فصل: تفسير الآيات رقم (37- 44)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 44‏]‏

‏{‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ‏(‏37‏)‏ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ‏(‏39‏)‏ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ‏(‏40‏)‏ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏41‏)‏ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ‏(‏42‏)‏ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏43‏)‏ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم عندهم خزائن ربك‏}‏ بمنزلة قوله‏:‏ أم عندهم الاستغناء عن الله في جميع الأمور، لأن المال والصحة والقوة وغير ذلك من الأشياء كلها من خزائن الله كلها‏.‏ قال الزهراوي وقيل يريد ب «الخزائن»‏:‏ العلم، وهذا قول حسن إذا تأمل وبسط‏.‏ وقال الرماني‏:‏ خزائنه تعالى‏:‏ مقدوراته، و‏:‏ «المصيطر» المسلط القاهر، وبذلك فسر ابن عباس وأصله السين، ولكن كتبه بعض الناس‏.‏ وقرأه بالصاد مراعاة للطاء ليتناسب النطق‏.‏ وحكى أبو عبيدة‏:‏ تسيطرت علي إذا اتخذتني خولاً‏.‏ والسلم‏:‏ السبب الذي يصعد به كان ما كان من خشب أو بناء أو حبال‏.‏ ومنه قول ابن مقبل‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا *** تبنى له في السماوات السلاليم

وحكى الرماني قال‏:‏ لا يقال سلم لما يبنى من الأدراج، وإنما السلم المشبك، وبيت الشعر يرد عليه، والمعنى‏:‏ ألهم ‏{‏سلم‏}‏ إلى السماء ‏{‏يستمعون فيه‏}‏ أي عليه ومنه، وهذه حروف يسد بعضها مسد بعض، والمعنى‏:‏ يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه فليأتوا بالحجة المبينة في ذلك وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم له البنات‏}‏ الآية، معناه‏:‏ أم هم أهل الفضيلة علينا فيلزم لذلك انتخاؤهم وتكبرهم، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم تسألهم‏}‏ يا محمد على الإيمان بالله وشرعه أجرة يثقلهم غرمها فهم لذلك يكرهون الدخول فيما يوجب غرامتهم ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم عندهم‏}‏ علم ‏{‏الغيب‏}‏ فهم يبينون ذلك للناس سنناً وشرعاً يكتبونه وذلك عبادة الأوثان وتسييب السوائب وغير ذلك من سيرهم‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ فهم يعلمون متى يموت محمد الذي يتربصون به، و‏:‏ ‏{‏يكتبون‏}‏ بمعنى يحكمون، وقال ابن عباس‏:‏ يعني أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون به‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم يريدون كيداً‏}‏ بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنهم ‏{‏هم المكيدون‏}‏، أي المغلوبون، فسمى غلبتهم ‏{‏كيداً‏}‏ إذ كانت عقوبة الكيد‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم لهم إله غير الله‏}‏ يعصمهم ويمنعهم منهم ويدفع في صدر إهلاكهم‏.‏ ثم نزه تعالى نفسه ‏{‏عما يشركون‏}‏ به من الأصنام والأوثان، وهذه الأشياء التي وقفهم تعالى عليها حصرت جميع المعاني التي توجب الانتخاء والتكبر والبعد من الائتمار، فوقفهم تعالى عليها أي ليست لهم ولا بقي شيء يوجب ذلك إلا أنهم قوم طاغون‏.‏ وهذه صفة فيها تكسبهم وإيثارهم فيتعلق بذلك عقابهم‏.‏ ثم وصفهم تعالى بأنهم على الغاية من العتو والتمسك بالأقوال الباطلة في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا كسفاً‏}‏ الآية، وذلك أن قريشاً كان في جملة ما اقترحت به أن تنزل من السماء عليها كسف وهي القطع، واحدها كسفة، وتجمع أيضاً على كسف كثمرة وتمر، قال الرماني‏:‏ هي التي تكون بقدر ما يكسف ضوء الشمس‏.‏ فأخبر الله عنهم في هذه الآية أنهم لو رأوا كسفاً ‏{‏ساقطاً‏}‏ حسب اقتراحهم لبلغ بهم العتو والجهل والبعد عن الحق أن يغالطوا أنفسهم وغيرهم ويقولوا هذا ‏{‏سحاب مركوم‏}‏‏.‏ أي كثيف قد تراكم بعضه فوق بعض، ولهذه الآية نظائر في آيات أخر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 49‏]‏

‏{‏فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ‏(‏45‏)‏ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏46‏)‏ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏47‏)‏ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ‏(‏48‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ‏(‏49‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏فذرهم‏}‏ وما جرى مجراه من الموادعة منسوخ بآية السيف‏.‏

وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو بخلاف عنه «يلقوا»، والجمهور على «يلاقوا»‏.‏

واختلف الناس في اليوم الذي توعدوا به، فقال بعض المتأولين‏:‏ هو موتهم واحداً واحداً وهذا على تجوز، والصعق‏:‏ التعذب في الجملة وإن كان الاستعمال قد كثر فيه فيما يصيب الإنسان من الصيحة المفرطة ونحوه‏.‏ ويحتمل أن يكون اليوم الذي توعدوا به يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه، وقال الجمهور‏:‏ التوعد بيوم القيامة، لأن فيه صعقة تعم جميع الخلائق، لكن لا محالة أن بين صعقة المؤمن وصعقة الكافر فرقاً‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «يصعِقون» من صعق الرجل بكسر العين‏.‏ وقرأ أبو عبد الرحمن‏:‏ «يَصعِقون» بفتح الياء وكسر العين‏.‏ وقرأ عاصم وابن عامر وأهل مكة في قول شبل‏:‏ «يُصعقون» بضم الياء، وذلك من أصعق الرجل غيره‏.‏ وحكى الأخفش‏:‏ صُعِق الرجل بضم الصاد وكسر العين‏.‏

قال أبو علي‏:‏ فجائز أن يكون منه فهو مثل يضربون، قال أبو حاتم‏:‏ وفتح أهل مكة الياء في قول إسماعيل‏.‏ و‏:‏ ‏{‏يغني‏}‏ يكون منه غناء ودفاع‏.‏

ثم أخبر تعالى بأنهم لهم دون هذا اليوم، أي قبله عذاب، واختلف الناس في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره‏:‏ هو بدر والفتح ونحوه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو الجوع الذي أصاب قريشاً‏.‏ وقال البراء بن عازب وابن عباس أيضاً‏:‏ هو عذاب القبر، ونزع ابن عباس وجود عذاب القبر بهذه الآية‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هو مصائب الدنيا في الأجسام وفي الأحبة وفي الأموال، هي للمؤمنين رحمة وللكافرين عذاب، وفي قراءة ابن مسعود‏:‏ دون ذلك قريباً ‏{‏ولكن‏}‏ ‏{‏لا يعلمون‏}‏‏.‏ ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكم الله والمضي على نذارته ووعده بقوله‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏، ومعناه بإدراكنا وأعين حفظنا وحيطتنا كما تقول‏:‏ فلان يرعاه الملك بعين، وهذه الآية ينبغي أن يقررها كل مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا‏.‏ وقرأ أبو السمال‏:‏ «بأعينّا» بنون واحدة مشددة‏.‏

