فصل: 1509 - مَسْأَلَةٌ: في َالشَّرِكَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحلى بالآثار في شرح المجلى بالاختصار **


1509 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَالشَّرِكَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ‏:‏ كُلُّهَا بُيُوعٌ مُبْتَدَأَةٌ لاَ يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلاَّ مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ لاَ تَحَاشَ، شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا فِي الشَّرِكَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ‏.‏ وَقَالُوا‏:‏ الْإِقَالَةُ فَسْخُ بَيْعٍ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا، وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ‏:‏ كُلُّ مَا لاَ يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ قَبْلَ الأَكْتِيَالِ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ فِيهِ بِالشَّرِكَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَبْلَ الأَكْتِيَالِ‏.‏

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ فِي التَّوْلِيَةِ فَقَطْ‏.‏ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ‏:‏ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَدِيثًا مُسْتَفَاضًا فِي الْمَدِينَةِ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ، إِلاَّ أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يَقْبَلَهُ‏.‏

وقال مالك‏:‏ إنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ يَعْنِي قَبْلَ الْقَبْضِ

قال أبو محمد‏:‏ وَمَا نَعْلَمُ رُوِيَ هَذَا إِلاَّ عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَنْ طَاوُوس فَقَطْ وَقَوْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي التَّوْلِيَةِ قَدْ جَاءَ عَنْهُ خِلاَفُهَا‏.‏

قَالَ عَلِيٌّ‏:‏ أَمَّا خَبَرُ رَبِيعَةَ فَمُرْسَلٌ، وَلاَ حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَلَوْ اسْتَنَدَ لَسَارَعْنَا إلَى الأَخْذِ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ اسْتِفَاضَتُهُ عَنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ لَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَوْلَى بِأَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ مِنْ رَبِيعَةَ، فَبَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَالزُّهْرِيُّ مُخَالِفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ‏:‏ التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ

وبه إلى مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ‏:‏ لاَ تَوْلِيَةَ حَتَّى يُقْبَضَ وَيُكَالَ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ قَالَ‏:‏ سَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيُوَلِّيهِ الرَّجُلَ قَالَ‏:‏ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الشَّعْشَاعِ‏:‏ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَبِرَأْيِك تَقُولُهُ قَالَ‏:‏ لاَ أَقُولُهُ بِرَأْيِي، وَلَكِنَّا أَخَذْنَاهُ عَنْ سَلَفِنَا، وَأَصْحَابِنَا

قَالَ عَلِيٌّ‏:‏ سَلَفُ الْحَسَنِ هُمْ الصَّحَابَةُ، رضي الله عنهم،، أَدْرَكَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ صَاحِبٍ وَأَكْثَرَ، وَغَزَا مَعَ مِئِينَ مِنْهُمْ وَأَصْحَابُهُ هُمْ أَكَابِرُ التَّابِعِينَ، فَلَوْ أَقْدَمَ امْرُؤٌ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ هَهُنَا لَكَانَ أَصَحَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ بِلاَ شَكٍّ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَفِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَقَالَ فِطْرٌ‏:‏ عَنْ الْحَكَمِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ‏:‏ عَلَى أَنَّ التَّوْلِيَةَ بَيْعٌ، قَالَ سُفْيَانُ‏:‏ وَنَحْنُ نَقُولُ‏:‏ وَالشَّرِكَةُ بَيْعٌ، وَلاَ يُشْرِكُ حَتَّى يَقْبِضَ فَهَؤُلاَءِ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ كَمَا تَرَى‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ الشَّرِكَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ، إنَّمَا هُوَ نَقْلُ مِلْكِ الْمَرْءِ عَيْنًا مَا صَحَّ مِلْكُهُ لَهَا، أَوْ بَعْضَ عَيْنٍ مَا صَحَّ مِلْكُهُ لَهَا إلَى مِلْكٍ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُسَمًّى وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ نَفْسُهُ، لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ أَلْبَتَّةَ إِلاَّ لِلْبَيْعِ، وَلاَ يَكُونُ بَيْعٌ أَصْلاً إِلاَّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَصَحَّ أَنَّهُمَا بَيْعٌ صَحِيحٌ، وَهُمْ لاَ يُخَالِفُونَنَا فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِيهِمَا إِلاَّ مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، إِلاَّ فِيمَا ذَكَرْنَا هَهُنَا فَقَطْ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِلاَ برهان‏.‏

وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ‏:‏ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْمُرْسَلِ وَنَقَضُوا هَهُنَا أَصْلَهُمْ، فَتَرَكُوا مُرْسَلَ رَبِيعَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَمَا نَعْلَمُ الْمَالِكِيِّينَ احْتَجُّوا بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ‏:‏ الشَّرِكَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ، وَالْإِقَالَةُ مَعْرُوفٌ‏.‏ فَقُلْنَا‏:‏ فَكَانَ مَاذَا وَالْبَيْعُ أَيْضًا مَعْرُوفٌ، وَمَا عَهِدَنَا الْمَعْرُوفَ تُبَاحُ فِيهِ مُحَرَّمَاتٌ،

وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ مُنْكَرًا لاَ مَعْرُوفًا‏.‏ وَسَنَتَكَلَّمُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِقَالَةِ إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسْأَلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلاَ حَوْلَ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ‏.‏

1510 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَضُّ عَلَيْهَا‏:‏

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَا حَفْصٌ، هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ‏.‏

وقال أبو حنيفة، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ‏:‏ لَيْسَتْ بَيْعًا، إنَّمَا هِيَ فَسْخُ بَيْعٍ‏.‏ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ‏:‏ هِيَ بَعْدَ الْقَبْضِ بَيْعٌ، وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ‏.‏

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ‏:‏ أَنَّهَا بَيْعٌ‏.‏ وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَسْخُ بَيْعٍ‏:‏ فأما تَقْسِيمُ أَبِي يُوسُفَ فَدَعْوَى بِلاَ برهان، وَتَقْسِيمٌ بِلاَ دَلِيلٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ‏.‏

