فصل: تفسير الآية رقم (12)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قال الحسن‏:‏ عقر سليمان الخيل أسفاً على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر فأبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع الريح تجري بأمره، وقرأ جمهور القراء «الريحَ» بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والأعرج «الريحُ» بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر في المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن «ولسليمان تسخير الرياح» وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏غدوها شهر ورواحها شهر‏}‏ قال قتادة معناه أنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، فروي عن الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره تدمر التي بنتها له الجن بالصفاح والعمد فيقيل في اصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره‏.‏

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خير الجيوش أربعة آلاف» وما كان سليمان ليعدو الخير، وقرأ ابن أبي عبلة «غدوتها شهر وروحتها شهر» وكان إذا أراد قوماً لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأسلنا له عين القطر‏}‏، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، و‏{‏القطر‏}‏‏:‏ النحاس، وقالت فرقة ‏{‏القطر‏}‏ الفلز كله النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل معنى ‏{‏أسلنا له عين القطر‏}‏ أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود، قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار، و‏{‏عين‏}‏ على هذا التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولاذاب لأحد قبله، وقوله ‏{‏من يعمل‏}‏ يحتمل أن ‏{‏من‏}‏ تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور، و‏{‏يزغ‏}‏ معناه يمل أي ينحرف عاصياً، وقال ‏{‏عن أمرنا‏}‏ يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما يخالف الأمر، قال الضحاك وفي مصحف عبد الله «ومن يزغ عن أمرنا» بغير ‏{‏منهم‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من عذاب السعير‏}‏ قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير، فمن عصى ضربه فأحرقه به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‏(‏13‏)‏‏}‏

«المحاريب» الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ابن زيد المساكن، والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

كدمى العاج في المحاريب أو كال *** بيض في الروض زهره مستنير

«والتماثيل» قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قوم‏:‏ حرم التصوير لأن الصور كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه، و«الجوابي» جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال الراجز‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

فصحبت جابية صهارجا *** كأنه جلد السماء خارجا

وقال مجاهد‏:‏ «الجوابي» جمع جوبة وهي الحفرة العظيمة في الأرض‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ ومنه قول الأعشى‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

نفى الذم عن آل المحلق جفنة *** كجابية الشيخ العراقيّ تفهق

وأنشده الطبري‏:‏ تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضاً، وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى الشين والخاء منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخاً من فلاحي سواد العراق غير معين وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، فهي تفهق أبداً فشبهت الجفنة بها لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد «الجوابي» الحياض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «كالجواب» بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض والغاز والهاد، وأيضاً فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع التنوين وجب أن تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبداً عمل نقيضه، و‏{‏راسيات‏}‏ معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل ولا يحمل‏.‏ ولا يستطيع على عمله إلا الجن وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن يعملوا بالطاعات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شكراً‏}‏ يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا عملاً هو الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت مسده، وفي الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال‏:‏

«ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكراً العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية»، وروي أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال‏:‏ يا داود الآن عرفتني حق معرفتي، وقال ثابت‏:‏ روي أن مصلى داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً كانوا يتناوبونه دائماً، وكان سليمان عليه السلام فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك، وروي أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال‏:‏ أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقليل من عبادي الشكور‏}‏ يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون مخاطبة لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسع عمر بن الخطاب رجلاً يقول‏:‏ اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر‏:‏ ما هذا الدعاء‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ أردت قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وقليل من عبادي الشكور‏}‏، فقال عمر رحمه الله‏:‏ كل الناس أعلم من عمر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وقد قال تعالى ‏{‏وقليل ما هم‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 24‏]‏، والقلة أيضاً بمعنى الخمور منحة من الله تعالى، فلهذا الدعاء محاسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏عليه‏}‏ عائد على سليمان، و‏{‏قضينا‏}‏ بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز الوجود وإلا فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية أن سليمان عليه السلام كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها وسائر شأنها فتخبره فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت شجرة فقال لها ما أنت‏؟‏ فقالت‏:‏ أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان عليه السلام‏:‏ ما كان الله ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد عليه السلام وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها باباً، وتوكأ على عصاه على موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك القبة بزاد سنة وكان الجن يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة كانت في أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة التي كان سليمان عليه السلام حياً في القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله بكتمان موته على الجن والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل الجن عملاً كان قد بدئ في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ منه، فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته فجاء جسور منهم فقرب فلم يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حتى دخل من بعض تلك الكوى فوجد سليمان ميتاً، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض الناس‏:‏ جعلت الأرضة فأكلت يوماً وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة ‏{‏دابة الأرض‏}‏ على موته، وللمفسرين في هذه القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين ‏{‏دابة الأرض‏}‏ هي سوسة العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل «الأرض» بفتح الراء جمع أرضة فهذا يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة ‏{‏دابة الأرض‏}‏ حيوان من الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود وليس السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي ‏{‏الأرض‏}‏ هنا مصدر أرضت الأثواب والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف عبد الله «الأرض أكلت منسأته»، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

إذا دببت على المنساة من هرم *** فقد تباعد عنك اللهو والغزل

وقرأ جماعة من القراء «منساته» بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو عمرو لا أعرف لها اشتقاقاً فأنا لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت لأنه لا يجوز لي همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي «المنسأة» مفتوحة من نسأت الإبل والغنم والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أمون كعيدان الاران نسأتها *** على لاحب كأنه ظهر برجد

