فصل: ذكر غزوة فارس من البحرين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ **


 ذكر عزل خالد بن الوليد

في هذه السنة وهي سنة سبع عشرة عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من التقدم على الجيوش والسرايا‏.‏

وسبب ذلك أنه كان أدرب هو وعياض بن غنم فأصابا أموالًا عظيمة وكانا توجها من الجابية مرجع عمر إلى المدينة وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يده على قنسرين وعلى دمشق يزيد وعلى الأردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزز وعلى الساحل عبد الله بن قيس فبلغ الناس ما أصاب خالد فانتجعه رجال وكان منهم الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف‏.‏

ودخل خالد الحمام فتدلك بغسل فيه خمر فكتب إليه عمر‏:‏ بلغني أنك تدلكت بخمر وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه ومسه فلا تمسوها أجسادكم‏.‏

فكتب إليه خالد‏:‏ إنا قتلناها فعادت فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال سمع بذلك عمر بن الخطاب وكان لا يخفى عليه شيء من عمله فدعا عمر البريد فكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم خالدًا ويعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث أمن ماله أم من مال إصابة أصابها فإن زعم أنه فرقه من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة وإن زعم أنه من ماله فقد أسرف واعزله على كل حال واضمم إليك عمله‏.‏

فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد فسأل خالدًا من أين أجاز الأشعث فلم يجبه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئًا فقام بلال فقال‏:‏ إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ونزع عمامته فلم يمنعه سمعًا وطاعة ووضع قلنسوته ثم أقامه فعقله بعمامته وقال‏:‏ من أين أجزت الأشعث من مالك أجزت أم من إصابة أصبتها فقال‏:‏ بل من مالي فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده ثم قال‏:‏ نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا‏.‏

قال‏:‏ وأقام خالد متحيرًا لا يدري أمعزول أم غير معزول ولا يعلمه أبو عبيدة بذلك تكرمة وتفخمة‏.‏

فلما تأخر قدومه على عمر ظن الذي كان فكتب إلى خالد بالإقبال إليه فرجع إلى قنسرين فخطب الناس وودعهم ورجع إلى حمص فخطبهم ثم سار إلى المدينة فلما قدم على عمر شكاه وقال‏:‏ قد شكوتك إلى المسلمين فبالله إنك في أمري لغير مجملٍ‏.‏

فقال له عمر‏:‏ من أين هذا الثراء قال‏:‏ من الأنفال والسهمان ما زاد على ستين ألفًا فلك فقوم عمر ماله فزاد عشرين ألفًا فجعلها في بيت المال ثم قال‏:‏ يا خالد والله إنك علي لكريم وإنك إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء‏.‏

وكتب إلى الأمصار‏:‏ إني لم أعزل خالدًا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فخموه وفتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وأن لا يكونوا بعرض فتنة‏.‏

وعوضه عما أخذ منه‏.‏

 ذكر بناء المسجد الحرام والتوسعة فيه

وفيها أعني سنة سبع عشرة اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع فيه وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها وكانت عمرته في رجب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وأمر بتجديد أنصاب الحرم فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن عبد عوف وحويطب بن عبد العزى وسعيد ابن يربوع واستأذنه أهل المياه في أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء‏.‏

وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله

 ذكر غزوة فارس من البحرين

قيل‏:‏ كان عمر يقول لما أخذت الأهواز وما يليها‏:‏ وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا‏.‏

وقد كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبي بكر فعزله عمر وجعل موضعه قدامة بن مظعون ثم عزل قدامة وأعاد العلاء يناوىء سعد بن أبي وقاص ففاز العلاء في قتال أهل الردة بالفضل فلما ظفر سعد بأهل القادسية وأزاح الأكاسرة جاء بأعظم مما فعله العلاء فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئًا ولم ينظر في الطاعة والمعصية وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر ونهى غيره أيضًا اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وخوف الغرر‏.‏

فندب العلاء الناس إلى فارس فأجابوه وفرقهم أجنادًا على أحدها الجارود بن المعلى وعلى الآخر سوار بن همام وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى وخليد على جميع الناس وحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن فعبرت الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا إلى إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعليهم الهربذ فجالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فخطبهم ثم قال‏:‏ ‏(‏أما بعد فإن القوم لم يدعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فـ ‏{‏استعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةً إلا على الخاشعين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 45‏]‏‏.‏ ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏

فأجابوه إلى ذلك ثم صلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا بمكان يدعى طاووس فقتل سوار والجارود‏.‏

وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالةً ففعلوا من أهل فارس مقتلة عظيمة ثم خرجوا يريدون البصرة ولم يجدوا في البحر سبيلًا وأخذت الفرس منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا‏.‏

ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جند كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا وقال‏:‏ ‏(‏فإني قد ألقي في روعي كذا وكذا‏)‏‏.‏ نحو الذي كان وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه تأمير سعد عليه‏.‏

فشخص العلاء إلى سعد بمن معه وأرسل عتبة جيشًا كثيفًا في اثني عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والأحنف بن قيس وغيرهم فخرجوا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني عامر بن لؤي فسار بالناس وساحل بهم لا يعرض له أحد حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم الطريق عقيب وقعة طاووس وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم ومن شذ من غيرهم وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد

طاووس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وعلى المشركين شهرك فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا وهي الغزوة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا أفضل نوابت الأمصار ثم انكفأوا بما أصابوا وكان عتبة كتب إليهم بالحث وقلة العرجة فرجعوا إلى البصرة سالمين‏.‏

ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له فلما قضى حجة استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فدعا الله ثم انصرف فمات في بطن نخلة فدفن وبلغ عمر موته فمر به زائرًا لقبره وقال‏:‏ أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم‏.‏

وأثنى عليه خيرًا ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة بنت غزوان وكانت تحت عثمان بن عفان وكان حباب مولاه قد لزم شيمته فلم يختط ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد بالمدائن وذلك بعد أن استنفذ الجند الذين بفارس ونزولهم البصرة واستخلف على الناس أبا سبرة ابن أبي رهم بالبصرة فأقره عمر بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها فلم ينتقض عليه أحد ولم يحدث شيئًا إلا ما كان بينه وبين أبي بكر‏.‏

