فصل: ذكر عزل ابن زياد عن البصرة وعوده إليها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ **


 ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان بن عفان

في هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وعزل ابن زياد‏.‏

وسبب ذلك أنه سأل معاوية أن يستعمله على خراسان فقال‏:‏ إن بها عبيد الله بن زياد‏.‏

فقال‏:‏ والله لقد اصطنعك أبي حتى بلغت باصطناعة المدى الذي لا تجارى إليه ولا تسامى فما شكرت بلاءه ولا جازيته وقدمت هذا - يعني يزيد - وبايعت له والله لأنا خير منه أبًا وأمًا ونفسًا‏!‏ فقال معاوية‏:‏ أما بلاء أبيك فقد يحق عليك الجزاء به وقد كان من شكري لذلك أني قد طلبت بدمه وأما فضل أبيك على أبيه فهو والله خير مني وأما فضل أمك على أمه فلعمري امرأة من قريش خير من امرأة من كلب وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت رجالًا مثلك‏.‏

فقال له يزيد‏:‏ يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره قد عتب عليك فأعتبه‏.‏

فولاه حرب خراسان وولى إسحاق بن طلحة خراجها وكان إسحاق ابن خالة معاوية أمه أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فلما صار بالري مات إسحاق فولي سعيد حربها وخراجها فلما قدم خراسان قطع النهر إلى سمرقند فخرج إليه الصغد فتواقفوا يومًا إلى الليل ولم يقتتلوا فقال مالك بن الريب‏:‏ ما زلت يوم الصغد ترعد واقفًا من الجبن حتى خفت أن تنتصرا فلما كان من الغد اقتتلوا فهزمهم سعيد وحصرهم في مدينتهم فصالحوه وأعطوه رهنًا منهم خمسين غلامًا من أبناء عظمائهم فسار إلى ترمذ ففتحها صلحًا ولم يف لأهل سمرقند وجاء بالغلمان معه إلى المدينة‏.‏

وكان ممن قتل معه قثم بن عباس بن عبد المطلب‏.‏

وفي هذه السنة ماتت جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين

فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم‏.‏

وفيها عزل مروان بن الحكم عن المدينة واستعمل عليها الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان وقيل‏:‏ لم يعزل مروان هذه السنة‏.‏

وحج بالناس الوليد بن عتبة‏.‏

وكان العامل على الكوفة الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى خراسان سعيد بن عثمان‏.‏

وفي هذه السنة مات عبد الله بن عامر وقيل‏:‏ سنة تسع وخمسين‏.‏

وعبد الله بن قدامة السعدي وله صحبة وقيل‏:‏ هو عبد الله بن عمرو بن وقدان السعدي وإنما قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعدي بن بكر وهو من بني عامر بن لؤي‏.‏

وعثمان بن شيبة بن أبي طلحة العبدري وهو جد بني شيبة سدنة الكعبة ومفتاحها معهم إلى الآن وأسلم يوم الفتح وقيل يوم حنين وجبير بن مطعم بن نوفل القرشي له صحبة‏.‏

وأم سلمة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل‏:‏ بقيت إلى قتل الحسين‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين

في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد الجهني في البحر وقيل‏:‏ جنادة بن أبي أمية‏.‏

 ذكر عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال ابن أم الحكم

وفي هذه السنة عزل معاوي الضحاك بن قيس عن الكوفة واستعمل عبد الرحمن بن عبد الله وفي عمله هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم وحثاهم على الجهاد فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا إلى بانقيا فسار إليهم الجيش من الكوفة فقتلوهم جميعًا‏.‏

ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر فقال له‏:‏ ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة‏!‏ فرجع إلى معاوية‏.‏

ثم إن معاوية بن حديج وفد إلى معاوية وكان إذا قدم إلى معاوية زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيمًا لشأنه فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم فقالت‏:‏ من هذا يا أمير المؤمنين قال‏:‏ بخ بخ‏!‏ هذا معاوية بن حديج‏.‏

قالت‏:‏ لا مرحبًا تسمع بالمعيدي خير من أن تراه‏!‏ فسمعها معاوية بن حديج فقال‏:‏ على رسلك يا أم الحكم والله لقد تزوجت فما أكرمت وولدت فما أنجبت أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة وما كان الله ليريه ذلك ولو فعل ذلك لضربناه ضربًا يطأطىء منه ولو كره هذا القاعد يعني خاله معاوية‏.‏

فالتفت إليها معاوية وقال‏:‏ كفي فكفت‏.‏

كان قوم من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه جدار فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان فأخذهم ابن زياد فحبسهم ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضًا ويخلي سبيل القاتلين ففعلوا فأطلقهم وكان ممن قتل طواف فعذلهم أصحابهم وقالوا‏:‏ قتلتم إخوانكم‏!‏ قالوا‏:‏ أكرهنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان‏.‏

وندم طوافٌ وأصحابه فقال طواف‏:‏ أما من توبة فكانوا يبكون وعرضوا على أولياء من قتلوا الدية فأبوا وعرضوا عليهم القود فأبوا ولقي طوافٌ الهثهاث بن ثور السدوسي فقال له‏:‏ أما ترى لنا من توبة فقال‏:‏ ما أجد لك إلا آية في كتاب الله عز وجل قوله‏:‏ ‏{‏ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 110‏]‏‏.‏

فدعا طواف أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد فبايعوه في سنة ثمان وخمسين وكانوا سبعين رجلًا من بني عبد القيس بالبصرة فسعى بهم رجلٌ من أصحابهم إلى ابن زياد فبلغ ذلك طوافًا فعجل الخروج فخرجوا من ليلتهم فقتلوا رجلًا ومضوا إلى الجلحاء فندب ابن زياد الشرط البخارية فقاتلوهم فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة واتبعوهم وذلك يوم عيد الفطر وكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا وبقي طواف في ستة نفر وعطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وصلبوه ثم دفنه أهله فقال شاعر منهم‏:‏

حتى أبيع التي تفنى بآخرةٍ تبقى على دين مرداسٍ وطواف وكهمس وأبي الشعثاء إذ نفروا إلى الإله ذوي اخباب زحاف ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعةً كثيرة منهم‏:‏ عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية وأدية أمهما وأبوهما حدير وهو تميمي‏.‏

وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة فأقبل على ابن زياد يعظه وكان مما قال له‏:‏ ‏{‏أتبنون بكل ريعٍ آيةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 128‏:‏ 130‏]‏‏.‏

فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة فقام وركب وترك رهانه‏.‏

فقيل لعروة‏:‏ ليقتلنك‏!‏ فاختفى فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة فأخذ وقدم به على ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتله وقتل ابنته‏.‏

وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدًا مجتهدًا عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم وشهد النهروان مع الخوارج وكانت الخوارج كلها تتولاه ورأى على ابن عامر قباء أنكره فقال‏:‏ هذا لباس الفساق‏!‏ فقال أبو بكرة‏:‏ لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله‏.‏

وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول‏:‏ لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا‏.‏

وكانت البثجاء امرأة من بني يربوع تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته وكانت من المجتهدات فذكرها ابن زياد فقال لها أبو بلال‏:‏ إن التقية لابأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك‏.‏

قالت‏:‏ أخشى أن يلقى أحدٌ بسبي مكروهًا‏.‏فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها فمر بها أبو بلال في السوق فعض على لحيته وقال‏:‏ أهذه أطيب نفسًا بالموت منك يا مرداس ما ميتةٌ أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء‏!‏ ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق فتلا‏:‏ ‏{‏سرابيلهم من قطرانٍ وتغشى وجوههم النار‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏‏.‏

ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوراج فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم وحبس أبا بلال قبل أن يقتل أخاه عروة فرأى السجان عبادته فأذن له كل ليلة في إتيان أهله فكان يأتيهم ليلًا ويعود مع الصبح وكان صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر وبات السجان بليلة سوء خوفًا أن يعلم مرداس فلا يرجع فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتى فقال له السجان‏:‏ أما بلغك ما عزم عليك الأمير قال‏:‏ بلى‏.‏

قال‏:‏ ثم جئت قال‏:‏ نعم لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب‏.‏

وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج فلما أحضر مرداس قام السجان وكان ظئرًا لعبيد الله فشفع فيه وقص عليه قصته فوهبه له وخلى سبيله‏.‏

ثم أنه خاف ابن زياد فخرج في أربعين رجلًا إلى الأهواز فكان إذا اجتاز به مالٌ لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي فلما سمع ابن زياد برهم بعث إليهم جيشًا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين وقيل‏:‏ أبو حصين التميمي وكان الجيش ألفي رجل فلما وصلوا إلى أبي بلال ناشدهم الله أن يقاتلوه فلم يفعلوا ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة فقالوا‏:‏ أتردوننا إلى ابن زياد الفاسق فرمى أصحاب أسلم رجلًا من أصحاب أبي بلال فقتلوه فقال أبو بلال‏:‏ قد بدؤوكم بالقتال‏.‏

فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم فقدموا البصرة فلام ابن زياد أسلم وقال‏:‏ هزمك أربعون وأنت في ألفين لا خير فيك‏!‏ فقال‏:‏ لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميتٌ‏.‏

فكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به‏:‏ أما أبو بلال وراءك‏!‏ فشكا ذلك إلى ابن زياد فنهاهم فانتهوا‏.‏

وقال رجل من الخوارج‏:‏ أألفا مؤمنٍ منكم زعمتم ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا

وحج بالناس الوليد بن عتبة‏.‏

في هذه السنة مات عقبة بن عامر الجهني وله صحبة وشهد صفين مع معاوية‏.‏

وفيها توفيت عائشة رضي الله عنها وسمرة بن جندب له صحبة‏.‏

ومالك بن عبادة الغافقي وله صحبة‏.‏

وعميرة بن يثربي قاضي البصرة واستقضي مكانه هشام بن هبيرة‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وخمسين

في هذه السنة كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم البر وغزا في البحر جندة بن أبي أمية وقيل‏:‏ لم يكن في البحر غزوة هذه السنة‏.‏

وفي هذه السنة عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري وقد تقدم سبب عزله وقيل‏:‏ كان عزله سنة ثمان وخمسين‏.‏

 ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان

وفيها استعمل معاوية عبد الرحمن بن زياد على خراسان وقدم بين يديه قيس بن الهيثم السلمي وأخذ أسلم بن زرعة فحبسه وأخذ منه ثلاثمائة ألف درهم ثم قدم عبد الرحمن وكان كريمًا حريصًا ضعيفًا لم يغز غزوةً واحدة وبقي بخراسان إلى أن قتل الحسين فقدم على يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم فقال‏:‏ إن شئت حاسبناك وأخذنا ما معك ورددناك إلى عملك وإن شئت أعطيناك ما معك وعزلناك وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم‏.‏

قال‏:‏ بل تعطيني ما معي وتعزلني‏.‏

ففعل فأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف وقال‏:‏ هذه خمسمائة ألف من يزيد وخمسمائة ألف مني‏.‏

 ذكر عزل ابن زياد عن البصرة وعوده إليها

في هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها‏.‏

وسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية في وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف وكان سيء المنزلة من عبيد الله فلما دخلوا رحب معاوية بالأحنف وأجلسه معه على سريره فأحس القوم الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت فقال له معاوية‏:‏ ما لك يا أبا بحر لا تتكلم فقال‏:‏ إن تكلمت خالفت القوم‏.‏

فقال معاوية‏:‏ انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليًا ترضونه فلم يبق أحد إلا أتى رجلًا من بني أمية أو من أهل الشام والأحنف لم يبرح من منزله فلم يأت أحدًا فلبثوا أيامًا ثم جمعهم معاوية وقال لهم‏:‏ من اخترتم فاختلفت كلمتهم والأحنف ساكت فقال‏:‏ ما لك لا تتكلم فقال‏:‏ إن وليت علينا أحدًا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدًا وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك‏.‏

فرده معاوية عليهم وأوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته فما هاجت الفتنة لم يف له غير الأحنف‏.‏

 ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد وما كان منه

كان يزيد بن مفرغ الحميري مع عباد بن زياد بسجستان فاشتغل عنه بحرب الترك فاستبطأه ابن مفرغ وأصاب الجند الذين مع عباد ضيقٌ في علوفات دوابهم فقال ابن مفرغ‏:‏ ألا ليت اللحى كانت حشيشًا فنعلفها دواب المسلمينا وكان عباد بن زياد عظيم اللحية فقيل‏:‏ ما أراد غيرك‏.‏

فطلب فهرب منه وهجاه بقصائد وكان مما هجاه به قوله‏:‏ إذا أودى معاوية بن حربٍ فبشر شعب رحلك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمرًا فيه لبسٌ على وجلٍ شديدٍ وارتياع وقال أيضًا‏:‏ ألا أبلغ معاوية بن حربٍ مغلغلةً من الرجل اليماني

فأشهد أن رحمك من زيادٍ كرحم الفيل من ولد الأتان وقدم يزيد بن مفرغ البصرة وعبيد الله بن زياد بالشام عند معاوية فكتب إليه أخوه عباد بما كان منه فأعلم عبيد الله معاوية به وأنشده الشعر واستأذنه في قتل ابن مفرغ فلم يأذن له وأمره بتأديبه‏.‏