ويروى «وعنس» كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين، وقرأ باقي السبعة «منسأته» على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة «مَنساته» بفتح الميم وبغير همز، وقرأت فرقة «مسنأْته» بهمزة ساكنة وهذا لا وجه له إلا التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس‏:‏ ‏[‏السريع‏]‏

فاليوم أشرب غير مستحقب *** إثماً من الله ولا واغلِ

وقرأت فرقة «من ساتِه» بفصل «من» وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه يقال سية وساة، فكأنه قال «من ساته» ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس‏:‏ إن سليمان عليه السلام لم يمت إلا في سفر مضطجعاً ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة الباب حتى خر البيت فعلم موته‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا ضعيف وقرأ الجمهور «تبينت الجنُّ» بإسناد الفعل إليها أي بان أمرها كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله ‏{‏تبينت الجن‏}‏ بمعنى علمت الجن وتحققت، ويريد ‏{‏الجن‏}‏ جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في ‏{‏كانوا‏}‏ رؤساءهم وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، قاله قتادة، فيتيقن الأتباع أن الرؤساء ‏{‏لو كانوا‏}‏ عالمين الغيب ‏{‏ما لبثوا‏}‏ و‏{‏أن‏}‏ على التأويل الأول بدل من ‏{‏الجن‏}‏ وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ يعقوب «تُبينت الجن» على بناء الفعل للمفعول أي تبينتها الناس، و‏{‏أن‏}‏ على هذه القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي «بأن» على هذه القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ مذهب سيبويه أن ‏{‏أن‏}‏ في هذه الآية لا موضع لها من الإعراب وإنما هي مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت وتحققت وعلمت وتيقنت ونحوها تحل محل القسم في قولك‏:‏ علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك قلت والله لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله ‏{‏ما لبثوا‏}‏ على هذا القول جواب ما تنزل منزلة القسم لا جواب ‏{‏لو‏}‏ وعلى الأقوال الأول جواب ‏{‏لو‏}‏ وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ «تبينت الجن» أي تبينت الإنس الجن، و‏{‏العذاب المهين‏}‏ هو العمل في تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان، وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت، ف ‏{‏المهين‏}‏ المذل من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات «فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا» وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم أنها كذلك في مصحف ابن مسعود‏.‏ قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لا صحة له ولا تقتضيه ألفاظ القرآن ‏(‏وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ‏(‏15‏)‏ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ‏(‏16‏)‏ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و‏{‏سبأ‏}‏ هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أماً للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك عن ‏{‏سبأ‏}‏ فقال‏:‏ هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن‏.‏

وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج «لسبإ» بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن «لسبأ» بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء «في مساكنهم» لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده «في مسكِنهم» بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضاً لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت وليس موضع السجود‏.‏ قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص «مسكَنهم» بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

كلوا في بعض بطنكم تعفوا *** وكما قال الآخر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

قد عض أعناقهم جلد الجواميس *** و‏{‏آية‏}‏ معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، و‏{‏جنتان‏}‏ ابتداء وخبره في قوله عن ‏{‏يمين وشمال‏}‏ أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من ‏{‏آية‏}‏ ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة «آية جنتين» بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعاً يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله ‏{‏كلوا‏}‏ فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، و‏{‏طيبة‏}‏ معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث لا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يداً، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب «بلدةً طيبةً ورباً غفوراً» بالنصب في الكل، وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبياً فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جرداً أعمى توالد فيه وخرقه شيئاً بعد شيء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من العظم وكثرة الماء بحث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولاً فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة ‏{‏العرم‏}‏ فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة‏:‏ ‏{‏العرم‏}‏ في لغة اليمن‏:‏ جمع عرمة‏:‏ وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى‏:‏

وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب *** عفا عليها العرم

رخام بناه لهم حمير *** إذا جاءه موارة لم يرم

ومنه قول الآخر‏:‏

ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ *** يبنون من دون سيله العرما

وقال ابن عباس وقتادة الضحاك ‏{‏العرم‏}‏ اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال ابن عباس أيضاً إن سيل ذلك الوادي أبداً يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضاً ‏{‏العرم‏}‏ الشديد‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة ‏{‏العرم‏}‏ اسم الجرذ‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا ضعيف، وقيل ‏{‏العرم‏}‏ اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك السيل، وقوله ‏{‏وبدلناهم بجنتيهم جنتين‏}‏ قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من «الخمط والأثل» لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوباً جيداً وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله ‏{‏ذواتي‏}‏ تثنية ذات، و«الخمط» شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل «الخمط» كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و«الأثل» ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و«السدر» معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع «أكْل» بضم الهمزة وسكون الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضاً عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى

‏{‏تؤتي أكلها كل حين‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 25‏]‏ أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين «أكل» وصفته بخمط وما بعده، قال أبو علي‏:‏ البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس بالمخمط نفسه والصفة أيضاً كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي ‏[‏الطويل‏]‏

عقار كماء الني ليس بخمطة *** ولا خلة يكوي الشروب شبابها

وقرأ أبو عمرو بإضافة «أكلِ» إلى «خمطٍ» وبضم كاف «أكلُ خمطٍ»، ورجع أبو علي قراءة الإضافة وقوله ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله ‏{‏وهل يجازي‏}‏ أي يناقش ويقارض بمثل فعل قدراً لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو ‏{‏الكفور‏}‏ قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن إذ ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام «من نوقش الحساب عذب»، وقرأ جمهور القراء «يجازَى» بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي «نجازي» بالنون وكسر الزاي، «الكفورَ» بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب «وهل يجزي» وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ «وهل يُجزي» بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في الخير وجازيت في الشر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ فترجح هذه قراءة الجمهور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 19‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ ‏(‏18‏)‏ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏19‏)‏‏}‏

هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد و‏{‏القرى‏}‏ المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضاً، وكلها من قريت أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و«القرى الظاهرة» هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي «قال ابن عباس‏:‏ هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله الضحاك» واختلف في معنى ‏{‏ظاهرة‏}‏ فقالت فرقة‏:‏ معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب وهي أشرف القرى‏.‏

وقالت فرقة‏:‏ معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبداً في قبضة المسافر لايخلو من رؤية شيء منها فهي ظاهرة بهذا الوجه‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والذي يظهر إليّ أن معنى ‏{‏ظاهرة‏}‏ خارجة عن المدن، فهِي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي والفحوص، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي خارجاً عنها وقوله ‏{‏ظاهرة‏}‏ نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فلو شهدتني من قريش عصابة *** قريش البطاح لا قريش الظواهر

يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء وجاء أهل الضواحي يشكون الغرق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقدرنا فيها السير‏}‏ هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيروا‏}‏ معناه قلنا لهم، و‏{‏آمنين‏}‏ معناه من الخوف من الناس المفسدين، و‏{‏آمنين‏}‏ من الجوع والعطش وآفات المسافر، ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات الأخر وذلك أن نافعاً وعاصماً وحمزة والكسائي قرؤوا «باعِد بين أسفارنا» بكسر العين على معنى الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد «بعِّد بين أسفارنا» بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضاً، فهاتان قراءتان معناهما الأشر بأنهم ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن وابن الحنفية «ربَّنا» بالنصب «بَعُد بينَ أسفارنا» بفتح الباء وضم العين ونصب «بين» أيضاً، وقرأ سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة «بينُ» بالرفع وإضافته إلى الأسفار وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن البصري وابن الحنفية أيضاً «ربُّنا» بالرفع «باعَدَ» بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضاً وعمرو بن فائد ويحيى بن يعمر «ربُّنا» بالرفع «بَعَّد» بفتح العين وشدها وفتح الدال فهذه القراءة معناها الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا تعسف وتسحب على أقدار الله تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي والاستضرار، وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى وخرب بلادهم وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر «تفرقوا أيادي سبإ وأيدي سبإ» ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو تمزيقهم ‏{‏كل ممزق‏}‏، وروي أن رسول الله قال‏:‏ إن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب وهو اسم نبدهم تيامن منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة كندة والأزد وأشعر ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير بقي عليها اسم الأب الأول والتي تشاءمت لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة وغير ذلك، ثم أخبر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص فيها آيات وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏20‏)‏ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏21‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ولقد صدَق» بتخفيف الدال «إبليسُ» رفعاً «ظنَّه» بالنصب على المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول على معنى أنه لما ظن عمل عملاً يصدق به ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «صدَّق» بتشديد الدال ف «الظن» على هذا مفعول ب «صدَّق» وهي قراءة ابن عباس وقتادة وطلحة وعاصم والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجاج «ظنُّه» بالرفع، وبلال بن أبي بردة «صدَق» بتخفيف الدال «إبليسَ» النصب «ظنُّه» بالرفع، وقرأت فرقة «صدَق» بالتخفيف «إبليسُ» بالرفع على البدل وهو بدل الأشتمال، ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم شاكرين وغير ذلك كان ظناً منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم «اتبعوه» وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار، وقوله ‏{‏ممن هو منها في شك‏}‏ يدل على ذلك و‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏من المؤمنين‏}‏ لبيان الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض يقتضي أن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس، و«السلطان» الحجة، وقد يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ والله ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا لنعلم‏}‏ أي لنعلمة موجوداً، لأن العلم به متقدم أزلاً، وقرأت فرقة «إلا ليُعلم» بالياء على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله‏}‏ الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً، والجمهور على «قلُ ادعوا» بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو «قلِ ادعوا» بكسر اللام، وقوله ‏{‏الذين‏}‏ يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشاً والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها لتشفع لنا ونحو هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة من أنهم ‏{‏لا يملكون‏}‏ ملك الاختراع ‏{‏مثقال ذرة‏}‏ في السماء ‏{‏ولا في الأرض‏}‏ وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان فيهما نوعا الملك إما استبداداً وإما مشاركة، فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في شيء من قدرته و«الظهير» المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا تصح منه شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏(‏23‏)‏‏}‏

