فصل: ذكر وقعة نهاوند

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ **


 ذكر عدة حوداث وفي هذه السنة

أعني سنة عشرين غزا أبو بحرية عبد الله بن قيس أرض الروم وهو أول من دخلها فيما قيل وقيل‏:‏ أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي فسبى وغنم‏.‏

وقيل‏:‏ فيها عزل عمر قدامة بن مظعون من البحرين وحده في شرب الخمر واستعمل أبا بكرة على البحرين واليمامة‏.‏

وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام‏.‏

وفيها عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا‏:‏ لا يحسن يصلي‏.‏

وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى اليهود عنها وقسم وادي القرى‏.‏

وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة‏.‏

وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة وكانت تطرقت بلاد الإسلام فأصيب المسلمون فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدًا أبدًا يعني للغزو وقيل سنة إحدى وثلاثين‏.‏

مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة مشددة‏.‏

وفيها مات أسيد بن حضير في شعبان أسيد تصغير أسد‏.‏

وحضير بالحاء المهملة المضمومة والضاد المفتوحة والراء‏.‏

وفيها مات هرقل وملك قسطنطين‏.‏

وفيها ماتت زينب بنت جحش ونزل في قبرها أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش‏.‏

وحج بالناس عمر‏.‏

وكان عماله على الأمصار من كان قبل هذه السنة إلا من ذكرت أنه عزله‏.‏

وكان قضاته فيها القضاة في السنة قبلها‏.‏

وفيها مات عياض بن غنم وهو الذي فتح الجزيرة وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم‏.‏

وفيها مات بلال بن رباح مؤذن النبي ـ إن شاء الله ـ بدمشق وقيل بحلب‏.‏

وفيها مات أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي وله ولأبيه ولجده صحبة وقتل أبوه في غزوة الرجيع‏.‏

وفيها مات سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي شهد فتح خيبر وكان فاضلًا وكان على حمص حتى مات وقيل‏:‏ مات سنة تسع عشرة وقيل‏:‏ سنة إحدى وعشرين وعمره أربعون سنة‏.‏

وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب‏.‏

وفيها ماتت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏

وفيها قتل المظهر بن رافع الأنصاري قدم من الشام ومعه من علوج الشام فلما كان بخيبر أمرهم قومٌ من اليهود فقتلوهم فأجلاهم عمر‏.‏

المظهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وتشديد الهاء وآخره راء مهملة‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وعشرين

 ذكر وقعة نهاوند

قيل‏:‏ فيها كانت وقعة نهاوند وقيل‏:‏ كانت سنة ثماني عشرة وقيل سنة تسع عشرة‏.‏

وكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين ما خلصوا جند العلاء من بلاد فارس وفتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم وهو بمرو فحركوه وكاتب الملوك بين الباب والسند وخراسان وحلوان فتحركوا وتكاتبوا واجتمعوا إلى نهاوند ولما وصلها أوائلهم بلغ سعدًا الخبر فكت إلى عمر وثار بسعدٍ قومٌ سعوا به وألبوا عليه ولم يشغلهم ما نزل بالناس وكان ممن تحرك في أمره الجراح بن سنان الأسدي في نفر‏.‏

فقال لهم عمر إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الأمر وقد استعد لكم من استعد‏:‏ والله ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم‏.‏

فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للفرس وكان محمد صاحب العمال يقتص آثار من شكا زمان عمر فطاف بسعدٍ على أهل الكوفة يسأل عنه فما سأل عنه جماعةً إلا أثنوا عليه خيرًا سوى من مالأ الجراح الأسدي فإنهم سكتوا ولم يقولوا سوءًا ولا يسوغ لهم ويتعمدون ترك الثناء حتى انتهى إلى بني عبس فسألهم فقال أسامة بن قتادة‏:‏ اللهم إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يغزو في السرية‏.‏

فقال سعد‏:‏ اللهم إن كان قالها رياءً وكذبًا وسمعة فأعم بصره وأكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن‏.‏

فعمي واجتمع عنده عشر بنات وكان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يحبسها فإذا عثر عليه قال‏:‏ دعوة سعد الرجل المبارك‏.‏

ثم دعا سعد على أولئك النفر فقال‏:‏ اللهم إن كانوا خرجوا أشرًا وبطرًا ورياء فاجهد بلادهم‏.‏

فجهدوا وقطع الجراح بالسيوف يوم بادر الحسن بن علي رضي الله عنه ليغتاله بساباط وشدخ قبيصة بالحجارة وقتل أربد بالوجء ونعال السيوف‏.‏وقال سعد‏:‏ إني أول رجلٍ أهراق دمًا من المشركين ولقد جمع لي رسول الله ـ إن شاء الله ـ أبويه وما جمعهما لأحدٍ قبلي ولقد رأيتني خمس الإسلام وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي وأن الصيد يلهيني‏.‏