ثم استعمل أبا موسى على البصرة ثم صرف إلى الكوفة ثم استعمل عمر ابن سراقة ثم صرف ابن سراقة إلى الكوفة من البصرة وصرف أبو موسى من الكوفة إلى البصرة فعمل عليها ثانية‏.‏

وقد تقدم ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة والاختلاف فيها سنة أربع عشرة‏.‏

 ذكر عزل المغيرة

عن البصرة وولاية أبي موسى في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة واستعمل عليها أبا موسى وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول قاله الواقدي وكان سبب عزله أنه كان بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة منافرة وكانا متجاورين بينهما طريق وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت الريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليسده فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة فقال للنفر‏:‏ قوموا فانظروا‏.‏

فقاموا فنظروا وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد بن أبيه وهو أخو أبي بكرة لأمه وشبل بن معبد البجلي فقال لهم‏:‏ اشهدوا قالوا‏:‏ ومن هذه قال‏:‏ أم جميل بن الأفقم وكانت من بني عامر بن صعصعة وكانت تغشي المغيرة والأمراء والأشراف وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها فلما قامت عرفوها‏.‏

فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو بكرة وكتب إلى عمر بذلك فبعث عمر أبا موسى أميرًا على البصرة وأمره بلزوم السنة فقال‏:‏ أعني بعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم في هذه الأمة كالملح لا يصلح الطعام إلا به‏.‏

قال له‏:‏ خذ من أحببت‏.‏

فأخذ معه تسعة وعشرين رجلًا منهم‏:‏ أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر وخرج معهم فقدم البصرة فدفع الكتاب بإمارته إلى المغيرة وهو أوجز كتاب وأبلغه‏:‏ ‏(‏أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرًا فسلم إليه ما في يدك والعجل‏)‏‏.‏

فأهدى إليه المغيرة وليدة تسمى عقيلة‏.‏

ورحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود فقدموا على عمر فقال له المغيرة‏:‏ سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني أمستقبلهم أم مستدبرهم وكيف رأوا المرأة أو عرفوها فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي والله أتيت إلا امرأتي‏!‏ وكانت تشبهها‏.‏

فشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة وأنه رآهما مستدبرين وشهد شبل ونافع مثل ذلك‏.‏

وأما زياد فإنه قال‏:‏ رأيته جالسًا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين مكشوفتين وسمعت حفزًا شديدًا‏.‏

قال‏:‏ هل رأيت كالميل في المكحلة قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ هل تعرف المرأة قال‏:‏ لا ولكن أشبهها‏.‏

قال‏:‏ فتنح‏.‏

وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد‏.‏

فقال المغيرة‏:‏ اشفني من الأعبد‏.‏

قال‏:‏ اسكت أسكت الله نأمتك أما والله لو تمت لرجمتك بأحجارك‏!‏ ذكر الخبر عن فتح الأهواز ومناذر ونهر تيرى وفي هذه السنة فتحت الأهواز ومناذر ونهر تيرى وقيل‏:‏ كانت سنة عشرين‏.‏

وكان السبب في هذا الفتح أنه لما انهزم الهرمان يوم القادسية وهو أحد البيوتات السبعة في أهل فارس وكانت أمته منهم مهرجانقذق وكور الأهواز فلما انهزم قصد خوزستان فملكها وقاتل بها من أرادهم فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من مناذر ونهر تيرى‏.‏

فاستمد عتبة بن غزوان سعدًا فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى ووجه عتبة ابن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وكانا من المهاجرين مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما من بني العدوية من بني حنظلة فنزلا على حدود ميسان ودستميسان بينهم وبين مناذر ودعوا بني العم فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي فتركا نعيمًا ونعيمًا وأتيا سلمى وحرملة وقالا‏:‏ أنتما من العشيرة وليس لكما منزل فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم فليس دون الهرمزان شيء إن شاء الله‏.‏

ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك وكانوا ينزلون خوزستان قبل الإسلام فأهل البلاد يأمنونهم‏.‏

فلما كان تلك الليلة ليلة الموعد بين سلمى وحرملة وغالب وكليب وكان الهرمزان يومئذٍ بين نهر تيرى وبين دلث وخرج سلمى وحرملة صبيحتهما في تعبئة وأنهضا نعيمًا ومن معه فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى وسلمى بن القين على أهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فاقتتلوا‏.‏

فبينا هم على ذلك أقبل مدد من قبل غالب وكليب وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيرى قد أخذا فكسر ذلك قلب الهرمزان ومن معه وهزمه الله وإياهم فقتل المسلمون منهم ما شاؤوا وأصابوا ما شاؤوا واتبعوهم حتى وقفوا على شاطىء دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الأهواز وعبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها وصار دجيل بين الهرمزان والمسلمين‏.‏

فلما رأى الهرمزان ما لا طاقة له به طلب الصلح فاستأمروا عتبة فأجاب إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجانقذق ما خلا نهر ترى ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنه لا يرد عليهم وجعل سلمى على مناذر مسلحةً وأمرها إلى غالب وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى كليب فكانا على مسالح البصرة‏.‏

وهاجرت طوائف من بني العم فنزلوا البصرة‏.‏

ووفد عتبة وفدًا إلى عمر منهم‏:‏ سلمى وجماعة من أهل البصرة فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم فكلمهم قال‏:‏ أما العامة فأنت صاحبها وطلبوا لأنفسهم إلا ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنك كما ذكروا ولقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم فإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ثمارهم ولم يحصدوا وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة وعقة نشاشة طرفٌ لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج يجري إليها ما جرى في مثل مريء النعامة دارنا فعمة وطبقتنا مضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير درهمنا كبير وقفيزنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا طبقة تطوف علينا ونعيش بها‏.‏

فلما سمع عمر قوله أحسن إليهم وأقطعهم مما كان فيئًا لأهل كسرى وزادهم ثم قال‏:‏ هذا الفتى سيد أهل البصرة‏.‏

وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويرجع إلى رأيه وردهم إلى بلدهم‏.‏

وبينا الناس على ذلك من ذمتهم مع الهرمزان وقع بين الهرمزان وغالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم فوجدا غالبًا وكليبًا محقين والهرمزان مبطلًا فحالا بينهما وبينه فكفرا الهرمزان ومنع ما قبله واستعان بالأكراد وكف جنده وكتب سلمى ومن معه إلى عتبة بذلك فكتب عتبة إلى عمر فكتب إليه عمر يأمره بقصده وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي كانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره على القتال وعلى غلب عليه‏.‏

وسار الهرمزان ومن معه وسار المسلمون إلى جسر سوق الأهواز وأرسلوا إليه‏:‏ إما أن تعبر إلينا أو نعبر إليكم‏.‏

فقال‏:‏ اعبروا إلينا‏.‏

فعبروا فوق الجسر فاقتتلوا مما يلي سوق الأهواز فانهزم الهرمزان وسار إلى رامهرمز وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها واتسعت له بلادها إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح إلى عمر وأرسل إليه الأخماس‏.‏

 ذكر صلح الهرمزان وأهل تستر مع المسلمين

وفي هذه السنة فتحت تستر وقيل‏:‏ سنة ست عشرة وقيل‏:‏ سنة تسع عشرة‏.‏

قيل‏:‏ ولما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز وافتتحها المسلمون بعث حرقوص جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سوق الأهواز فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشعر وأعجزه الهرمزان فمال جزء إلى دورق وهي مدينة سرق فأخذها صافيةً ودعا من هرب إلى الجزية فأجابوه وكتب إلى عمر وعتبة بذلك فكتب عمر إلى حرقوص وإليه بالمقام فيما غلبا عليه حتى يأمرهما بأمره فعمر جزء البلاد وشق الأنهار وأحيا الموات‏.‏وراسلهم الهرمزان يطلب الصلح فأجاب عمر إلى ذلك وأن يكون ما أخذه المسلمون بأيديهم ثم اصطلحوا على ذلك وأقام الهرمزان والمسلمون يمنعونه إذا قصده الأكراد ويجيء إليهم‏.‏

ونزل حرقوص جبل الأهواز وكان يشق على الناس الاختلاف إليه فبلغ ذلك عمر فكتب إليه يأمره بنزول السهل وأن لا يشق على مسلم ولا معاهد ولا تدركك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك‏.‏

وبقي حرقوص إلى يوم صفين وصار حروريًا وشهد النهروان مع الخوارج‏.‏

 ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان

قيل‏:‏ كان فتح رامهرمز وتستر والسوس في سنة سبع عشرة وقيل‏:‏ سنة تسع عشرة وقيل‏:‏ سنة عشرين‏.‏

وكان سبب فتحها أن يزدجرد لم يزل وهو بمرو يثير أهل فارس أسفًا على ما خرج من ملكهم

فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاقدوا على النصرة فجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزءًا وسلمى وحرملة فكتبوا إلى عمر بالخبر فكتب عمر إلى سعد وهو بالكوفة‏:‏ أن ابعث إلى الأهواز جندًا كثيفًا مع النعمان بن مقرن وعجل فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره‏.‏

وكتب إلى أبي موسى‏:‏ أن ابعث إلى الأهواز جندًا كثيفًا وأمر عليهم سهل ابن عدي أخا سهيل وابعث معه البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعًا أبو سبرة بن أبي رهم‏.‏

فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فسار إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل فخلف حرقوصًا وسلمى وحرملة وسار نحو الهرمزان وهو برامهرمز‏.‏

فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه ومعه أهل فارس فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالًا شديدًا ثم إن الله عز وجل هزم الهرمزان فترك رامهرمز ولحق بتستر وسار النعمان إلى رامهرمز ونزلها وصعد إلى إيذج فصالحه تيرويه على إيذج ورجع إلى رامهرمز فأقام بها‏.‏

ووصل أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز وهم يريدون رامهرمز فأتاهم خبر الوقعة وهم بسوق الأهواز وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر فساروا نحوه وسار النعمان أيضًا وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس

والجبال والأهواز في الخنادق وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة وعلى الجميع أبو سبر فحاصروهم أشهرًا وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك وهو أخو أنس بن مالك في ذلك الحصار إلى الفتح مائةً مبارزةً سوى من قتل في غير ذلك وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور وعدة من أهل البصرة وأهل الكوفة وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين زحفًا يكون لهم مرة ومرة عليهم‏.‏

فلما كان في آخر زحفٍ منها واشتد القتال قال المسلمون‏:‏ يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا‏.‏

قال‏:‏ اللهم اهزمهم لنا واستشهدنين وكان مجاب الدعوة فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون‏.‏

فبينما هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم وطالت حربهم خرج رجل إلى النعمان يستأمنه على أن يدله على مدخل يدخلون منه ورمى في ناحية أبي موسى بسهم‏:‏ إن آمنتموني دللتكم على مكان تأتون المدينة منه‏.‏

فآمنوه في نشابة‏.‏

فرمى إليهم بأخرى وقال‏:‏ انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم تقتحمونها‏.‏

فندب الناس إليه فانتدب له عامر بن عبد قيس وبشرٌ كثير ونهدوا لذلك المكان ليلًا وقد ندب النعمان أصحابه ليسيروا مع الرجل الذي يدلهم على المدخل إلى المدينة فانتدب له بشرٌ كثير فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج فدخلوا في السرب والناس من خارج‏.‏

فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب

فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل وقصد الهرمزان القلعة فتحصن وأطاف به الذين دخلوا فنزل إليهم على حكم عمر فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف وسهم الراجل ألفًا‏.‏

وجاء صاحب الرمية والرجل الذي خرج بنفسه فآمنوهما ومن أغلق معهما‏.‏

وقتل من المسلمين تلك الليلة بشرٌ كثير وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء بن مالك‏.‏