المعنى أن كل من دعوتم إلهاً من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع شفاعتهم إلا بإذن فيمن آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا لمن أذن له‏}‏ فقالت فرقة معناه ‏{‏لمن أذن لهم‏}‏ أن يشفع، فيه، وقالت فرقة معناه ‏{‏لمن أذن له‏}‏ أن يشفع هو‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك أن المشفوع فيه معين له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع فيه من قوله ‏{‏لمن‏}‏ تقول شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «أُذن» بضم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «أذَن» بفتحها، والضمير في ‏{‏قلوبهم‏}‏ عائد على الملائكة الذين دعوهم آلهة، ففي الكلام حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبداً حتى إذا فزع عن قلوبهم‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعني قوله ‏{‏حتى إذا فزع عن قلوبهم‏}‏ إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا فزع ذلك ‏{‏فزع عن قلوبهم‏}‏ أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل ‏{‏ماذا قال ربكم‏}‏ فيقول المسؤولون قال ‏{‏الحق هو العلي الكبير‏}‏ وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله ‏{‏الذين زعمتم‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22‏]‏ لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار بعد حلول الموت ‏{‏فزع عن قلوبهم‏}‏ بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ ‏{‏ماذا قال ربكم‏}‏ فيقولون قال ‏{‏الحق‏}‏ يقرون حين لا ينفعهم الإقرار، وقالت فرقة الآية في جميع العالم، وقوله ‏{‏حتى إذا‏}‏ يريد في القيامة‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء «فُزع» بضم الفاء ومعناه أطير الفزع منهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال، لأن فعل أصلها الإدخال في الشيء كعلمت ونحوها وقولك‏:‏ فزعت زيداً معناه أزلت الفزع عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحديث فدخل ابن عباس على عمر بجزعة ومنه مرضت فلاناً أي أزلت عنه المرض‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق بتحنث وتحرج وتفكه وتأثم وتخوف، وقرأ ابن عامر «فزّع» بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي واليماني، وقرأ الحسن البصري بخلاف «فُزِع» بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضاً «فُرّغ» بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي مجلز‏.‏

وقرأ مطر الوراق عن الحسن «فزع» على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد والحسن أيضاً «فرغ» بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه فاختلفت ألفاظ فيه، قرأ عيسى بن عمر «حتى إذا افرنقع» وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا كله وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئاً من هذا على بناء الفعل للمفعول فقوله عز وجل ‏{‏عن قلوبهم‏}‏ في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله ‏{‏عن قلوبهم‏}‏ في موضع نصب، وافرنقع معناه تفرق، وقوله ‏{‏ماذا‏}‏ يجوز أن تكون «ما» في موضع نصب ب ‏{‏قال‏}‏ ويصح أن تكون في موضع رفع بمعنى أي شيء قال، والنصب في قوله ‏{‏الحق‏}‏ على نحوه في قوله ‏{‏ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 30‏]‏ لأنهم حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم ‏{‏وهو العلي الكبير‏}‏ تمجيد وتحميد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 27‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ‏(‏26‏)‏ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏27‏)‏‏}‏

أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم من السماوات والأرض من هو ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا جواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثير وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنا أو إياكم‏}‏ تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة أحدنا يخطئ، أي تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطئ، وكذلك هذا معناه ‏{‏لعلى هدى أو في ضلال مبين‏}‏ فلينتبه، والمقصد أن الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه، وقال أبو عبيدة ‏{‏أو‏}‏ في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير «وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» وهما خبران غير مبتدأين‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان المعنى على كل قول يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز الكافرين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا تسألون عما أجرمنا‏}‏ الآية مهادنة ومتاركة منسوخة بآية السيف، وقوله عز وجل ‏{‏قل يجمع بيننا‏}‏ الآية إخبار بالبعث من القبور، وقوله ‏{‏يفتح‏}‏ معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وقوله تعالى ‏{‏قل أروني‏}‏ يحتمل أن تكون رؤية قلب فيكون قوله ‏{‏شركاء‏}‏ مفعولاً ثالثاً وهذا هو الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر و‏{‏شركاء‏}‏ حال من الضمير المفعول ب ‏{‏ألحقتم‏}‏ العائد على ‏{‏الذين‏}‏‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له، وقوله ‏{‏كلا‏}‏ رد لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف نفسه عز وجل باللائق به من العزة والحكمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 30‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏29‏)‏ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالم، و«الكافة» الجمع الأكمل من الناس، و‏{‏كافة‏}‏ نصب على الحال وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء التي حصرها في قوله «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر»، وفي هذه الخصال زيادة في كتاب مسلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ يريد بها العموم في الكفرة، والمؤمنون هم الأقل، ثم حكى عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن ‏{‏ميعاد‏}‏ هو يوم القيامة لا يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه، قال أبو عبيدة‏:‏ «الوعد والوعيد والميعاد» بمعنى واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن «الوعد» في الخير، و«الوعيد» في المكروه و«الميعاد» يقع لهذا ولهذا‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وأضاف الميعاد إلى اليوم تجوزاً من حيث كان فيه وتحتمل الآية أن يكون استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك أيضاً ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 32‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بما بين يديه من التوراة والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة‏:‏ «الذي بين يديه» هي الساعة والقيامة‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة وأنه المتقدم في الزمان وقد بيناه فيما تقدم، ثم أخبر الله تعالى نبيه عن حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب ‏{‏لو‏}‏ محذوف، وقوله ‏{‏يرجع بعضهم إلى بعض القول‏}‏ أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون، ثم فسر ذلك الجدل بأن الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم ‏{‏لولا أنتم‏}‏ لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب ‏{‏أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين‏}‏ أي دخلتم في الكفر ببصائركم، وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا كله يتضمنه اللفظ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالو لهم‏:‏ إنما كفرتم ببصائر أنفسكم قال المستضعفون بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار «وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما» ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا «ليل نائم ونهار صائم»، وأنشد سيبويه «فنام ليلي وتجلى همي»، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة «بل مكرٌ الليلَ والنهارَ» بتنوين «مكرٌ» ونصب «الليلَ والنهارَ» على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير «بل مكَرّ» بفتح الكاف وشد الراء من كر يكر وبالإضافة إلى «الليل والنهار» وذكر عن يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و«الند» المثيل والشبيه، والضمير في قوله ‏{‏أسروا‏}‏ عام جميع ما تقدم ذكره من المستضعفين والمستكبرين، ‏{‏أسروا‏}‏ معناه اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس ‏{‏أسروا‏}‏ معناه أظهروا وهي من الأضداد‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة فلا تكون إلا مستسرة ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لما رأوا العذاب‏}‏ أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه وباقي الآية بين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 37‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏34‏)‏ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏35‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد سيرة الأمم فلا يهمنك أمر قومك، و«القرية» المدينة، و«المترف» المنع البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة بالتكذيب، وقوله ‏{‏وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً‏}‏ يحتمل أن يعود الضمير على المترفين ويكون ذلك من قولهم مع تكذيبهم، ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول ‏{‏إن ربي‏}‏ الآية، ويحتمل أن يعود الضمير في ‏{‏قالوا‏}‏ لقريش ويكون كلام المترفين قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم ‏{‏نحن أكثر أموالاً وأولاداً‏}‏ معناه الاحتجاج أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب البتة اذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض المفسرين معنى قولهم ‏{‏وما نحن بمعذبين‏}‏ أي بالفقر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا ليس كالأول في القوة فأمر الله تعالى نبيه أن يقول‏:‏ إن الأمر ليس كما ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلاً على رضى الله تعالى والقرب منه لأنه قد يعطي ذلك إملاء واستدراجاً، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، وقرأت فرقة «ويقدر»، وقرأت فرقة «ويُقَدّر» بضم الباء وفتح القاف وشد الدال وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي هو ضد البسط، ثم أخبرهم بأن أموالهم وأولادهم ليست بمقربة من الله ‏{‏زلفى‏}‏، والزلفى مصدر بمعنى القرب، وكأنه قال تقربكم عندنا تقريباً، وقرأ الضحاك «زلَفًى» بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا من آمن‏}‏ استثناء منقطع، و‏{‏من‏}‏ في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج ‏{‏من‏}‏ بدل من الضمير في ‏{‏تقربكم‏}‏، وقال الفراء ‏{‏من‏}‏ في موضع رفع، وتقدير الكلام ما هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور «جزاءُ الضعفِ» بالإضافة، وقرأ قتادة «جزاءُ الضعفُ» برفعها، وحكى عنه الداني «جزاءَ» بالنصب «الضعفَ» بنصب الفاء، و‏{‏الضعف‏}‏ هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم أكثر إلى سبعمائة بحسب الأعمال‏.‏ ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء «في الغرفات» بالجمع، وقرأ حمزة وحده «في الغرفة» على اسم الجنس يراد به الجمع، ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان، قال أبو علي‏:‏ وقد يجيء هذا الجمع بالألف والتاء «الغرفات» ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت‏:‏