وخرج محمد بسعد وبهم معه إلى المدينة فقدموا على عمر فأخبروه الخبر فقال‏:‏ كيف تصلي يا سعد قال‏:‏ أطيل الأوليين وأحذف الأخريين‏.‏

فقال‏:‏ هكذا الظن بك يا أبا إسحاق ولولا الاحتياط لكان سبيلهم بينًا‏.‏

وقال‏:‏ من خليفتك يا سعد على الكوفة فقال‏:‏ عبد الله بن عبد الله بن عتبان‏.‏

فأقره‏.‏

فكان سبب نهاوند وبعثها زمن سعد‏.‏

وأما الوقعة فهي زمن عبد الله فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفًا ومائة ألف مقاتل وكان سعد كتب إلى عمر بالخبر ثم شافهه به لما قدم عليه وقال له‏:‏ إن أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح وأن يبدؤوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوهم‏.‏

فجمع عمر الناس واستشارهم وقال لهم‏:‏ هذا يوم له ما بعده وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلًا وسطًا بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءًا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم‏.‏

فقال طلحة بن عبيد الله‏:‏ يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور وعجمتك البلابل واحتنكتك التجارب وأنت وشأنك ورأيك لا ننبو في يديك ولا نكل عليك إليه هذا الأمر فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب وقدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوت وجربت واحتربت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيارهم‏.‏

ثم جلس‏.‏

فعاد عمر فقام عثمان فقال‏:‏ أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين فإنك إذا سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز عزًا وأكثر‏.‏

يا أمير المؤمنين إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية ولا تمتع من الدنيا بعزيز ولا تلوذ منها بحريز‏.‏

إن هذا يوم له ما بعده من الأيام فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه‏.‏

وجلس‏.‏

فعاد عمر فقام إليه علي بن أبي طالب فقال‏:‏ أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والغيالات أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا ثلاث فرق‏:‏ فرقة في حرمهم وذراريهم وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا ولتسر فرقةٌ إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا‏:‏ هذا أمير المؤمنين أمير العرب وأصلها فكان ذلك أشد لكلبهم عليك‏.‏

وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره وأما فقال عمر‏:‏ هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه فأشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر‏.‏

وقيل‏:‏ إن طلحة وعثمان وغيرهما أشاروا عليه بالمقام‏.‏

والله أعلم‏.‏

فلما قال عمر‏:‏ أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وليكن عراقيًا قالوا‏:‏ أنت أعلم بجندك وقد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم‏.‏فقال‏:‏ والله لأولين أمرهم رجلًا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدًا‏.‏

فقيل‏:‏ من هو فقال‏:‏ هو النعمان بن مقرن المزني‏.‏

فقالوا‏:‏ هو لها‏.‏

وكان النعمان يومئذ معه جمعٌ من أهل الكوفة قد اقتحموا جنديسابور والسوس‏.‏

فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه فإذا اجتمعوا إليه سار بهم إلى الفيرزان ومن معه‏.‏

وقيل بل كان النعمان بكسكر‏.‏

فكتب إلى عمر يسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين‏.‏

فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند فسار‏.‏

فكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليستنفر الناس مع النعمان كذا وكاذ ويجتمعوا عليه بماه‏.‏

فندب الناس فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظًا‏.‏

فخرج الناس منها وعليهم حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسًا عن المسلمين وعليهم المقترب الأسود بن ربيعة وحرملة بن مريطة ووزر بن كليب فأقاموا بتخوم أصبهان وفارس وقطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة بن اليمان وابن عمر وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة ابن شعبة وغيرهم فأرسل النعمان طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب وعمرو ابن ثني وهو ابن أبي سلمى ليأتوه بخبرهم‏.‏

وخرجوا وساروا يومًا إلى الليل فرجع إليه عمرو بن ثني فقالوا‏:‏ ما رجعك فقال‏:‏ لم أكن في أرض العجم وقتلت أرضٌ جاهلها وقتل أرضًا عالمها‏.‏

ومضى طليحة وعمرو ابن معد يكرب‏.‏

فلما كان آخر الليل رجع عمرو فقالوا‏:‏ ما رجعك قال‏:‏ سرنا يومًا وليلةً ولم نر شيئًا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت‏.‏

ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند‏.‏

وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا‏.‏

فقال الناس‏:‏ ارتد طليحة الثانية‏.‏

فعلم كلام القوم ورجع‏.‏فلما رأوه كبروا‏.‏

فقال‏:‏ ما شأنكم فأعلموه بالذي خافوا عليه‏.‏فقال‏:‏ والله لو لم يكن دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة‏.‏

فأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد‏.‏

فرحل النعمان وعبى أصحابه وهم ثلاثون ألفًا فجعل على مقدمته نعيم ابن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع بن عمرو وعلى الساقة مجاشع بن مسعود‏.‏

وقد توافت إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة بن شعبة فانتهوا إلى إسبيذهان والفرس وقوف على تعبيتهم وأميرهم الفيرزان وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب‏.‏

وقد توافى إليهم الأمداد بنهاوند كل من غاب عن القادسية ليسوا بدونهم فلما رآهم النعمان كبر وكبر معه الناس فتزلزلت الأعاجم وحطت العرب الأثقال وضرب فسطاط النعمان فابتدر أشراف الكوفة فضربوه منهم‏:‏ حذيفة بن اليمان وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وبشير ابن الخصاصية وحنظلة الكاتب وجرير بن عبد الله البجلي والأشعث ابن قيس وسعيد بن قيس الهمداني ووائل بن حجر وغيرهم‏.‏

فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء‏.‏

وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجالٌ وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء الله والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج فخاف المسلمون أن يطول أمرهم حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين وقالوا‏:‏ نراهم علينا بالخيار‏.‏

وأتوا النعمان في ذلك فوافوه وهو يروي في الذي رووا فيه فأخبروه فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي فأحضرهم فتكلم النعمان فقال‏:‏ ‏(‏قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم وقد ترون الذي فيه المسلمون من فتكلم عمرو بن ثني وكان أكبر الناس وكانوا يتكلمون على الأسنان فقال‏:‏ التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم وقاتل من أتاك منهم‏.‏

فردوا عليه رأيه‏.‏

وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال‏:‏ ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم فردوا جميعًا عليه رأيه وقالوا‏:‏ إنما يناطح بنا الجدران وهي أعوان علينا‏.‏

وقال طليحة‏:‏ أرى أن نبعث خيلًا لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادًا فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب‏.‏

فأمر النعمان القعقاع بن عمرو وكان على المجردة فأنشب القتال فأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا وقد قرن بعضهم بعضًا كل سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا‏.‏

فلما خرجوا نكص ثم نكص واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا‏:‏ هي هي فلم يبق أحد إلا من يقوم على الأبواب وركبوهم‏.‏

ولحق القعقاع بالناس وانقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي واقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح‏.‏

وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان‏:‏ ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم ائذن للناس في قتالهم‏.‏

فقال‏:‏ رويدًا رويدًا‏.‏

وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله ـ إن شاء الله ـ أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال فلما كان قريبًا من تلك الساعة ركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر وقال لم‏:‏ إني مكبر ثلاثًا فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة فإن قتل ففلان حتى عد سبعة آخرهم المغيرة‏.‏

ثم قال‏:‏ اللهم أعزز دينك وانصر عبادك واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك‏.‏

وقيل‏:‏ بل قال‏:‏ اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيدًا‏.‏

فبكى الناس‏.‏

ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثًا والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها وما كان يسمع إلا وقع الحديد وصبر لهم المسلمون صبرًا عظيمًا وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دمًا يزلق الناس والدواب‏.‏

فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدًا زلق به فرسه فصرع‏.‏

وقيل‏:‏ بل رمي بسهم في خاصرته فقتله فسجاه أخوه نعيم بثوب وأخذ الراية قبل أن تقع وناولها حذيفة فأخذها وتقدم إلى موضع النعمان وترك نعيمًا مكانه‏.‏

وقال لهم المغيرة‏:‏ اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس‏.‏

فاقتتلوا‏.‏

فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعًا وجعل يعقرهم حسك الحديد فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة‏.‏

وقيل‏:‏ قتل في اللهب ثمانون ألفًا وفي المعركة ثلاثون ألفًا سوى من قتل في الطلب ولم يفلت إلا الشريد ونجا الفيرزان من بين الصرعى فهرب نحو همذان فاتبعه نعيم بن مقرن وقدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان وهي إذ ذاك مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلًا فحبسه الدواب على أجله‏.‏

فلما لم يجد طريقًا نزل عن دابته وصعد في الجبل فتبعه القعقاع راجلًا فأدركه فقتله المسلمون على الثنية وقالوا‏:‏ إن لله جنودًا من عسل‏.‏

واستاقوا العسل وما معه من الأحمال‏.‏

وسميت الثنية ثنية العسل‏.‏ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها‏.‏

فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن فقال لهم أخوه معقل‏:‏ هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة‏.‏

ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيها من الأمتعة وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوا إلى صاحب الأقباض السائب ابن الأقرع‏.‏

وانتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع القعقاع ونعيم فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان فأبلغ حذيفة فقال‏:‏ أتؤمنني ومن شئت على أن أخرج لك ذخيرةً لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان قال‏:‏ نعم‏.‏

فأحضر جوهرًا نفيسًا في سفطين فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر‏.‏

وكان حذيفة قد نفل منها وأرسل الباقي مع السائب ابن الأقرع الثقفي وكان كاتبًا حاسبًا أرسله عمر إليهم وقال له‏:‏ إن فتح الله عليكم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ الخمس وإن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها‏.‏

قال السائب‏:‏ فلما فتح الله على المسلمين وأحضر الفارسي السفطين اللذين أودعهما عنده النخير جان فإذا فيهما اللؤلؤ والزبرجد والياقوت فلما فرغت من القسمة احتملتهما معي وقدمت على عمر وكان قد قدر الوقعة فبات يتململ ويخرج ويتوقع الأخبار فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلًا فمر به راكب فسأله‏:‏ من أين أقبل

فقال‏:‏ من نهاوند وأخبره بالفتح وقتل النعمان فلما أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة فبلغ الخبر عمر فسأله فأخبره فقال ذلك بريد الجن‏.‏

ثم قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسره ولم يخبره بقتل النعمان‏:‏ قال السائب‏:‏ فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار‏.‏

قال‏:‏ فأتيته فقال‏:‏ ما وراءك فقلت‏:‏ خيرًا يا أمير المؤمنين‏.‏

فتح الله عليك وأعظم الفتح واستشهد النعمان بن مقرن‏.‏

فقال عمر‏:‏ ‏{‏إنا لله وإنا إليه راجعون‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 156‏]‏‏.‏

ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده‏.‏

قال‏:‏ فلما رأيت ذلك وما لقي قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه‏.‏

فقال‏:‏ أولئك المستضعفون من المسلمين ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يصنع أولئك بمعرفة عمر‏!‏ ثم أخبرته بالسفطين فقال‏:‏ أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك‏.‏

قال‏:‏ ففعلت وخرجت سريعًا إلى الكوفة‏.‏

وبات عمر فلما أصبح بعث في أثري رسولًا فما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال‏:‏ الحق بأمير المؤمنين فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن‏.‏

قال‏:‏ فركبت معه فقدمت على عمر فلما رآني قال‏:‏ إلي وما لي وللسائب‏!‏ قلت‏:‏ ولماذا قال‏:‏ ويحك والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارًا فيقولون‏:‏ لنكوينك بهما فأقول‏:‏ إني سأقسمهما بين المسلمين‏.‏

فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم‏.‏

قال‏:‏ فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف فما زال أكثر أهل الكوفة مالًا ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين‏.‏

وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين‏.‏

وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند وكان المسلمون ثلاثين ألفًا‏.‏

ولما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرًا إلا مسح رأسه وبكى وقال له‏:‏ أكل عمر كبدي‏!‏ وكان من نهاوند فأسرته الروم وأسره المسلمون من الروم فنسب إلى حيث سبي‏.‏

وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع‏.‏

وملك المسلمون بلادهم‏.‏

 ذكر فتح الدينور والصميرة وغيرهما

لما انصرف أبو موسى من نهاوند وكان قد جاء مددًا على بعث أهل البصرة فمر بالدينور فأقام عليها خمسة أيام وصالحه أهلها على الجزية ومضى فصالحه أهل سيروان على مثل صلحهم وبعث السائب بن الأقرع الثقفي إلى الصميرة مدينة مهرجان قذق ففتحها صلحًا وقيل‏:‏ إنه وجه السائب من الأهواز ففتح ولاية مهرجان قذق‏.‏

 ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما

لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو‏.‏

فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم الجزية على أن يضمن منهم همذان وسدستبى وألا يؤتى المسلمون منهم فأجابوه إلى ذلك وآمنوه ومن معه من الفرس وأقبل كل من كان هرب وبلغ الخبر الماهين بفتح همذان وملكها ونزول نعيم والقعقاع بها فاقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا وأجمعوا على القبول وأجمعوا على إتيان حذيفة فخدعهم دينار وهو أحد أولئك الملوك وكان أشرفهم قارن وقال‏:‏ لا تقلوهم في جمالكم ففعلوا وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم واحتمل المسلمون ما أرادوا وعاقدوه عليهم ولم يجد الآخرون بدًا من متابعته والدخول في أمره فقيل ماه دينار لذلك‏.‏

وكان النعمان بن مقرن قد عاقد بهراذان على مثل ذلك فنسب إلى بهراذان وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وهو تصغير نسر‏.‏

