد وغيرهم من الرباب وتميم فجمعهم، فأجابوه، فأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلهم فوارس ومعه حبيش ابن دلف، وكان فارساً شجاعاً، فاجتمعوا في جيش عظيم، فجهز النعمان معهم عيراً وأمرهم بتسييرها وقال لهم: إذا فرغتم من عكاظ وانسلخت الحرم ورجع كل قوم إلى بلادهم فاقصدوا بني عامر فإنهم قريب بنواحي السلان. فخرجوا وكتموا أمرهم وقالوا: خرجنا لئلا يعرض أحد للطيمة الملك.
فلما فرغ الناس من عكاظ علمت قريش بحالهم، فأرسل عبد الله بن جدعان قاصداً إلى بني عامر يعلمهم الخبر، فسار إليهم وأخبرهم خبرهم، فحذروا وتهيأوا للحرب وتحرزوا ووضعوا العيون، وعاد بنو عامر عليهم عامر ابن مالك ملاعب الأسنة، وأقبل الجيش فالتقوا بالسلان فاقتتلوا قتالاً شديداً. فبينا هم يقتتلون إذ نظر يزيد بن عمرو بن خويلد الصعق إلى وبرة بن رومانس أخي النعمان فأعجبه هيئته، فحمل عليه فأسره. فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة، فنهاهم ضرار بن عمرو الضبي وقام بأمر الناس فأسره. فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة، فنهاهم ضرار بن عمرو الضبي وقام بأمر الناس فقاتل هو وبنوه قتالاً شديداً. فلما رآه أبو براء عامر بن مالك وما يصنع ببني عامر هو وبنوه حمل عليه، وكان أبو براء رجلاً شديد الساعد. فلما حمل على ضرار اقتتلا، فسقط ضرار إلى الأرض وقاتل عليه بنوه حتى خلصوه وركب، وكان شيخاً، فلما ركب قال: من سره ساءته نفسه؛ فذهبت مثلاً. يعني من سره بنوه إذا صاروا رجالاً كبر وضعف فساءه ذلك.
وجعل أبو براء يلح على ضرار طمعاً في فدائه، وجعل بنوه يحمونه. فلما رأى ذلك أبو براء قال له: لتموتن أو لأموتن دونك فأحلني على رجل له فداء. فأومأ ضرار إلى حبيش بن دلف، وكان سيداً، فحمل عليه أبو براء فأسره، وكان حبيش أسود نحيفاً دميماً، فلما رآه كذلك ظنه عبداً وأن ضراراً خدعه، فقال: أنا لله، أعزز سائر القوم، ألا في الشؤم وقعت! فلما سمعها حبيش منه خاف أن يقتله فقال: أيها الرجل إن كنت تريد اللبن، يعني الإبل، فقد أصبته. فافتدى نفسه بأربعمائة بعير وهزم جيش النعمان. فلما رجع الفل إليه أخبروه بأسر أخيه وبقيام ضرار بأمر الناس وما جرى له مع أبي براء، واقتدى وبرة بن رومانس نفسه بألف بعير وفرس من يزيد بن الصعق، فاستغنى يزيد، وكان قبله خفيف الحال؛ وقال لبيد يذكر أيام قومه:
إنّي امرؤ منعت أرومة عامر ** ضيمي وقد حنقت عليّ خصوم

يقول فيها:
وغداة قاع القريتين أتاهم ** رهواً يلوح خلالها التسويم

بكتائبٍ رجحٍ تعوّد كبشها ** نطع الكباش كأنّهنّ نجوم

قوله: قاع القريتين، يعني يوم السلان.
حبيش بن دلف بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وبالياء المثناة من تحتها نقطتان، وآخره شين معجمة.

.يوم ذي علق:

وهو يوم التقى فيه بنو عامر بن صعصعة وبنو أسد بذي علق فاقتتلوا قتالاً عظيماً. قتل في المعركة ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العمري أبو لبيد الشاعر وانهزمت عامر، فتبعهم خالد بن نضلة الأسدي وابنه حبيب والحارث ابن خالد بن المضلل وأمعنوا في الطلب، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أبو براء عامر بن مالك من وراء ظهورهم في نفر من أصحابه، فقال لخالد: يا أبا معقل إن شئت أجزتنا وأجزناك حتى نحمل جرحانا وندفن قتلانا. قال: قد فعلت. فتواقفوا. فقال له أبو براء: عل علمت ما فعل ربيعة؟ قال: نعم، تركته قتيلاً. قال: ومن قتله؟ قال: ضربته أنا وأجهز عليه صامت بن الأفقم. فلما سمع أبو براء بقتل ربيعة حمل على خالد هو ومن معه، فمانعهم خالد وصاحباه وأخذوا سلاح حبيب بن خالد، ولحقهم بنو أسد فمنعوا أصحابهم وحموهم، فقال الجميح:
سائل معدّاً عن الفوارس لا ** أوفوا بجيرانهم ولا سلموا