واختلف الناس في قوله‏:‏ ‏{‏وسبح بحمد ربك‏}‏ فقال أبو الأحوص عوف بن مالك‏:‏ هو التسبيح المعروف، أن يقول في كل قيام له سبحان الله وبحمده‏.‏ وقال عطاء‏:‏ المعنى‏:‏ حين تقوم من كل مجلس‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ التسبيح هنا هو صلاة النوافل‏.‏ وقال الضحاك وابن زيد‏:‏ هذه إشارات إلى الصلاة المفروضة؛ ف ‏{‏حين تقوم‏}‏‏:‏ الظهر والعصر، أي ‏{‏حين تقوم‏}‏ من نوم القائلة‏.‏ ‏{‏ومن الليل‏}‏ المغرب والعشاء‏.‏ ‏{‏وإدبار النجوم‏}‏ الصحب‏.‏ ومن قال هي النوافل جعل ‏{‏إدبار النجوم‏}‏‏:‏ ركعتي الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة، منهم عمر وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن رضي الله عنهم‏.‏ وقد روي مرفوعاً ومن جعله التسبيح المعروف، جعل قوله‏:‏ ‏{‏حين تقوم‏}‏ مثالاً، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفك‏.‏ وحكى منذر عن الضحاك أن المعنى‏:‏ ‏{‏حين تقوم‏}‏ في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام فقل‏.‏ «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك»، الحديث‏.‏

وقرأ سالم بن أبي الجعد ويعقوب‏:‏ «وأدبار» بفتح الهمزة بمعنى‏:‏ وأعقاب، ومنه قول الشاعر ‏[‏قيس بن الملوح‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فأصبحت من ليلى الغداة كناظر *** مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «وإدبار» بكسر الهمزة‏.‏

سورة النجم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏(‏1‏)‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ‏(‏3‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ‏(‏5‏)‏ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ‏(‏6‏)‏ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ‏(‏8‏)‏ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ‏(‏9‏)‏ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏(‏10‏)‏ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ‏(‏11‏)‏‏}‏

أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفاً له وتنبيهاً منه ليكون معتبراً فيه حتى تولى العبرة إلى معرفة الله تعالى‏.‏ وقال الزهري، المعنى‏:‏ ورب النجم، وفي هذا قلق مع لفظ الآية‏.‏ واختلف المتأولون في تعيين النجم المقسم به فقال ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً أي أقداراً مقدرة في أوقات ما، ويجيء ‏{‏هوى‏}‏ على هذا التأويل بمعنى‏:‏ نزل، وفي هذا الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بمواقع النجوم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75‏]‏ والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال الحسن ومعمر بن المثنى وغيرهما‏:‏ ‏{‏النجم‏}‏ هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو هذه المقالة في معنى‏:‏ ‏{‏هوى‏}‏ فقال جمهور المفسرين‏:‏ ‏{‏هوى‏}‏ إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة الثمالي ‏{‏هوى‏}‏ عند الإنكدار في القيامة فهي بمعنى‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وإذا الكواكب انتثرت‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 2‏]‏ وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في الانقضاض في أثر العفرية وهي رجوم الشياطين، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في ‏{‏هوى‏}‏ محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي‏:‏

فتاقت تعد النجم في مستحيرة *** سريع بأيدي الآكلين جمودها

يصف إهالة صافية، والمستحيرة‏:‏ القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج‏.‏ وقال الرماني وغيره‏:‏ هي شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان‏:‏ ‏{‏النجم‏}‏ في قسم الآية الثريا، وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقاً إلا للثريا، ومنه قول العرب ‏[‏مجزوء الرمل‏]‏

طلع النجم عشاء *** فابتغى الراعي كساء

طلع النجم غدية *** فابتغى الراعي شكية

و ‏{‏هوى‏}‏ على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار، و‏{‏هوى‏}‏ في اللغة معناه‏:‏ خرق الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏مجزوء الكامل‏]‏

هوى ابني شفا جبل *** فزلّتْ رجله ويده

وقول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وإن كلام المرء في غير كنهه *** لك النبل تهوي ليس فيها نصالها

وقول زهير‏:‏

هَوِي الدلو أسلمها الرشاء *** ومنه قولهم للجراد‏:‏ الهاوي، ومنه هوى العقاب‏.‏

والقسم واقع على قوله‏:‏ ‏{‏ما ضل صاحبكم وما غوى‏}‏ والضلال أبداً يكون من غير قصد من الإنسان إليه‏.‏ والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، و‏{‏غوى‏}‏‏:‏ الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد كان قبل النبوءة ضالاً بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ينطق عن الهوى‏}‏ يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ليس يستكلم عن هواه، أي بهواه وشهوته‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ المعنى‏:‏ وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور كما قال‏:‏ ‏{‏هذا كتابنا ينطق‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 29‏]‏ وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي يوحى‏}‏ يراد به القرآن بإجماع، والوحي‏:‏ إلقاء المعنى في خفاء، وهذه عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني الوحي‏.‏

والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏علمه‏}‏ يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس‏:‏ هو جبريل عليه السلام، أي علم محمداً القرآن‏.‏ وقال الحسن المعلم الشديد القوى هو الله تعالى‏.‏ و‏{‏القوى‏}‏ جمع قوة، وهذا في جبريل مكتمن، ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذي قوة عند ذي العرش مكين‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 20‏]‏‏.‏ و‏{‏ذو مرة‏}‏ معناه‏:‏ ذو قوة، قاله قتادة وابن زيد والربيع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى»‏.‏ وأصل المرة من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

بكل ممر الفتل شد بيذبل *** وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل‏.‏ معنى‏:‏ ‏{‏ذو مرة‏}‏ ذو هيئة حسنة وقال آخرون‏:‏ بل معناه ذو جسم طويل حسن‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كله ضعيف‏.‏

و ‏{‏استوى‏}‏ مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال‏:‏ إنه لمتصف‏:‏ ب ‏{‏شديد القوى‏}‏، وكذلك يجيء قوله‏:‏ ‏{‏وهو بالأفق الأعلى‏}‏ صفة الله تعالى على معنى وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو «الأفق الأعلى»، ويجيء المعنى نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 5‏]‏، ومن قال إن المتصف ب ‏{‏شديد القوى‏}‏ هو جبريل عليه السلام قال‏:‏ إن ‏{‏استوى‏}‏ مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد ذلك، فقال الربيع والزجاج‏:‏ المعنى‏:‏ ‏{‏فاستوى‏}‏ جبريل في الجو، وهو إذ ذاك، ‏{‏بالأفق الأعلى‏}‏ إذ رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان ‏{‏قاب قوسين‏}‏، وكذلك هو المراد في هذا القول النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائه جناح عند السدرة وقال الطبري والفراء المعنى‏:‏ ‏{‏فاستوى‏}‏ جبريل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وهو‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الضمير في ‏{‏علمه‏}‏‏.‏ وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح، وأنشد الفراء على قوله‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ألم تر أن النبع يصلب عوده *** ولا يستوي والخروع المتقصف

وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون «استوى» لمحمد وهو لجبريل عليه السلام، وأما ‏{‏الأعلى‏}‏ فهو عندي لقمة الرأس وما جرى معه‏.‏

وقال الحسن وقتادة‏:‏ هو أفق مشرق الشمس وهذا التخصيص لا دليل عليه‏.‏ واختلف الناس إلى من استند قوله‏.‏ ‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ فقال الجمهور‏:‏ استند إلى جبريل عليه السلام، أي دنا إلى محمد في الأرض عند حراء‏.‏ وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند إلى الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد‏:‏ كان الدنو إلى جبريل‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كان إلى محمد‏.‏ و‏:‏ ‏{‏دنا فتدلى‏}‏ على هذا القول معه حذف مضاف‏.‏ أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا الانتقال، وهذه الأوصاف منتفية في حق الله تعالى‏.‏ والصحيح عندي أن جميع ما في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏ولقد رآه نزلة أخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 13‏]‏ فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمداً رأى ربه قبل ليلة الإسراء، أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال و‏{‏دنا‏}‏ أعم من‏:‏ «تدلى»، فبين تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏فتدلى‏}‏ هيئة الدنو كيف كانت، و‏:‏ ‏{‏قاب‏}‏ معناه‏:‏ قدر‏.‏ وقال قتادة وغيره‏:‏ معناه من طرف العود إلى طرفه الآخر‏.‏ وقال الحسن ومجاهد‏:‏ من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض‏.‏