قيل‏:‏ دخل دينار الكوفة أيام معاوية فقال‏:‏ يا أهل الكوفة إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس فبقيتم كذلك زمن عمر وعثمان ثم تغيرتم وفشت فيكم خصالٌ أربع‏:‏ بخل وخب وغدر وضيق ولم يكن فيكم واحدة منهن وقد رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم فإذا الخب من قبل النبط والبخل من قبل فارس والغدر من قبل خراسان والضيق من قبل الأهواز‏.‏

 ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم

وفيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم وطلب الفرس أين كانوا وقيل‏:‏ كان ذلك سنة ثماني عشرة وقد تقدم ذكره‏.‏

وسبب ذلك ما كان من يزدجرد وبعثه الجنود مرة بعد أخرى فوجه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة بعد فتح نهاوند وكان بين عمل سعد وعمل عمار أميران أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان وفي زمانه كانت وقعة نهاوند والآخر زياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصي وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله وبعث في وجه آخر وولي زياد وكان من المهاجرين فعمل قليلًا وألح في الاستعفاء فأعفاه عمر وولى عمار بن ياسر وكتب معه إلى أهل الكوفة‏:‏ إني بعثت عمارًا أميرًا وجعلت معه ابن مسعود معلمًا‏.‏

وكان ابن مسعود بحمص فسيره عمر إلى الكوفة وأمد أهل البصرة بعبد الله بن عبد الله وأمد أهل الكوفة بأبي موسى‏.‏

وكان أهل همذان قد كفروا بعد الصلح فبعث عمر لواءً إلى نعيم بن مقرن وأمره بقصد همذان فإذا فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى خراسان وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبد الله إلى أذربيجان يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل وبعث عبد الله بن عبد الله إلى أصبهان وأمر عمر سراقة على البصرة‏.‏

 ذكر فتح أصبهان

وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان وكان شجاعًا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليف لبني الحبلى وأمده بأبي موسى وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله فساروا إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة وما وراءها وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند نحو أصبهان وعلى جندها الاستندار وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه شيخ كبير في جمع عظيم فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان فاقتتلوا قتالًا شديدًا ودعا الشيخ إلى البراز فبرز له عبد الله بن ورقاء الرياحي فقتله وانهزم أهل أصبهان‏.‏

فسمي ذلك الرستاق رستاق الشيخ إلى اليوم وصالحهم الاستندار على رستاق الشيخ وهو أول رستاق أخذ من أصبهان‏.‏

ثم سار عبد الله إلى مدينة جي وهي مدينة أصبهان فانتهى إليها والملك بأصبهان الفاذوسفان فنزل بالناس على جي وحاصرها وقاتلها ثم صالحه الفاذوسفان على أصبهان وأن على من أقام الجزية وأقام على ماله وأن يجزى من أخذت أرضه عنوة مجراهم ومن أبى وذهب كان لكم أرضه وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز وقد صالح فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلًا من أهل أصبهان لحقوا بكرمان‏.‏

ودخل عبد الله وأبو موسى جيًا وكتب بذلك إلى عمر‏.‏

فقدم كتاب عمر إلى عبد الله‏:‏ أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتكون معه على قتال من بكرمان فسار واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع ولحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان قيل‏:‏ وقد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا أصبهان النعمان بن مقرن وأن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه فسار إلى

أصبهان وبها ملكها ذو الحاجبين فأرسل إليه المغيرة بن شعبة وعاد من عنده فقاتلهم وقتل النعمان ووقع ذو الحاجبين عن دابته فانشقت بطنه وانهزم أصحابه‏.‏

قال معقل‏:‏ فأتيت النعمان وهو صريع فجعلت عليه علمًا‏.‏

فلما انهزم المشركون أتيته ومعي إداوة فيها ماء فغسلت عن وجهه التراب فقال‏:‏ ما فعل الناس فقلت‏:‏ فتح الله عليهم‏.‏

قال‏:‏ الحمد لله‏!‏ ومات‏.‏

هكذا في هذه الرواية والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان‏.‏

 ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة وفيها

ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض‏.‏

فشكا أهل الكوفة عمارًا فاستعفى عمار عمر بن الخطاب فولى عمر جبير بن مطعم الكوفة وقال له‏:‏ لا تذكره لأحد‏.‏

فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر ففعلت فقالت‏:‏ نعم ما حييتني به‏.‏

فلما علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له‏:‏ بارك الله لك فيمن وليت‏!‏ وأخبره الخبر فعزله وولى المغيرة بن شعبة الكوفة فلم يزل عليها حتى مات عمر‏.‏

