فصل: النوع السابع عشر: معرفة تداخل اللغات

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المزهر في علوم اللغة ***


النوع العاشر‏:‏ معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات

الضعيفُ‏:‏ ما انحطَّ عن دَرجة الفصيح، والمُنْكَر أَضعفُ منه وأقلُّ استعمالاً، بحيثُ أنكرَه بعضُ أَئمة اللغة ولم يَعْرِفه‏.‏ والمتروك‏:‏ ما كان قديماً من اللغات، ثم تُرِك واسْتُعْمِل غيرُه، وأمثلةُ ذلك كثيرة في كتب اللغة‏.‏

منها في ديوان الأدب للفارابي‏:‏ اللَّهَجَة لغة في اللَّهْجة وهي ضعيفة، وأَنْبَذ نبيذاً لغة ضعيفة في نَبَذَ‏.‏ وانْتُقِعَ لونه لغة ضعيفة في امْتُقِع، وتَمَنْدَلَ بالمنديل لغة ضعيفة في تَنَدَّلَ، وواخاه في آخاه وهي ضعيفة‏.‏ والامْتِحَاء لغة ضعيفة في الإمْحاء‏.‏

وفيه‏:‏ الجَلَد أن يسلخ الحُوار فيُلْبَس جلده حُواراً آخر‏.‏

وقال ابن الأعرابي‏:‏ الجِلْد والجَلَد واحد، وهذا لا يعرف‏.‏

وفيه الخَرِيع من النساء‏:‏ التي تَتَثَنَّى من اللين، والخَرِيع‏:‏ الفاجِرَة، وأنكرها الأصمعي‏.‏

وفي نوادر أبي زيد‏:‏ كان الأصمعي ينكر هي زوجتي وقُرِئ عليه هذا الشعر لعبدة بن الطبيب فلم يُنْكِره‏:‏

فبكى بناتي شجوهنَّ وزوجتي

وقال القالي‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ لا تكادُ العربُ تقول زوجته‏.‏

وقال يعقوب‏:‏ يقال زوجته، وهي قليلة، قال الفرزدق‏:‏

وإنَّ الذي يَسْعَى ليُفْسِد زوجتي

وفي نوادر أبي زيد‏:‏ شَغِب عليه لغة في شَغَب، وهي لغةٌ ضعيفة‏.‏

وفيها‏:‏ يقال‏:‏ رَعِف الرجل لغة في رَعَف، وهي ضعيفة‏.‏

وفي أمالي القالي‏:‏ لغة الحجاز ذَأَى البقْل يَذْأَى، وأهل نجد يقولون‏:‏ ذَوَى يَذْوي وحكى أهل الكوفة ذَوِي أيضاً، وليست بالفصيحة‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ المِرْزاب لغة من الميزاب، وليست بالفَصيحة‏.‏ ولغِب بالكسر يَلْغَب لغة ضعيفة في لَغَب يَلْغُب‏.‏ والإعراس لغة قليلة في التَّعْريس، وهو نزولُ القوم في السَّفر من آخر الليل‏.‏

وفي شرح الفصيح لابن درستويه‏:‏ جمع الأمّ أُمّات لغة ضعيفة غيرُ فصيحة، والفصيحة أمَّهات‏.‏

وفي نوادر أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي‏:‏ تقول العرب عامة‏:‏ عَطَس يعطِس يكسرون الطاء من يعطِس إلا قليلاً منهم يقولون يَعْطُس‏.‏ ويقول أهل الحجاز‏:‏ قتَر يَقْتِر ولغة فيها أخرى يقتُر بضم التاء، وهي أقلُّ اللغات‏.‏

وقال البطليوسي في شرح الفصيح‏:‏ المشهور في كلام العرب ماءٌ مِلْح، ولكن قول العامة مَالِح لا يعدُّ خطأ، وإنما هو لغة قليلة‏.‏