وخرج أبو سبرة بنفسه في أثر المنهزمين إلى السوس ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وأبو موسى وكتبوا إلى عمر فكتب إلى أبي موسى بردة إلى البصرة وهي المرة الثالثة فانصرف إليها على السوس‏.‏

وسار زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي إلى جند يسابور فنزل عليها وهو من الصحابة وأمر عمر على جند البصرة المقترب وهو الأسود بن ربيعة أحد بني ربيعة بن مالك وهو صحابي أيضًا وكانا مهاجرين وكان الأسود قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ جئت لأقترب إلى الله بصحبتك فسماه المقترب‏.‏

وأرسل أبو سبرة وفدًا إلى عمر بن الخطاب فيهم أنس بن مالك والأحنف ابن قيس ومعهم الهرمزان فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب وتاجه وكان مكللًا

بالياقوت وحليته ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل‏:‏ جلس في المسجد لوفد من الكوفة فوجدوه في المسجد متوسدًا برنسه وكان قد لبسه للوفد فلما قاموا عنه توسده ونام فجلسوا دونه وهو نائم والدرة في يده فقال الهرمزان‏:‏ أين عمر قالوا‏:‏ هو ذا‏.‏

فقال‏:‏ أين حرسه وحجابه قالوا‏:‏ ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب‏.‏

قال‏:‏ فينبغي أن يكون نبيًا‏.‏

قالوا‏:‏ بل يعمل بعمل الأنبياء‏.‏

فاستيقظ عمر بجلبة الناس فاستوى جالسًا ثم نظر إلى الهرمزان فقال‏:‏ الهرمزان قالوا‏:‏ نعم‏.‏

فقال‏:‏ الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وغيره أشباهه‏!‏ فأمر بنزع ما عليه فنزعوه وألبسوه ثوبًا صفيقًا فقال له عمر‏:‏ يا هرمزان كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله فقال‏:‏ يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم فلما كان الآن معكم غلبتمونا فقال عمر‏:‏ إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا‏.‏

ثم قال له‏:‏ ما حجتك وما عذرك في انتفاضك مرة بعد أخرى فقال‏:‏ أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك‏.‏

قال‏:‏ لا تخف ذلك واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ فقال‏:‏ لو مت عطشًا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا‏!‏ فأتي به في إناء يرضاه فقال‏:‏ إني أخاف أن أقتل وأن أشرب‏.‏

فقال عمر‏:‏ لابأس عليك حتى تشربه فأكفأه فقال عمر‏:‏ أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش‏.‏

فقال‏:‏ لا حاجة لي

في الماء إنما أردت أن أستأمن به‏.‏

فقال عمر له‏:‏ إني قاتلك‏.‏

فقال‏:‏ قد آمنتني‏.‏

فقال‏:‏ كذبت‏.‏

قال أنس‏:‏ صدق يا أمير المؤمنين قد آمنته‏.‏

قال عمر‏:‏ يا أنس أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك‏!‏ والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك‏.‏

قال‏:‏ قلت له‏:‏ لابأس عليك حتى تخبرني ولابأس عليك حتى تشربه‏.‏

وقال له من حوله مثل ذلك‏.‏

فأقبل على الهرمزان وقال‏:‏ خدعتني والله لا أنخدع إلا أن تسلم‏.‏

فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة وكان يفقه شيئًا من الفارسية إلى أن جاء المترجم‏.‏

وقال عمر للوفد‏:‏ لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة فلهذا ينتقضون بكم قالوا‏:‏ ما نعلم إلا وفاء‏.‏

قال‏:‏ فكيف هذا فلم يشفه أحد منهم إلا أن الأحنف قال له‏:‏ يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد وإن ملك فارس بين أظهرهم ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئًا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس‏.‏

فقال‏:‏ صدقتني والله‏!‏ ونظر في حوائجهم وسرحهم‏.‏

وأتى عمر الكتاب باجتماع أهل نهاوند فأذن في الانسياح في بلاد الفرس‏.‏

وقتل محمد بن جعفر بن أبي طالب شهيدًا على تستر في قول بعضهم‏.‏

 ذكر فتح السوس

قيل‏:‏ ولما نزل أبو سبر على السوس وبها شهريار أخو الهرمزان أحاط المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالوا‏:‏ يا معشر العرب إن مما عهد إلينا علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال فإن كان فيكم فستفتحونها‏.‏

وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس وصار مكانه على أهل البصرة بالسوس المقترب بن ربيعة واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرًا أهل السوس مع أبي سبرة وزر محاصرًا أهل جند يسابور‏.‏

فجاء كتاب عمر بصرف النعمان إلى أهل نهاوند من وجهه ذلك فناوشهم القتال قبل مسيره فصاح أهلها بالمسلمين وناوشوهم وغاظوهم وكان صافي بن صياد مع المسلمين في خيل النعمان فأتى صافي باب السوس فدقه برجله فقال‏:‏ انفتح بظار‏!‏ وهو غضبان فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا‏:‏ الصلح الصلح‏.‏

فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوها عنوةً واقتسموا ما أصابوا‏.‏

وقيل لأبي سبرة‏:‏ هذا جسد دانيال في هذه المدينة‏.‏

قال‏:‏ وما علي بذلك‏!‏ فأقره في أيديهم‏.‏

وكان دانيال قد لزم نواحي فارس بعد بخت نصر‏.‏

فلما حضرته الوفاة ولم ير أحدًا على الإسلام أكرم كتاب الله عمن لم يجبه فقال لابنه‏:‏ أئت ساحل البحر فاقذف بهذا الكتاب فيه فأخذه الغلام وغاب عنه وعاد وقال له‏:‏ قد فعلت‏.‏