وَأَمَّا مَنْ قَالَ‏:‏ لَيْسَتْ بَيْعًا، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا‏:‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا بِاسْمِ الْإِقَالَةِ، وَاتَّبَعَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُسَمِّهَا عليه السلام بَيْعًا، وَالتَّسْمِيَةُ فِي الدِّينِ لاَ تُؤْخَذُ إِلاَّ عَنْهُ عليه السلام، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى بَيْعًا؛ لأََنَّهُ عليه السلام لَمْ يُسَمِّهَا هَذَا الأَسْمَ‏.‏ وَقَالُوا‏:‏ قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ، وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لاَ يَجُوزُ‏.‏

فَصَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بَيْعًا، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَاتَيْنِ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ احْتِجَاجُهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَوْلُهُمْ حَقٌّ، إِلاَّ أَنَّنَا لاَ نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهُ عليه السلام سَمَّى إقَالَةً‏:‏ فِعْلَ مَنْ بَاعَ مِنْ آخَرَ بَيْعًا ثُمَّ اسْتَقَالَهُ فِيهِ، فَرَدَّ إلَيْهِ مَا ابْتَاعَ مِنْهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ عليه السلام لَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ بَيْعًا، وَلاَ يَجِدُونَ هَذَا أَبَدًا، لاَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلاَ سَقِيمَةٍ

وهذا الخبر الْمُرْسَلُ مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ لَوْ شِئْنَا أَنْ نَسْتَدِلَّ مِنْهُ بِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَفَعَلْنَا؛ لأََنَّهُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِلاَّ مَنْ أَشْرَكَ، أَوْ وَلَّى، أَوْ أَقَالَ فَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهَا بُيُوعٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْبُيُوعِ‏.‏

وَأَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَا فَإِنَّمَا فِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْإِقَالَةِ فَقَطْ، وَالْإِقَالَةُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، لَكِنْ فِي الْهِبَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ‏.‏ وَلاَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْإِقَالَةَ لاَ تُسَمَّى بَيْعًا، وَلاَ لَهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فَبَطَلَ مَا صَدَّرُوا بِهِ مِنْ هَذَا الأَحْتِجَاجِ الصَّحِيحِ أَصْلَهُ الْمَوْضُوعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ‏.‏

وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَبَاطِلٌ، وَإِقْدَامٌ عَلَى الدَّعْوَى عَلَى الْأُمَّةِ، وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ قَطُّ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ، فَكَيْفَ عَلَى الْإِقَالَةِ فِيهِ‏.‏ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ وطَاوُوس، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ‏:‏ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ أَخْذِ بَعْضِ السَّلَمِ، وَالْإِقَالَةِ فِي بَعْضِهِ، فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُقِرُّوا جَمِيعَ الصَّحَابَةِ أَوَّلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى أَيْقَنُوا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ أَمْ تُقِرُّوا جَمِيعَ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَقْصَى خُرَاسَانَ إلَى الأَنْدَلُسِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ كَذَلِكَ‏.‏ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا وَهُوَ لاَ يَصِحُّ أَبَدًا فَمَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّ مِنْ الْجِنِّ قَوْمًا صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنُوا بِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، لِتَكْذِيبِهِ الْقُرْآنَ، فَلأَُولَئِكَ الْجِنِّ مِنْ الْحَقِّ وَوُجُوبِ التَّعْظِيمِ مِنَّا، وَمِنْ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ، وَالدِّينِ، مَا لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ، رضي الله عنهم،، هَذَا مَا لاَ شَكَّ فِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَمَنْ لَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَحِمَ اللَّهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَلَقَدْ صَدَقَ إذْ يَقُولُ‏:‏ مَنْ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، مَا يُدْرِيهِ لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا لَكِنْ لِيَقُلْ‏:‏ لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا، هَذِهِ أَخْبَارُ الْمَرِيسِيِّ، وَالأَصَمِّ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ لاَ تَحِلُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ مَا تُيُقِّنَ أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ، رضي الله عنهم، عَرَفُوهُ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَنْهُمْ وَأَقَرُّوا بِهِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ مَا يَكُونُ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرًا خَارِجًا عَنْ الإِسْلاَمِ، كَشَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجُمْلَةِ الزَّكَاةِ، وَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاَةِ، وَمِنْ الْجَنَابَةِ، وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ؛ وَالدَّمِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَقَطْ‏.‏ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ لَكَانَ بَيْعًا مُسْتَثْنًى بِالْإِجْمَاعِ مِنْ جُمْلَةِ الْبُيُوعِ، فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ‏.‏

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُوس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ‏:‏ إذَا أَسْلَفْت فِي شَيْءٍ إلَى أَجَلٍ فَسَمِّي فَجَاءَ ذَلِكَ الأَجَلُ وَلَمْ تَجِدْ الَّذِي أَسْلَفْت فِيهِ‏:‏ فَخُذْ عَرَضًا بِأَنْقَصَ، وَلاَ تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُفْتِ بِالْإِقَالَةِ‏.‏