وقرأ محمد بن السميفع اليماني‏:‏ «فكان قيس قوسين»، والمعنى قريب من ‏{‏قاب‏}‏، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام‏:‏ «لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» وفي حديث آخر‏:‏ «لقاب قوس أحدكم في الجنة»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أو أدنى‏}‏ معناه‏:‏ على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك قوسان أو أدنى من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأوحى إلى عبده ما أوحى‏}‏، قال ابن عباس المعنى‏:‏ ‏{‏فأوحى‏}‏ الله ‏{‏إلى عبده‏}‏ جبريل ‏{‏ما أوحى‏}‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما أوحى‏}‏ إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك فرض الصلاة، وقال الحسن المعنى‏:‏ فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى كالأولى في الإبهام، وقال ابن زيد المعنى‏:‏ فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إلى جبريل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كذب الفؤاد ما رأى‏}‏ قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على معنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظراً، و‏{‏كذب‏}‏ يتعدى، وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس وأبو صالح‏:‏ رأى محمد الله تعالى بفؤاده‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي»‏.‏

وقال آخرون من المتأولين المعنى‏:‏ ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، بل صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي عنه وعكرمة وكعب الأحبار إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه‏.‏ بسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك عائشة، وقالت‏:‏ أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات، فقال لي‏:‏ «هو جبريل فيها كلها»‏.‏ وقال الحسن المعنى‏:‏ ما رأى من مقدورات الله وملكوته‏.‏ وسأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل رأيت ربك‏؟‏ قال‏:‏ «هو نور إني أراه»، وهذا قول الجمهور، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن‏.‏ وقرأ ابن عامر فيما روى عنه هشام‏:‏ «ما كذّب» بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ومعناه بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار‏:‏ إن الله تعالى قسم الكلام والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت‏:‏ ‏{‏لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 103‏]‏‏.‏ وذهبت هي وابن مسعود وقتادة وجمهور العلماء إلى أن المرئي هو جبريل عليه السلام في المرتين‏:‏ في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد ذكرتها في سورة «سبحان» وهي مشهورة في الكتب الصحاح‏.‏

وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال عاصم في رواية أبي بكر‏:‏ «رأى»‏.‏ وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح‏.‏ وأمال حمزة والكسائي جميع ما في السورة، وأمال أبو عمرو فيما روى عنه عبيد‏:‏ «الأعلى» و‏:‏ «تدلى»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 18‏]‏

‏{‏أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ‏(‏12‏)‏ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى ‏(‏13‏)‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ‏(‏14‏)‏ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ‏(‏16‏)‏ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ‏(‏17‏)‏ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفتمارونه‏}‏ خطاب لقريش، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي‏:‏ «أفتَمرونه» بفتح التاء دون ألف بعد الميم، والمعنى‏:‏ أفتجدونه‏؟‏ وذلك أن قريشاً لما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره في الإسراء مستقصى، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى، ورواها سعيد عن النخعي‏:‏ «أفتُمرونه» بضم التاء، قال أبو حاتم‏:‏ وذلك غلط من سعيد‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يرى‏}‏ مستقبلاً والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى وتشير غلى ما يمكن أن يقع بعد، وفي هذا نظر‏.‏

واختلف الناس في الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد رآه‏}‏ حسبما قدمناه، فقال ابن عباس وكعب الأحبار‏:‏ هو عائد على الله، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع‏:‏ هو عائد على جبريل‏.‏ و‏:‏ ‏{‏نزلة‏}‏ معناه‏:‏ مرة، ونصبه علىلمصدر في موضع الحال‏.‏ و‏:‏ ‏{‏سدرة المنتهى‏}‏ هي شجرة نبق، قال كعب‏:‏ هي في السماء السابعة، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ في السماء السادسة‏.‏ وقيل لها‏:‏ ‏{‏سدرة المنتهى‏}‏ لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها صعداً إلا الله تعالى‏.‏ وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ هم المؤمنون حقاً من كل جيل‏.‏

وقيل سميت بذلك، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل‏.‏ وروي عن النبي عليه السلام أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رفعت لي ‏{‏سدرة المنتهى‏}‏، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عندها جنة المأوى‏}‏ قال الجمهور‏:‏ أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن ‏{‏جنة المأوى‏}‏ عندها‏.‏ قال الحسن‏:‏ وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن‏.‏ وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس‏.‏

وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف، وأنس بن مالك بخلاف، وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب‏:‏ «جنة المأوى» بالهاء في جنة، وهو ضمير محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى‏:‏ ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به، يقال‏:‏ جنه وأجنه، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا‏:‏ أجن الله من قرأها‏.‏

والجمهور قرأ‏:‏ «جنة» كالآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فلهم جنات المأوى نزلاً‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 19‏]‏ وحكى الثعلبي أن معنى «جنة المأوى»‏:‏ ضمه المبيت والليل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إذ يغشى السدرة ما يغشى‏}‏ التعامل في‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏، ‏{‏رآه‏}‏‏.‏ المعنى‏:‏ رآه في هذه الحال‏.‏ و‏{‏ما يغشى‏}‏ معناه من قدرة الله، وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك منهم على جهة التفخيم والتعظيم، وقال مجاهد تبدل أغصانها دراً وياقوتاً ونحوه‏.‏ وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد‏:‏ ذلك جراد من ذهب كان يغشاها‏.‏ وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «رأيتها ثم حال دونها فراش الذهب»‏.‏ وقال الربيع وأبو هريرة‏:‏ كان تغشاها الملاكة كما تغشى الطير الشجر، وقيل غير هذا مما هو تكلف في الآية، لأن الله تعالى أبهم ذلك وهم يريدون شرحه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فغشيها ألوان لا أدري ما هي‏؟‏» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما زاغ الصبر‏}‏ قال ابن عباس معناه‏:‏ ما جال هكذا ولا هكذا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما طغى‏}‏ معناه‏:‏ ولا تجاوز المرئي، بل وقع عليه وقوعاً صحيحاً، وهذا تحقيق للأمر ونفي لوجود الريب عنه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد رأى من آيات ربه الكبرى‏}‏ قال جماعة من أهل التأويل معناه‏:‏ رأى الكبرى من آيات ربه، والمعنى ‏{‏من آيات ربه‏}‏ التي يمكن أن يراها البشر، ف ‏{‏الكبرى‏}‏ على هذا مفعول ب ‏{‏رأى‏}‏‏.‏ وقال آخرون المعنى‏:‏ ‏{‏لقد رأى‏}‏ بعضاً ‏{‏من آيات ربه الكبرى‏}‏، ف ‏{‏الكبرى‏}‏ على هذا وصف للآيات، والجمع مما لا يعقل في المؤنث يوصف أبداً على حد وصف الواحدة‏.‏ وقال ابن عباس وابن مسعود‏:‏ رأى رفرفاً أخضر من الجنة قد سد الأفق‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ رأى جبريل في صورته التي هو بها في السماوات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 26‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ‏(‏19‏)‏ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ‏(‏20‏)‏ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ‏(‏21‏)‏ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ‏(‏22‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ‏(‏23‏)‏ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ‏(‏24‏)‏ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ‏(‏26‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفرأيتم‏}‏ مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئية، ولو كانت‏:‏ أرأيت‏:‏ التي هي استفتاء لم تتعد‏.‏ ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف‏:‏ أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و‏:‏ ‏{‏اللات‏}‏ اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره‏:‏ كان في الكعبة، وقال قتادة‏:‏ كان بالطائف‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة أرجح يؤيده قول الشاعر‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

