فصل: يوم بارق:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.يوم بارق:

قال المفضل الضبي: إن بني تغلب والنمر بن قاسط وناساً من تميم اقتتلوا حتى نزلوا ناحية بارق، وهي من أرض السواد، وأرسلوا وفداً منهم إلى بكر بن وائل يطلبون إليهم الصلح، فاجتمعت شيبان ومن معهم وأرادوا قصد تغلب ومن معهم، فقال زيد بن شريك الشيباني: إني قد أجرت أخوالي وهم النمر بن قاسط، فأمضوا جواره وساروا وأوقعوا ببني تغلب وتميم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم تصب تغلب بمثلها واقتسموا الأسرى والأموال، وكان من أعظم الأيام عليهم، قتل الرجال ونهب الأموال وسبي الحريم، فقال أبو كلبة الشيباني:
وليلة بسعادى لم تدع سنداً ** لتغلبيٍّ ولا أنفاً ولا حسبا

والنمريّون لولا سرّ من ولدوا ** من آل مرّة شاع الحيّ منتهبا

.يوم طخفة:

وهو لبني يربوع على عساكر النعمان بن المنذر. قال أبو عبيدة: وكان سبب هذه الحرب أن الرادفة، وهي بمنزلة الوزارة، وكان الرديف يجلس عن يمين الملك، كانت لبني يربوع من تميم يتوارثونها صغيراً عن كبير. فلما كان أيام النعمان، وقيل أيام ابنه المنذر، سألها حاجب ابن زرارة الدرامي التميمي النعمان أن يجعلها للحارث بن بيبة بن قرط ابن سفيان بن مجاشع الدارمي التميمي، فقال النعمان لبني يربوع في هذا وطلب منهم أن يجيبوا إلى ذلك، فامتنعوا، وكان منزلهم أسفل طخفة، فحيث امتنعوا من ذلك بعث إليهم النعمان قابوس ابنه وحساناً أخاه ابني المنذر، قابوس على الناس، وحسان على المقدمة، وضم إليهما جيشاً كثيفاً، منهم الصنائع والوضائع وناس من تميم وغيرهم، فساروا حتى أتوا طخفة فالتقوا هم ويربوع واقتتلوا، وصبرت يربوع وانهزم قابسو ومن معه، وضرب طارق أبو عميرة فرس قابوس فعقره وأسره، وأراد أن يجز ناضيته، فقال: إن الملوك لا تجز نواصيها، فأرسله. وأما حسان فأسره بشر بن عمرو بن جوين فمن عليه وأرسله. فعاد المنهزمون إلى النعمان، وكان شهاب بن قيس بن كياس اليربوعي عند الملك، فقال له: يا شهاب أدرك ابني وأخي، فإن أدركتهما حيين فلبني يربوع حكمهم وأرد عليهم ردافتهم وأترك لهم من قتلوا وما غنموا وأعطيهم ألفي بعير. فسار شهاب فوجدهما حيين فأطلقهما، ووفى الملك لبني يربوع بما قال ولم يعرض لهم في ردافتهم؛ وقال مالك ابن نويرة:
ونحن عقرنا مهر قابوس بعدما ** رأى القوم منه الموت والخيل تلحب

عليه دلاصٌ ذات نسجٍ وسيفه ** جرازٌ من الهنديّ أبيض مقضب

طلبنا بها، إنّا مداريك نيلها ** إذا طلب الشّأو البعيد المغرّب

.يوم النباج وثيتل:

قال أبو عبيدة: غزا قيس بن عاصم المنقري ثم التميمي بمقاعس، وهم بطون من تميم، وهم صريم وربيع وعبيد بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد، وغزا معه سلامة بن ظرب الحماني في الأحارث، وهم بطون من تميم أيضاً، وهم حمان وريعة ومالك والأعرج بنو كعب بن سعد، فغزوا بكر بن وائل، فوجدوا اللهازم، وهم بنو قيس وتيم اللات ابناء ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ومعهم بنو ذهل ابن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بالنباج وثيتل، وبينهما روحةٌ، فأغار قيس على النياح، ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من بها. فلما بلغ قيس إلى النباج، ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من بها. فلما بلغ قيس إلى النباح سقى خيله ثم أراق ما معهم من الماء وقال لمن معه: قاتلوا فالموت بين أيديكم والفلاة من ورائكم، فأغار على من به من بكر صبحاً فقاتلوهم قتالاً شديداً وانهزمت بكر وأصيب من غنائمهم ما لا يحد كثرة. فلما فرغ قيس من النهب عاد مسرعاً إلى سلامة ومن معه نحو ثيتل فأدركهم، ولم يغز سلامة على من به، فأغار عليهم قيس أيضاً، فقاتلوه وانهزموا، وأصاب من الغنائم نحو ما أصاب بالنباج، وجاء سلامة فقال: أغرتم على من كان لي، فتنازعوا حتى كاد الشر يقع بينهم، ثم اتفقوا على تسليم الغنائم إليه؛ ففي ذلك يقول ربيعة بن طريف:
فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ** فأنت لنا عزٌّ عزيزٌ ومعقل