قَالَ عَلِيٌّ‏:‏ وَلاَ تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ؛ لأََنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَبَيْعُ غَرَرٍ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعٌ مَجْهُولٌ لاَ يَدْرِي أَيَّمَا فِي الْعَالَمِ هُوَ وَهَذَا هُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِجَوَازِهِ نَصٌّ فَيَسْتَثْنِيهِ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا أَسَلَفَ فِيهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُوجَدَ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِصَاصًا وَمُعَاقَبَةً مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَتَرَاضَيَا بِهِ‏:‏ قِيمَةَ مَا وَجَبَ لَهُ عِنْدَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏}‏ وَحَرِيمَةُ الْمَالِ حُرْمَةٌ مُحَرَّمَةٌ يَجِبُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا، فَإِنْ أَرَادَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ عِنْدَهُ، أَوْ يَأْخُذَ بَعْضَ مَا لَهُ عِنْدَهُ، أَوْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا شَاءَ مِنْهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُفْلِسِ إذْ قَالَ‏:‏ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام‏:‏ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ‏.‏ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ ‏"‏ فِي التَّفْلِيسِ ‏"‏ وَفِي ‏"‏ الْجَوَائِحِ ‏"‏ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فَإِذَا بَطَلَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ فَلِنَقُلْ عَلَى تَصْحِيحِ قَوْلِنَا بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى، فَنَقُولُ، وَبِهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ‏:‏ إنَّ الْإِقَالَةَ لَوْ كَانَتْ فَسْخُ بَيْعٍ لَمَا جَازَتْ إِلاَّ بِرَدِّ عَيْنِ الثَّمَنِ نَفْسِهِ لاَ بِغَيْرِهِ، وَلاَ بُدَّ لَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ‏:‏ كُنَّا نَخْتَلِفُ إلَى السَّوَادِ فِي الطَّعَامِ وَهُوَ أَكْدَاسٌ قَدْ حُصِدَ فَنَشْتَرِيهِ مِنْهُمْ الْكُرَّ بِكَذَا وَكَذَا، وَنَنْقُدُ أَمْوَالَنَا، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ الْعُمَّالُ فِي الدِّرَاسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَفِي لَنَا بِمَا سُمِّيَ لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَقَصَ طَعَامُهُ فَيَطْلُبُ إلَيْنَا أَنْ نَرْتَجِعَ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ رُءُوسُ أَمْوَالِنَا، فَسَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَهُ إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا سُمِّيَ لَنَا، أَوْ نَرْتَجِعَ أَمْوَالَنَا كُلَّهَا، وَسَأَلْت ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ‏:‏ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمُك بِأَعْيَانِهَا فَلاَ بَأْسَ، وَسَأَلْت عَطَاءً فَقَالَ‏:‏ مَا أَرَاك إِلاَّ قَدْ رَفَقْت وَأَحْسَنْت إلَيْهِ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ هَذِهِ صِفَةُ الْفَسْخِ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقُولُ‏:‏ إنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ صَحِيحٌ بِالْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ الْمَقْطُوعِ بِهِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ بِالْيَقِينِ لاَ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ، فَلاَ يَحِلُّ فَسْخُ عَقْدٍ صَحَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ، وَلاَ نَصَّ فِي جَوَازِ فَسْخِهِ مُطَارَفَةً بِتَرَاضِيهِمَا، إِلاَّ فِيمَا جَاءَ نَصٌّ بِفَسْخِهِ، كَالشُّفْعَةِ، وَمَا فِيهِ الْخِيَارُ بِالنَّصِّ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَالِك، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَنْ أَجَازَ الْفَسْخَ نَصٌّ أَصْلاً فَقَدْ صَحَّ‏:‏ أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ بِتَرَاضِيهِمَا، يَجُوزُ فِيهَا مَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِي الْبُيُوعِ‏.‏ وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخُ بَيْعٍ لَزِمَهُ أَنْ لاَ يُجِيزَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، لأََنَّ الزِّيَادَةَ إذْ لَمْ تَكُنْ بَيْعًا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ‏.‏

وَأَمَّا مَنْ رَآهَا بَيْعًا فَإِنَّهُ يُجِيزُهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعِ أَوَّلاً، وَبِأَقَلَّ، وَبِغَيْرِ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَحَالًّا، وَفِي الذِّمَّةِ، وَإِلَى أَجَلٍ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الأَجَلُ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ‏.‏

1511 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ دَيْنٍ يَكُونُ لأَِنْسَانٍ عَلَى غَيْرِهِ، لاَ بِنَقْدٍ، وَلاَ بِدَيْنٍ، لاَ بِعَيْنٍ، وَلاَ بِعَرَضٍ، كَانَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ مُقِرًّا بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ‏:‏ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ‏.‏ وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْحَلاَلَ‏:‏ أَنْ يَبْتَاعَ فِي ذِمَّتِهِ مِمَّنْ شَاءَ مَا شَاءَ، مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ثُمَّ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَيُّرِ، ثُمَّ يُحِيلُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ الدَّيْنُ، فَهَذَا حَسَنٌ‏.‏

برهان ذَلِكَ‏:‏ أَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولٌ، وَمَا لاَ يَدْرِي عَيْنَهُ، وَهَذَا هُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ‏:‏ سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَمَّنْ اشْتَرَى صَكًّا فِيهِ ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ بِثَوْبٍ قَالَ‏:‏ لاَ يَصْلُحُ، قَالَ وَكِيعٌ‏:‏ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ‏:‏ هُوَ غَرَرٌ‏.‏

وقال مالك‏:‏ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِمَا عَلَيْهِ جَازَ بَيْعُهُ بِعَرَضٍ نَقْدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لأََنَّهُ شِرَاءُ خُصُومَةٍ‏.‏

قال علي‏:‏ وهذا لاَ شَيْءَ؛ لأََنَّهُ وَإِنْ أَقَرَّ الْيَوْمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَ غَدًا، فَيَرْجِعُ الأَمْرُ إلَى الْبَيِّنَةِ بِإِقْرَارِهِ، فَيَحْصُلُ عَلَى شِرَاءِ خُصُومَةٍ، وَلاَ فَرْقَ‏.‏

وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُونَ لَهُ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا الأَسْلَمِيُّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ فَيَبِيعُهُ فَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَحَقَّ بِهِ‏.‏ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ‏:‏ وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي مُكَاتَبٍ اشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِعَرَضٍ فَجَعَلَ الْمُكَاتَبَ أَوْلَى بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ مَنْ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى إذَا أَدَّى مِثْلَ الَّذِي أَدَّى صَاحِبُهُ

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَمَّنْ لَهُ دَيْنٌ فَابْتَاعَ بِهِ غُلاَمًا قَالَ‏:‏ لاَ بَأْسَ بِهِ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ حَدِيثَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُرْسَلاَنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ عَنْ الأَسْلَمِيِّ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ‏.‏ وَالآخَرُ أَيْضًا‏:‏ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلاَ حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏.‏ وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ صَاحِبًا لاَ يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ‏.‏ وَلاَ حُجَّةَ لِلْمَالِكِيِّينَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، وَلاَ فِي خَبَرِ جَابِرٍ؛ لأََنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا‏:‏ أَنَّهُ كَانَ بِإِقْرَارٍ دُونَ بَيِّنَةٍ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ‏.‏