وفرّت ثقيف إلى لاتها *** بمنقلب الخائب الخاسر

والتاء في‏:‏ ‏{‏اللات‏}‏ لام فعل كالباء من باب، وقال قوم هي تاء تأنيث، والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح‏:‏ «اللاّت» بشد التاء، وقالوا‏:‏ كان هذا الصنم حجراً وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالاً لذلكا لرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، ‏{‏والعزى‏}‏‏:‏ صخرة بيضاء كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد‏:‏ كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة‏.‏ و«عزى» مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها‏.‏ وقال أبو عبيدة معمر‏:‏ كانت ‏{‏العزى‏}‏ ‏{‏ومناة‏}‏ في الكعبة، وقال ابن زيد‏:‏ وكانت ‏{‏العزى‏}‏ بالطائف، وقال قتادة‏:‏ كانت بنخلة وأما ‏{‏مناة‏}‏ فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏الثالثة الأخرى‏}‏ فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه‏.‏

ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه قول ربيعة بن مكدم‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

ولقد شفعتهما بآخر ثالث *** وهو التأويل الصحيح في قول الشاعر ‏[‏عبيد بن الأبرص‏]‏‏:‏ ‏[‏مجزوء الكامل‏]‏

جعلت لها عودين من *** نشم وآخر من ثمامه

وقرأ ابن كثير وحده‏:‏ «ومناءة» بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر وهي قراءة الناس، ومنها قول جرير‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أزيد مناة توعد بابن تيم *** تأمل أين تاه بك الوعيد

ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون‏:‏ هي بنات الله، فكأنه قال‏:‏ أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى‏}‏، أي النوع المستحسن المحبوب هو لكم وموجود فيكم‏؟‏ والمذموم المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار‏:‏ ‏{‏تلك إذاً قسمة ضيزى‏}‏ أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل ‏{‏ضيزى‏}‏ معناه‏:‏ جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، وقال سفيان معناه‏:‏ منقوصة، وقال ابن زيد معناه‏:‏ مخالفة، والعرب تقول‏:‏ ضزته حقه أضيزه، بمعنى‏:‏ منعته منه وظلمته فيه، و‏:‏ ‏{‏ضيزى‏}‏ من هذا التصريف وأصلها فُعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في الصفات فِعلى بكسر الفاء، كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى‏:‏ كسر أولها كما كسر أول عِين وبيض طلباً للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت وعصى هي في الأصل فعول بضم الفاء، وتقول العرب‏:‏ ضزته أضوزه فكان يلزم على هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي جميع هذا نظر‏.‏

وقرأ ابن كثير‏:‏ «ضئيزى» بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن هي إلا أسماء‏}‏ يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها تعبد آلهة ونحو هذا إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها ‏{‏أنتم وآباؤكم‏}‏ لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهاناً ولا حجة، وقرأ عيسى بن عمر‏:‏ «سلُطان» بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش «إن تتبعون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضاً والجمهور‏:‏ «يتبعون» بالياء على الحكاية عن الغائب و‏{‏الظن‏}‏‏:‏ ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة ولا برهان وهوى الأنفس‏:‏ هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد هوى النفس أبداً فيترك الأفضل، لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد جاءهم من ربهم الهدى‏}‏ اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، لأن سرد القول إنما هو يتبعون ولا ‏{‏الظن وما تهوى الأنفس‏}‏، ‏{‏أم للإنسان ما تمنى‏}‏، وقف على جهة التوبيخ والإنكار لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله‏:‏ ‏{‏وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى‏}‏ جملة في موضع الحال، والهدى المشار إليه، ومحمد وشرعه‏.‏

وقرأ ابن مسعود وابن عباس‏:‏ «ولقد جاءكم من ربكم» بالكاف فيهما، وقال الضحاك إنهما قرآ «ولقد جاءك من ربك»‏.‏

و «الإنسان» في قوله‏:‏ ‏{‏أم للإنسان‏}‏، اسم الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء بالتمني والشهوات، إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ونحو هذا‏.‏ وقال ابن زيد والطبري‏:‏ «الإنسان» هنا‏:‏ محمد، بمعنى أنه لم ينل كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الآخرة والأولى‏}‏ الداران، أي له كل أمرهما ملكاً ومقدوراً وتحت سلطانه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكم من ملك‏}‏ الآية، رد على قريش في قولهم‏:‏ الأوثان شفعاؤنا، كأنه يقول‏:‏ هذه حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، و‏{‏كم‏}‏ للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر‏:‏ ‏{‏لا تغني‏}‏ والغناء حلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في ‏{‏شفاعتهم‏}‏ على معنى‏:‏ ‏{‏كم‏}‏ ومعنى الآية‏:‏ ‏{‏أن يأذن الله‏}‏ في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله‏:‏ ‏{‏الذين يحملون العرش ومن حوله‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 7‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 31‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ‏(‏27‏)‏ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ‏(‏28‏)‏ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏29‏)‏ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ‏(‏30‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ هم كفار العرب، وقوله‏:‏ ‏{‏ليسمون الملائكة‏}‏ معناه‏:‏ ليصفون الملائكة بأوصاف الأنوثة وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم عليها وقرأ ابن مسعود‏:‏ «من علم إلا اتباع الظن»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن الظن لا يغني من الحق شيئاً‏}‏ أي في المعتقدات المواضع التي يريد الإنسان أن يحرر ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى فيها بالظنونات، ثم سلى تعالى نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية السيف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولم يرد إلا الحياة الدنيا‏}‏ معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك مبلغهم من العلم‏}‏ معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، وذلك أن المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في مدة الدنياويات‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم‏}‏ الآية تصل بمعنى التسلية في قوله‏:‏ ‏{‏فأعرض عمن تولى عن ذكرنا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن ربك هو أعلم‏}‏ الآية، ووعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم بكسبهم وإن كان الجميع خلقاً له واختراعاً، واللام في قوله‏:‏ ‏{‏ليجزي‏}‏ متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏ضل‏}‏ وبقوله‏:‏ ‏{‏اهتدى‏}‏ فكأنه قال‏:‏ ليصير أمرهم جميعاً إلى أن يجزى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ اعتراض بين الكلام بليغ، وقال بعض النحويين اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره‏:‏ ‏{‏ولله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ‏{‏ليجزي‏}‏ والنظر الأول أقل تكلفاً من هذا الإضمار‏.‏ وقال قوم‏:‏ اللام متعلقة في أول السورة‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي يوحى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 4‏]‏ وهذا بعيد، و‏:‏ ‏{‏الحسنى‏}‏ هي الجنة ولا حسنى دونها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 38‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏(‏32‏)‏ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ‏(‏33‏)‏ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ‏(‏34‏)‏ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ‏(‏35‏)‏ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ‏(‏36‏)‏ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ‏(‏37‏)‏ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ‏(‏38‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏الذين‏}‏ نعت ل ‏{‏الذين‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 31‏]‏ المتقدم قبله، و‏:‏ ‏{‏يجتنبون‏}‏ معناه‏:‏ يدعون جانباً‏.‏ وقرأ جمهور القراء والناس‏:‏ «كبائر الإثم» وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى وحمزة والكسائي‏:‏ «كبير الإثم» على الإفراد الذي يراد به الجمع وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏فما لنا من شافعين ولا صديق حميم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 100‏]‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وحسن أولئك رفيقاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏ ونحو هذا‏.‏