ولما قدم ابن مفرغ البصرة استجا بالأحنف وغيره من الرؤساء فلم يجره أحد فاستجار بالمنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره وكانت ابنته عند عبيد الله بن زياد فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ وأتى المنذر عبيد الله مسلمًا فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ وأتوه به والمنذر عنده فقال له المنذر‏:‏ أيها الأمير إي قد أجرته‏!‏ فقال‏:‏ يا منذر يمدحك وأباك ويهجوني وأبي وتجبره علي‏!‏ ثم أمر به فسقي دواء ثم حمل على حمار وطيف به وهو يسلح في ثيابه فقال يهجو المنذر‏:‏ تركت قريشًا أن أجاور فيهم وجاورت عبد القيس أهل المشقر أناسٌ أجارونا فكان جوارهم أعاصير من فسو العراق المبذر فأصبح جاري من جذيمة نائمًا ولا يمنع الجيران غير المشمر فقال لعبيد الله‏:‏

ثم سيره عبد الله إلى أخيه عباد بسجستان فكلمت اليمانية بالشام معاوية فيه فأرسل إلى عباد فأخذه من عنده فقدم على معاوية وقال في طريقه‏:‏ عدس ما لعبادٍ عليك إمارةٌ أمنت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة الردى إمامٌ وحبلٌ للإمام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمةٍ ومثلي بشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى وقال‏:‏ ركب مني ما لم يرتكب من مسلم مثله على غير حدث قال‏:‏ أولست القائل‏:‏ ألا أبلغ معاوية بن حربٍ القصيدة فقال‏:‏ لا والله الذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا وإنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد‏.‏

قال‏:‏ ألست القائل‏:‏ فأشهد أن أمك لم تباشر أبا سفيان واضعة القناع في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد اذهب فقد عفونا عنك فانزل أي أرض الله شئت‏.‏

فنزل الموصل وتزوج بها‏.‏

فلما كان ليلة بنائه بامرأته خرج حين أصبح إلى الصيد فلقي إنسانًا على حمار‏.‏فقال‏:‏ من أين أقبلت فقال‏:‏ من الأهواز‏.‏

قال‏:‏ فما فعل ماء مسرقان قال‏:‏ على وغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم فكلم فيه فقال‏:‏ لا أرضى عنه حتى يرضى عنه ابن زياد‏.‏

فقدم البصرة على عبيد الله وقال له‏:‏ لأنت زيادةٌ في آل حربٍ أحب إلي من إحدى بناتي أراك أخًا وعمًا وابن عمٍ فلا أدري بغيبٍ ما تراني فقال‏:‏ أراك شاعر سوء‏!‏ ورضي عنه‏.‏

 ذكر عدة حوادث

حج بالناس هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان‏.‏وكان الوالي على الكوفة النعمان بن بشير وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى المدينة الوليد بن عتبة وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد على سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك بن الأعور‏.‏

وفيها مات قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بالمدينة وقيل‏:‏ سنة ستين وكان قد شهد مع علي مشاهده كلها‏.‏

وفيها مات سعيد بن العاص وولد عام الهجرة وقتل أبوه يوم بدر كافرًا‏.‏

وفيها مات مرة بن كعب البهري السلمي وله صحبة‏.‏

وفيها مات أبو محذورة الجمحي مؤذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة ولم يزل يؤذن بها حتى مات وولده من بعده وقيل‏:‏ مات سنة تسع وستين‏.‏

وفيها مات عبد الله بن عامر بن كريز بمكة فدفن بعرفات‏.‏

وفيها مات أبو هريرة فحمل جنازته ولد عثمان بن عفان لهواه كان في عثمان‏.‏

وفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن الحباب السلمي فصعد عمير السور ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم فصعد المسلمون ففتحه بعمير وبذلك كان يفتخر ويفخر له بذلك‏.‏

 ثم دخلت سنة ستين

في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة رودس وهدمه مدينتها في قول بعضهم وفيها توفي معاوية بن أبي سفيان وكان قد أخذ على وفد أهل البصرة البيعة ليزيد‏.‏

 ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان

خطب معاوية قبل مرضه وقال‏:‏ إني كزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه كما أن من قبلي

كان خيرًا مني وقد قيل‏:‏ من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه‏!‏ فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه فلما مرض المرض الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال‏:‏ يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك وأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملًا فافعل فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش‏:‏ الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة فإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحمًا ماسة وحقًا عظيمًا وقرابة من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئًا صنع مثله ليس له همة إلا في النساء

واللهو وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصةٌ وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إربًا إربًا واحقن دماء قومك ما استطعت‏.‏

هكذا في الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وليس بصحيح فإن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية‏.‏

وقيل‏:‏ إن يزيد كان غائبًا في مرض أبيه وموته وإن معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري فأمرهما أن يؤديا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه وهو الصحيح‏.‏

ثم مات بدمشق لهلال رجب وقيل للنصف منه وقيل لثمان بقين منه وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يومًا مذ اجتمع له الأمر وبايع له الحسن بن علي وقيل كان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وقيل وثلاثة أشهر إلا أيامًا وكان عمره خمسًا وسبعين سنة وقيل ثلاثًا وسبعين سنة‏.‏

وقيل توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقيل خمس وثمانين‏.‏

وقيل‏:‏ ولما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله‏:‏ احشوا عيني إثمدًا وادهنوا رأسي‏.‏

ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وأذن للناس فسلموا قيامًا ولم يجلس أحد فلما خرجوا عنه قالوا‏:‏ هو أصح الناس‏.‏

فقال معاوية عند خروجهم من عنده‏:‏ وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع

وكان به التفاتات فمات من يومه فلما حضرته الوفاة قال‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كساني قميصًا فحفظته وقلم أظفاره يومًا فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني وفمي فعسى الله أن يرحمني ببركتها ثم تمثل بشعر الأشهب بن زميلة النهشلي‏:‏ إذا مت مات الجود وانقطع الندى من الناس إلا من قليلٍ مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا من الدين والدنيا بخلفٍ مجدد فقالت إحدى بناته‏:‏ كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك‏.‏فقال متمثلًا بشعر الهذلي‏:‏ وإذا المنية البيت‏.‏

وقال لأهله‏:‏ اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله‏.‏

ثم قضى وأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال كأنه أراد أن يطيب له الباقي لأن عمر قاسم عماله وأنشد لما حضرته الوفاة‏:‏ إن تناقش يكن نقاشك يا ر ب عذابًا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب صفوحٌ عن مسيءٍ ذنوبه كالتراب ولما اشتد مرضه أخذت ابنته رملة رأسه في حجرها وجعلت تفليه فقال‏:‏ إنك لتفلينه حولًا قلبًا جمع المال من شب إلى دب فليته لا يدخل النار‏!‏ ثم تمثل‏:‏ وبلغه أن قومًا يفرحون بموته فأنشد‏:‏ فهل من خالدٍ إن ما هلكنا وهل بالموت يا للناس عارٌ وكان في مرضه ربما اختلط في بعض الأوقات فقال مرة‏:‏ كم بيننا وبين الغوطة فصاحت بنته‏:‏ واحزناه‏!‏ فأفاق فقال‏:‏ إن تنفي فقد رأيت منفرًا‏.‏