1512 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لاَ فِي سَاقِيَةٍ، وَلاَ مِنْ نَهْرٍ أَوْ مِنْ عَيْنٍ، وَلاَ مِنْ بِئْرٍ، وَلاَ فِي بِئْرٍ، وَلاَ فِي صِهْرِيجٍ، وَلاَ مَجْمُوعًا فِي قِرْبَةٍ، وَلاَ فِي إنَاءٍ، لَكِنْ مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ عُنْصُرِ الْمَاءِ، وَمِنْ جُزْءٍ مُسَمًّى مِنْهَا، أَوْ بَاعَ الْبِئْرَ كُلَّهَا أَوْ جُزْءًا مُسَمًّى مِنْهَا، أَوْ بَاعَ السَّاقِيَةَ كُلَّهَا أَوْ الْجُزْءَ الْمُسَمَّى مِنْهَا‏:‏ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَاءُ بَيْعًا لَهُ‏.‏ وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ الْمَاءَ الْجَارِيَ إِلاَّ مَا دَامَ فِي سَاقِيَتِهِ وَنَهْرِهِ، فَإِذَا فَارَقَهُمَا بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَصَارَ لِمَنْ صَارَ فِي أَرْضِهِ وَهَكَذَا أَبَدًا‏.‏ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَاءٍ لِسَقْيِهِ، أَوْ لِحَاجَتِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَامَلَ عَلَى سَوْقِهِ إلَيْهِ، أَوْ عَلَى صَبِّهِ عِنْدَهُ فِي إنَائِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ فَقَطْ

وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَاشُهُ مِنْ الْمَاءِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَامَلَ أَيْضًا عَلَى صَبِّهِ أَوْ جَلْبِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ‏.‏ وَمَنْ مَلَكَ بِئْرًا بِحَفْرٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَائِهَا مَا دَامَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ مَا لاَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مَنْعُهُ عَمَّنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ،

وَكَذَلِكَ فَضْلُ النَّهْرِ، وَالسَّاقِيَةِ، وَلاَ فَرْقَ‏.‏

برهان ذَلِكَ‏:‏ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ‏:‏ أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ‏:‏ أَخْبَرَنِي هِلاَلُ بْنُ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ‏"‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ لاَ يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلاَُ وَحدثنا حمام، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ أَبُو الْمِنْهَالِ أَنَّ إيَاسَ بْنَ عَبْدٍ الْمُزَنِيَّ قَالَ لِرَجُلٍ‏:‏ لاَ تَبِعْ الْمَاءَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ‏:‏ سَمِعَ إيَاسَ بْنَ عَبْدٍ الْمُزَنِيَّ وَرَأَى أُنَاسًا يَبِيعُونَ الْمَاءَ فَقَالَ‏:‏ لاَ تَبِيعُوا الْمَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ‏:‏ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ الْبِئْرِ يَعْنِي الْمَاءَ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ‏.‏ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ‏.‏ فَهَؤُلاَءِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، رضي الله عنهم،، فَهُوَ نَقْلٌ تَوَاتَرَ، وَلاَ تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ‏.‏

وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ مِنْ فُتْيَاهُ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ هُوَ أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ‏:‏ مَنَعَنِي جَارِي فَضْلَ مَائِهِ فَسَأَلْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ‏:‏ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ‏:‏ لاَ يَحِلُّ بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ‏:‏ أَنَّ غُلاَمًا لَهُمْ بَاعَ فَضْلَ مَاءٍ لَهُمْ مِنْ عَيْنٍ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ‏:‏ لاَ تَبِعْهُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ بَيْعُهُ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ‏:‏ يُكْرَهُ بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ‏:‏ فَهَذَا إيَاسُ بْنُ عَبْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو‏:‏ يُحَرِّمُونَ بَيْعَ الْمَاءِ جُمْلَةً، وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، رضي الله عنهم، وَاثْنَانِ مِنْ التَّابِعِينَ‏:‏ الْقَاسِمُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ‏.‏

وَرُوِّينَا إبَاحَةَ بَيْعِ الْمَاءِ فِي الآنِيَةِ، وَبَيْعَهُ فِي الشُّرْبِ‏:‏ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِبَاحَةَ بَيْعِهِ كَذَلِكَ، وَفِي الشُّرْبِ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ إبَاحَةَ ثَمَنِ الْمَاءِ جُمْلَةً، وَلاَ حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏.‏

وبرهان زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ مَاءِ الشُّرْبِ‏:‏ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ‏}‏ وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ؛ لأََنَّهُ غَرَرٌ، فَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ الشُّرْبِ، لأََنَّهُ لاَ يَدْرِي أَفِي السَّمَاءِ هُوَ أَمْ لاَ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ‏.‏

وَأَيْضًا‏:‏ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي إلَى الْعَيْنِ، وَالنَّهْرِ، وَالْبِئْرِ‏:‏ مِنْ خُرُوقٍ، وَمَنَافِسَ فِي الأَرْضِ بَعِيدَةٍ هِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِ صَاحِبِ الْمُفَجِّرِ، فَإِنَّمَا يَبِيعُ مَا لَمْ يَمْلِكْ بَعْدُ، وَهَذَا بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ‏.‏

1513 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ الْخَمْرِ، لاَ لِمُؤْمِنٍ، وَلاَ لِكَافِرٍ، وَلاَ بَيْعُ الْخَنَازِيرِ كَذَلِكَ، وَلاَ شُعُورِهَا، وَلاَ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ بَيْعُ صَلِيبٍ، وَلاَ صَنَمٍ، وَلاَ مَيْتَةٍ، وَلاَ دَمٍ إِلاَّ الْمِسْكَ وَحْدَهُ، فَهُوَ حَلاَلٌ بَيْعُهُ وَمِلْكُهُ، فَمَنْ بَاعَ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا شَيْئًا فُسِخَ أَبَدًا‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ هُوَ أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ‏.‏