واختلف الناس في الكبائر ما هي‏؟‏ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء‏.‏ وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصاً بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي‏؟‏ فقال‏:‏ هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ «كبير الإثم» هنا يراد به‏:‏ الكفر‏.‏ و‏{‏الفواحش‏}‏ هي المعاصي المذكورة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إلا اللمم‏}‏ هو استثناء يصح أن يكون متصلاً، وإن قدرته منقطعاً ساغ ذلك، واختلف في معنى ‏{‏اللمم‏}‏ فقال ابن عباس وابن زيد معناه‏:‏ ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام‏.‏ قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه‏:‏ إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين‏:‏ قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ وقال ابن عباس وغيره‏:‏ ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة‏:‏ من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

إن تغفر اللهم تغفر جما *** وأي عبد لك لا ألما

وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصاً بها مذكوراً لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين‏:‏ النظر، وزنى اللسان‏:‏ المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم» وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر‏.‏

وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه‏.‏ وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو‏.‏ وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ ما دون الزنا‏.‏ وقال نفطويه‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ ما ليس بمعتاد‏.‏ وقال الرماني‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع‏.‏ وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب‏:‏ أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة الشيطان‏.‏ قال الزهراوي وقيل‏:‏ ‏{‏اللمم‏}‏ نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل‏.‏ ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله‏:‏ ‏{‏إن ربك واسع المغفرة‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو أعلم بكم‏}‏ الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم، وقوله‏:‏ ‏{‏أعلم بكم‏}‏ قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه‏:‏ هو عالم بكم‏.‏ وقال جمهور أهل المعاني‏:‏ بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في ‏{‏إذ‏}‏ ‏{‏أعلم‏}‏، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره‏:‏ اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره‏:‏ فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض‏:‏ يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء‏.‏ و‏:‏ ‏{‏أجنة‏}‏ جمع جنين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فلا تزكوا أنفسكم‏}‏ ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهياً عن أن يزكي بعض الناس بعضاً وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند موته‏.‏ وأما تزكية الإمام والقدرة أحداً ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفرأيت الذي تولى‏}‏ الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي عليه السلام فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له‏:‏ أتترك ملة آبائك‏؟‏ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالاً بعيداً، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه‏.‏

وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان رضي الله عنه منزه عن مثله، وقال السدي‏:‏ نزلت في العاصي بن وائل، فقوله‏:‏ ‏{‏وأعطى قليلاً وأكدى‏}‏، وعلى هذا القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى‏:‏ وأعطى من نفسه قليلاً من قربه من الإيمان ثم ‏{‏أكدى‏}‏ أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية‏.‏ و‏:‏ ‏{‏تولى‏}‏ معناه‏:‏ أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله‏.‏ ‏{‏وأكدى‏}‏ معناه‏:‏ انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله‏:‏ أكدى وأجبل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أعنده علم الغيب فهو يرى‏}‏ معناه‏:‏ أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلاً بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له‏:‏ إني أتحمل عنك درك الآخرة‏.‏

واختلف المفسرون في معنى قوله‏:‏ ‏{‏وفى‏}‏ ما هو الموفى‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه ‏{‏لا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏، وقال ابن عباس ايضاً والربيع‏:‏ وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه‏.‏ وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفي تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، ‏{‏ألا تزر‏}‏ وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره ‏{‏وفى‏}‏ ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهماً‏.‏ وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي عليه السلام ‏{‏وفى‏}‏ أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 124‏]‏‏.‏

وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع‏:‏ «وفى» مخففة الفاء، والخلاف فيما وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي عليه السلام، وقرأها أبو أمامة‏.‏

والوزر‏:‏ الثقل، وأنث الوزارة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و«أن» في قوله‏:‏ ‏{‏ألا تزر‏}‏ مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل ان بقي الفعل مرتفعاً، فهي كقوله‏:‏ ‏{‏أن سيكون منكم مرضى‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏ ونحوه، و«أن» في موضع رفع أو خفض، كلاهما مرتب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 51‏]‏

‏{‏وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ‏(‏39‏)‏ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ‏(‏40‏)‏ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ‏(‏41‏)‏ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ‏(‏42‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ‏(‏43‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ‏(‏44‏)‏ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏45‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏(‏46‏)‏ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ‏(‏47‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ‏(‏48‏)‏ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ‏(‏49‏)‏ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ‏(‏50‏)‏ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ‏(‏51‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان‏}‏ وقوله بعد ذلك ‏{‏وأنه‏}‏، ‏{‏وأنه‏}‏ معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولاً في قوله‏:‏ «أنه لا تزر» وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور‏.‏ وقرأ أبو السمال قعنب «وإن إلى ربك» بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ منسوخ بقوله‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 21‏]‏ وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً، وقال عكرمة‏:‏ كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال‏:‏ يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ «الإنسان» الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره‏.‏ وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله‏:‏ ‏{‏والله يضاعف لمن يشاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 261‏]‏ فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ الآية محكمة‏.‏ والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله‏:‏ ‏{‏للإنسان‏}‏ فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة‏.‏ واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال‏.‏ وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه‏.‏ وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً بالصدقة عن أمه، والسعي‏:‏ التكسب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يرى‏}‏ فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة»‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ثم يجزاه الجزاء الأوفى‏}‏ وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين‏.‏ و‏:‏ ‏{‏المنتهى‏}‏ يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد ب ‏{‏المنتهى‏}‏‏:‏ الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته‏.‏

وقال أبي بن كعب قال النبي عليه السلام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن إلى ربك المنتهى‏}‏ لا فكرة في الرب‏.‏ وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا ذكر الرب فانتهوا»‏.‏ وقال أبو هريرة‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى أصحابه فقال‏:‏ «فيم أنتم» قالوا‏:‏ نتفكر في الخالق، فقال‏:‏ «تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة» الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافاً كثيرة من الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى‏:‏ ‏{‏أضحك‏}‏ الله أهل الجنة ‏{‏وأبكى‏}‏ أهل النار‏.‏ وحكى الثعلبي في هذا أقوالاً استعارية كمن قال ‏{‏أضحك‏}‏ الأرض بالنبات، ‏{‏وأبكى‏}‏ السماء بالمطر، ونحوه‏:‏ و‏{‏أمات وأحيا‏}‏‏.‏ وحكى الثعلبي قولاً إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر‏.‏ و‏{‏الزوجين‏}‏ في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين‏.‏ والنطفة في اللغة‏:‏ القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة‏.‏ ويراد بها هاهنا ماء الذكران‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تمنى‏}‏ يحتمل أن يكون من قولك‏:‏ أمنى الرجل‏:‏ إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء‏:‏ إذا خلقه، فكأنه قال‏:‏ إذا تخلق وتقدر، و‏:‏ ‏{‏النشأة الأخرى‏}‏ هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب‏.‏ وقرأ الناس‏:‏ «النشْأة» بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج‏:‏ «النشآة» ممدودة‏.‏

‏{‏وأقنى‏}‏ معناه‏:‏ أكسب، يقال‏:‏ قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

كم من غني أصاب الدهر ثروته *** ومن فقير يقنّى بعد إقلالِ

وعبر المفسرون عن ‏{‏أقنى‏}‏ بعبارات مختلفة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ‏{‏أقنى‏}‏ معناه‏:‏ أكسب ما يقتني، وقال مجاهد معناه‏:‏ أغنى وأرضى‏.‏ وقال حضرمي معناه‏:‏ أغنى عن نفسه ‏{‏وأقنى‏}‏ أفقر عباده إليه‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ ‏{‏أقنى‏}‏ أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏أقنى‏}‏ قنع‏.‏ والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الشعرى‏}‏ نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد‏:‏ هو من زمر الجوزاء وهم شعريان، إحداهما‏:‏ الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه ‏{‏الشعرى‏}‏، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم‏.‏