وقال ابن درستويه في شرح الفصيح‏:‏ قول العامة حَرِصت بالكسر أَحرص لغة معروفة صحيحة، إلا أنها في كلام العرب الفصحاء قليلة، والفصحاء يقولون بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ العامة تقول‏:‏ اعْنَ بحَاجتي على لغة من يقول عَنِيت بالحاجة، وهي لغةٌ ضعيفة‏.‏

وفي الجمهرة الدُّجا مقصور‏:‏ الظلمة في بعض اللغات، يقال‏:‏ ليلةٌ دجياء- زعموا‏.‏

وفيها‏:‏ الخَوَى‏:‏ الجوع مقصور قد مدَّه قوم، وليس بالعلي‏.‏

وفيها‏:‏ خُنْدَع، يقال إنه الضفدع في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الخُنْعَبَة‏:‏ المتدَّلية في وسط الشفة العليا في بعض اللغات‏.‏

وفيها البُرْصوم‏:‏ عِفَاص القارورة ونحوها في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ البُعْقُوط والبُلْقُوط‏:‏ القصير، زعموا في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ العُرَيْنَة في بعض اللغات‏:‏ طَرَفُ الأنف‏.‏

وفيها‏:‏ تَحَثْرف الشيء من يدي إذا بَدَّدْتُه في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الحِثْرمة‏:‏ الناتئة في وسط الشَّفة العليا في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الطَّيْثَار‏:‏ البعوض في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الزُّلْقوم في بعض اللغات‏:‏ الحلقوم‏.‏

وفيها‏:‏ العين في بعض اللغات تسمى البصَّاصة‏.‏

وفيها‏:‏ شَقَي في لغة طيئ في معنى شَقِي، ومثله بَقَي في معنى بَقِي، وبَلَى في معنى بَلِي، ورَضَي في معني رَضِيَ‏.‏

وفيها‏:‏ هَبَّت الريح هُبوباً، وقالوا‏:‏ هَبّاً، وليس في اللغة العالية‏.‏

وفيها‏:‏ تَمَتَّى‏:‏ في معنى تمطَّى في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ القُرَّة‏:‏ الضِّفْدَع في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الغُزَّان‏:‏ الشّدْقان في بعض اللغات، الواحد غُزّ‏.‏

وفيها الكُشَّة‏:‏ الناصية في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ اللِّصت في بعض اللغات‏:‏ اللِّصُّ‏.‏

وفيها‏:‏ المُصِنّ‏:‏ المتكبِّر في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الضفْدعة في بعض اللغات‏:‏ النقَّاقة‏.‏

وفيها‏:‏ المَنَا‏:‏ الذي يُوزَن به ناقِص، وذكروا أن قوماً من العرب يقولون‏:‏ مَنّ وَمَنَّان وأَمْنَان، وليس بالمأخوذ به‏.‏

وفيها‏:‏ النَّملة الصغيرة في بعض اللغات تسمى النِّمَّة‏.‏

وفيها‏:‏ الصُّفْصُف‏:‏ العصفور في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ ذَأَى العود ليس باللغة العالية، والفصيح ذَوَى‏.‏

وفيها‏:‏ الصُّوَّة في بعض اللغات‏:‏ الأرض ذات الحجارة‏.‏

وفيها‏:‏ صَحَبْتُ المَذْبُوح‏:‏ إذا سَلَخْته في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ الخَزَب‏:‏ الخَزَف المعروف، في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ البَخْو‏:‏ الرِّخْو في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ ربما سُمِّي النهرُ الصغير رَبيعاً في بعض اللغات، ومنها قيل الرَّبيع في معنى الرُّبع‏.‏ والثَّمين في معنى الثُّمن، ولم تجاوز العربُ في هذا المعنى الثَّمين‏.‏ وقال بعضهم بل يقال‏:‏ التسيع، والعَشِير، والأول أعلى‏.‏

وفيها‏:‏ الهُبْر‏:‏ مُشَاقَةُ الكَتَّان في بعض اللغات‏.‏

وفيها‏:‏ أبغضته بَغَاضةً لغة يمانية ليست بالعالية‏.‏

ومن أمثلة المنكر ما في الجمهرة‏:‏ قال قومُ‏:‏ بَلق الدابة، وهذا لا يعرف في أصل اللغة‏.‏