قال‏:‏ ما صنع البحر قال‏:‏ ما صنع شيئًا‏.‏

فغضب وقال‏:‏ والله ما فعلت الذي أمرتك به‏!‏ فخرج من عنده وفعل فعلته الأولى‏.‏

فقال‏:‏ كيف رأيت البحر صنع قال‏:‏ ماج واصطفق‏.‏

فغضب أشد من الأول وقال‏:‏ والله ما فعلت الذي أمرتك به‏.‏

فعاد إلى البحر وألقاه فيه فانفلق البحر عن الأرض وانفجرت له الأرض عن مثل التنور فهوى فيها ثم انطبقت عليه واختلط الماء فلما رجع إليه وأخبره بما رأى‏:‏ الآن صدقت‏.‏

ومات دانيال بالسوس وكان هناك يستسقى بجسده فاستأذنوا عمر فيه فأمر بدفنه‏.‏

وقيل في أمر السوس‏:‏ إن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل إصطخر ومعه سياه في سبعين من عظماء الفرس فوجهه إلى السوس والهرمزان إلى تستر فنزل سياه الكلتانية وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزلو يزدجرد إصطخر فسألوا أبا موسى الصلح وكان محاصرًا لهم فصالحهم وسار إلى رامهرمز ثم سار إلى تستر ونزل سياه بين رامهرمز وتستر ودعا من معه من عظماء الفرس وقال لهم‏:‏ قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات إصطخر ويشدون خيولهم في شجرها وقد غلبوا على ما رأيتم فانظروا لأنفسكم‏.‏

قالوا‏:‏ رأينا رأيك‏.‏

قال‏:‏ أرى أن تدخلوا في دينهم‏.‏

ووجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى فشرط عليهم أن يقاتلوا معه العجم ولا يقاتلوا العرب وإن قاتلهم أحد من العرب منعهم منهم وينزلوا حيث شاؤوا ويلحقوا بأشرف العطاء ويعقد لهم ذلك عمر على أن يسلموا فأعطاهم عمر ما سألوا فأسلموا وشهدوا مع المسلمين حصار تستر‏.‏

ومضى سياه إلى حصن قد حاصره المسلمون في زي العجم فألقى نفسه إلى جانب الحصن ونضح ثيابه بالدم فرآه أهل الحصن صريعًا فظنوه رجلًا منهم ففتحوا باب الحصن ليدخلوه إليهم فوثب وقاتلهم حتى خلوا عن الحصن وهربوا فملكه وحده‏.‏

وقيل‏:‏ إن هذا الفعل كان منه بتستر‏.‏

 ذكر مصالحة جنديسابور

وفي هذه السنة سار المسلمون عن السوس فنزلوا بجنديسابور وزر بن عبد الله محاصرهم فأقاموا عليها يقاتلونهم فرمي إلى من بها من عسكر المسلمين بالأمان فلم يفجأ المسلمين إلا وقد فتحت أبوابها وأخرجوا أسواقهم وخرج أهلها فسألهم المسلمون فقالوا‏:‏ رميتم بالأمان فقبلناه

وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا‏.‏

فقالوا‏:‏ ما فعلنا فقالوا‏:‏ ما كذبنا‏!‏ وسأل المسلمون فإذا عبد يدعى مكثفًا كان أصله منها فعل هذا فقالوا‏:‏ هو عبد‏.‏

فقال أهلها‏:‏ لا نعرف العبد من الحر وقد قبلنا الجزية وما بدلنا فإن شئتم فاغدروا‏.‏

فكتبوا إلى عمر فأجاز أمانهم فآمنوهم وانصرفوا عنهم‏.‏

 ذكر مسير المسلمين إلى كرمان وغيرها

قيل‏:‏ في سنة سبع عشرة أذن عمر للمسلمين في الانسياح في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس وعرف فضله وصدقه فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هناك حتى يأتيه أمره وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدي فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ولواء فساودارابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي ولواء سبجستان إلى عاصم بن عمرو وكان من الصحابة ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثماني عشرة وأمدهم عمر بنفر من أهل الكوفة فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن عتبان وأمد الأحنف

بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن أبي عقيل وبربعي بن عامر وبابن أم غزال وأمد عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعي وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق في جموع‏.‏

وقيل‏:‏ كان ذلك سنة إحدى وعشرين وقيل‏:‏ سنة اثنتين وعشرين وسنذكر كيفية فتحها هناك وذكر أسبابها إن شاء الله تعالى‏.‏

وكان على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد في قول وعلى اليمن يعلى ابن منية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة ابن محصن وعلى الشام من ذكر قبل وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها أبو موسى وعلى القضاء أبو مريم الحنفي وقد ذكر من كان على الجزيرة والموصل قبل‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب‏.‏

 ثم دخلت سنة ثماني عشرة

 ذكر القحط وعام الرمادة

في سنة ثماني عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط وهو عام الرمادة وكانت الريح تسفي ترابًا كالرماد فسمي عام الرمادة واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافيها من قيحها‏.‏

وفيه أيضًا كان طاعون عمواس وفيه ورد كتاب أبي عبيدة على عمر يذكر فيه أن نفرًا من المسلمين أصابوا الشراب منهم‏:‏ ضرار وأبو جندل فسألناهم فتابوا وقال له‏:‏ ادعهم على رؤوس الناس وسلهم أحلالٌ الخمر أم حرام فإن قالوا‏:‏ حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين وإن قالوا‏:‏ حلال فاضرب أعناقهم‏.‏

فسألهم فقالوا‏:‏ بل حرامٌ فجلدهم وندموا على لجاجتهم وقال‏:‏ ليحدثن فيكم يا أهل الشام حدث فحدث عام الرمادة وأقسم عمر أن لا يذوق سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس‏.‏

فقدمت السوق عكة سمن ووطب من لبن فاشتراها غلام لعمر بأربعين درهمًا ثم أتى عمر فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهمًا‏.‏

فقال عمر‏:‏ أغليت بهما فتصدق بهما فإني أكره أن آكل إسرافًا‏.‏

وقال‏:‏ كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يصبني ما أصابهم‏!‏ وكتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها ويستمدهم فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف راحلة من طعام فولاه قسمتها فيمن حول المدينة فقسمها وانصرف إلى عمله وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز وأصلح عمرو بن العاص بحر القلزم وأرسل فيه الطعام إلى المدينة فصار الطعام بالمدينة كسعر مصر ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان فذلوا وتقاصروا وكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار‏.‏