وعاد‏:‏ هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها ب ‏{‏الأولى‏}‏، فقال ابن زيد والجمهور‏:‏ ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري‏:‏ سميت أولى، لأن ثم عاداً أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح‏.‏ وقال المبرد عاداً الأخيرة هي ثمود، والدليل قول زهير‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم *** ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة‏:‏ الجبارون‏.‏

وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي «عاد الأولى» منونة وبهمز‏.‏ وقرأ نافع فيما روي عنه‏:‏ «عادا الأولى» بإزالة التنوين والهمز‏.‏ وهذا كقراءة من قرأ «أحد الله» وكقول الشاعر ‏[‏أبو الأسود الدؤلي‏]‏‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

ولا ذاكر الله إلا قليلا *** وقرأ قوم‏:‏ ‏{‏عاداً الأولى‏}‏ والنطق بها «عادن الأولى»‏.‏ واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز‏.‏ وقرأ نافع أيضاً وأبو عمرو بالوصل والإدغام «عاد الولى» بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام‏.‏ وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال‏:‏ إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا «عاداً الولى»، قال أبو علي‏:‏ والقراءة سائغة، وأيضاً فمن العرب من يقول‏:‏ لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه «عاداً الأولى» بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل من قرأ‏:‏ «على سؤقه»، وكما قال الشاعر ‏[‏جرير‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

لحَبّ المؤقدان إلي موسى *** وهي لغة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ «وثموداً» بالنصب عطفاً على عاد‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة «وثمود» بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فما أبقى‏}‏ ظاهره‏:‏ ‏{‏فما أبقى‏}‏ عليهم، وتأول ذلك بعضهم ‏{‏فما أبقى‏}‏ منهم عيناً تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفاً من ثمود فأنكر ذلك وقال‏:‏ إن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وثموداً فما أبقى‏}‏‏.‏ وهؤلاء يقولون بقي منهم باقية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 62‏]‏

‏{‏وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ‏(‏52‏)‏ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ‏(‏53‏)‏ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ‏(‏54‏)‏ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ‏(‏55‏)‏ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ‏(‏56‏)‏ أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ ‏(‏57‏)‏ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ‏(‏58‏)‏ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ‏(‏59‏)‏ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ‏(‏60‏)‏ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ‏(‏61‏)‏ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ‏(‏62‏)‏‏}‏

نصب ‏{‏قوم نوح‏}‏ عطفاً على «ثمود» وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ لأنهم كانوا أول أمة كذبت من أهل الأرض، و‏{‏نوح‏}‏ أول الرسل، وجعلهم ‏{‏أظلم وأطغى‏}‏‏:‏ لأنهم سبقوا إلى التكذيب دون اقتداء بأحد قبلهم، وأيضاً فإنهم كانوا في غاية من العتو، وكان عمر نوح قد طال في دعائهم، فكان الرجل يأتي إليه مع ابنه فيقول‏:‏ أحذرك من هذا الرجل فإنه كذاب، ولقد حذرني منه أبي وأخبرني أن جدي حذره منه، فمشت على ذلك أخلافهم ألفاً إلا خمسين عاماً‏.‏

و ‏{‏المؤتفكة‏}‏ قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى ‏{‏المؤتفكة‏}‏‏:‏ المنقلبة لأنها أفكت فائتفكت، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذباً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «والمؤتفكات أهوى» على الجمع‏.‏ و‏{‏أهوى‏}‏ معناه‏:‏ طرحها من هواء عال إلى أسفل، هذا ما روي من أن جبريل عليه السلام اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فبأي ألاء ربك تتمارى‏}‏ مخاطبة للإنسان الكافر، كأنه قيل له‏:‏ هذا هو الله الذي له هذه الأفاعيل، وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها تشك‏.‏ و‏:‏ ‏{‏تتمارى‏}‏ معناه‏:‏ تتشكك‏.‏ وقرأ يعقوب «ربك تتمارى» بتاء واحدة مشددة‏.‏ وقال أبو مالك الغفاري إن قوله‏:‏ ‏{‏ألا تزر‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 38‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏تتمارى‏}‏ هو في صحف إبراهيم وموسى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏هذا نذير‏}‏ يحتمل أن يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قتادة وأبي جعفر ومحمد بن كعب القرظي، ويحتمل أن يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، وقال أبو مالك‏:‏ الإشارة بهذا النذير إلى ما سلف من الأخبار عن الأمم‏.‏ و‏:‏ ‏{‏نذير‏}‏ يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل، ويحتمل أن يكون مصدراً، ونذر جمع نذير‏.‏ وقال ‏{‏الأولى‏}‏ بمعنى أنه في الرتبة والمنزلة والأوصاف من تلك المتقدمة، والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أزفت‏}‏ معناه‏:‏ قربت القريبة‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الآزفة‏}‏ عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين‏.‏ وأزف معناه‏:‏ قرب جداً، قال كعب بن زهير‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا *** ولا أرى لشباب ذاهب خلفا

وقوله‏:‏ ‏{‏كاشفة‏}‏ يحتمل أن يكون صفة لمؤنث، التقدير‏:‏ حالة ‏{‏كاشفة‏}‏، أو منة ‏{‏كاشفة‏}‏‏.‏ قال الرماني أو جماعة، ويحتمل أن يكون مصدراً كالعاقبة و‏{‏خائنة الأعين‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 19‏]‏‏.‏ ويحتمل أن يكون بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، كما قال‏:‏ ‏{‏فهل ترى لهم من باقية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 8‏]‏ وأما معنى ‏{‏كاشفة‏}‏ فقال الطبري والزجاج‏:‏ هو من كشف السر، أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه‏.‏ وقال الزهراوي عن منذر بن سعيد‏:‏ هو من كشف الضر ودفعه، أي ليس من يكشف خطبها وهولها‏.‏

وقرأ طلحة‏:‏ ‏{‏ليس لها‏}‏ مما تدعون ‏{‏من دون الله كاشفة‏}‏ وهي على الظالمين سوءات الغاشية، وهذا الحديث هو القرآن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أفمن‏}‏ توقيف وتوبيخ‏.‏ وفي حرف أبيّ وابن مسعود‏:‏ «تعجبون» «تضحكون» بغير واو العطف، وفي قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولا تبكون‏}‏ حض على البكاء عند سماع القرآن‏.‏ وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن هذا القرآن أنزل يخوف، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» ذكره الثعلبي، والسامد‏:‏ اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين‏.‏ وقال الشاعر ‏[‏هذيلة بنت بكر‏]‏‏:‏ ‏[‏مجزوء الكامل‏]‏

قيل قم فانظر إليهم *** ثم دع عنك السمود

وسمد بلغة حمير غنى، وهو معنى كله قريب من بعض، وأسند الطبري عن أبي خالد الوالي قال‏:‏ خرج علينا عليّ ونحن قيام ننتظر الصلاة فقال‏:‏ ما لي أراكم سامدين‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يشبه أنه رآهم في أحاديث ونحوه مما يظن أنه غفلة ما‏.‏ وقد قال إبراهيم كانوا يكرهون أن ينتظروا خروج الإمام قياماً، وفي الحديث‏:‏ «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»‏.‏

ثم أمر تعالى بالسجود وعبادة الله تحذيراً وتخويفاً، وهاهنا سجدة في قول كثير من أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وردت بها أحاديث صحاح، وليس يراها مالك رحمه الله، وقال زيد بن وثاب إنه قرأ بها عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد‏.‏