فلما مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه فحمد الله وأثن عليه ثم قال‏:‏ إن معاوية كان عود العرب وحد العرب وجد العرب قطع الله به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد إلا أنه قد مات وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو الهرج إلى يوم القيامة فمن كان يريد أن يهده فعنده الأولى‏.‏

وصلى عليه الضحاك‏.‏

وقيل‏:‏ لما اشتد مرضه أي مرض معاوية كان ولده يزيد بحوارين فكتبوا إليه يحثونه على المجيء ليدركه فقال يزيد شعرًا‏:‏ جاء البريد بقرطاسٍ يخب به فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا‏:‏ لك الويل ماذا في كتابكم قال‏:‏ الخليفة أمسى مثبتًا وجعا ثم انبعثنا إلى خوضٍ مزممةٍ نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا من لم تزل نفسه توفي على شرفٍ توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب الدار منصفقٌ وصوت رملة ريع القلب فانصدعا ثم ارعوى القلب شيئًا بعد طيرته والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا أودى ابن هندٍ وأودى المجد يتبعه كانا جميعًا فماتا قاطنين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا فأقبل يزيد وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه‏.‏

 ذكر نسبه وكنيته وأزواجه وأولاده

أما نسبه فهو‏:‏ معاوية بن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب وكنيته أبو عبد الرحمن‏.‏وأما نساؤه وولده فمنهن‏:‏ ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية أم يزيد ابنه وقيل ولدت بنتًا اسمها أمة رب المشارق فماتت صغيرة ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف فولدت له عبد الرحمن وعبد الله ابني معاوية وكان عبد الله أحمق اجتاز يوم بطحان وبغله يطحن وفي عنقه جلاجل فسأل عن الجلاجل فقال‏:‏ جعلتها في عنقه لأعلم أن قد قام فلم تدر الرحا‏.‏

فقال‏:‏ أرأيت إن قام وحرك رأسه كيف تعلم فقال الطحان‏:‏ إن بغلي ليس له عقل مثل عقل الأمير‏.‏

وأما عبد الرحمن فمات صغيرًا‏.‏

ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلابية تزوجها وقال لميسون‏:‏ انظري إليها فنظرت إليها وقالت‏:‏ رأيتها جميلة ولكني رأيت تحت سرتها خالًا ليوضعن رأس زوجها في حجرها‏!‏ فطلقها معاوية وتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير وقتل فوضع رأسه في حجرها‏.‏

ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة وغزا قبرس وهي معه فماتت هناك‏.‏

 ذكر بعض سيرته وأخباره وقضاته وكتابه

لما بويع معاوية بالخلافة استعمل على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زمل بن عمرو العذري وقيل السكسكي وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومي وعلى حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل أبو المخارق مالك مولى حمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان على حجابه سعد مولاه وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري فمات فاستقضى أبا إدريس الخولاني‏.‏

وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم وكن سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلى زياد ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية وطلبها من عمرو وحبسه فقضاها عنه أخوه عبد الله بن الزبير فأحدث عند ذلك معاوية ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم‏.‏

قال عمر بن الخطاب‏:‏ يذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية‏!‏ قيل‏:‏ وقدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية ومعه من أهل مصر فقال لهم عمرو‏:‏ لا تسلموا على معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروا ما استطعتم‏.‏

فلما قدموا قال معاوية لحجابه‏:‏ كأني بابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم أشد ما يحضركم‏.‏

فكان أول من دخل عليه رجلٌ منهم يقال له ابن الخياط فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله‏!‏ وتتابع القوم على ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو‏:‏ لعنكم الله‏!‏ نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة‏!‏ قيل‏:‏ ودخل عبيد الله بن أبي بكرة على معاوية ومعه ولد له فأكثر من الأكل فلحظه معاوية وفطن عبيد الله وأراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من الأكل ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه فقال معاوية‏:‏ ما فعل ابنك التقامة قال‏:‏ اشتكى‏.‏

قال‏:‏ قد علمت أن أكله سيورثه داء‏.‏

قال جويرية بن أسماء‏:‏ قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود فقال‏:‏ السلام عليك يا أمين الله‏!‏ قال‏:‏ وعليك السلام‏.‏

فلما خرج قال معاوية‏:‏ قدم الشيخ لأوليه والله لا أوليه‏!‏ وقال عمرو بن العاص لمعاوية‏:‏ ألست أنصح الناس لك قال‏:‏ بذلك نلت ما نلت‏.‏

قال جويرية بن أسماء أيضًا‏:‏ كان بسر بن أبي أرطاة عند معاوية فنال من علي وزيد بن عمر بن الخطاب حاضرٌ وأمه أم كلثوم بنت علي فعلاه بالعصا وشجه فقال معاوية لزيد‏:‏ عمدت إلى شيخ قريش وسيد أهل الشام فضربته‏!‏ وأقبل على بسر فقال‏:‏ تشتم عليًا وهو جده وابن الفاروق على رؤوس الناس‏!‏ أترى أن يصبر على ذلك فأرضاهما جميعًا‏.‏

وقال معاوية‏:‏ إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي وجهلٌ أكبر من حلمي وعورة لا أواريها بستري وإساءة أكثر من إحساني‏.‏

وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم‏:‏ يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريمًا وتستثير لئيمًا والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك‏.‏

قال عبد الله بن صالح‏:‏ قيل لمعاوية‏:‏ أي الناس أحب إليك قال‏:‏ أشدهم لي تحبيبًا إلى الناس‏.‏

وقال معاوية‏:‏ العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطي شكر

قال عبد الله بن عمير‏:‏ أغلظ لمعاوية رجلٌ فأكثر فقيل له‏:‏ أتحلم عن هذا فقال‏:‏ إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم مالم يحولوا بيننا وبين ملكنا‏.‏

وقال محمد بن عامر‏:‏ لأم معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء فدخل عبد الله على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلًا على رجل فقال عبد الله لبديح‏:‏ إيهًا يا بديح‏!‏ فتغنى فحرك معاوية رجله فقال عبد الله‏:‏ مه يا أمير المؤمنين‏!‏ فقال معاوية‏:‏ إن الكريم طروبٌ‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ ما رأيت أخلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب ولم يكن كالضيق الحصحص الحصر يعني ابن الزبير وكان مغضبًا‏.‏

وقال صفوان بن عمرو‏:‏ وقف عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحم فقال رجل‏:‏ قبر من هذا فقال‏:‏ قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية‏.‏