وأنت الذي حرّبت بكر بن وائل ** وقد عضّلت منها النباج وثيتل

وقال قرة بن زيد بن عاصم:
أنا ابن الذي شقّ المرار وقد رأى ** بثيتل أحياء اللهازم حضّرا

فصبّحهم بالجيش قيس بن عاصم ** فلم يجدوا إلاّ الأسنّة مصدرا

سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم ** وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا

على الجرد يعلكن الشكيم عوابساً ** إذا الماء من أعطافهنّ تحدرّا

فلم يرها الراؤون إلاّ فجاءةً ** يثرن عجاجاً كالدواخن أكدرا

وحمران أدّته إلينا رماحنا ** فنازع غلاًّ في ذراعيه أسمرا

ثيتل بالثاء المثلثة المفتوحة، والياء المسكنة المثناة من تحتها، والتاء المثناة من فوقها.

.يوم فلج:

قال أبو عبيدة: هذا يوم لبكر بن وائل على تميم. وسببه أن جمعاً من بكر ساروا إلى الصعاب فشتوا بها، فلما انقضى الربيع انصرفوا فمروا بالدو فلقوا ناساً من بني تميم من بني عمرو وحنظلة، فأغاروا على نعمٍ كثير لهم ومضوا، وأتى بني عمرو وحنظلة الصريخ فاستجاشوا لقومهم فأقبلوا في آثار بكر بن وائل فساروا يومين وليلتين حتى جهدهم السير وانحدروا في بطن فلج، وكانوا قد خلفوا رجلين على فرسين سابقين ربيئة ليخبراهم بخبرهم إن ساروا إليهم. فلما وصلت تميم إلى الرجلين أجريا فرسيهما وسارا مجدين فأنذرا قومهما، فأتاهم الصريخ بمسير تميم عند وصولهم إلى فلج، فضرب حنظلة بن يسار العجلي قبته ونزل فنزل الناس معه وتهيأوا للقتال معه، ولحقت بنو تميم فقاتلتهم بكر بن وائل قتالاً شديداً، وحمل عرفجة بن بحير العجلي على خالد بن مالك بن سلمة التميمي فطعنه وأخذه أسيراً. وقتل في المعركة ربعي بن مالك بن سلمة، فانهزمت تمي وبلغت بكر بن وائل منها ما أرادت، ثم إن عرفجة أطلق خالد بن مالك وجز ناصيته، فقال خالد:
وجدنا الرفد رفد بني لجيم ** إذا ما قلّت الأرفاد زادا

هم هم ضربوا القباب ببطن فلجٍ ** وذادوا عن محارمهم ذيادا

وهم وهم منّوا عليّ وأطلقوني ** وقد طاعوعت في الجنب القيادا

أليسوا خير من ركب المطايا ** وأعظمهم إذا اجتمعوا رمادا

أليس هم عماد الحيّ بكراً ** إذا نزلت مجلّلة شدادا

وقال قيس بن عاصم يعير خالداً:
لو كنت حرّاً يا ابن سلمى بن جندل ** نهضت ولم تقصد لسلمى ابن جندل

فما بال أصداء بفلجٍ غريبة ** تنادي مع الأطلال: يا لابن حنظل

صوادي لا مولّىً عزيزٌ يجيبها ** ولا أسرةٌ تسقي صداها بمنهل

وغادرت ربعيّا بفلجٍ ملحّباً ** وأقبلت في أولى الرعيل المعجّل

توائل من خوف الرّدى لاوقيته ** كما نالت الكدراء من حين أجدل

يعيره حيث لم يأخذ بثأر أخيه ربعي ومن قتل معه يوم فلج، ويقول: إن أصداءهم تنادي ولا يسقيها أحد، على مذهب الجاهلية، ولولا التطوير لشرحناه أبين من هذا.