سورة القمر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ‏(‏1‏)‏ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ‏(‏2‏)‏ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏3‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ‏(‏4‏)‏ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ‏(‏5‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ‏(‏6‏)‏ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ‏(‏7‏)‏ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏اقتربت‏}‏ معناه‏:‏ قربت إلا أنه أبلغ، كما أن اقتدر أبلغ من قدر‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الساعة‏}‏ القيامة وأمرها مجهول التحديد لم يعلم، إلا أنها قربت دون تحديد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى‏.‏ وقال أنس‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال‏:‏ «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم»‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» وهذا منه على جهة الرجاء والظن لم يجزم به خبراً، فأناب الله به على أمله وأخر أمته أكثر من رجائه، وكل ما يروى عن عمر الدنيا من التحديد فضعيف واهن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏انشق القمر‏}‏ إخبار عما وقع في ذلك، وذكر الثعلبي أنه قيل إن المعنى ينشق القمر يوم القيامة، وهذا ضعيف الأمة على خلافه، وذلك أن قريشاً سألت رسول الله آية فقيل مجملة، وهذا قول الجمهور، وقيل بل عاينوا شق القمر، ذكره الثعلبي عن ابن عباس فأراهم الله انشقاق القمر، فرآه رسول الله وجماعة من المسلمين والكفار، فقال رسول الله «اشهدوا» وممن قال من الصحابة رأيته‏:‏ عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأخبر به عبد الله بن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة بن اليمان، وقال المشركون عند ذلك‏:‏ سحرنا محمد‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ سحر القمر وقالت قريش استخبروا المسافرين القادمين عليكم، فما ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه وقال ابن مسعود‏:‏ رأيته انشق فذهبت فرقة وراء جبل حراء، وقال ابن زيد‏:‏ كان يرى نصفه على قعيقعان والآخر على أبي قبيس‏.‏ وقرأ حذيفة‏:‏ «اقتربت الساعة وقد انشق القمر»، وذكر الثعلبي عنه أن قراءته‏:‏ «اقتربت الساعة انشق القمر» دون واو‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإن يروا‏}‏ جاء اللفظ مستقبلاً لينتظم ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأن حالهم هكذا، واختلفت الناس في معنى‏:‏ ‏{‏مستمر‏}‏ فقال الزجاج قيل معناه‏:‏ دائم متماد‏.‏ وقال قتادة ومجاهد والكسائي والفراء معناه‏:‏ مار ذاهب عن قريب يزول‏.‏ وقال أبو العالية والضحاك معناه‏:‏ مشدود من مرائير الحبل كأنه سحر قد أمر، أي أحكم‏.‏ ومنه قول الشاعر ‏[‏لقيط بن زرارة‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

حتى استمرت على شزر مريرته *** صدق العزيمة لا رتّاً ولا ضرعا

ثم أخبر تعالى بأنهم كذبوا واتبعوا شهواتهم وما يهوون من الأمور لا بدليل ولا بتثبت، ثم قال على جهة الخبر الجزم، ‏{‏وكل أمر مستقر‏}‏ يقول‏:‏ وكل شيء إلى غاية فالحق يستقر ظاهراً ثابتاً، والباطل يستقر زاهقاً ذاهباً‏.‏

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «وكل مستقرٍ» بجر «مستقر»، يعني بذلك أشراطها‏.‏

والجمهور على كسر القاف من «مستقِر» وقرأ نافع وابن نصاح بفتحها، قال أبو حاتم‏:‏ لا وجه لفتح القاف‏.‏

و‏:‏ ‏{‏الأنباء‏}‏ جمع نبأ، ويدخل في هذا جميع ما جاء به القرآن من المواعظ والقصص ومثلات الأمم الكافرة، و‏:‏ ‏{‏مزدجر‏}‏ معناه‏:‏ موضع زجر وانتهاء، وأصله‏:‏ مزتجر، قلبت التاء دالاً ليناسب مخرجها مخرج الزاي، وكذلك تبدل تاء افتعل من كل فعل أوله زاي كازدلف وازداد ونحوه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حكمة‏}‏ مرتفع إما على البدل من ‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ما فيه‏}‏، وإما على خبر ابتداء تقديره‏:‏ هذه حكمة و‏:‏ ‏{‏بالغة‏}‏ معناه‏:‏ يبلغ المقصد بها من وعظ النفوس والبيان لمن له عقل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فما تغني النذر‏}‏، يحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ نافية، أي ليس تغني مع عتو هؤلاء الناس، ويحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ استفهاماً بمعنى التقرير، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة، ثم سلى نبيه بقوله‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات، وتم القول في قوله‏:‏ ‏{‏عنهم‏}‏ ثم ابتدأ وعيدهم، والعامل في ‏{‏يوم‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏يخرجون‏}‏، و‏:‏ ‏{‏خشعاً‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏يخرجون‏}‏ وتصرف الفعل يقتضي تقدم الحال، قال المهدوي‏:‏ ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ‏{‏عنهم‏}‏‏.‏ قال الرماني المعنى‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ واذكر ‏{‏يوم‏}‏‏.‏ وقال الحسن المعنى‏:‏ ‏{‏فتول عنهم‏}‏ إلى ‏{‏يوم‏}‏، وانحذفت الواو من ‏{‏يدع‏}‏ لأن كتبة المصحف اتبعوا اللفظ لا ما يقتضيه الهجاء، وأما حذف الياء من‏:‏ ‏{‏الداع‏}‏ ونحوه، فقال سيبويه‏:‏ حذفوه تخفيفاً‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ حذفت مع الألف واللام إذ هي تحذف مع معاقبهما وهو التنوين‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «نكُر» بضم الكاف‏.‏ وقرأ ابن كثير وشبل والحسن‏:‏ «نكِر» بكسر الكاف، وقرأ مجاهد والجحدري وأبو قلابة‏:‏ «نُكِرَ» بكسر الكاف وفتح الراء على أنه فعل مبني للمفعول، والمعنى في ذلك كله أنه منكور غير معروف ولا مرئي مثله‏.‏ قال الخليل‏:‏ النكر‏:‏ نعت للأمر الشديد والرجل الداهية‏.‏ وقال مالك بن عوف النصري‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

أقدم محاج إنه يوم نكر *** مثلي على مثلك يحمى ويكر

ونكر فعل وهو صفة، وذلك قليل في الصفات، ومنه مشية سجح وقال الشاعر ‏[‏حسان بن ثابت الأنصاري‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحاً *** إن الرجال ذوو عصب وتذكير

ومنه رجل شلل وناقة أجد‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «خشعاً» وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن وقتادة‏.‏ وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ «خاشعاً»، وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وهو إفراد بمعنى الجمع، ونظيره قول الشاعر ‏[‏الحارث بن أوس الإيادي‏]‏‏:‏ ‏[‏الرمل‏]‏

وشباب حسن أوجههم *** من إياد بن نزار بن معد

ورجح أبو حاتم هذه القراءة وذكر أن رجلاً من المتطوعة قال قبل أن يستشهد‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن «خشعاً وخاشعاً» فقال‏:‏ «خاشعاً» بالألف، وفي مصحف أبيّ بن كعب وعبد الله‏:‏ «خاشعة»‏.‏

وخص الأبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الأجداث‏}‏ جمع جدث وهو القبر، وشبههم بالجراد المنتشر، وقد شبههم في أخرى ب ‏{‏الفراش المبثوث‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 4‏]‏، وفيهم من كل هذا شبه، وذهب بعض المفسرين إلى أنهم أولاً كالفراش حين يموجون بعض في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي، وفي الحديث‏:‏ إن مريم بنت عمران دعت للجراد فقالت‏:‏ اللهم اعشها بغير رضاع وتابع بينها بغير شباع‏.‏

والمهطع‏:‏ المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع أو نحوه، و‏{‏يقول الكافرون هذا يوم عسر‏}‏ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 17‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ‏(‏9‏)‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ‏(‏10‏)‏ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ‏(‏11‏)‏ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ‏(‏12‏)‏ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ‏(‏13‏)‏ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ‏(‏14‏)‏ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏15‏)‏ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏16‏)‏ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏17‏)‏‏}‏