ومعاوية أول خليفة بايع لولده في الإسلام وأول من وضع البريد وأول من سمى الغالية التي تطيب من الطيب غالية وأول من عمل المقصورة في المساجد وأول من خطب جالسًا في قول بعضهم‏.‏

قيل‏:‏ وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه على ما سبق من الخلاف فيه فلما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى الكوفة النعمان بن بشير ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية وكتابًا آخر صغيرًا فيه‏:‏ أما بعد فخذ حسينًا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذًا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام‏.‏

فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه‏.‏

وكان مروان عاملًا على المدينة من قبل الوليد فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارهًا فلما رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارمًا له حتى جاء نعي معاوية فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر استدعى مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد كيف يصنع‏.‏

قال‏:‏ أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوًا‏.‏

فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلامٌ حدثٌ إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال‏:‏ أجيبا الأمير‏.‏

فقالا‏:‏ انصرف الآن نأتيه‏.‏

وقال ابن الزبير للحسين‏:‏ ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها فقال الحسين‏:‏ أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر‏.‏فقال‏:‏ وأنا ما أظن غيره فما تريد أن تصنع قال الحسين‏:‏ أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه‏.‏

قال‏:‏ فإني أخافه عليك إذا دخلت‏.‏

قال‏:‏ لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع‏.‏

فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه‏:‏ إني داخلٌ فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم‏.‏

ثم دخل فسلم ومروان عنده فقال الحسين‏:‏ الصلة خير من القطيعة والصلح خير من الفساد وقد آن لكما أن تجتمعا أصلح الله ذات بينكما وجلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فاسترجع الحسين وترحم على معاوية وقال‏:‏ أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سرًا ولا يجترأ بها مني سرًا فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحدًا‏.‏

فقال له الويد وكان يحب العافية‏:‏ انصرف‏.‏

فقال له مروان‏:‏ لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه‏.‏

فوثب عند ذلك الحسين وقال‏:‏ ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو كذبت والله ولؤمت‏!‏ ثم خرج حتى أتى منزله‏.‏

فقال مروان للوليد‏:‏ عصيتني لا والله لا يمنكم من نفسه بمثلها أبدًا‏.‏

فقال الوليد‏:‏ ونج عيرك يا مروان والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينًا إن قال لا أبايع والله إني لأظن أن أمرًا يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة‏.‏

قال مروان‏:‏ قد أصبت‏.‏

يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه‏.‏

وأما ابن الزبير فقال‏:‏ الآن آتيكم‏.‏

ثم أتى داره فكمن فيها ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز فألح عليه الوليد وهو يقول‏:‏ أمهلوني‏.‏

فبعث إليه الوليد مواليه فشتموه وقالوا له‏:‏ يا ابن الكاهلية لتأتين الأمي أو ليقتلنك‏!‏ فقال لهم‏:‏ والله لقد استربت لكثرة الإرسال فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه‏.‏فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال‏:‏ رحمك الله كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته وهو يأتيك غدًا إن شاء الله تعالى فمر رسلك فلينصرفوا عنه‏.‏

فبعث إليهم فانصرفوا‏.‏

وخرج ابن الزبير من ليلته فأخذ طريق الفرغ هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وسارا نحو مكة فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم ثم أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم‏:‏ أصبحوا ثم ترون ونرى‏.‏

وكانوا يبقون عليه فكفوا عنه‏.‏

فسار من ليته وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له‏:‏ يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم إلي وأعزهم علي ولست أذخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت وابعث رسلك إلى الناس وادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تأتي مصرًا وجماعة من الناس فيختلفوا عليك فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا‏.‏

قال الحسين‏:‏ فأين أذهب يا أخي قال‏:‏ انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك وإن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ويفرق لك الرأي فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملًا حين تستقبل الأمور استقبالًا ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستبدرها‏.‏

قال‏:‏ يا أخي قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدًا وموفقًا إن شاء الله‏.‏

ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن لا ذعرت السوام في شفق الصب ح مغيرًا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المهانة ضيمًا والمنايا يرصدنني أن أحيدا ولما سار الحسين نحو مكة قرأ‏:‏ ‏{‏فخرج منها خائفًا يترقب‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 21‏]‏‏.‏ الآية‏.‏

ثم إن الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال‏:‏ إذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفونه‏.‏وقيل‏:‏ إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلى المدينة فلقيهما الحسين وابن الزبير فسألاهما‏:‏ ما وراءكما فقالا‏:‏ موت معاوية وبيعة يزيد‏.‏

فقال ابن عمر‏:‏ لا تفرقا جماعة المسلمين‏.‏

وقدم هو وابن عباس المدينة‏.‏

فلما بايع الناس بايعا‏.‏

قال‏:‏ ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخلها قال‏:‏ أنا عائذ بالبيت‏.‏

ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم وكان يقف هو وأصحابه ناحيةً‏.‏

 ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد

في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة عزله يزيد واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق فقدمها في رمضان فدخل عليه أهل المدينة وكان عظيم الكبر واستعمل على شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله من البغضاء فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربًا شديدًا لهواهم في أخيه عبد الله منهم‏:‏ أخوه المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين‏.‏

فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه‏.‏

فقال‏:‏ لا توجه إليه رجلًا أنكأ له مني‏.‏

فجهز معه الناس وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له‏:‏ لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر وله ستون سنة وهو لجوجٌ‏.‏

فقال عمرو بن الزبير‏:‏ والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم‏.‏

وأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له‏:‏ لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏إنما أذن لي بالقتال فيها ساعةً من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس‏)‏‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ‏.‏

فسار أنيس في مقدمته‏.‏

وقيل‏:‏ إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ففعل فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل فنزل أنيس بذي طوىً ونزل عمرو بالأبطح فأرسل عمرو

إلى أخيه‏:‏ بر يمين يزيد وكان حلف أن لا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة ويقال‏:‏ حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى ولا يضرب الناس بعضهم بعضًا فإنك في بلد حرام‏.‏

فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه فهزمه ابن صفوان بذي طوىً وأجهز على جريحهم وقتل أنيس بن عمرو وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير فتفرق عن عمرو أصحابه فدخل دار ابن علقمة فأتاه أخوه عبيدة فأجاره ثم أتى عبد الله فقال له‏:‏ إني قد أجرت عمرًا‏.‏

فقال‏:‏ أتجبر من حقوق الناس‏!‏ هذا ما لا يصلح وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله‏.‏

ثم أقاد عمرًا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا ومات تحت السياط‏.‏

 ذكر مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ليسير إليهم وقتل مسلم بن عقيل

لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له‏:‏ جعلت فداك‏!‏ أين تريد قال‏:‏ أما الآن فمكة وأما بعد فإني أستخير الله‏.‏

قال‏:‏ خار الله لك وجعلنا فداك‏!‏ فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدًا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي‏!‏ فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك‏.‏