يسعى بهم قرزلٌ ويستمع ال ** ناس إليهم وتخفق اللّمم

ركضاً وقد غادروا ربيعة في ** الأثآر لّما تقارب النّسم

في صدره صعدةٌ ويخلجه ** بالرمح حرّان باسلاً أضم

قرزل فرس الطفيل والد عامر بن الطفيل. وقال لبيد من قصيدة يذكر أباه:
ولا من ربيع المقترين رزئته ** بذي علقٍ فاقني حياءك واصبري

.يوم الرقم:

قال أبو عبيدة: غزت عامر بن صعصعة غطفان، ومع بني عامر يومئذ عامر بن الطفيل شاباً لم يرئس بعد، فبلغوا وادي الرقم، وبه بنو مرة بن عوف بن سعد ومعهم قوم من أشجع بن ذئب بن غطفان وناس من فزارة ابن ذبيان، فنذروا ببني عامر وهجمت عليهم بنو عامر بالرقم، وهو وادٍ بقرب تضرع، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فأقبل عامر بن الطفيل فرأى امرأةً من فزارة فسألها. فقالت: أنا أسماء بنت نوفل الفزاري. وقيل: كانت أسماء بنت حصن بن حذيفة. فبينا عامر يسألها خرج عليه المنهزمون من قومه وبنو مرة في أعقابهم. فلما رأى ذلك عامر ألقى درعه إلى أسماء وولى منهزماً، فأدتها إليه بعد ذلك، وتبعتهم مرة وعليهم سنان بن حارثة بن أبي حارثة المري، وجعل الأشجعيون يذبحون كل من أسروه من بني عامر لوقعة كانت أوقعتها بهم بنو عامر، فذلك البطن من بني أشجع يسمون بني مذبح، فذبحوا سبعين رجلاً منهم، فقال عامر بن الطفيل يذكر غطفان ويعرض بأسماء:
قد ساءت أسماء وهي خفيّة ** لضحائها أطردت أم لم أطرد

فلأبغيّنكم القنا وعوارضاً ** ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد

ولأبرزنّ بمالك وبمالك ** وأخي المرورات الذي لم يسند

في أبيات عدة. فلما بلغ شعره غطفان هجاه منهم جماعة، وكان نابغة بني ذبيان حينئذ غائباً عند ملوك غسان قد هرب من النعمان. فلما آمنه النعمان وعاد سأل قومه عما هجوا به عامر بن الطفيل، فأنشدوه ما قالوا فيه وما قال فيهم، فقال: لقد أفحشتم وليس مثل عامر يهجى بمثل هذا، ثم قال يخطئ عامراً في ذكره امرأة من عقائلهم:
فإن يك عامرٌ قد قال جهلاً ** فإنّ مطيّة الجهل الشباب

فإنّك سوف تحلم أو تباهي ** إذا ما شبت أو شاب الغراب

فكن كأبيك أو كأبي براءٍ ** توافقك الحكومة والصواب

فلا تذهب بحلمك طامياتٌ ** من الخيلاء ليس لهنّ باب

إلى آخرها. فلما سمعها عامر قال: ما هجيت قبلها.

.يوم ساحوق:

قال أبو عبيدة: غزت بنو ذبيان بني عامر وهم بساحوق، وعلى ذبيان سنان بن أبي حارثة المري، وقد جهزهم وأعطاهم الخيل والإبل وزودهم، فأصابوا نعماً كثيرة وعادوا، فلحقتهم بنو عامر واقتتلوا قتالاً شديداً. ثم انهزمت بنو عامر وأصيب منهم رجالٌ وركبوا الفلاة، فهلك أكثرهم عطشاً، وكان الحر شديداً، وجعلت ذبيان تدرك الرجل منهم فيقولون له: قف ولك نفسك وضع سلاحك، فيفعل. وكان يوماً عظيماً على عامر، وانهزم عامر ابن الطفيل وأخوه الحكم، ثم إن الحكم ضعف وخاف أن يؤسر فجعل في عنقه حبلا وصعد إلى شجرة وشده ودلى نفسه فاختنق، وفعل مثله رجلٌ من بني غني، فلما ألقى نفسه ندم فاضطرب، فأدركوه وخلصوه وعيروه يجزعه؛ وقال عروة بن الورد العبسي في ذلك:
ونحن صبحنا عامراً في ديارها ** علالة أرماحٍ وضرباً مذكّرا

بكلّ رقاق الشفرتين مهنّدٍ ** ولدنٍ من الخطيّ قد طرّ أسمرا

عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ** ومقتلهم تحت الوغى كان أجدرا

.يوم أعيار ويوم النّقيعة:

كان المثلم بن المشجر العائذي ثم الضبي مجاوراً لبني عبس؛ فتقامر هو وعمارة بن زياد، وهو أحد الكملة، فقمره عمارة حتى اجتمع عليه عشرة أبكر، فطلب منه المثلم أ، يخلي عنه حتى يأتي أهله فيرسل إليه بالذي له، فأبى ذلك، فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم، وخرج المثلم فأتى قومه فأخذ البكارة فأتى بها عمارة وافتكّ ابنه.
فلما انطلق بابنه قال له في الطريق: يا أبتاه من معضالٌ؟ قال: ذلك رجل من بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة. قال شرحاف: فإني قد عرفت قاتله. قال أبوه: ومن هو؟ قال: عمارة بن زياد سمعته يقول للقوم يوماً وقد أخذ فيه الشراب إنه قتله ولم يلق له طالباً. ولبثوا بعد ذلك حيناً وشب شرحاف. ثم إن عمارة جمع جمعاً عظيماً من عبس فأغار بهم على بني ضبة فأخذوا إبلهم، وركبت بنو ضبة فأدركوهم في المرعى. فلما نظر شرحاف إلى عمارة قال: يا عمارة أتعرفني؟ قال: من أنت؟ قال: أنا شرحاف، أد إلي ابن عمي معضالاً، لا مثله يوم قتلته! وحمل عليه فقتله، وقاتتلت ضبة وعبس قتالاً شديداً واستنقذت ضبة الإبل، وقال شرحاف:
ألا أبلغ سراة بني بغيض ** بما لاقت سراة بني زياد

وما لاقت جذيمة إذ تحامي ** وما لاقى الفوارس من بجاد

تركنا بالنقيعة آل عبسٍ ** شعاعاً يقتلون بكلّ واد

وما إن فاتنا إلاّ شريد ** يؤمّ القفر في تيه البلاد

فسل عنّا عمارة آل عبسٍ ** وسل ورداً وما كلٌّ بداد

تركتهم بوادي البطن رهناً ** لسيدان القرارة والجلاد

.يوم النباة:

قال أبو عبيدة: خرجت بنو عامر تريد غطفان لتدرك بثأرها يوم الرق ويوم ساحوق، فصادفت بني عبس وليس معهم أحد من غطفان، وكانت عبس لم تشهد يوم الرقم ولا يوم ساحوق مع غطفان ولم يعينوهم على بني عامر، وقيل: بل شهدها أشجع وفزارة وغيرهما من بني غطفان، على ما نذكره. قال: وأغارت بنو عامر على نعم بني عبس وذبيان وأشجع فأخذوها وعادوا متوجهين إلى بلادهم فضلوا في الطريق فسلكوا وادي النباة فأمعنوا فيه ولا طريق لهم ولا مطلع حتى قاربوا آخره. وكان الجبلان يلتقيان إذا هم بامرأة من بني عبس تخبط الشجر لهم في قلة الجبل. فسألوها عن المطلع، فقالت لهم: الفوارس المطلع، وكانت قد رأت الخيل قد أقبلت وهي على الجبل، ولم يرها بنو عامر لأنهم في الوادي، فأرسلوا رجلاً إلى قلة الجبل ينظر، فقال لهم: أرى قوماً كأنهم الصبيان على متون الخيل، أسنة رماحهم عند آذان خيلهم. قالوا: تلك فزارة. قال: وأرى قوماً بيضاً جعاداً كأن عليهم ثياباً حمراً. قالوا: تلك أشجع. قال: وأرى قوماً نسوراً قد قلعوا خيولهم بسوادهم كأنما يحملونها حملاً بأفخاذهم آخذين بعوامل رماحهم يجرونها. قالوا: تلك عبس، أتاكم الموت الزؤام! ولحقهم الطلب بالوادي، فكان عامر بن الطفيل أول من سبق على فرسه الورد ففات القوم، وأعيا فرسه الورد، وهو المربوق أيضاً، فعقره لئلا تفتحله فزارة، واقتتل الناس، ودام القتال بينهم، وانهزمت عامر فقتل منهم مقتلة كبيرة، قتل فيها من أشرافهم البراء بن عامر بن مالك، وبه يكنى أبوه، وقتل نهشل وأنس وهزان بنو مرة بن أنس بن خالد بن جعفر، وقتلوا عبد الله بن الطفيل أخا عامر، قتله الربيع بن زياد العبسي، وغيرهم كثير، وتمت الهزيمة على بني عامر.

.يوم الفرات:

قال أبو عبيدة: أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران ابن مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، وذلك قبيل الإسلام، فظفر بهم فقتل من أخذ من مقاتلتهم وغرق منهم ناسٌ كثير في الفرات وأخذ أموالهم وقسمها بين أصحابه، فقال شاعرهم في ذلك:
ومنّا الذي غشّى الدليكة سيفه ** على حين أن أعيا الفرات كتائبه

ومنّا الذي شدّ الرّكيّ ليستقي ** ويستقي محضاً غير ضافٍ جوانبه

ومنّا غريب الشام لم ير مثله ** أفكّ لعانٍ قد تناءى أقاربه

الدليكة: فرس المثنى بن حارثة، والذي شد الركي مرة بن همام، وغريب الشام ابن القلوص بن النعمان بن ثعلبة.