وبه إلى مُسْلِمٍ‏:‏ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا لَيْثٌ، هُوَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ‏"‏ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ‏:‏ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شَحْمَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ‏:‏ لاَ، هُوَ حَرَامٌ، قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ مَوَّهَ قَوْمٌ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي تَصْحِيحِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ فِيهِ لِلْقِيَاسِ أَثَرٌ، لَكِنْ فِيهِ‏:‏ أَنَّ الأَوَامِرَ عَلَى الْعُمُومِ؛ لأََنَّهُ عليه السلام أَخْبَرَ‏:‏ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الشُّحُومَ عَلَى الْيَهُودِ فَاسْتَحَلُّوا بَيْعَهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، إذْ خَصُّوا التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ‏.‏ فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّهُ مَتَى حُرِّمَ شَيْءٌ فَحَرَامٌ مِلْكُهُ، وَبَيْعُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَأَكْلُهُ عَلَى عُمُومِ تَحْرِيمِهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ‏.‏ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ الْخِنْزِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ، فَحَرَّمَ مِلْكَ كُلِّ ذَلِكَ، وَشُرْبَهُ، وَالأَنْتِفَاعَ بِهِ، وَبَيْعَهُ‏.‏ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى دِينَ الإِسْلاَمِ عَلَى كُلِّ إنْسٍ وَجِنٍّ‏.‏ وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ‏}‏ وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏}‏ وَقَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏}‏ فَوَجَبَ الْحُكْمُ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس‏:‏ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ، أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا‏.‏ وَمَنْ أَجَازَ لَهُمْ بَيْعَ الْخَمْرِ ظَاهِرًا وَشِرَاءَهَا كَذَلِكَ، وَتَمَلُّكَهَا عَلاَنِيَةً، وَتَمَلُّكَ الْخَنَازِيرِ كَذَلِكَ، لأََنَّهُمْ مِنْ دِينِهِمْ بِزَعْمِهِ، وَصَدَّقَهُمْ فِي ذَلِكَ‏:‏ لَزِمَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا شَرَائِعَهُمْ فِي بَيْعِ مَنْ زَنَى مِنْ النَّصَارَى الأَحْرَارِ، وَخِصَاءِ الْقِسِّيسِ إذَا زَنَى، وَقَتْلِ مَنْ يَرَوْنَ قَتْلَهُ وَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ إذَا أَمَرَ الْمُسْلِمُ نَصْرَانِيًّا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَمْرًا‏:‏ جَازَ ذَلِكَ وَهَذِهِ مِنْ شُنْعِهِ الَّتِي نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهَا‏.‏

وَأَمَّا الْمِسْكُ‏:‏ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّطَيُّبُ بِالْمِسْكِ وَتَفْضِيلُهُ عَلَى الطِّيبِ

وَأَيْضًا‏:‏ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الدَّمِ وَصِفَاتِهِ وَحْدَهُ، فَلَيْسَ دَمًا، وَالأَحْكَامُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الأَسْمَاءِ، وَالأَسْمَاءُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الصِّفَاتِ، وَالْحُدُودِ‏.‏

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا عُمَرُ الْمُكْتِبُ أَنَا حِزَامٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ زَكَا أَوْ زَكَّارٍ قَالَ‏:‏ نَظَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى زُرَارَةَ فَقَالَ‏:‏ مَا هَذِهِ الْقَرْيَةُ قَالُوا‏:‏ قَرْيَةٌ تُدْعَى زُرَارَةَ يُلْحَمُ فِيهَا، وَيُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ قَالَ‏:‏ أَيْنَ الطَّرِيقُ إلَيْهَا قَالُوا‏:‏ بَابُ الْجِسْرِ، قَالُوا‏:‏ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَأْخُذُ لَك سَفِينَةً قَالَ‏:‏ لاَ، تِلْكَ شَجَرَةٌ، وَلاَ حَاجَةَ لَنَا فِي الشَّجَرَةِ، انْطَلِقُوا بِنَا إلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَامَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهَا، فَقَالَ عَلَيَّ بِالنِّيرَانِ أَضْرِمُوهَا فِيهَا، فَاحْتَرَقَتْ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ‏:‏ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ أَثْرَى فِي تِجَارَةِ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ‏:‏ أَنْ اكْسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ قَدَرْتُمْ لَهُ عَلَيْهِ، وَسَيِّرُوا كُلَّ مَاشِيَةٍ لَهُ، وَلاَ يُؤْوِيَنَّ أَحَدٌ لَهُ شَيْئًا‏.‏ فَهَذَا حُكْمُ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، رضي الله عنهم، فِيمَنْ بَاعَ الْخَمْرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَخَالَفُوهُمَا‏.‏

1514 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ كَلْبٍ أَصْلاً، لاَ كَلْبَ صَيْدٍ، وَلاَ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، وَلاَ غَيْرَهُمَا، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيه إيَّاهُ فَلَهُ ابْتِيَاعُهُ، وَهُوَ حَلاَلٌ لِلْمُشْتَرِي حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ يَنْتَزِعُ مِنْهُ الثَّمَنَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، كَالرِّشْوَةِ فِي دَفْعِ الظُّلْمِ، وَفِدَاءِ الأَسِيرِ، وَمُصَانَعَةِ الظَّالِمِ، وَلاَ فَرْقَ‏.‏، وَلاَ يَحِلُّ اتِّخَاذُ كَلْبٍ أَصْلاً، إِلاَّ لِمَاشِيَةٍ، أَوْ لِصَيْدٍ، أَوْ لِزَرْعٍ، أَوْ لِحَائِطٍ وَاسْمُ الْحَائِطِ يَقَعُ عَلَى الْبُسْتَانِ وَجِدَارِ الدَّارِ فَقَطْ‏.‏ وَلاَ يَحِلُّ أَيْضًا‏:‏ قَتْلُ الْكِلاَبِ، فَمَنْ قَتَلَهَا ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا، أَوْ بِمَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْهُ، إِلاَّ الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، أَوْ الأَسْوَدَ ذَا النُّقْطَتَيْنِ أَيْنَمَا كَانَتْ النُّقْطَتَانِ مِنْهُ فَإِنْ عَظُمَتَا حَتَّى لاَ تُسَمَّيَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ نُقْطَتَيْنِ، لَكِنْ تُسَمَّى لَمْعَتَيْنِ‏:‏ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، فَلاَ يَحِلُّ مِلْكُهُ أَصْلاً لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَقَتْلُهُ وَاجِبٌ حَيْثُ وُجِدَ‏.‏