فأقبل حتى نزل مكة وأهلها مختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين باقيًا بالبلد‏.‏

ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا مسير الحسين إلى مكة وكتبوا إليه عن نفر منهم‏:‏ سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وغيرهم‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم سلامٌ عليك فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضىً منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعدت له كما بعدت ثمود وأنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏

وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن والٍ ثم كتبوا إليه كتابًا آخر وسيروه بعد ليلتين فكتب الناس معه نحوًا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولًا ثالثًا يحثونه على المسير إليهم ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد ابن عمير التميمي بذلك‏.‏

فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده‏:‏ أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملإكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء الله فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام‏.‏

واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعد وكانت تتشيع وكان منزلها لهم مألفًا يتحدثون فيه‏.‏

فعزم يزيد ابن بنيط على الخروج إلى الحسين وهو من بعد القيس وكان له بنون عشرة فقال‏:‏ أيكم يخرج معي فخرج معه ابنان له‏:‏ ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك‏.‏

فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وعطشوا فمات الدليلان من العطش وقالا لمسلم‏:‏ هذا الطريق إلى الماء‏.‏

فكتب مسلم إلى الحسين‏:‏ إني اقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلا الطريق واشتد عليهما العطش فماتا واقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيث وقد تطيرت فإن رأتي أعفيتني وبعثت غيري‏.‏

فكتب إليه الحسين‏:‏ أما بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي إلا الجبن فامض لوجهك والسلام‏.‏

فسار مسلم حتى أتى الكوفة ونزل في دار المختار وقيل غيرها وأقبلت الشيعة تختلف إليه فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة واختلفت إليه الشيعة حتى علم بمكانه وبلغ ذلك النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة فصعد المنبر فقال‏:‏ أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال‏.‏

وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية ثم قال‏:‏ إني لا أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب علي ولا أنبه نائمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي ولو لم يكن لي منكم ناصر ولا معين أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل‏.‏

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال‏:‏ إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين‏.‏

فقال‏:‏ أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله‏.‏

ونزل‏.‏

فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ومبايعة الناس له ويقول له‏:‏ إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلًا قويًا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف‏.‏

وكان هو أول من كتب إليهم ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك‏.‏

فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية فأقرأه الكتب واستشاره فيمن يوليه الكوفة وكان يزيد عاتبًا على عبيد الله بن زياد فقال له سرجون‏:‏ أرأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة‏.‏

فقال‏:‏ هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب‏.‏

فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وكتب إليه بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة فأمره بطلب مسلم بن عقيل وبقتله أو نفيه‏.‏

فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد‏.‏

وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخةً واحدة إلى الأشراف فكتب إلى مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمر بن عبيد الله بن معمر يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر بن الجارود فإنه خاف أن يكون دسيسًا من ابن زياد فأتاه بالرسول والكتاب فضرب عنق الرسول وخطب الناس وقال‏:‏ أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة وما يقعقع لي بالشنان وإني لنكلٌ لمن عاداني وسلمٌ لمن حاربني وأنصف القارة من راماها يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غادٍ إليها بالغداة وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد فإياكم والخلاف والإرجاف فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطىء الحصى فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم‏.‏

ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمة وأهل بيته وكان شريك شيعيًا وقيل‏:‏ كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه فكان أول من سقط شريك ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه الحسين إلى الكوفة فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين فيقولون‏:‏ مرحبًا بك يا ابن رسول الله‏!‏ وهو لا يكلمهم وخرج إليه الناس من دورهم فساءه ما رأى منهم وسمع النعمان فأغلق عليه الباب وهو لا يشك أنه الحسين وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون فقال له النعمان‏:‏ أنشدك الله ألا تنحيت عني‏!‏ فوالله ما أنا بمسلم إليك أمانتي وما لي في قتالك من حاجة‏!‏ فدنا منه عبيد الله وقال له‏:‏ افتح لا فتحت - فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس وقال لهم‏:‏ إنه ابن مرجانة‏.‏

ففتح له النعمان فدخل وأغلقوا الباب وتفرق الناس وأصبح فجلس على المنبر وقيل‏:‏ بل خطبهم من يومه فقال‏:‏ أما بعد فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذٌ فيكم عهده فأنا لمحسنكم كالوالد البر ولمطيعكم كالأخ الشقيق وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق امرء على نفسه‏.‏

ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذًا شديدًا وقال‏:‏ اكتبوا إلي الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير

المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق فمن كتبهم إلي فبرئ ومن لم يكتب لنا أحدًا فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغٍ فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألقيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة‏.‏ ثم نزل‏.‏

وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعى هانئًا فخرج إليه فلما رآه كره مكانه فقال له مسلم‏:‏ أتيتك لتجيرني وتضيفني‏.‏

فقال له هانئ ‏:‏ لقد كلفتني شططًا ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ادخل‏.‏

فآواه فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ ‏.‏

ودعا ابن زياد مولى له وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له‏:‏ اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم هذا المال وأعلمههم أنك منهم واعلم أخبارهم‏.‏

ففعل ذلك وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد فسمع الناس يقولون‏:‏ هذا يبايع للحسين وهو يصلي فلما فرغ من صلاته قال له‏:‏ يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد سمعت نفرًا يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه‏.‏

فقال‏:‏ لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر مني قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته‏.‏

فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن واختلف إليه أيامًا ليدخله على مسلم بن عقيل‏.‏

ومرض هانئ بن عروة فأتاه عبيد الله يعوده فقال له عمارة بن عبد السلولي‏:‏ إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية وقد أمكنك الله فاقتله‏.‏

فقال هانئ ‏:‏ ما أحب أن يقتل في داري‏.‏

وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور وكان قد نزل على هانئ وكان كريمًا على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء وكان شديد التشيع قد شهد صفين مع عمار فأرسل إليه عبيد الله‏:‏ إني رائحٌ إليك العشية‏.‏

فقال لمسلم‏:‏ إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس اخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فإن برأت من وجعي سرت إلى البصرة حتى أكفيك أمرها‏.‏

فلما كان من العشي أتاه عبيد الله فقام مسلم بن عقيل ليدخل فقال له شريك‏:‏ لا يفوتنك إذا جلس‏.‏

فقال هانئ بن عروة‏:‏ لا أحب أن يقتل في داري‏.‏

فجاء عبيد الله فجلس وسأل شريكًا عن مرضه فأطال

ما تنظرون بسلمى لا تحيوها اسقونيها وإن كانت بها نفسي فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا فقال عبيد الله‏:‏ ما شأنه أترونه يخلط فقال له هانئ ‏:‏ نعم ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه فانصرف‏.‏