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

فلم يرد إلا كثرة جفان‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش والحسن وعاصم بخلاف في «الغرْفات» بسكون الراء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ‏(‏38‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى المؤمنين العاملين الصالحات وذكر ثوابهم عقب بذكر ضدهم وذكر جزائهم ليظهر تباين المنازل، وقرأت فرقة «معاجزين» ‏(‏وقرأت فرقة معجزين‏)‏، وقد تقدم تفسيرها في صدر السورة، و‏{‏محضرون‏}‏ من الإحضار والإعداد، ثم كرر القول ببسط الرزق وقدره تأكيداً وتبييناً وقصد به ها هنا رزق المؤمنين وليس سوقه على المعنى الأول الذي جلب للكافرين، بل هذا هنا على جهة الوعظ والتزهيد في الدنيا والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد بالخلف في ذلك وهو بشرط الاقتصاد والنية في الطاعة ودفع المضرات وعد منجز إما في الدنيا وإما في الآخرة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «قال الله لي أنفق أنفق عليك» وفي البخاري أن ملكاً ينادي كل يوم اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول ملك آخر‏:‏ اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وقال مجاهد المعنى إن كان خلف فهو موليه وميسره، وقد لا يكون الخلف، وأما قوله ‏{‏خير الرازقين‏}‏ فمن حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك من مال يملك عليهم والله تعالى من خزائن لا تفنى ومن إخراج من عدم إلى وجود، وقرأ الأعمش «ويُقدّر» بضم الياء وشد الدال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 43‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏40‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ‏(‏41‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏42‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏43‏)‏‏}‏

هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء «نحشرهم جميعاً ثم نقول» بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن عاصم «ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول» بالياء فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم وهذا نحو قوله تعالى لعيسى عليه السلام ‏{‏أأنت قلت للناس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 116‏]‏ وإذا قال الله تعالى للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة ‏{‏سبحانك‏}‏ أي تنزيهاً لك عما فعل هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم بقولهم ‏{‏أنت ولينا من دونهم‏}‏ يريدون البراءة من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم البشر، ثم قرروا البشر إنما عبدت الجن برضى الجن وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة البشر‏.‏ إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم ‏{‏لا يملك بعضكم لبعض نفعاً‏}‏، وقوله ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا‏}‏ ذكر الله تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عندما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقدح في الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 46‏]‏

‏{‏وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ‏(‏44‏)‏ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏45‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ‏(‏46‏)‏‏}‏

معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، وبعضهم افتراء، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم كتباً يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيراً فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس «يدْرسونها» بسكون الدال، وقرأ أبو حيوة «يدَّرِسونها» بفتح الدال وشدها وكسر الراء- والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية ‏{‏من نذير‏}‏ يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول‏:‏ إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّاً ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مثل لهم بالأمم المكذبة قبلهم، وقوله ‏{‏وما بلغوا معشار ما آتيناهم‏}‏ يحتمل ثلاثة معان‏:‏ أحدها أن يعود الضمير في ‏{‏بلغوا‏}‏ على قريش، وفي ‏{‏آتيناهم‏}‏ على الأمم ‏{‏الذين من قبلهم‏}‏، والمعنى من قوة والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، والثاني أن يعود الضمير في ‏{‏بلغوا‏}‏ على الأمم المتقدمة وفي ‏{‏آتيناهم‏}‏ على قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث أن يعود الضميران على الأم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و«المعشار»، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة فقالوا‏:‏ مرباع ومعشار وقال قوم‏:‏ المعشار عشر العشر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن وسقطت الياء منه تخفيفاً لأنها آخر آية، و‏{‏كيف‏}‏ تعظيم للأمر وليست استفهاماً مجرداً، وفي هذا تهديد لقريش أي أنّهم معرضون لنكير مثله، ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله والنظر في حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله ‏{‏بواحدة‏}‏ معناه بقضية واحدة إيجازاً لكم وتقريباً عليكم، وقوله ‏{‏أن‏}‏ مفسرة، ويجوز أن تكون بدلاً من ‏{‏واحدة‏}‏، وقوله ‏{‏تقوموا لله مثنى وفرادى‏}‏ يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن يتفكروا في أمره هل هو به جنة أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم ‏{‏ثم تتفكروا‏}‏‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ فيجيء ‏{‏ما بصاحبكم‏}‏ نفياً مستأنفاً وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به، ويحتمل أن يريد بقيامهم أن يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الواحد التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة- في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر الواحد بينه وبين نفسه ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد صلى الله عليه وسلم جنة أم لا‏؟‏ وعلى هذا لا يوقف على ‏{‏تتفكروا‏}‏ وقدم المثنى لأن الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة *** فيزداد بعض القوم من بعضهم علما

وقرأ يعقوب «ثم تفكروا» بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا الله وقيل غير هذا مما لا تعطيه الآية، وقوله ‏{‏بين يدي‏}‏ مرتب على أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 51‏]‏

‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏47‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏48‏)‏ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏(‏49‏)‏ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ‏(‏50‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏51‏)‏‏}‏

أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك، وقوله ‏{‏يقذف بالحق‏}‏ يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء «علاّمُ» بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «علاّمَ» بالنصب إما على البدل من اسم ‏{‏إن‏}‏ وإما على المدح، وقرأ الأعمش «بالحق هو علام الغيوب»، وقرأ عاصم «الغِيوب» بكسر الغين، وقوله ‏{‏قل جاء الحق‏}‏ يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم يعني السيف، وقوله ‏{‏وما يبدئ الباطل وما يعيد‏}‏، قالت فرقة‏:‏ ‏{‏الباطل‏}‏ هو غير ‏{‏الحق‏}‏ من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئاً، وقالت فرقة ‏{‏الباطل‏}‏ الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئاً مفيداً أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة ‏{‏ما‏}‏ استفهام كأنهم قال وأي شيء يصنع الباطل‏؟‏ وقرأ جمهور الناس «ضلَلت» بفتح اللام «فإنما إضِل» بكسر الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب «ضلِلت» بكسر اللام «أضَل» بفتح الضاد وهي لغة بني تميم، وقوله ‏{‏فيما‏}‏ يحتمل أن تكون «ما» بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، و‏{‏قريب‏}‏ معناه بإحاطته وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لو ترى‏}‏ الآية، فقال ابن عباس والضحاك‏:‏ هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل «وعند جهينة الخبر اليقين»، وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح، وقال قتادة‏:‏ ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد‏:‏ ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله ‏{‏من مكان قريب‏}‏ معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور «وأخذوا»، وقرأ طلحة بن مصرف «فلا فوت وأخذ»، كأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 54‏]‏

‏{‏وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏52‏)‏ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏53‏)‏ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ‏(‏54‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏به‏}‏ عائد على الله تعالى، وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه والقرآن، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وعامة القراء «التناوُش» بضم الواو دون همز، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم أيضاً «التناؤش» بالهمز، والأولى معناها التناول من قولهم ناش ينوش إذا تناول وتناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضاً بالسلاح، ومنه قول الراجز‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

فهي تنوش الحوض نوشاً من علا *** نوشاً به تقطع أجواز الفلا

فكأنه قال وأنى لهم تناول مرادهم وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك، وأما التناؤش بالهمز فيحتمل أن يكون من التناؤش الذي تقدم تفسيره وهمزت الواو لما كانت مضمونة وكانت ضمتها لازمة، كما قالوا أقتت وغير ذلك، ويحتمل أن يكون من الطلب، تقول اتناشت الشيء إذا طلبته من بعد، وقال ابن عباس تناؤش الشيء رجوعه حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

