فصل: تفسير الآية رقم (152):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (152):

{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)}
هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى مايحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، قال مجاهد: {التي هي أحسن} التجارة فيه ممن كان من الناظرين له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال يتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرها من كان من الناظرين لا مال له ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره وإلا دعته الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف، قاله ابن زيد، والأشد جمع شد وجمع شدة، وهو هنا الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس هذا بالأشد المقرون ببلوغ الأربعين، بل هذا يكون مع صغر السن في ناس كثير وتلك الأشد هي التجارب والعقل المحنك، ولكن قد خلطهما المفسرون، وقال ربيعة والشعبي ومالك فيما روي عنه وأبو حنيفة، بلوغ الأشد البلوغ مع أن لا يثبت سفه، وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقالت فرقة ثلاثة وثلاثون سنة، وحكى الزجاج عن فرقة ثمانية عشر سنة، وضعّفه ورجح البلوغ مع الرشد وحكى النقاش أن الأشد هنا من خمسة عشر إلى ثلاثين، والفقه ما رجح الزجّاج، وهو قول مالك رحمه الله الرشد وزوال السفه مع البلوغ.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع، وقوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان} الآية أمر بالاعتدال في الأخذ والإعطاء، والقسط بالعدل، وقوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز لا أنه مطالب بغاية العدل في نفس الشيء المتصرف فيه، قال الطبري: لما كان الذي يعطي ناقصاً يتكلف في ذلك مشقة، وقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} يتضمن الشهادات والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك، أي ولو كان ميل الحق على قراباتكم، وقوله: {وبعهد الله} يحتمل أن يراد جميع ما عهده الله إلى عباده، ويحتمل أن يراد به جميع ذلك مع جميع ما انعقد بين إنسانين وأضاف ذلك العهد إلى الله من حيث قد أمر بحفظه والوفاء به، وقوله: {لعلكم} ترجٍّ بحسبنا وقرأ ابن كثر وأبو عمرو {تذّكّرون} بتشديد الذال والكاف جميعاً وكذلك {يذّكّرون} و{يذكّر الإنسان} وما جرى من ذلك مشدداً كله، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله: {أو لا يذكر الإنسان} [مريم: 67] فإنهم خففوها، وروى أبان وحفص عن عاصم {تذَكرون} خفيفة الذال في كل القرآن.
وقرأ حمزة والكسائي {تذكرون} بتخفيف الذال إذا كان الفعل بالتاء، وإذا كان بالياء قرأه بالتشديد، وقرأ حمزة وحده في سورة الفرقان {لمن أراد أن يذْكر} [الآية: 62] بسكون الذال وتخفيف الكاف، وقرأ ذلك الكسائي بتشديدهما وفتحهما.

.تفسير الآية رقم (153):

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}
الإشارة هي إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال الطبري: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله: {قل تعالوا أتل} [الأنعام: 151] قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو {وأنّ هذا} بفتح الهمزة وتشديد النون {صراطي} ساكن الياء وقرأ حمزة والكسائي {وإنّ} بكسر الألف وتشديد النون، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق وابن عامر من السبعة {وأنْ} بفتح الهمزة وسكون النون {صراطيَ} مفتوح الياء، فأما من فتح الألف فالمعنى عنده كأنه قال ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، أي اتبعوه لكونه كذا وتكون الواو على هذا إنما عطفت جملة، ويصح غير هذا أن يعطف على {أن لا تشركوا} وكأن المحرم من هذا اتباع السبيل والتنكيب عن الصراط الأقوم، ومن قرأ بتخفيف النون عطف على قوله: {أن لا تشركوا} ومذهب سيبويه أنها المخففة من الثقيلة، وأن التقدير وأنه هذا صراطي، ومن قرأ بكسر الألف وتشديد النون فكأنه استأنف الكلام وقطعه من الأول، وفي مصحف ابن مسعود {وهذا صراطي} بحذف أن، وقال ابن مسعود إن الله جعل طريقاً صراطاً مستقيماً طرفه محمد عليه السلام وشرعه ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق فمن سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار وقال أيضاً خط لنا الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطاً، فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطاً فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية تعلم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد وتقدم القول في {ذلك وصاكم}، وفي قوله: {لعلكم} ومن حيث كانت المحرمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت العبارة لعلكم تعقلون، والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى.