فقال أهل بيت من مزينة لصاحبهم وهو بلال بن الحارث‏:‏ قد هلكنا فاذبح لنا شاة‏.‏

قال‏:‏ ليس فيهن شيء‏.‏

فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم أحمر فنادى‏:‏ يا محمداه‏!‏ فأري في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فقال‏:‏ ‏(‏أبشر بالحياة إيت عمر فأقرئه مني السلام وقل له إني عهدتك وأنت وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر‏)‏‏!‏ فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه‏:‏ استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عمر فأخبره ففزع وقال‏:‏ رأيت به مسًا قال‏:‏ لا فأدخله وأخبره الخبر فخرج فنادى في الناس وصعد المنبر فقال‏:‏ نشدتكم الله الذي هداكم هل رأيتم مني شيئًا تكرهون قالوا‏:‏ اللهم لا ولم ذاك فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن عمر فقالوا‏:‏ إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا‏.‏

فنادى في الناس وخرج معه العباس ماشيًا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال‏:‏ ‏(‏اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ولا قوة إلا بك اللهم فاسقنا وأحي العباد والبلاد‏!‏ وأخذ بيد العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن دموع العباس لتتحادر على لحيته فقال‏:‏ ‏(‏اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏‏.‏ وبقية آبائه وكبر رجاله فإنك تقول وقولك الحق‏:‏ ‏{‏وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 82‏]‏‏.‏ فحفظتهما بصلاح آبائهما فاحفظ اللهم نبيك صلى الله عليه وسلم في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين مستغفرين‏)‏‏.‏

ثم أقبل على الناس فقال‏:‏ ‏{‏استغفروا ربكم إنه كان غفارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏10 ‏]‏ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏

وكان العباس قد طال عمره وعيناه تذرفان ولحيته تجول على صدره وهو يقول‏:‏ ‏(‏اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعةٍ فقد صرخ الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغنهم بغناك قبل أن يقطنوا فيهلكوا فإنه لا ييأس إلا القوم الكافرون‏)‏‏.‏

فنشأت طريرة من سحاب فقال الناس‏:‏ ترون ترون‏!‏ ثم التأمت ومشت فيها ريح ثم هدأت ودرت فوالله ما تروحوا حتى اعتنقوا الجدار وقلصوا المآزر فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون‏:‏ ‏(‏هنيئًا لك ساقي الحرمين‏)‏‏!‏ فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب‏:‏ بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب راغبًا إليه فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر

في هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام فمات فيه أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير الناس ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان والحارث ابن هشام وسهيل بن عمرو وعتبة بن سهيل وعامر بن غيلان الثقفي مات وأبوه حي وتفانى الناس منه‏.‏

قال طارق بن شهاب‏:‏ أتينا أبا موسى في داره بالكوفة نتحدث عنده فقال‏:‏ لا عليكم أن تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ولا عليكم أن تنزهوا من هذه القرية فتخرجوا في فسح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء وسأخبركم بما يكره ويتقى من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات ويظن من أقام فأصابه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن المسلم هذا فلا عليه أن يخرج إني كنت مع أبي عبيدة بالشام عام طاعون عمواس فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه‏:‏ ‏(‏أن سلام عليك أما بعد فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي‏)‏‏.‏

فعرف أبو عبيدة ما أراد فكتب إليه‏:‏ ‏(‏يا أمير المؤمنين قد عرفت حاجتك إلي وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبةً عنهم فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه فحللني من عزيمتك‏)‏‏.‏

فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس‏:‏ يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة فقال‏:‏ لا وكأن قد‏.‏

وكتب إليه عمر ليرفعن بالمسلمين من تلك الأرض فدعا أبا موسى فقال له‏:‏ ارتد للمسلمين منزلًا‏.‏

قال‏:‏ فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت‏.‏

فرجعت إليه فقلت له‏:‏ والله لقد كان في أهلي حدثٌ‏.‏

فقال‏:‏ لعل صاحبتك أصيبت قلت‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فأمر ببعيره فرحل له‏.‏

فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال‏:‏ والله لقد أصبت‏!‏ ثم سار بالناس حتى نزل الجابية وكان أبو عبيدة قد قام في الناس خطيبًا فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة سأل الله أن يقسم له منه حظه‏)‏ فطعن فمات‏.‏

واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبًا بعده فقال‏:‏ ‏(‏أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن معاذًا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ حظهم‏)‏‏.‏

فطعن ابنه عبد الرحمن فمات ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد كان يقبلها ثم يقول‏:‏ ‏(‏ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا‏)‏‏.‏

فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فخرج بالناس إلى الجبال ورفعه الله عنهم فلم يكره عمر ذلك من عمرو‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن عمر بن الخطاب قدم الشام فلما كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة ابن الجراح فأخبروه بالوباء وشدته وكان معه المهاجرون والأنصار خرج غازيًا فجمع المهاجرين الأولين والأنصار فاستشارهم فاختلفوا عليه فمنهم القائل‏:‏ خرجت لوجه الله فلا يصدك عنه

هذا ومنهم القائل‏:‏ إنه بلاء وفناء فلا نرى أن تقدم عليه‏.‏

فقال لهم‏:‏ قوموا ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا عليه وأشاروا بالعود فنادى عمر في الناس‏:‏ ‏(‏إني مصبح على ظهر‏)‏‏.‏

فقال أبو عبيدة‏:‏ أفرارًا من قدر الله فقال‏:‏ ‏(‏نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله‏)‏‏.‏ فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف فقال‏:‏ إن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارًا منه‏)‏‏.‏

فانصرف عمر بالناس إلى المدينة‏.‏

وهذه الرواية أصح فإن البخاري ومسلمًا أخرجاها في صحيحيهما ولأن أبا موسى كان هذه السنة بالبصرة ولم يكن بالشام لكن هكذا ذكره وإنما أوردناه لننبه عليه‏.‏