برهان ذَلِكَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ فَهَذَانِ صَاحِبَانِ فِي نَسَقٍ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي جُحَيْفَةَ فَهَذَا نَقْلٌ تَوَاتَرَ لاَ يَسَعُ تَرْكُهُ، وَلاَ يَحِلُّ خِلاَفُهُ‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ‏:‏ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ أَرْبَعٌ مِنْ السُّحْتِ، ضِرَابُ الْفَحْلِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ‏.‏ وَرُوِّينَاهُ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْخَمْرِ حَرَامٌ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ‏:‏ أَخْبَثُ الْكَسْبِ كَسْبُ الزَّمَّارَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ‏.‏ الزَّمَارَةُ‏:‏ الزَّانِيَةُ، سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَةَ يَقُولُ ذَلِكَ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ‏:‏ مَا أُبَالِي ثَمَنَ كَلْبٍ أَكَلْتُ، أَوْ ثَمَنَ خِنْزِيرٍ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْت الْحَكَمَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَكْرَهَانِ ثَمَنَ الْكَلْبِ، وَلاَ يَصِحُّ خِلاَفُهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ

وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَغَيْرِهِمْ‏.‏ وَخَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ السُّنَنَ فِي ذَلِكَ، وَأَبَاحُوا بَيْعَ الْكِلاَبِ، وَأَكْلَ أَثْمَانِهَا‏.‏ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ ثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ ثَلاَثٌ هُنَّ سُحْتٌ‏:‏ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَمَهْرُ الزَّانِيَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ الشِّمْرِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ أَمَّا حَدِيثَا ابْنِ وَهْبٍ هَذَانِ فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهِمَا إِلاَّ جَاهِلٌ بِالْحَدِيثِ، أَوْ مُكَابِرٌ يَعْلَمُ الْحَقَّ فَيُولِيَهُ ظَهْرَهُ، لأََنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ وَالأَطِّرَاحِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ، وَالآخَرَ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعَيْنِ‏.‏ ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا حُجَّةٌ، لأََنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا إِلاَّ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ فَقَطْ وَهَذَا حَقٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ ثَمَنِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْكِلاَبِ وَجَاءَتْ الآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا بِزِيَادَةٍ عَلَى هَذَيْنِ لاَ يَحِلُّ تَرْكُهَا‏.‏

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ‏:‏ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ لأََنَّ فِيهِ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ، وَالْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا قَدْ شَهِدَ مَالِكٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بِالْكَذِبِ، وَجَرَحَهُ أَحْمَدُ

وَأَمَّا الْمُثَنَّى‏:‏ فَجَرَّحَهُ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ، وَتَرَكَهُ يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لأََنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الصَّيْدِ فَقَطْ، وَهُمْ يُبِيحُونَ مَا حُرِّمَ فِيهِ مِنْ ثَمَنِ كَلْبِ الزَّرْعِ، وَكَلْبِ الْمَاشِيَةِ، وَسَائِرِ الْكِلاَبِ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهِ‏.‏

وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ‏:‏ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ بِإِقْرَارِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْعُقَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحَلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ دَفَعَ إلَيَّ كِتَابَيْنِ، فَقُلْت فِي نَفْسِي‏:‏ لَوْ سَأَلْته أَسْمَعُ هَذَا كُلَّهُ مِنْ جَابِرٍ فَرَجَعْت إلَيْهِ فَقُلْت‏:‏ هَذَا كُلُّهُ سَمِعْته مِنْ جَابِرٍ فَقَالَ‏:‏ مِنْهُ مَا سَمِعْته، وَمِنْهُ مَا حَدَّثْت عَنْهُ، فَقُلْت لَهُ‏:‏ أَعْلِمْ لِي عَلَى مَا سَمِعْتَ فَأَعْلَمَ لِي عَلَى هَذَا الَّذِي عِنْدِي‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فَكُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ‏:‏ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ، أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ جَابِرٌ أَوْ لَمْ يَرْوِهِ اللَّيْثُ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ بِإِقْرَارِهِ‏.‏ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ، وَلاَ هُوَ مِمَّا عِنْدَ اللَّيْثِ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ، فَحَصَلَ مُنْقَطِعًا‏.‏ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُ، لأََنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ ثَمَنِ شَيْءٍ مِنْ الْكِلاَبِ غَيْرَ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ سَائِرِهَا وَهُمْ يُبِيحُونَ أَثْمَانَ سَائِرِ الْكِلاَبِ الْمُتَّخَذَةِ لِغَيْرِ الصَّيْدِ‏:‏ فَبَطَلَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الآثَارِ‏.‏