وقيل‏:‏ إن عمارًا عزل سنة اثنتين وعشرين وولي بعده أبو موسى‏.‏

وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

قيل‏:‏ وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحًا وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين‏.‏

وقيل‏:‏ سنة عشرين‏.‏

كان الأمراء في هذه السنة‏:‏ عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين‏.‏

وفيها ولد الحسن البصري وعامر الشعبي‏.‏

وحج بالناس عمر بن الخطاب واستخلف على المدينة زيد بن ثابت‏.‏

وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة ومصر والبصرة من كان قبل ذلك وكان على الكوفة عمار بن ياسر وشريح على القضاء‏.‏

وفيها بعث عثمان بن أبي العاص بعثًا إلى ساحل فارس فحاربوهم ومعهم الجارود العبدي فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود وقيل‏:‏ بل قتل بنهاوند مع النعمان‏.‏

وفيها مات حممة وهو من الصحابة بأصبهان بعد فتحها والعلاء بن الحضرمي وهو على البحرين فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة‏.‏

وفيها مات خالد ابن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب وقيل‏:‏ مات سنة ثلاث وعشرين وقيل‏:‏ مات بالمدينة‏.‏

والأول أصح‏.‏

في هذه السنة افتتحت أذربيجان وقيل‏:‏ سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان والري وجرجان فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها‏.‏

 ذكر فتح همذان ثانيًا

قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة فخرج نعيم ابن مقرن على تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعًا وحاصرها فلما رأى أهلها ذلك سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن فتحها كان سنة أربع وعشرين بعد مقتل عمر بستة أشهر‏.‏

فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفًا من الجند كاتب الديلم وأهل الري وأذربيجان إذ خرج موتًا في الديلم حتى نزل بواج روذ وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري وأقبل أسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم فاقتتلوا بواج روذ قتالًا شديدًا وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون فأرسلوا إلى عمر مبشرًا فأمر عمر نعيمًا بقصد

وقيل‏:‏ إن المغيرة بن شعبة وهو عامل على الكوفة أرسل جرير بن عبد الله إلى همذان فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم فقال‏:‏ احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله‏.‏

ثم فتحها على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسرًا‏.‏

وقيل‏:‏ كان فتحها على يد المغيرة بنفسه وكان جرير على مقدمته‏.‏

وقيل‏:‏ فتحها قرظة بن كعب الأنصاري‏.‏

 ذكر فتح قزوين وزنجان

لما سير المغيرة جريرًا إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها وإنما كان مغزاهم قبل من دستبى‏.‏

فسار البراء حتى أتى أبهر وهو حصن فقاتلوه ثم طلبوا الأمان فآمنهم وصالحهم ثم غزا قزوين فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبونن النصرة فوعدوهم ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوفٌ على الجبل لا يمدون يدًا فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر وقال بعض المسلمين‏:‏ قد علم الديلم إذ تحارب حين أتى في جيشه ابن عازب

من جبلٍ وعرٍ ومن سباسب وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الإتاوة وغزا جيلان والببر والطيلسان وفتح زنجان عنوةً‏.‏

ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم وأذربيجان وجيلان وموقان والببر والطيلسان ثم انصرف‏.‏

 ذكر فتح الري

ثم انصرف نعيم من واج روذ حتى قدم الري وخرج الزينبي أبو الفرخان من الري فلقي نعيمًا طالبًا الصلح ومسالمًا له ومخالفًا لملك الري وهو سياوخش ابن مهران بن بهرام جوبين فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه خوفًا من المسلمين فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها فاقتتلوا به وكان الزينبي قال لنعيم‏:‏ إن القوم كثير وأنت في قلة فباعث معي خيلًا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك‏.‏

فبعث معه نعيم خيلًا من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتًا فشغلهم عن مدينتهم فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها وأفاء الله على المسلمين بالري نحوًا مما في المدائن وصالحه الزينبي على الري ومرزبة عليهم نعيمٌ فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي وأخرب نعيم مدينتهم وهي التي يقال لها العتيقة وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي‏.‏

وكتب نعيم إلى عمر بالفتح وأنفذ الأخماس وكان البشير المضارب العجلي وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على دنباوند فأجابه إلى ذلك‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب وقيل‏:‏ كان فتحها سنة إحدى وعشرين‏.‏

وقيل غير ذلك‏.‏

والله أعلم‏.‏

 ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان

لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس فسار سويد نحو قومس فلم يقم له أحد فأخذها سلمًا وعسكر بها وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم بذلك‏.‏

ثم سار سويد إلى جرجان فعكسر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان وهو زرنان صول وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكافية حرب جرجان وأن يعينه سويد إن غلب فأجابه سويد إلى ذلك وتلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها فسدها