عمواس بفتح العين المهملة والميم والواو وبعد الألف سين مهملة‏.‏

وسرع بفتح السين المهملة وسكون الراء المهملة وآخره غين معجمة‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ دعوة نبيكم حين جاءه جبرائيل فقال‏:‏ ‏(‏فناء أمتك بالطعن أو الطاعون‏)‏‏.‏

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏فبالطاعون‏)‏‏.‏ ولما هلك يزيد بن أبي سفيان استعمل عمر أخاه معاوية بن أبي سفيان على دمشق وخراجها

واستعمل شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها‏.‏

وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط وطمع له العدو في المسلمين لطول مكثه مكث شهورًا وأصاب الناس بالبصرة مثله وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفًا‏.‏

 ذكر قدوم عمر إلى الشام بعد الطاعون

لما هلك الناس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من المواريث فجمع الناس واستشارهم وقال لهم‏:‏ قد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم فأشيروا علي وفي القوم كعب الأحبار وفي تلك السنة أسلم فقال كعب‏:‏ يا أمير المؤمنين بأيها تريد أن تبدأ قال‏:‏ بالعراق‏.‏

قال‏:‏ فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء تسعة منها بالمشرق وجزء بالمغرب والخير عشرة أجزاء تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق وبها قرن الشيطان وكل داء عضال‏.‏

فقال علي‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة وإنها لقبة الإسلام ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلا وحن إليها لينتصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط‏.‏

فقال عمر‏:‏ ‏(‏إن مواريث أهل عمواس قد ضاعت أبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأبدي إليهم أمري‏)‏‏.‏

فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب واتخذ أيلة طريقًا فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه فلما تلقاه الناس قالوا‏:‏ أين أمير المؤمنين قال‏:‏ أمامكم يعني نفسه فساروا أمامهم وانتهى هو إلى أيلة فنزلها وقيل للمتلقين‏:‏ قد دخل أمير المؤمنين إليها ونزلها فرجعوا إليه‏.‏

وأعطى عمر الأسقف بها قميصه وقد تخرق ظهره ليغسله ويرقعه ففعل وأخذه ولبسه وخاط له الأسقف قميصًا غيره فلم يأخذه‏.‏

فلما قدم الشام قسم الأرزاق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشام ومسالحها وأخذ يدورها واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كل كورة واستعمل معاوية وعزل شرحبيل بن حسنة وقام يعذره في الناس وقال‏:‏ ‏(‏إني لم أعزله عن سخطة ولكني أريد رجلًا أقوى من رجل‏)‏‏.‏

واستعمل عمرو بن عتبة على الأهراء‏.‏

وقسم مواريث أهل عمواس فورث بعض الورثة من بعض وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم‏.‏

وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة‏.‏

ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة‏.‏

ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس‏:‏ لو أمرت بلالًا فأذن فأمره فأذن فما بقي أحد أدرك ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ وبلال يؤذن إلا وبكى حتى بل لحيته وعمر أشدهم بكاء وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال الواقدي‏:‏ إن الرهاء وحران والرقة فتحت هذه السنة على يد عياض ابن غنم وإن عين الوردة وهي رأس عين فتحت فيها على يد عمير ابن سعد وقد تقدم شرح فتحها‏.‏

في هذه السنة في ذي الحجة حول عمر المقام إلى موضعه اليوم وكأن ملصقًا بالبيت‏.‏

وفيها استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة وعلى البصرة كعب بن سور الأزدي‏.‏

وكانت الولاة على الأمصار الولاة الذين كانوا عليها في السنة قبلها‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع عشرة

قال بعضهم‏:‏ إن فتح جلولاء والمدائن كان في هذه السنة على يد سعد وكذلك فتح الجزيرة وقد تقدم ذكر فتح الجميع والخلاف فيه‏.‏

وقيل‏:‏ فيها كان فتح قيسارية على يد معاوية وقيل‏:‏ سنة عشرين وقد تقدم أيضًا ذكر ذلك سنة ست عشرة‏.‏

وفي هذه السنة سالت حرة ليلى وهي قريب المدينة نارًا فأمر عمر بالصدقة فتصدق الناس فانطفأت‏.‏

وحج بالناس هذه السنة عمر‏.‏

وكان عماله فيها من تقدم ذكرهم‏.‏

وفيها قتل صفوان بن المعطل السلمي وقيل‏:‏ بل مات سنة ستين آخر خلافة معاوية‏.‏

وفيها مات أبي بن كعب وقيل‏:‏ بل مات سنة عشرين وقيل‏:‏ اثنتين وعشرين وقيل‏:‏ اثنتين وثلاثين والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة عشرين

 ذكر فتح مصر

قيل‏:‏ في هذه السنة فتحت مصر في قول بعضهم على يد عمرو بن العاص والإسكندرية أيضًا وقيل‏:‏ فتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين وقيل‏:‏ فتحت مصر سنة ست عشرة في ربيع الأول وبالجملة فينبغي أن يكون فتحها قبل عام الرمادة لأن عمرو بن العاص حمل الطعام في بحر القلزم من مصر إلى المدينة والله أعلم وقيل غير ذلك‏.‏

وأما فتحها فإنه لما فتح عمر بيت المقدس وأقام به أيامًا وأمضى عمرو ابن العاص إلى مصر وأتبعه الزبير بن العوام مددًا له فأخذ المسلمون باب اليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم فلما نزل بهم عمرو قاتلوه فأرسل إليهم‏:‏ لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وترون رأيكم بعد وليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام فكفوا وخرجا إليه فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية وأخبرهما بوصية ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل عليه السلام فقالوا‏:‏ قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء آمنا حتى نرجع إليك‏.‏

فقال عمرو‏:‏ مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثًا لتنظرا‏.‏

فقالا‏:‏ زدنا فزادهما يومًا فرجعا إلى المقوقس فهم‏.‏

فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم فقال لأهل مصر‏:‏ أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم‏.‏