.يوم الشيطين:

قال أبو عبيدة: كان الشيطان لبكر بن وائل، فلما ظهر الإسلام في نجد سارت بكر قبل السواد، وبقي مقايس بن عمرو العائذي بن عائذة من قريش حليف بني شيبان بالشيطين. فلما أقامت بكر في السواد لحقهم الوباء والطاعون الذي كان أيا كسرى شيرويه فعادوا هاربين فنزلوا لعلع، وهي مجدبة، وقد أخصب الشيطان، فسارت تميم فنزلوا بها، وبلغت أخبار خصب الشيطين إلى بكر، فاجتمعوا وقالوا: نغير على تميم، فإن في دين ابن عبد المطلب، يعنون النبي، أن من قتل نفساً قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها، فارتحلوا من لعلع بالذراري والأموال ورئيسهم بشر بن مسعود ابن قيس بن خالد فأتوا الشيطين في أربع ليال، والذي بينهما مسيره ثماني ليالٍ، فسبقوا كل خبر حتى صبحوهم وهم لا يشعرون فقاتلوهم قتالاً شديداً وصبرت تميم ثم انهزمت، فقال رشيد بن رميض العنبري يفخر بذلك:
وما كان بين الشيّطين ولعلعٍ ** لنسوتنا إلاّ مناقل أربع

فجئنا بجمعٍ لم ير الناس مثله ** يكاد له ظهر الوديعة يطلع

بأرعن دهمٍ تنسل البلق وسطه ** له عارضٌ فيه المنيّة تلمع

صبحنا به سعداً وعمراً ومالكاً ** فظلّ لهم يومٌ من الشرّ أشنع

وذا حسبٍ من آل ضبّة غادروا ** بجريٍ كما يجري الفصيل المفزّع

تقصّع يربوعٌ بسرّة أرضنا ** وليس ليربوع بها متقصّع

ثم إن النبي، صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى بكر بن وائل على ما بأيديهم.
الشيطان بالشين المعجمة، والياء المشددة المثناة من تحتها، وبالطاء المهملة، آخره نون.

.أيام الأنصار وهم الأوس والخزرج التي جرت بينهم:

الأنصار لقب قبيلتي الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، لقبهم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إليهم ومنعوه ونصروه، وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد، ولذلك يقال لهم أبناء قيلة. وإنما لقب ثعلبة العنقاء لطول عنقه، ولقب عمرو مزيقياء لأنه كان يمزق عنه كل يوم حله لئلا يلبسها أحد بعده، ولقب عامر ماء السماء لسماحته وبذلك كأنه ناب مناب المطر، وقيل لشرفه، ولقب امرؤ القيس البطريق لأنه أول من استعان به بنو إسرائيل من العرب بعد بلقيس، فبطرقه رحبعم ابن سليمان بن داود، عليه السلام، فقيل له البطريق، وكانت مساكن الأزد بمأرب من اليمن إلى أن أخبر الكهان عمرو بن عامر مزيقياء أن سيل العرم يخرب بلادهم ويغرق أكثر أهلها عقوبةً لهم بتكذيبهم رسل الله تعالى إليهم. فلما علم ذلك عمرو باع ما له من مال وعقار وسار عن مأرب هو ومن تبعه، ثم تفرقوا في البلاد فسكن كل بطن ناحية اختاروها، فسكنت خزاعة الحجاز، وسكنت غسان الشام.
ولما سار ثعلبة بن عمرو بن عامر فيمن معه اجتازوا بالمدينة، وكانت تسمى يثرب، فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة فيمن معهما، وكان فيها قرىً وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل وغيرهم، منهم قريظة والنضير وبنو قينقاع وبنو ماسلة وزعورا وغيرهم، وقد بنوا لهم حصوناً يجتمعون بها إذا خافوا. فنزل عليهم الأوس والخزرع فابتنوا المساكن والحصون، إلا أن الغلبة والحكم لليهود إلى أن كان من الفطيون ومالك ابن العجلان ما نذكره إن شاء الله تعالى، فعادت الغلبة للأوس والخزرج، ولم يزالوا على حال اتفاق واجتماع إلى أن حدث بينهم حرب سمير، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

.ذكر غلبة الأنصار على المدينة وضعف أمر اليهود بها وقتل الفطيون:

قد ذكرنا أن الإستيلاء كان لليهود على المدينة لما نزلها الأنصار، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن ملك عليهم الفطيون اليهودي، وهو من بني إسرائيل ثم من بني ثعلبة، وكان رجل سوء فاجراً، وكانت اليهود تدين له بأن لا تزوج امرأة منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها، وقيل: إنه كان يفعل ذلك بالأوس والخزرج أيضاً. ثم إن أختا لمالك بن العجلان السالمي الخزرجي تزوجت، فلما كان زفافها خرجت عن مجلس قومها وفيه أخوها مالك وقد كشفت عن ساقيها. فقال لها مالك: لقد جئت بسوء. قالت: الذي يراد بي الليلة أشد من هذا، أدخل على غير زوجي! ثم عادت فدخل عليها أخوها فقال لها: هل عندك من خبر؟ قالت: نعم، فما عندك؟ قال: أدخل مع النساء فإذا خرجن ودخل عليك قتلته. قالت: افعل. فلما ذهب بها النساء إلى الفطيون انطلق مالك معهن في زي امرأة ومعه سيفه، فلما خرج النساء من عندها ودخل عليها الفطيون قتله مالك وخرج هارباً؛ فقال بعضهم في ذلك من أبيات:
هل كان للفطيون عقر نسائكم ** حكم النصيب فبئس حكم الحاكم

حتّى حباه مالك بمرشّةٍ ** حمراء تضحك عن نجيعٍ قاتم

ثم خرج مالك بن العجلان هارباً حتى دخل الشام فدخل على ملك من ملوك غسان يقال له أبو جبيلة واسمه عبيد بن سالم بن مالك بن سالم، وهو أحد بني غضب بن جشم بن الخزرج، وكان قد ملكهم وشرف فيهم، وقيل: إنه لم يكن ملكاً وإنما كان عظيماً عند ملك غسان، وهو الصحيح، لأن ملوك غسان لم يعرف فيهم هذا، وهو أيضاً من الخزرج على ما ذكر.
فلما دخل عليه مالك شكا إليه ما كان من الفطيون وأخبره بقتله وأنه لا يقدر على الرجوع، فعاهد الله أبو جبيلة ألا يمس طيباً ولا يأتي النساء حتى يذل اليهود ويكون الأوس والخزرج أعز أهلها.
ثم سار من الشام في جمع كثير وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة فنزل بذي حرضٍ، وأعلم الأوس والخزرج ما عزم عليه، ثم أرسل إلى وجوه اليهود يستدعيهم إليه وأظهر لهم أنه يريد الإحسان إليهم، فأتاه أشرافهم في حشمهم وخاصتهم. فلما اجتمعوا ببابه أمر بهم فأدخلوا رجلاً رجلاً وقتلهم عن آخرهم. فلما فعل بهم ذلك صارت الأوس والخزرج أعز أهل المدينة، فشاركوا اليهود في النخل والدور؛ ومدح الرمق بن زيد الخزرجي أبا جبيلة بقصيدة، منها:
وأبو جبيلة خير من ** يمشي وأوفاهم يمينا

وأبرّهم برّاً وأع ** ملهم بهدي الصالحينا

أبقت لنا الأيّام وال ** حرب المهمّة تعترينا

كبشاً له قرنٌ يع ** ضّ حسامه الذكر السّنينا

فقال أبو جبيلة: عسل طيب في وعاء سوء، وكان الرمق رجلاً ضئيلاً؛ فقال الرمق: إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. ورجع أبو جبيلة إلى الشام.
حرض بضم الحاء والراء المهملتين، وآخره ضاد معجمة.

.حرب سمير:

ولم يزل الأنصار على حال اتفاق واجتماع، كان أول اختلاف وقع بينهم وحرب كانت لهم حرب سمير.
وكان سببها أن رجلاً من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان يقال له كعب بن العجلان نزل على مالك بن العجلان السالمي فحالفه وأقام معه. فخرج كعب يوماً إلى سوق بني قينقاع فرأى رجلاً من غطفان معه فرسه وهو يقول: ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب. فقال رجل: فلان. وقال رجل آخر: أحيحة بن الجلاح الأوسي. وقال غيرهما: فلان بن فلان اليهودي أفضل أهلها. فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن العجلان. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكاً أفضلكم؟ فغضب من ذلك رجل من الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير وشتمه وافترقا، وبقي كعب ما شاء الله.
ثم قصد سوقاً لهم قبا فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله. وأخبر مالك بن العجلان بقتله، فأرسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله، فأرسلوا: إنا لا ندري من قتله. وترددت الرسل بينهم، وهو يطلب سميراً وهم ينكرون قتله، ثم عرضوا عليه الدية فقبلها. وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم. فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، وامتنعوا من ذلك وقالوا: نعطي دية الحليف، وهي النصف. ولج الأمر بينهم حتى آل إلى المحاربة، فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً وافترقوا. ودخل فيها سائر بطون الأنصار، ثم التقوا مرة أخرى واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وكان الظفر يومئذ للأوس.
فلما افترقوا أسلت الأوس إلى مالك يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر ابن حرام النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر. فأجابهم إلى ذلك، فأتوا المنذر، فحكم بينهم المنذر بأن يدوا كعباً حليف مالك دية الصريح ثم يعودوا إلى سنتهم القديمة، فرضوا بذلك وحملوا الدية وافترقوا، وقد شبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم.