وقيل‏:‏ كان فتحها سنة ثماني عشرة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة ثلاثين زمن عثمان‏.‏

قيل‏:‏ وأرسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويدًا في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئًا على غير نصر ولا معونة على أحد فقبل ذلك منه وكتب له كتابًا‏.‏

 ذكر فتح طرابلس الغرب وبرقة

في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه‏.‏

فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها شهرًا فلم يظفر بها وكان قد نزل شرقيها فخرج رجل من بني مدلج يتصد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة فلما رجعوا اشتد عليهم الحر فأخذوا على جانب البحر ولم يكن السور متصلًا بالبحر وكانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم فرأى المدلجي وأصحابه مسلكًا بين البحر والبلد فدخلوا منه وكبروا فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم لأنهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد فلم يفلت الروم إلا بما خف معهم في مراكبهم‏.‏

وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس فلما امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا واطمأنوا فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكرًا كثيفًا وسيره إلى سبرة فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرةً وغنموا ما فيه وعادوا إلى عمرو‏.‏

ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة وهم من البربر‏.‏

وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية وهما كورتان من كور مصر الغربية تفرقوا فسارت زناتة ومغيلة وهما قبيلتان من البربر إلى الغرب فسكنوا الجبال وسكنت لواتة أرض برقة وتعرف قديمًا بأنطابلس وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان بها من الروم لذلك وقام الأفارق وهم خدم الروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم‏.‏

وسار عمرو بن العاص كما ذكرنا فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزيةً وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم‏.‏

 ذكر فتح أذربيجان

قال‏:‏ فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري - وليس بأبي دجانة - ممدًا لبكير بن عبد الله بأذربيجان أمره عمر بذلك فسار سماك نحو بكير وكان بكير حيث بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم اسفنديار بن فرخزاذ مهزومًا من واجٍ روذ فكان أول قتال لقيه بأذربيجان فاقتتلوا فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيرًا‏.‏

فقال له اسفنديار‏:‏ الصلح أحب إليك أم الحرب قال‏:‏ بل الصلح‏.‏

قال‏:‏ أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجىء إليهم لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما‏.‏

فأمسكه عنده وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن‏.‏

وقدم عليه سماك بن خرشة ممدًا واسفنديار في إساره وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه‏.‏

وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم فأذن له أن يتقدم نحو الباب وأن يستخلف على ما افتتحه فاستخلف عليه عتبة بن فرقد فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد‏.‏

وكان بهرام بن فرخزاذ قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره حتى قدم عليه عتبة فاقتتلوا فانهزم بهرام فلما بلغ خبره اسفنديار وهو في الأسر عند بكير قال‏:‏ الآن تم الصلح وطفئت الحرب‏.‏

فصالحه وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلهم وعادت أذربيجان سلمًا‏.‏

وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا‏.‏

ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتابًا بالصلح‏.‏

وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدي له‏.‏

وكان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم‏.‏

 ذكر فتح الباب في هذه السنة

كان فتح الباب وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة بن عمرو وكان يدعى ذا النور إلى الباب وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة وكان أيضًا يدعى ذا النور وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان بكير سبقه إلى الباب‏.‏ وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي‏.‏فسار سراقة فلما خرج من أذربيجان قدم بكير إلى الباب وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على الباب والملك بها يومئذ شهريار وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل وأغزى الشام بهم فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه ففعل فأتاه فقال‏:‏ إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب ولست من البقبج ولا الأرمن في شيء وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم‏.‏

قال‏:‏ فسيره عبد الرحمن إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك فقبل منه سراقة ذلك وقال‏:‏ لابد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو‏.‏

فأجابه إلى ذلك‏.‏

وكتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمرو واستحسنه‏.‏

 ذكر فتح موقان

لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة ابن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية فوجه بكيرًا إلى موقان وحبيبًا إلى تفليس وحذيفة إلى جبال اللان وسلمان إلى الوجه الآخر‏.‏

وكتب سراقة بالفتح إلى عمر وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات المذكورة فأتى عمر أمرٌ لم يظن أن يستتم له بغير مؤونة لأنه فرج عظيم وجند عظيم فلما استوسقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة‏.‏

ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير فإنه فض أهل موقان ثم تراجعوا على الجزية عن كل حالم دينار‏.‏

وكان فتحها سنة إحدى وعشرين‏.‏

ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك‏.‏

أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين‏.‏

والنور في الموضعين بالراء‏.‏

 ذكر غزو الترك

لما أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب‏.‏

فقال له شهريار‏:‏ ما تريد أن تصنع قال‏:‏ أريد غزو بلنجر والترك‏.‏

قال‏:‏ إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب‏.‏

قال عبد الرحمن‏:‏ لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم وبالله إن معنا أقوامًا لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم‏.‏