سوق هذه القصة وعيد لقريش وضرب مثل لهم، وقوله‏:‏ ‏{‏وازدجر‏}‏ إخبار من الله أنهم زجروا نوحاً بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ‏:‏ ‏{‏لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 116‏]‏، وذهب مجاهد إلى أن ‏{‏وازدجر‏}‏ من كلام ‏{‏قوم نوح‏}‏، كأنهم قالوا ‏{‏مجنون وازدجر‏}‏، والمعنى‏:‏ استطير جنوناً واستعر جنوناً، وهذا قول فيه تعسف وتحكم‏.‏

وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج والحسن «أني» بفتح الألف، أي «بأنه» كان دعاءه كان هذا المعنى‏.‏ وقرأ عاصم أيضاً وابن أبي إسحاق وعيسى «إني» بكسر الألف كأن دعاءه كان هذا اللفظ قال سيبويه‏:‏ المعنى قال إني‏.‏

وذهب جمهور المفسرين إلى أن المعنى أني قد غلبني الكفار بتكذيبهم وتخويفهم، انتصر لي منهم بأن تهلكهم، ويحتمل أن يريد‏:‏ فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك‏.‏ ويؤيده قول ابن عباس إن المراد بقوله‏:‏ لمن كان كفر الله تعالى، فوقعت الإجابة على نحو ما دعا نوح عليه السلام، وذهبت المتصوفة إلى أن المعنى‏:‏ إني قد غلبتني نفسي في إفراطي في الدعاء على قومي فانتصر مني يا رب بمعاقبة إن شئت‏.‏ والقول الأول هو الحق إن شاء الله يدل على ذلك اتصال قوله‏:‏ ‏{‏ففتحنا‏}‏ الآية، وذلك هو الانتصار في الكفار‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «ففتَحنا» بتخفيف التاء‏.‏ وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج‏:‏ «ففتّحنا» بشدها على المبالغة ورجحها أبو حاتم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مفتحة لهم الأبواب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 50‏]‏، قال النقاش‏:‏ يعني بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العبية، وقال قوم من أهل التأويل‏:‏ الأبواب حقيقة فتحت في السماء أبواب جرى منها الماء‏.‏ وقال جمهور المفسرين‏:‏ بل هو مجاز وتشبيه، لأن المطر كثر كأنه من أبواب‏.‏ والمنهمر الشديد الوقوع الغزير‏.‏ قال امرؤ القيس‏:‏ ‏[‏الرمل‏]‏

راح تمْريه الصبا ثم انتحى *** فيه شؤبوب جنوب منهمر

وقرأ الجمهور‏:‏ «وفجّرنا» بشد الجيم‏.‏ وقرأ ابن مسعود وأصحابه وابو حيوة عن عاصم «وفجَرنا» بتخفيفها‏.‏ وقرأ الجمهور «فالتقى الماء» على اسم الجنس الذي يعم ماء السماء وماء العيون‏.‏ وقرأ الحسن وعلي بن أبي طالب وعاصم الجحدري‏.‏ «فالتقى الماءان» ويروى عن الحسن‏:‏ «فالتقى الماوان»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏على أمر قد قدر‏}‏ قال فيه الجمهور على رتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت‏.‏ وقال جمهور من المتأولين المعنى‏:‏ على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه، ورووا أن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعاً وكان ماء السماء ينزل عليه بقية أربعين ذراعاً أو نحو هذا لأنه مما اختلفت فيه الروايات ولا خبر يقطع العذر في شيء من هذا التحرير‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏:‏ «قدّر» بشد الدال‏.‏ وذات الألواح والدسر‏:‏ هي السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر‏:‏ المسامير، واحدها‏:‏ دسار، وهذا هو قول الجمهور، وهو عندي من الدفع المتتابع، لأن المسمار يدفع أبداً حتى يستوي‏.‏ وقال الحسن وابن عباس أيضاً‏:‏ الدسر‏:‏ مقادم السفينة، لأنها تدسر الماء أي تدفعه والدسر‏:‏ الدفع‏.‏ وقال مجاهد وغيره‏:‏ نطق السفينة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ هو أرض السفينة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ أضلاع السفينة، وقد تقدم القول في شرح قصة السفينة مستوعباً، وجمهور الناس على أنها كانت على هيئة السفن اليوم كجؤجؤ الطائر، وورد في بعض الكتب أنها كانت مربعة، طويلة في السماء، واسعة السفل، ضيقة العلو، وكان أعلاها مفتوحاً للهواء والتنفس، قال‏:‏ لأن الغرض منها إنما كانت السلامة حتى ينزل الماء، ولم يكن طلب الجري وقصد المواضع المعينة، ومع هذه الهيئة فلها مجرى ومرسى، والله أعلم كيف كانت، والكل محتمل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏ قال الجمهور معناه‏:‏ بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها، فسمى هذه الأشياء أعيناً تشبيهاً، إذ الحافظ المتحفي من البشر إنما يكون ذلك الأمر نصب عينه، وقيل المراد من حفظها من الملائكة سماهم عيوناً، وقال الرماني وقيل إن قوله‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏ يريد العيون المفجرة من الأرض‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف‏.‏

وقرأ أبو السمال‏:‏ «بأعينا» مدغمة‏.‏ وقرأ جمهور الناس‏:‏ «كُفِر» بضم الكاف وكسر الفاء، واختلفوا في المعنى فقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ «من»، يراد بها الله تعالى كأنه قال‏:‏ غضباً وانتصاراً لله، أي انتصر لنفسه فأنجى المؤمنين وأغرق الكافرين‏.‏ وقال مكي وقيل «من»، يراد بها نوح والمؤمنين، لأنهم كفروا من حيث كفر بهم فجازاهم الله بالنجاة‏.‏ وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة‏:‏ «كَفَر» بفتح الكاف والفاء، والضمير في‏:‏ ‏{‏تركناها‏}‏ قال مكي بن أبي طالب هو عائد على هذه الفعلة والقصة‏.‏ وقال قتادة والنقاش وغيره‏:‏ هو عائد على هذه السفينة، قالوا وإن الله تعالى أرسلها على الجودي حين تطاولت الجبال وتواضع وهو جبيل بالجزيرة بموضع يقال له باقردى، وأبقى خشبها هنالك حتى رأت بعضه أوائل هذه الأمة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ وكم من سفينة كانت بعدها صارت رصودا و‏:‏ ‏{‏مدكر‏}‏ أصله‏:‏ مذتكر، أبدلوا من التاء ذالاً ليناسب الدال في النطق، ثم أدغموا الدال في الدال، وهي قراءة الناس، قال أبو حاتم‏:‏ رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح وقرأ قتادة‏:‏ «مذكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، قال أبو حاتم‏:‏ وذلك رديء ويلزمه أن يقرأ واذكر بعد أمة وتذخرون في بيوتكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكيف كان عذابي ونذر‏}‏ توقيف لقريش وتوبيخ، والنذر‏:‏ جمع نذير، المصدر بمعنى كان عاقبة إنذاري لمن لم يجعل به كأنتم أيها القوم‏.‏

و‏:‏ ‏{‏يسرنا القرآن‏}‏ معناه‏:‏ سهلناه وقربناه و«الذكر»‏:‏ الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن جبير‏:‏ لم يستظهر من كتب الله سوى القرآن‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله لوطة بالقلوب، وامتزاج بالعقول السليمة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏ استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه وهداياته حاضرة في النفس‏.‏ قال مطرف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل من مدكر‏}‏ هل من طالب علم فيعان عليه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ الآية تعديد نعمة في أن الله يسر الهدى ولا بخل من قبله، فلله در من قبل وهدى‏.‏ وقد تقدم تعليل‏:‏ ‏{‏مدكر‏}‏‏.‏