وَأَمَّا النَّظَرُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا‏:‏ كَانَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهَا حِينَ الأَمْرِ بِقَتْلِهَا، فَلَمَّا حُرِّمَ قَتْلُهَا وَأُبِيحَ اتِّخَاذُ بَعْضِهَا انْتَسَخَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنْهَا‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ هَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ عليه السلام، لأََنَّهُ إخْبَارٌ بِالْبَاطِلِ، وَبِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ نَصٌّ، وَدَعْوَى بِلاَ برهان، وَلَيْسَ نَسْخُ شَيْءٍ بِمُوجِبِ نَسْخِ شَيْءٍ آخَرَ، وَلَيْسَ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ شَيْءٍ بِمُبِيحٍ لِبَيْعِهِ، فَهَؤُلاَءِ هُمْ الْقَوْمُ الْمُبِيحُونَ اتِّخَاذَ دُودِ الْقَزِّ، وَنَحْلِ الْعَسَلِ، وَلاَ يُحِلُّونَ ثَمَنَهُمَا إضْلاَلاً وَخِلاَفًا لِلْحَقِّ، وَاِتِّخَاذُ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ حِلٌّ، وَلاَ يَحِلُّ بِيَعُهُنَّ‏:‏ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الأَحْتِجَاجِ‏.‏ وَقَالُوا‏:‏ حُرِّمَ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ، فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيمُ كَسْبِ الْحَجَّامِ نُسِخَ تَحْرِيمُ ثَمَنِ الْكَلْبِ

قال أبو محمد‏:‏ وَهَذَا كَذِبٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَكَلاَمٌ فَاسِدٌ، وَدَعْوَى بِلاَ برهان‏.‏ وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا‏:‏ أَنْ يُنْسَخَ أَيْضًا تَحْرِيمُ مَهْرِ الزَّانِيَةِ؛ لأََنَّهُ ذُكِرَ مَعَهُمَا، ثُمَّ مَنْ لَهُمْ بِنَسْخِ تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ‏.‏ فَوَضَحَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ، وَصَاحِبَيْنِ لاَ يَصِحُّ خِلاَفُهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ‏.‏ فَإِنْ ذَكَرُوا قَضَاءَ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِقِيمَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ‏.‏ قلنا‏:‏ لَيْسَ هَذَا خِلاَفًا؛ لأََنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا، وَلاَ ثَمَنًا، إنَّمَا هُوَ قِصَاصُ مَالٍ عَنْ فَسَادِ مَالٍ فَقَطْ، وَلاَ ثَمَنَ لِمَيِّتٍ أَصْلاً‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي الْمُهَزِّمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ‏:‏ أَنَّهُمَا كَرِهَا ثَمَنَ الْكَلْبِ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، وَكَرِهَا ثَمَنَ الْهِرِّ وَأَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ خَالَفُوهُمَا فِي ثَمَنِ الْهِرِّ كَمَا تَرَى‏.‏ وَقَدْ رُوِّينَا إبَاحَةَ ثَمَنِ الْكَلْبِ عَنْ عَطَاءٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ إبَاحَةَ ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَلاَ حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏.‏

وَأَمَّا مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ‏}‏ فَمَا لاَ يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَتَحِلُّ هِبَتُهُ، فَإِمْسَاكُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُ فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ذَلِكَ‏:‏ الْفَضْلُ عَمَّنْ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ ظُلْمٌ لَهُ‏.‏ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمْهُ، وَلاَ يُسْلِمْهُ وَالظُّلْمُ وَاجِبٌ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا‏:‏ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ‏:‏ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ‏:‏ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ‏:‏ عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لاََمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَأَيُّمَا قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ حَرْثٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يُنْقَصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلاَ مَاشِيَةٍ، وَلاَ أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يُنْقَصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ وَتَدْخُلُ الدَّارُ فِي جُمْلَةِ الأَرْضِ؛ لأََنَّهَا أَرْضٌ‏.‏ فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ فِيهَا نَصُّ مَا قلنا‏.‏ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أُمِرْنَا بِقَتْلِ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ‏"‏ كِتَابِ الصَّيْدِ ‏"‏ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ‏.‏

1515 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ بَيْعُ الْهِرِّ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ لأََذَى الْفَأْرِ فَوَاجِبٌ وَعَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْهَا فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الضَّرَرَ‏:‏ كَمَا قلنا فِيمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْكَلْبِ، وَلاَ فَرْقَ‏.‏

برهان ذَلِكَ‏:‏ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ‏:‏ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ فَقَالَ‏:‏ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ الزَّجْرُ أَشَدُّ النَّهْيِ‏.‏

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ‏.‏ فَهَذِهِ فُتْيَا جَابِرٍ لِمَا رُوِيَ، وَلاَ نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُوس، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنَّ يُسْتَمْتَعَ بِمُسُوكِ السَّنَانِيرِ، وَأَثْمَانِهَا‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُوس، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا بَيْعَ الْهِرِّ، وَثَمَنَهُ، وَأَكْلَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ؛ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا‏.‏ وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ، وَلاَ وَرَعَ يَزْجُرُهُ عَنْ الْكَذِبِ‏:‏ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ‏:‏ رَوَيَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبَاحَةَ ثَمَنِ الْهِرِّ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وَهَذَا لاَ نَعْلَمُهُ أَصْلاً مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ تُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ،

وَأَمَّا صَحِيحَةٍ فَنَقْطَعُ بِكَذِبِ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ جُمْلَةً‏.‏

وَأَمَّا الْوَضْعُ فِي الْحَدِيثِ فَبَاقٍ مَا دَامَ إبْلِيسُ وَأَتْبَاعُهُ فِي الأَرْضِ‏.‏ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لأََنَّهُ كَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِمَعْهُودِ الأَصْلِ بِلاَ شَكٍّ، وَلاَ مِرْيَةَ فِي أَنَّ حِينَ زَجْرِهِ عليه السلام عَنْ ثَمَنِهِ بَطَلَتْ الْإِبَاحَةُ السَّالِفَةُ، وَنُسِخَتْ بِيَقِينٍ لاَ مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ قَدْ عَادَ فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى وَأَفِكَ وَقَفَا مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَعُودَ مَا نَسَخَ، ثُمَّ لاَ يَأْتِي بَيَانٌ بِذَلِكَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَسَخَ وَفِيمَا بَقِيَ عَلَى الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ مِنْ عِبَادِهِ‏.‏ هَيْهَاتَ دِينُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْرَزُ‏.‏ وَقَالَ الْمُبِيحُونَ لَهُ‏:‏ لَمَّا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ دُخُولِ الْهِرِّ، وَالْكَلْبِ الْمُبَاحِ اتِّخَاذُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْمِلْكِ‏:‏ جَازَ بَيْعُهُمَا‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وَهَذَا مِمَّا جَاهَرُوا فِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَبِخِلاَفِ أُصُولِهِمْ‏:‏ أَوَّلُ ذَلِكَ‏:‏ أَنَّهُ دَعْوَى بِلاَ برهان ثُمَّ إنَّهُمْ يُجِيزُونَ دُخُولَ النَّحْلِ، وَدُودِ الْحَرِيرِ فِي الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ،