.تفسير الآية رقم (154):

{ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)}
{ثم} في هذه الآية إنما مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال ثم مما قضيناه أنا آتينا موسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدم بالزمان على محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما حرم الله، و{الكتاب} التوراة، و{تماماً} نصب على المصدر، وقوله: {على الذي أحسن} مختلف في معناه فقالت فرقة {الذي} بمعنى الذين، و{أحسن} فعل ماض صلة {الذين}، وكأن الكلام وآتينا موسى الكتاب تفضلاً على المحسنين من أهل ملته وإتماماً للنعمة عندهم، هذا تأويل مجاهد، وفي مصحف عبد الله {تماماً على الذين أحسنوا}، فهذا يؤيد ذلك التأويل، وقالت فرقة {الذي} غير موصولة، والمعنى تماماً على ما أحسن هو من عبادة ربه والاضطلاع بأمور نبوته، يريد موسى عليه السلام، هذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة: المعنى {تماماً} أي تفضلاً وإكمالاً على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوءات والنعم وغير ذلك، وف {الذي} أيضاً في هذا التأويل غير موصولة، وهذا تأويل ابن زيد وقرأ يحيى بن يعمر وابن إسحاق {تماماً على الذي أحسنُ} بضم النون، فجعلها صفة تفضيل ورفعها على خبر ابتداء مضمر تقديره {على الذي هو أحسن} وضعف أبو الفتح هذه القراءة لقبح حذف المبتدأ العائد، وقال بعض نحويي الكوفة يصح أن يكون {أحسن} صفة ل {الذي} من حيث قارب المعرفة إذ لا تدخله الألف واللام كما تقول العرب مررت بالذي خير منك ولا يجوز فالذي عالم، وخطأ الزجاج هذا القول الكوفي، و{تفصيلاً} يريد بياناً وتقسيماً و{لعلهم} ترج بالإضافة إلى البشر، و{بلقاء ربهم} أي بالبعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ لا تلزمه العقول بذواتها وإنما ثبت بالسمع مع تجويز العقل له.

.تفسير الآيات (155- 157):

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}
{هذا} إشارة إلى القرآن، و{مبارك} وصف بما فيه من التوسعات وإزالة أحكام الجاهلية وتحريماتها وجمع كلمة العرب وصلة أيدي متبعيه وفتح الله على المؤمنين به ومعناه منمي خيره مكثر، والبركة الزيادة والنمو، و{فاتبعوه} دعاء إلى الدين، {واتقوا} الأظهر فيه أنه أمر بالتقوى العامة في جميع الأشياء بقرينة قوله: {لعلكم ترحمون} و{أن} من قوله: {أن تقولوا} في موضع نصب، والعامل فيه {أنزلناه} والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود، وقيل العامل في {أن} قوله: {واتقوا} فكأنه قال واتقوا أن تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم فيه، ويكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك {لعلكم ترحمون} وفي التأويل الأول يتسق نظم الآية، والطائفتان اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين والدراسة القراءة والتعلم بها، و{إن} في قوله: {وإن كنا} مخففة من الثقيلة، واللام في قوله: {لغافلين} لام توكيد، هذا مذهب البصريين وحكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة {وإن كلاً} وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب الكوفيين ف {إن} في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال وما كنا عن دراستهم إلا غافلين.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال: وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم، وقوله تعالى: {أو تقولوا} جملة معطوفة على الجملة الأولى، وهي في غرضها من الاحتجاج على الكفار وقطع تعلقهم في الآخرة بأن الكتب لما انزلت على غيرهم وأنهم غافلون عن الدراسة والنظر في الشرع وأنهم لو نزل عليهم كتاب لكانوا أسرع إلى الهدى من الناس كلهم، فقيل لهم: قد جائكم بيان من الله وهدى ورحمة، ولما تقرر أن البينة قد جاءت والحجة قد قامت حسن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله: {فمن أظلم ممن كذب} بهذه الآيات البينات، {وصدف} معناه حاد وراغ وأعرض، وقرأ يحيى بن وثاب وابن أبي عبلة {كذَب} بتخفيف الذال، والجمهور {كذّب} بتشديد الذال، و{سنجزي الذين} وعيد، وقرأت فرقة {يصدِفون} بكسر الدال وقرأت فرقة {يصدُفون} بضم الدال.