.ذكر حرب كعب بن عمرو المازني:

ثم إن بني جحجبا من الأوس وبني مازن بن النجار من الخزرج وقع بينهم حرب كان سببها أن كعب بن عمرو المازني تزوج امرأةً من بني سالم فكان يختلف إليها. فأمر أحيحة بن الجلاح سيد بني جحجبا جماعةً فرصدوه حتى ظفروا به فقتلوه، فبلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو، فأمر قومه فاستعدوا للقتال، وأرسل إلى بني جحجبا يؤذنهم بالحرب. فالتقوا بالرحابة فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت بنو جحجبا ومن معهم وانهزم معهم أحيحة، فطلبه عاصم بن عمرو فأدركه وقد دخل حصنه، فرماه بسهم فوقع في باب الحصن، فقتل عاصم أخاً لأحيحة. فمكثوا بعد ذلك ليالي، فبلغ أحيحة أن عاصماً يتطلبه ليجد له غرة فيقتله، فقال أحيحة:
نبئت أنّك جئت تس ** ري بين داري والقبابة

فلقد وجدت بجانب ال ** ضّحيان شبّاناً مهابه

فتيان حربٍ في الحدي ** د وشامرين كأسد غابه

هم نكّبوك عن الطري ** ق فبتّ تركب كلّ لابه

أعصيم لا تجزع فإن ** نّ الحرب ليست بالدّعابه

فأنا الذي صبّحتكم ** بالقوم إذى دخلوا الرّحابه

وقتلت كعباً قبلها ** وغلوت بالسيف الذّؤابه

فأجابه عاصم:
أبلغ أحيحة إن عرض ** ت بداره عنّي جوابه

وأنا الذي أعجلته ** عن مقعدٍ ألهى كلابه

ورميته سهماً فأخ ** طأه وأغلق ثمّ بابه

في أبيات. ثم إن أحيحة أجمع أن يبيت بني النجار وعنده سلمى بنت عمرو بن زيد النجارية، وهي أم عبد المطلب جد النبي، صلى الله عليه وسلم فما رضيت، فلما جنها الليل وقد سهر معها أحيحة فنام، فلما نام سارت إلى بني النجار فاعلمتهم ثم رجعت، فحذروا، وغدا أحيحة بقومه مع الفجر، فلقيهم بنو النجار في السلاح، فكان بينهم شيء من قتال، وانحاز أحيحة، وبلغه أن سلمى أخبرتهم فضربها حتى كسر يدها وأطلقها وقال أبياتاً، منها:
لعمر أبيك ما يغني مكاني ** من الحلفاء آكلةٌ غفول

تؤوّم لا تقلّص مشمعلاًّ ** مع الفتيان مضجعه ثقيل

تنزّع للحليلة حيث كانت ** كما يعتاد لقحته الفصيل

وقد أعددت للحدثان حصناً ** لو أنّ المرء ينفعه العقول

جلاه القين ثمّت لم تخنه ** مضاربه ولاطته فلول

فهل من كاهن آوي إليه ** إذا ما حان من آلٍ نزول

يراهنني ويرهنني بنيه ** وأرهنه بنيّ بما أقول

فما يدري الفقير متى غناه ** وما يدري الغنيّ متى يعيل

وما تدري وإن أجمعت أمراً ** بأيّ الأرض يدركك المقيل

وما تدري وإن أنتجت سقباً ** لغيرك أم يكون لك الفصيل

وما إن أخوةٌ كبروا وطابوا ** لباقية، وأمّهم هبول

ستشكل أو يفارقها بنوها ** بموتٍ أو يجيء لهم قتول

.ذكر الحرب بين بني عمرو وبني الحارث وهو يوم السرارة:

ثم إن بني عمرو بن عوف من الأوس وبني الحارث من الخزرج كان بينهما حرب شديدة.
وكان سببها أن رجلاً من بني عمرو قتله رجل من بني الحارث، فعدا بنو عمرو على القاتل فقتلوه غيلةً، فاستكشف أهله فعلموا كيف قتل فتهيأوا للقتال وأرسلوا إلى بني عمرو بن عوف يؤذونهم بالحرب، فالتقوا بالسرارة، وعلى الأوس حضير بن سماك والد أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عبد الله بن سلول أبوى الحباب الذي كان رأس المنافقين. فاقتتلوا قتالاً شديداً. صبر بعضهم لبعض أربعة أيم، ثم انصرفت الأوس إلى دورها، ففخرت الخزرج بذلك؛ وقال حسان بن ثابت في ذلك:
فدىً لبني النجّار أمّي وخالتي ** غداة لقوهم بالمثقّفة السّمر

وصرمٍ من الأحياء عمرو بن مالك ** إذا ما دعوا كانت لهم دعوة النصر

فوا لا أنسى حياتي بلاءهم ** غداة رموا عمراً بقاصمة الظهر

وقال حسان أيضاً:
لعمر أبيك الخير بالحقّ ما نبا ** عليّ لساني في الخطوب ولا يدي

لساني وسيفي صارمان كلاهما ** ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي

فلا الجهد ينسيني حياتي وحفظتي ** ولا وقعات الدهر يفللن مبردي

أكثّر أهلي من عيالٍ ساهم ** وأطوي على الماء القراح المبرّد

ومنها:
وإنّي لمنجاء المطيّ على الوجى ** وإنّي لنزّال لما لم أعوّد

وإنّي لقوّالٌ لذي اللّوث مرحباً ** وأهلا إذا ما ريع من كلّ مرصد

وإنّي ليدعوني الندى فأجيبه ** وأضرب بيض العارض المتوقّد

فلا تعجلن يا قيس واربع فإنّما ** قصاراك أن تلقى بكلّ مهنّد

حسام وأرماح بأيدي أعزّةٍ ** متى ترهم يا ابن الخطيم تلبّد

أسود لدى الأشبال يحمي عرينها ** مداعيس بالخّطّي في كلّ مشهد

وهي أبيات كثيرة. فأجابه قيس بن الخطيم:
تروح عن الحسناء أم أنت مغتدي ** وكيف انطلاق عاشقٍ لم يزوّد

تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي ** شريدٍ بملتفٍ من السّدر مفرد

وجيدٍ كجيد الرّيم حالٍ يزينه ** على النّحر ياقوتٌ وفصّ زبرجد

كأنّ الثريّا فوق ثغرة نحرها ** توقّد في الظّلماء أيّ توقّد

ألا إنّ بين الشّرعبيّ وراتج ** ضراباً كتجذيم السيّال المصعّد

لنا حائطان الموت أسفل منهما ** وجمع متى تصرخ بيثرب يصعد

ترى اللابة السوداء يحمرّ لونها ** ويسهل منها كلّ ربع وفدفد

فإنّي لأغنى الناس عن متكلّفٍ ** يرى الناس ضلالاً وليس بمهتد

لساء عمراً ثوراً شقيّاً موعّظاً ** ألدّ كأنّ رأسه رأس أصيد

كثير المنى بالزاد لا صبر عنده ** إذا جاع يوماً يشتكيه ضحى الغد

وذي شيمةٍ عسراء خالف شيمتي ** فقلت له دعني ونفسك أرشد

فما المال والأخلاق إلاّ معارة ** فما اسطعت من معروفها فتزوّد

متى ما تقد بالباطل الحقّ يأبه ** فإن قدت بالحقّ الرواسي تنقد

إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ** ضللت وإن تدخل من الباب تهتد

وهي طويلة. وقال عبيد بن ناقد:
لمن الديار كأنّهنّ المذهب ** بليت وغيّرها الدهور تقلّب

يقول فيها في ذكر الوقعة:
لكن فرا أبي الحباب بنفسه ** يوم السّرارة سيئ منه الأقرب

ولّى وألقى يوم ذلك درعه ** إذ قيل جاء الموت خلفك يطلب

نجّاك منّا بعدما قد أشرعت ** فيك الرماح، هناك شدّ المذهب

هي طويلة أيضاً. وأبو الحباب هو عبد الله بن سلول.