وقيل‏:‏ إن شريكًا لما قال اسقونيها وخلط كلامه فطن به مهران فغمز عبيد الله فوثب فقال له شريك‏:‏ أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك‏.‏

فقال‏:‏ أعود إليك‏.‏

فقال له مهران‏:‏ إنه أراد قتلك‏.‏

فقال‏:‏ وكيف مع إكرامي له وفي بيت هانئ ويد أبي عنده فقال له مهران‏:‏ هو ما قلت لك‏.‏

فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل فقال له شريك‏:‏ ما منعك من قتله قال‏:‏ خصلتان أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله وأما الأخرى فحديث حدثه علي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن بمؤمن‏)‏‏.‏

فقال له هانئ ‏:‏ لو قتلته لقتلت فاسقًا فاجرًا كافرًا غادرًا‏!‏‏.‏

ولبث شريك بعد ذلك ثلاثًا ثم مات فصلى عليه عبيد الله‏.‏

فلما علم عبيد الله أن شريكًا كان حرض مسلمًا على قتله قال‏:‏ والله لا أصلي على جنازة عراقي أبدًا ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكًا‏.‏

ثم إن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة بعد موت شريك فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد‏.‏

وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث واسماء بن خارجة وقيل‏:‏ دعا معهما بعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم عن هانئ وانقطاعه فقالوا‏:‏ إنه مريض‏.‏

فقال‏:‏ بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ فالقوه فمروه أن لا يدع ما عليه في ذلك‏.‏

فأتوه فقالوا له‏:‏ إن الأمير قد سأل عنك وقال‏:‏ لو أعلم أنه شاك لعدته وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك وقد استبطأك والجفاء لا يحتمله السلطان أقسمنا عليك لو ركبت معنا‏.‏

فلبس ثيابه وركب معهم‏.‏

فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر فقال لحسان بن أسماء بن خارجة‏:‏ يا ابن أخي إني لهذا الرجل لخائفٌ فما ترى فقال‏:‏ ما أتخوف عليك شيئًا فلا تجعل على نفسك سبيلًا ولم يعلم أسماء مما كان شيئًا‏.‏

وأما محمد بن الأشعث فإنه علم به قال‏:‏ فدخل القوم على ابن زياد وهانئ معهم فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي‏:‏ أتتك بحائن رجلاه فلما دنا منه قال عبيد الله‏:‏ أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد وكان ابن زياد مكرمًا له فقال هانئ ‏:‏ وما ذاك فقال‏:‏ يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين‏!‏ جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي‏!‏ قال‏:‏ ما فعلت‏.‏

قال‏:‏ بلى‏.‏

وطال بينهما النزاع فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين فجاء حتى وقف بين يديه فقال‏:‏ أتعرف هذا قال‏:‏ نعم وعلم هانئ أنه كان عينًا عليهم فسقط في يده ساعة ثم راجعته نفسه قال‏:‏ اسمع مني وصدقني فوالله لا أكذبك والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسًا على بابي يسألني النزول علي فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته وقد كان من أمره الذي بلغك فإن شئت أعطيتك الآن موثقًا تطمئن به ورهينةً تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك‏.‏

فقال‏:‏ لا والله‏.‏

لا تفارقني أبدًا حتى تأتيني به‏.‏

قال‏:‏ لا آتيك بضيفي تقتله أبدًا‏.‏

فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال‏:‏ خلني وإياه حتى أكلمه لما رأى من لجاجه وأخذ هانئًا وخلا به ناحية من ابن زياد بحيث يراهما فقال له‏:‏ يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك‏!‏ إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان‏!‏ قال‏:‏ بلى والله إن علي في ذلك خزيًا وعارًا لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان والله لو كنت واحدًا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه‏.‏

فسمع ابن زياد ذلك فقال‏:‏ أدنوه مني‏.‏

فأدنوه منه‏.‏

فقال‏:‏ والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك‏!‏ قال‏:‏ إذن والله تكثر البارقة حول دارك‏!‏ وهو يرى أن عشيرته ستمنعه‏.‏

فقال‏:‏ أبا البارقة تخوفني‏.‏

وقيل إن هانئًا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينًا لعبيد الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال‏:‏ أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عندي وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت‏.‏

فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة فقال‏:‏ واذلاه‏!‏ هذا الحائك يؤمنك في سلطانك‏!‏ فقال‏:‏ خذه فأخذ مهران ضفيرتي هانئ وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه فقال له عبيد الله‏:‏ أحروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك‏!‏ ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق عليه‏.‏

فقام إليه أسماء بن خارجة فقال‏:‏ أرسله يا غادر‏!‏ أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله‏.‏

فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئًا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر ونادى‏:‏ أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعةً‏.‏

فقال عبيد الله لشريح القاضي وكان حاضرًا‏:‏ ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي‏.‏

ففعل شريح فلما دخل عليه قال له هانئ ‏:‏ يا للمسلمين‏!‏ أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل النصر أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم‏!‏ وسمع الضجة فقال‏:‏ يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني‏.‏

فخرج شريح ومعه عين أرسله ابن زياد قال شريح‏:‏ لولا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ ‏.‏

فلما خرج شريح إليهم قال‏:‏ قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل‏.‏

فقال عمرو وأصحابه‏:‏ فأما إذ لم يقتل فالحمد لله‏!‏ ثم انصرفوا‏.‏

وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه‏:‏ يا منصور أمت‏!‏ وكان شعارهم وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفًا وحوله في الدور أربعة آلاف فاجتمع إليه ناس كثير فعقد مسلم لعبد الله بن عزير الكندي على ربع كندة وقال‏:‏ سر أمامي وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة وأقبل نحو القصر‏.‏

فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر وأغلق الباب وأحاط مسلم بالقصر وامتلأ المسجد والسوق من الناس وما زالوا يجتمعون حتى المساء وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلًا من الشرط وعشرون رجلًا من الأشراف وأهل بيته ومواليه وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين والناس يسبون ابن زياد وأباه‏.‏

فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناسًا بهم لقلة من معه‏.‏

وخرج أولئك النفر يخذلون الناس وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية ففعلوا فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول‏:‏ انصرف الناس يكفونك ويفعل الرجل مثل ذلك فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلًا‏.‏

فلما رأى ذلك خرج متوجهًا نحو أبواب كندة فلما خرج إلى الباب لم يبق معه أحد فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالًا وكان بلال قد خرج مع الناس وهي تنتظره فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته فجلس فقالت له‏:‏ يا عبد الله ألم تشرب قال‏:‏ بلى‏.‏قالت‏:‏ فاذهب إلى أهلك فسكت فقالت له ثلاثًا فلم يبرح فقالت‏:‏ سبحان الله‏!‏ إني لا أحل لك الجلوس على بابي‏.‏