.تفسير الآية رقم (158):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)}
الضمير في {ينظرون} هو للطائفة التي قيل لها قبل فقد جاءكم بينة من ربكم وهم العادلون بربهم من العرب الذين أمضت أكثر آيات السورة في جدالهم، و{ينظرون} معناه ينتظرون، و{الملائكة} هنا يراد بها ملائكة الموت الذين يصحبون عزرائيل المخصوص بقبض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج. ويحتمل أن يريد الملائكة الذين يتصرفون في قيام الساعة، وقرأ حمزة والكسائي {إلا أن يأتيهم} بالياء، وقرأ الباقون {تأتيهم} بالتاء من فوق، وقوله: {أو يأتي ربك} قال الطبري: لموقف الحساب يوم القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعة من المتأولين، ويحكي الزجاج أن المراد بقوله: {أو يأتي ربك} أي العذاب الذي يسلطه الله في الدنيا على من يشاء من عباده كالصيحات والرجفات والخسف ونحوه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك أو بطش ربك أو حساب ربك وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى، ألا ترى أن الله تعالى يقول {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: 2] فهذا إتيان قد وقع وهو على المجاز وحذف المضاف، وقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} أما ظاهر اللفظ لو وقفنا معه فيقتضي أنه توعدهم بالشهير الفظيع من أشراط الساعة دون أن يخص من ذلك شرطاً يريد بذلك الإبهام الذي يترك السامع مع أقوى تخيله، لكن لما قال بعد ذلك {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} وبينت الآثار الصحاح في البخاري ومسلم أن الآية التي معها هذا الشرط هي طلوع الشمس من المغرب، قوى أن الإشارة بقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} إنما هي إلى طلوع الشمس من مغربها، وقال بهذا التأويل مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، ويقوي أيضاً أن تكون الإشارة إلى غرغرة الإنسان عند الموت أو ما يكون في مثابتها لمن لم يغرغر.
ففي الحديث {أن توبة العبد تقبل مالم يغرغر}، وهذا إجماع لأن من غرغر وعاين فهو في عداد الموتى، وكون المرء في هذه الحالة من آيات الله تعالى، وهذا على من يرى الملائكة المتصرفين في قيام الساعة.
قال القاضي أبو محمد: فمقصد هذه الآية تهديد الكافرين بأحوال لا يخلون منها كأنه قال: هل ينظرون مع إقامتهم على الكفر إلا الموت الذي لهم بعده أشد العذاب، والأخذات المعهودة لله عز وجل، أو الآيات التي ترفع التوبة وتعلم بقرب القيامة.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد بقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: {يوم يأتي بعض آيات ربك} الآية التي ترفع التوبة معها، وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها، وقرأ زهير الفرقبي {يومُ يأتي} بالرفع وهو على الابتداء والخبر في الجملة التي هي لا ينفع إلى آخر الآية، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام وقرأ ابن سيرين وعبد الله بن عمرو وأبو العالية {لا تنفع} بتاء، وأنث الإيمان بما أضيف إلى مؤنث.
أو لما نزل منزلة التوبة، وقال جمهور أهل التأويل كما تقدم الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس عن المغرب.
وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث، إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج.
قال أبو محمد: وهذا فيه نظر لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس.
وروي في هذا الحديث أن الشمس تجري كل يوم حتى تسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها في طلوع المشرق، وحتى إذا أراد الله عز وجل سد باب التوبة أمرها بالطلوع من مغربها، قال ابن مسعود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتطلع هي والقمر كالبعيرين القرينين، ويقوي النظر أيضاً أن الغرغرة هي الآية التي ترفع معها التوبة، وقوله: {أو كسبت في إيمانها خيراً} يريد جميع أعمال البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله: {لم تكن آمنت من قبل} هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين، وقرأ أبو هريرة {أو كسبت في إيمانها صالحاً} وقوله تعالى: {قل انتظروا} الآية تتضمن الوعيد أي فسترون من يحق كلامه ويتضح ما أخبر به.