تمنى أن تؤوب إليك ميّ *** وليس إلى تناوشها سبيل

فكأنه قال في الآية‏:‏ وأنى لهم طلب مرادهم وقد بعد، قال مجاهد المعنى من الآخرة إلى الدنيا، وقرأ جمهور الناس «ويَقذِفون» بفتح الياء وكسر الذال على إسناد الفعل إليهم، أي يرجمون بظنونهم ويرمون بها الرسل وكتاب الله، وذلك غيب عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله مجاهد، وقال قتادة قذفهم بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار، وقرأ مجاهد «ويُقذَفون» بضم الياء وفتح الذال على معنى ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء، وقوله ‏{‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ قال الحسن معناه من الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله أيضاً قتادة، وقال مجاهد معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها، وهذا يتمكن جداً على القول بأن الأخذ والفزع المذكورين هو في يوم القيامة، وقوله ‏{‏كما فعل بأشياعهم من قبل‏}‏ الأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة، وشيع، وقوله ‏{‏من قبل‏}‏ يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قوم من قال إن الفزع هو في يوم القيامة تعلقه ‏{‏بأشياعهم‏}‏ أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد‏.‏ لا يقال فيه ‏{‏من قبل‏}‏، و«الشك المريب» أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاماً‏.‏

سورة فاطر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏2‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏4‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الألف واللام في ‏{‏الحمد‏}‏ لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن ‏{‏الحمد‏}‏ بالإطلاق على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله، و‏{‏فاطر‏}‏ معناه خالق لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس‏:‏ أنا فرطتها، أراد بدأت حفرها‏.‏ قتال ابن عباس ما كنت أفهم معنى ‏{‏فاطر‏}‏ حتى سمعت قول الأعرابي، وقرأ الجمهور «الحمد لله فطر»، وقرأ جمهور الناس «جاعلِ» بالخفض، وفرأت فرقة «جاعلُ» بالرفع على قطع الصفة، وقرأ خليد بن نشيط «جعل» على صيغة الماضي «الملائكة» نصباً، فأما على هذه القراءة الأخيرة فنصب قوله ‏{‏رسلاً‏}‏ على المفعول الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد ب «جاعل» الاستقبال لأن القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفاً وعمل عمل المستقبل في ‏{‏رسلاً‏}‏، وقالت فرقة ‏{‏جاعل‏}‏ بمعنى المضي و‏{‏رسلاً‏}‏ نصب بإضمار فعل، و‏{‏رسلاً‏}‏ معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره، فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك، وقرأ الحسن «رسْلاً» بسكون السين، و‏{‏أولي‏}‏ جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن الحسن أنه قال في تفسير قول مريم ‏{‏إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 18‏]‏ قال علمت مريم أن التقي ذو نهية، وقوله ‏{‏مثنى وثلاث ورباع‏}‏ ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على التكرار لأن ‏{‏مثنى‏}‏ بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة‏:‏ إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منهِا اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ثلاثة في كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت والله أعلم بذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يزيد في الخلق ما يشاء‏}‏ تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عن الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن لصوت قال الهيثم الفارسي‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي‏:‏ أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيراً، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي عليه السلام‏:‏

«الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً»، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيراً وباقي الآية بين، وقوله ‏{‏ما يفتح الله‏}‏ ‏{‏ما‏}‏ شرط، و‏{‏يفتح‏}‏ جزم بالشرط، وقوله ‏{‏من رحمة‏}‏ عام في كل خير يعطيه الله تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم، وقوله ‏{‏من بعده‏}‏ فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه، ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح، وقرأ الآية، وقوله ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله ‏{‏هل من خالق غير الله‏}‏ أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، وقرأ حمزة والكسائي «غيرِ» بالخفض نعتاً على اللفظ وخبر الابتداء ‏{‏يرزقكم‏}‏ وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون «غيرُ» خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل خالق إلا الله، فجرت «غير» مجرى الفاعل بعد ‏{‏إلا‏}‏، وقوله ‏{‏من السماء‏}‏ يريد بالمطر ومن ‏{‏الأرض‏}‏ يريد بالنبات، وقوله ‏{‏فأنى تؤفكون‏}‏ معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سلف من حال الرسل مع الأمم، و‏{‏الأمور‏}‏ تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ عز وجل جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان‏:‏ ‏{‏يا ليتني قدمت لحياتي‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 24‏]‏ ولا ينفعه ليت يومئذ، وحذر غرور الشيطان، وقوله ‏{‏إن وعد الله‏}‏ عبارة عن جميع خبره عز وجل في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس «الغَرور» بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة «الغُرور» بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غراً، ويحتمل أن يكون مصدراً وإن كان شاذاً في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوماً ونهكه المرض نهوكاً فهذا مثله وكذلك هو مصدر في قوله ‏{‏فدلاهما بغرور‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 22‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏7‏)‏ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الشيطان‏}‏ الآية، يقوي قراءة من قرأ «الغَرور» بفتح الغين، وقوله ‏{‏فاتخذوه عدواً‏}‏ أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و«الحزب» الحاشية والصاغية، واللام في قوله ‏{‏ليكونوا‏}‏ لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك، و‏{‏السعير‏}‏ طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات، وقوله ‏{‏الذين كفروا‏}‏ في موضع رفع بالابتداء وهذا هو الحسن لعطف ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض الناس في ‏{‏الذين‏}‏ أن يكون بدلاً من الضمير في ‏{‏يكونوا‏}‏ وجوز غيره أن يكون ‏{‏الذين‏}‏ في موضع نصب بدلاً من ‏{‏حزبه‏}‏ وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلاً من ‏{‏أصحاب‏}‏ وهذا كله محتمل، غير أن الابتداء أرجح‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً‏}‏ توقيف وجوابه محذوف تقديره عنده الكسائي تذهب نفسك حسرات عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ بعد عليه، وقرأ طلحة «أمن زين» بغير فاء، وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن كفر قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من شاء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه أسفاً عليهم، وقرأ جمهور الناس «فلا تذهَبُ» بفتح التاء والهاء «نفسُك» بالرفع، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب «تُذهِبَ» بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب، ورويت عن نافع، و«الحسرة» هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد لذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 56‏]‏ ثم توعد تعالى الكفرة بقوله ‏{‏إن الله عليم بما يصنعون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ‏(‏9‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ‏(‏10‏)‏‏}‏

هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو سواء مع إحياء الموتى، و«البلد الميت» هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، و‏{‏النشور‏}‏ مصدر نشر الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى‏:‏

يا عجبا للميت الناشر *** وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من كان يريد العزة‏}‏ يحتمل ثلاثة معان‏:‏ أحدها أن يريد ‏{‏من كان يريد العزة‏}‏ بمغالبة ‏{‏فلله العزة‏}‏ أي ليست لغيره ولا تتم إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال ‏{‏من كان يريد العزة‏}‏ بعبادة الأوثان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تمسك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 81‏]‏ والمعنى الثاني ‏{‏من كان يريد العزة‏}‏ وطريقها القويم ويحب نيلها على وجهها ‏{‏فلله العزة‏}‏ أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته، ونحا إليه قتادة‏.‏ والمعنى الثالث وقاله الفراء ‏{‏من كان يريد‏}‏ علم ‏{‏العزة فلله العزة‏}‏ أي هو المتصف بها، و‏{‏جميعاً‏}‏ حال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إليه يصعد الكلم الطيب‏}‏ أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك «إليه يُصعد» بضم الياء، وقرأ جمهور الناس «الكلم» وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن «الكلام»، و‏{‏الطيب‏}‏ الذي يستحسن سماعه الاستحسان الشرعي، وقال كعب الأحبار‏:‏ إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعمل الصالح يرفعه‏}‏ اختلف الناس في الضمير في ‏{‏يرفعه‏}‏ على من يعود، فقالت فرقة يعود على ‏{‏العمل‏}‏، واختلفت هذه الفرقة فقال قوم الفاعل ب «يرفع» هو ‏{‏الكلم‏}‏ أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل مسند إلى الله تعالى أي «والعمل الصالح يرفعه هو»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وقتادة الضمير في ‏{‏يرفعه‏}‏ عائد على ‏{‏الكلم‏}‏ أي أن العمل الصالح هو يرفع الكلم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ابن عباس أن العبد إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً وأدى فرائضه ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله، وقيل عمله أولى به‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك، وأيضاً فإن ‏{‏الكلم الطيب‏}‏ عمل صالح وإنما يستقيم قول من يقول إن العمل هو الرافع ل ‏{‏الكلم‏}‏ بأن يتأول أنه يزيد في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر لله كانت الأعمال أشرف‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فيكون قوله ‏{‏والعمل الصالح يرفعه‏}‏ موعظة وتذكرة وحضاً على الأعمال، وذكر الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عمل إلا بنية»، ومعناه قولاً يتضمن أن قائله عمل عملاً أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة «والعملَ» بالنصب «الصالحَ» على النعت وعلى هذه القراءة ف ‏{‏يرفعه‏}‏ مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى ‏{‏الكلم‏}‏، والضمير في ‏{‏يرفعه‏}‏ عائد على ‏{‏العمل‏}‏ لا غير، وقوله ‏{‏يمكرون السيئات‏}‏ إما أنه عدى ‏{‏يمكرون‏}‏ لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، و‏{‏يمكرون‏}‏ معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، و‏{‏يبور‏}‏ معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ونزول الآية أولاً في المشركين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏خلقكم من تراب‏}‏ من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله ‏{‏ثم من نطفة‏}‏ أي بالتناسل من مني الرجال، و‏{‏أزواجاً‏}‏ قيل معناه أنواعاً، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يعمر من معمر ولا ينقص من عمره‏}‏ اختلف الناس في عود الضمير في قوله ‏{‏من عمره‏}‏، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على ‏{‏معمر‏}‏ الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاماً واحداً أو نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميراً إيجازاً واختصاراً، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من عمر معمر لأن لفظة ‏{‏معمر‏}‏ هي بمنزلة ذي عمر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كأنه قال «ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر»، وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى ‏{‏ولا ينقص من عمره‏}‏ أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وروي أنه قال‏:‏ حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا‏:‏ إن الله تعالى يقول ‏{‏فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 34، النحل‏:‏ 61‏]‏ فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين «ينقِضُ» على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ «من عمْره» بسكون الميم الحسن وداود، و«الكتاب» المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله ‏{‏إن ذلك‏}‏ إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، و‏{‏البحران‏}‏ يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و«الفرات» الشديد العذوبة، و«الأجاج» الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي «سيّغ شرابه» بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة «مَلِح» بفتح الميم وكسر اللام، و«اللحم الطري» الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك ‏{‏الفلك‏}‏ تجري في البحرين، وبقيت «الحلية» وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏، وكما قال ‏{‏يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 128‏]‏، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج جوهرة بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضاً فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضاً فإن البحر الفرات كل ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد خطئ أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فجاء بها ما شئت من لطمية *** وجهها ماء الفرات يموج

وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، و‏{‏الفلك‏}‏ في هذا الموضع جمع بدليل صفته بجمع، و‏{‏مواخر‏}‏ جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم «المواخر» التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون ‏{‏الفلك‏}‏ هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لتبتغوا‏}‏ يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي‏.‏