قال‏:‏ وما هم قال‏:‏ اقوام صحبوا رسول الله ـ إن شاء الله ـ ودخلوا في هذا الأمر بنية ولا يزال هذا الأمر لهم دائمًا ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم‏.‏ فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا‏:‏ ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت فهربوا منه وتحصنوا فرجع بالغنيمة والظفر وقد بلغت خيله ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان غزوات فظفر كما كان يظفر حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحًا لهم فزادهم فسادًا فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجلٌ منهم رجلًا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى منادٍ من الجو‏:‏ صبرًا عبد الرحمن وموعدكم الجنة‏!‏ فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها ونادى منادٍ من الجو‏:‏ صبرًا آل سلمان‏!‏ فقال سلمان‏:‏ أو ترى جزعًا وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن فهم يستسقون به إلى الآن‏.‏

 ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة

في هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم‏.‏

وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان وبلغ أهل الكوفة ذلك وقالوا لعمار بن ياسر وكان على الكوفة أميرًا سنة وبعض أخرى‏:‏ اكتب إلى عمر أن رامهرمز وإيذج لنا

دونهم لم يعينونا عليهما ولم يلحقونا حتى افتتحناهما فلم يفعل عمار فقال له عطارد‏:‏ أيها العبد الأجدع فعلام تدع فيئنا فقال‏:‏ لقد سببت أحب أذني إليذ فأبغضوه لذلك‏.‏

واختصم أهل الكوفة وأهل البصرة وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة‏.‏

فقال لهم أهل الكوفة‏:‏ أتيتمونا مددًا وقد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم والذمة ذمتنا والأرض أرضنا‏.‏

فقال عمر‏:‏ صدقوا‏.‏

فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة‏:‏ فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيهم‏.‏

فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة أخذها من شهد الأيام والقادسية‏.‏

ولما ولي معاوية وكان هو الذي جند قنسرين من أتاه من أهل العراقين أيام علي وإنما كان قنسرين رستاقًا من رساتيق حمص فأخذ لهم معاوية حين ولي بنصيبهم ومن فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب لأنه من فتوح أهل الكوفة‏.‏

وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة انتقل إليها كل من نزل بهجرته من أهل البلدين أيام علي فأعطاهم معاوية من ذلك نصيبًا‏.‏

وكفر أهل أرمينية أيام معاوية وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب وحبيب يومئذ بجرزان وكات أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان فاستجابوا له‏.‏

وولاية أبي موسى والمغيرة بن شعبة وفيها عمل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى‏.‏

وسبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له‏:‏ إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين ونزا به أهل الكوفة‏.‏

فدعاه عمر فخرج معه وفدٌ يريد أنهم معه فكانوا أشد عليه ممن تخلف عنه وقالوا‏:‏ إنه غير كافٍ وعالم بالسياسة ولا يدري على ما استعملته‏.‏

وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار وجرير بن عبد الله فسعيا به فعزله عمر‏.‏

وقال عمر لعمار‏:‏ أساءك العزل قال‏:‏ ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت‏.‏

فقال له‏:‏ قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت‏:‏ ‏{‏ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 5‏]‏‏.‏

ثم أقبل عمر على أهل الكوفة فقال‏:‏ من تريدون قالوا‏:‏ أبا موسى‏.‏

فأمره عليهم بعد عمار‏.‏

فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف فشكاه الوليد ابن عبد شمس وجماعة معه وقالوا‏:‏ إن غلامه يتجر في جسرنا فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة‏.‏

وصرف عمر ابن سراقة إلى الجزيرة‏.‏

وخلا عمر في ناحية المسجد فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ فقال‏:‏ ما

فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم‏.‏

فقال‏:‏ وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير وأحيطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل‏.‏

وأتاه أصحابه فقالوا‏:‏ ما شأنك فقال‏:‏ إن أهل الكوفة قد عضلوني‏.‏

واستشارهم فيمن يوليه‏.‏

وقال‏:‏ ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي مسدد فقال المغيرة‏:‏ أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك وأما القوي المسدد فإن سداده لنفسه وقوته للمسلمين‏.‏

فولى المغيرة الكوفة فبقي عليها حتى مات عمر وذلك نحو سنتين وزيادة‏.‏

وقال له حين بعثه‏:‏ يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار‏.‏

ثم أراد عمر أن يبعث سعدًا على عمل المغيرة فقتل عمر قبل ذلك فأوصى به‏.‏