فقال لها‏:‏ ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أكافئك به بعد اليوم قالت‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغروني‏.‏

قالت‏:‏ ادخل‏.‏

فأدخلته بيتًا في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش‏.‏

وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت فقال لها‏:‏ إن لك لشأنًا في ذلك البيت‏.‏

وسألها فلم تخبره فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك فسكت‏.‏

وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات قال لأصحابه‏:‏ انظروا هل ترون منهم أحدًا فنظروا فلم يروا أحدًا فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي‏:‏ ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد‏.‏

فامتلأ المسجد فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال‏:‏ أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ومن أتانا به فله ديته‏.‏

وأمرهم بالطاعة ولزومها وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور وكان ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس فلما أصبح جلس للناس‏.‏

ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فأسر إليه بذلك فأخبر به محمدٌ ابن زياد فقال له ابن زياد‏:‏ قم فأتني به الساعة وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل‏.‏

فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أتي فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ثم عاودا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارًا وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه‏.‏

فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة فقال له محمد بن الأشعث‏:‏ لك الأمان فلا تقتل نفسك‏!‏ فأقبل يقاتلهم وهو يقول‏:‏ أقسمت لا أقتل إلا حرًا وإن رأيت الموت شيئًا نكرا أو يخلط البارد سخنًا مرًا رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرىءٍ يومًا يلاقي شرًا أخاف أن أكذب أو أغرا

فقال له محمد‏:‏ إنك لا تكذب ولا تخدع القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك‏.‏

وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار فآمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال‏:‏ لا ناقة لي في هذا ولا جمل وأتي ببغلة فحمل عليها وانتزعوا سيفه فكأنه أيس من نفسه فدمعت عيناه ثم قال‏:‏ هذا أول الغدر‏.‏

قال محمد‏:‏ أرجو أن لا يكون عليك بأس‏.‏

قال‏:‏ وما هو إلا الرجاء أين أمانكم ثم بكى‏.‏

فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي‏:‏ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك‏!‏ فقال‏:‏ ما أبكي لنفسي ولكني أبكي لأهلي المنقلبين إليكم أبكي للحسين وآل الحسين‏.‏ثم قال لمحمد بن الأشعث‏:‏ إني أراك ستعجز عن أماني فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل فقال له ابن الأشعث‏:‏ والله لأفعلن‏!‏ ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين فلقيه الرسول بزبالة فأخبره فقال‏:‏ كلما قدر نازلٌ عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا‏.‏

وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشر ألفًا ويستحثه للقدوم‏.‏

وأما مسلم فإن محمدًا قدم به القصر ودخل محمد على عبيد الله فأخبره الخبر وأمانه له فقال له عبيد الله‏:‏ ما أنت والأمان‏!‏ ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به‏!‏ فسكت محمد ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرةً فيها ماء بارد فقال‏:‏ اسقوني من هذا الماء‏.‏

فقال له مسلم بن عمرو الباهلي‏:‏ أتراها ما أبردها‏!‏ والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم‏!‏ فقال لهم ابن عقيل‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا من عرف الحق إذ تركته ونصح الأمة والإمام إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته أنا مسلم بن عمرو‏.‏

فقال له ابن عقيل‏:‏ لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك‏!‏ أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني‏!‏ قال‏:‏ فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دمًا ففعل ذلك ثلاثًا فقال‏:‏ لو كان من الرزق المقسوم شربته‏.‏

وأدخل على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمارة فقال له الحرسي‏:‏ ألا تسلم على الأمير فقال‏:‏ إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه‏.‏

فقال له ابن زياد‏:‏ لعمري لتقتلن‏!‏ فقال‏:‏ كذلك قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فدعني أوصي إلى بعض قومي‏.‏

قال‏:‏ افعل‏.‏

فقال لعمر بن سعد‏:‏ إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر فلم يمكنه من ذكرها فقال له ابن زياد‏:‏ لا تمتنع من حاجة ابن عمك‏.‏

فقام معه فقال‏:‏ إن علي بالكوفة دينًا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها فوارها فقال عمر لابن زياد‏:‏ إنه قال كذا وكذا‏.‏

فقال ابن زياد‏:‏ لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها وقيل إنه قال‏:‏ أما جثته فإنا إذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها‏.‏

ثم قال لمسلم‏:‏ يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم‏!‏ فقال‏:‏ كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسنة‏.‏

فقال‏:‏ وما أنت وذاك يا فاسق ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة قال‏:‏ أنا أشرب الخمر‏!‏ والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق وأني لست كما ذكرت وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئًا‏.‏

فقال له ابن زياد‏:‏ قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام‏!‏ قال‏:‏ أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك‏.‏

فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليًا وعقيلًا فلم يكلمه مسلم ثم أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده فقال مسلم لابن الأشعث‏:‏ والله لولا أمانك ما استسلمت قم بسيفك دوني قد أخفرت ذمتك‏.‏

فأصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح وأشرف به على موضع الحدائين فضربت عنقه وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم ثم أتبع رأسه جسده‏.‏

فلما نزل بكير قال له ابن زياد‏:‏ ما كان يقول وأنتم تصعدون به قال‏:‏ كان يسبح ويستغفر فلما أدنيته لأقتله قلت له‏:‏ ادن مني الحمد لله الذي أمكن منك وأقادني منك‏!‏ فضربته ضربة لم تغن شيئًا فقال‏:‏ أما ترى في خدش تخدشينه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد‏:‏ وفخرًا عند الموت‏!‏ قال‏:‏ ثم ضربته الثانية فقتلته‏.‏

وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ وقال له‏:‏ قد عرفت منزلته في المصر وبيته وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لي فإني أكره عداوة قومه‏.‏

فوعده أن يفعل‏.‏

فلما كان من مسلم ما كان بدا له فأمبر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه قتله مولى تركيٌّ لابن زياد قال‏:‏ فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادي بعد ذلك بخازر مع ابن زياد فقتله‏.‏

فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتل هانئ ومسلم وقيل قاله الفرزدق الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة‏:‏ فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطلٍ قد هشم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل وهي أبيات‏.‏

وبعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له‏:‏ وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق فضع المراصد والمسالح واحترس واحبس على التهمة وخذ على الظنة غير أن لا تقتل إلا من قاتلك‏.‏

وقيل‏:‏ وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين وقيل‏:‏ لتسع مضين منه قيل‏:‏ وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل فطلبهما ابن زياد وحبسهما وكان فيمن قاتل مسلمًا محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي التميمي والقعقاع بن شور وجعل شبث يقول‏:‏ انتظروا بهم الليل يتفرقوا فقال له القعقاع‏:‏ إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم فافرج لهم يتفرقوا‏.‏