فلم يفجأ عمرًا إلا البيات وهو على عدة فلقوه فقتل أرطبون وكثير ممن معه وانهزم الباقون وسار عمرو والزبير إلى عين الشمس وبها جمعهم وبعث إلى فرما أبرهة بن الصباح وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فنزل عليها‏.‏

قيل‏:‏ وكان الإسكندر وفرما أخوين ونزل عمرو بعين الشمس فقال أهل مصر لملكهم‏:‏ ما تريد إلى قتال قوم هزموا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم‏!‏ فلا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم - وذلك في اليوم الرابع - فأبى وناهدوهم وقاتلوهم‏.‏

فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون فذمرهم عمرو فقال له رجل من اليمن‏:‏ إنا لم نخلق من حديد‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ اسكت إنما أنت كلب‏.‏

قال‏:‏ فأنت أمير الكلاب‏.‏

فنادى عمرو بأصحاب ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأجابوه فقال‏:‏ تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين فارتقى الزبير بن العوام سورها فلما أحسوا فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين فقبل منهم ونزل الزبير عليهم عنوةً حتى خرج على عمرو من الباب معهم فاعتقدوا صلحًا بعد ما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوةً مجرى الصلح فصاروا ذمة وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر ومن اختار الذهاب فهو آمنٌ حتى يبلغ مأمنه‏.‏

واجتمعت خيول المسلمين بمصر وبنوا الفسطاط ونزلوه وجاء أبو مريم وأبو مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة فطردهما فقالا‏:‏ كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة‏.‏

فقال عمرو لهما‏:‏ أتغيرون علينا وتكونون في ذمة قالا‏:‏ نعم‏.‏

فقسم عمرو ابنالعاص السبي على الناس وتفرق في بلدان العرب‏.‏

وبعث بالأخماس إلى عمر بن الخطاب ومعها وفد فأخبروا عمر بن الخطاب بحالهم كله وبما قال أبو مريم فرد عمر عليهم سبي من لم يقاتلهم في تلك الأيام الأربعة وترك سبي من قاتلهم فردوهم‏.‏

وحضرت القبط باب عمرو وبلغ عمرًا أنهم يقولون‏:‏ ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم‏!‏ ما رأينا مثلنا دان لهم‏.‏

فخاف أن يطمعهم ذلك فأمر بجزر فطبخت ودعا أمراء الأجناد فأعلموا أصحابهم فحضروا عنده وأكلوا أكلًا عربيًا انتشلوا وحسوا وهم في العباء بغير سلاح فازداد طمعهم وأمر المسلمين أن يحضروا الغد في ثياب أهل مصر وأحذيتهم ففعلوا وأذن لأهل مصر فرأوا شيئًا غير ما رأوا بالأمس وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر فارتاب القبط وبعث أيضًا إلى المسلمين‏:‏ تسلحوا للعرض غدًا وغدا على العرض وأذن لهم فعرضهم عليهم وقال لهم‏:‏ علمت حالم حين رأيتم اقتصاد العرب فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريكم حالهم في أرضهم كيف كانت ثم حالهم في أرضكم ثم حالهم في الحرب فقد رأيتم ظفرهم بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم بما نالوا في اليوم الثاني فأردت أن تعلموا أن ما رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجعٌ إلى عيش اليوم الأول‏.‏

فتفرقوا وهم يقولون‏:‏ لقد رمتكم العرب برجلهم‏.‏

وبلغ عمر ذلك فقال‏:‏ ‏(‏والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره‏)‏‏.‏ ثم إن عمرًا سار إلى الإسكندرية وكان من بين الإسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا‏:‏ نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الإسكندرية‏.‏

فالتقوا واقتتلوا فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وسار حتى بلغ الإسكندرية فوجد أهلها معدين لقتاله‏.‏

فأرسل المقوقس إلى عمرو يسأله الهدنة إلى مدة فلم يجبه إلى ذلك وقال‏:‏ لقد لقينا ملككم الأكبر هرقل فكان منه ما بلغكم‏.‏

فقال المقوقس لأصحابه‏:‏ صدق فنحن أولى بالإذعان‏.‏

فأغلظوا له في القول وامتنعوا فقاتلهم المسلمون وحصروهم ثلاثة أشهر وفتحها عمرو عنوةً وغنم ما فيها وجعلهم ذمةً‏.‏

وقيل‏:‏ إن المقوقس صالح عمرًا على اثني عشر ألف دينار على أن يخرج من الإسكندرية من أراد الخروج ويقيم من أراد القيام وعلى أن يفرض على كل حالم من القبط دينارين وجعل فيها عمرو جندًا‏.‏

ولما فتحت مصر غزوا النوبة فرجع المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم فسموهم رماة الحدق‏.‏

فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان صالحهم على هدية عدة رؤوس في كل سنة يؤدونهم إلى المسلمين ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعامًا مسمى وكسوة وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من ولاة الأمور‏.‏

وقيل‏:‏ إن المسلمين لما انتهوا إلى بلهيب وقد بلغت سباياهم إلى اليمن أرسل صاحبهم إلى عمرو‏:‏ إنني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم‏:‏ فارس والروم فإن أحببت الجزية على أن ترد ما سبيتم من أرضي فعلت‏.‏

فكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب عمر‏.‏

فورد الجواب من عمر‏:‏ لعمري جزية قائمة أحب إلينا من غنيمة تقسم ثم كأنها لم تكن وأما السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيروا من في أيديكم منهم بين الإسلام ودين قومه فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه فضع عليه الجزية وأما من

تفرق في البلدان فإنا لا نقدر على ردهم‏.‏

فعرض عمرو ذلك على صاحب الإسكندرية فأجاب إليه فجموا السبي واجتمعت النصارى وخيروهم واحدًا واحدًا فمن اختار المسلمين كبروا ومن اختار النصارى نخروا وصار عليه جزية حتى فرغوا‏.‏

وكان من السبي أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن فاختار الإسلام وصار عريف زبيد‏.‏

وكان ملوك بني أمية يقولون‏:‏ إن مصر دخلت عنوةً وأهلها عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا‏.‏

ولم يكن كذلك‏.‏