وَكَذَلِكَ الْكَلْبِ عِنْدَهُمْ، وَلاَ يُجِيزُونَ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ‏.‏ وَيُجِيزُونَ الْوَصِيَّةَ بِمَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَغَيْرِهَا، وَيُدْخِلُونَهُ فِي الْمِيرَاثِ‏.‏ وَلاَ يُجِيزُونَ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَظَهَرَ تَخَاذُلُهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ‏.‏

1516 - مَسْأَلَةٌ‏:‏

وَلاَ يَحِلُّ الْبَيْعُ عَلَى أَنْ تُرْبِحَنِي لِلدِّينَارِ دِرْهَمًا، وَلاَ عَلَى أَنِّي أَرْبَحُ مَعَك فِيهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا‏.‏ فَلَوْ تَعَاقَدَا الْبَيْعَ دُونَ هَذَا الشَّرْطِ، لَكِنْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِأَنَّهُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِكَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ لاَ يَرْبَحُ مَعَهُ فِيهَا إِلاَّ كَذَا وَكَذَا فَقَدْ وَقَعَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ كَذَبَ فِيمَا قَالَ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ شَيْئًا، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ أَصْلاً، إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ فِيهِ، أَوْ غَبْنٍ ظَاهِرٍ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ، وَالْكَاذِبُ آثِمٌ فِي كَذِبِهِ فَقَطْ‏.‏

برهان ذَلِكَ‏:‏ أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ تُرْبِحَنِي كَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ بِهِ بَاطِلٌ

وَأَيْضًا‏:‏ فَإِنَّهُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، لأََنَّهُمَا إنَّمَا تَعَاقَدَا الْبَيْعَ عَلَى أَنَّهُ يَرْبَحُ مَعَهُ لِلدِّينَارِ دِرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ شِرَاؤُهُ دِينَارًا غَيْرَ رُبُعٍ كَانَ الشِّرَاءُ بِذَلِكَ، وَالرِّبْحُ دِرْهَمًا غَيْرَ رُبُعِ دِرْهَمٍ فَهَذَا بَيْعُ الْغَرَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ لاَ يَدْرِي مِقْدَارَهُ‏.‏ فَإِذَا سَلِمَ الْبَيْعُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ فَقَدْ وَقَعَ صَحِيحًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكِذْبَةُ الْبَائِعِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مَعْقُودًا عَلَيْهَا الْبَيْعُ، لَكِنْ كَزِنَاهُ لَوْ زَنَى، أَوْ شُرْبِهِ لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَلاَ فَرْقَ‏.‏

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ ‏"‏ ده دوازده ‏"‏ مَعْنَاهُ أُرْبِحُك لِلْعَشَرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ

وَرُوِّينَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ‏:‏ هُوَ رِبًا‏.‏

وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالاَ جَمِيعًا‏:‏ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ‏:‏ بَيْعُ ‏"‏ ده دوازده ‏"‏ رِبًا‏.‏ وَقَالَ عِكْرِمَةُ‏:‏ هُوَ حَرَامٌ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَكَرِهَهُ مَسْرُوقٌ وَقَالَ‏:‏ بَلْ أَشْتَرِيهِ بِكَذَا أَوْ أَبِيعُهُ بِكَذَا‏.‏

وَرُوِّينَا، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَجَازَهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا‏.‏ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ‏:‏ لاَ بَأْسَ ‏"‏ ده دوازده ‏"‏ وَتُحْسَبُ النَّفَقَةُ عَلَى الثِّيَابِ‏.‏ وَلِمَنْ أَجَازَهُ تَطْوِيلٌ كَثِيرٌ فِيمَنْ ابْتَاعَ نَسِيئَةً، وَبَاعَ نَقْدًا، وَفِيمَنْ اشْتَرَى فِي نَفَاقٍ، وَبَاعَ فِي كَسَادٍ، وَمَا يُحْسَبُ كِرَاءِ الشَّدِّ وَالطَّيِّ، وَالصَّبَّاغِ، وَالْقَصَّارَةِ، وَمَا أُطْعِمَ الْحُرْفَا، وَأُجْرَةِ السِّمْسَارِ، وَإِذَا ادَّعَى غَلَطًا، وَإِذَا انْكَشَفَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَكُلُّهُ رَأْيٌ فَاسِدٌ‏.‏ لَكِنْ نَقُولُ‏:‏ مَنْ اُمْتُحِنَ بِالتِّجَارَةِ فِي بَلَدٍ لاَ ابْتِيَاعَ فِيهِ إِلاَّ هَكَذَا فَلْيَقُلْ‏:‏ قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَبِحَسَبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ يَقُولُ‏:‏ ابْتَعْته بِكَذَا، وَلاَ يَحْسِبُ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً، ثُمَّ يَقُولُ‏:‏ لَكِنِّي لاَ أَبِيعُهُ عَلَى شِرَائِي، تُرِيدُ أَخْذَهُ مِنِّي بَيْعًا بِكَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَدَعْ فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ لاَ دَاخِلَةَ فِيهِ‏.‏ وَقَدْ

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ‏:‏ مَرَّ رَجُلٌ بِقَوْمٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِكَمْ ابْتَعْتَهُ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ كَذَبْتَ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا بِدُونِ مَا كَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ تَصَدَّقْ بِالْفَضْلِ وَهُمْ يَقُولُونَ‏:‏ الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ خَالَفُوهُ؛ لأََنَّهُ لَمْ يَرُدَّ بَيْعَهُ، وَلاَ حَطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ‏.‏