وفيها‏:‏ قال قوم‏:‏ نَبْلة واحدة النَّبْل، وليس بالمعروف‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ جَرَعْتُ الماءَ بالفتح لغة أنكرها الأصمعي، والمعروف جَرِعت بالكسر‏.‏

وفي المقصور للقالي‏:‏ يقال سقط على حَلاَوى القَفَا وحَلاَوَة القفا وحُلاوى القفا‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ يجوز أيضاً على حَلاَوةِ القفا، وليست بالمعروفة‏.‏

ومن أمثلة المتروك قال في الجمهرة‏:‏ كان أبو عمر بن العلاء يقول‏:‏ مَضَّنِي، كلام قديم قد تُرك؛ قال ابنُ دريد‏:‏ وكأنه أراد أن أمَضَّني هو المستعمل‏.‏

قال في الجمهرة‏:‏ خوّان يومٌ من أيام الأسبوع من اللغة الأولى وخَوَّان وخُوَّان شهر من شهور السنة العربية الأولى‏.‏

وفي الصحاح للجوهري‏:‏ جَفَأْتُ القدر‏:‏ كَفَأْتُها وصبَبْتُ ما فيها، ولا تقل أَجْفَأْتها، وأما الحديث الذي فيه فَأجفؤوا قُدُورهم بما فيها‏.‏ فهي لغةٌ مجهولة؛ فهذا يُحتمل أن يكون من أمثلة المتروك، ويحتمل أن يكون من أمثلةِ المُنْكَر‏.‏

وفي شرح المعلقات لأبي جعفر النحاس‏:‏ قال الكسائي‏:‏ مَحْبوب مِن حَبَبْتُ، وكأنها لغةٌ قد ماتت؛ كما قيل‏:‏ دمت أدوم، ومت أموت، وكان الأصل أن يقال‏:‏ أمات وأدام في المستقبل، إلا أنها قد تُرِكت‏.‏

قال في الجمهرة‏:‏ أسماء الأيام في الجاهلية‏:‏ السبت‏:‏ شِيَار، والأحد‏:‏ أَوّلُ، والاثنين‏:‏ أَهْونَ وأوْهَد، والثلاثاء‏:‏ جُبَار، والأربعاء‏:‏ دِبُار، والخميس‏:‏ مُؤْنِس، والجمعة‏:‏ عَرُوبة‏.‏

وأسماء الشهور في الجاهلية‏:‏ المُؤْتَمِر وهو المحرّم‏.‏ وصفر وهو ناجِر‏.‏ وشهر ربيع الأول وهو خَوَّان وقالوا‏:‏ خُوَّان، وربيع الآخر وهو وَبْصَان‏.‏ وجمادى الأولى‏:‏ الحَنِين‏.‏ وجمادى الآخرة‏:‏ ربَّى‏.‏ ورجب‏:‏ الأَصَمّ‏.‏ وشعبان‏:‏ عادل‏.‏ ورمضان‏:‏ ناتِق‏.‏ وشوَّالَ‏:‏ وَعِلْ‏.‏ وذُو القعدة‏:‏ وَرْنَة‏.‏ وذو الحجة‏:‏ بُرَك‏.‏

وقال الفرّاء في كتاب الأيام والليالي‏:‏ خُوَّانَ من العرب من يخفِّفه، ومنهم مَنْ يَشدّده‏.‏ التثنية خَوَانان، والجمع أخونة، ووبْصَان منهم مَنْ يقُول‏:‏ بوصان على القَلْب، ومنهم مَنْ يُسقط الواو ويقول‏:‏ بُصَان مَضموم مخفّف‏.‏ والحَنِينَ منهم مَنْ يفتح حاءه، ومنهم مَنْ يَضمّه‏.‏ قال‏:‏ وجمادى الآخرة يسمى وَرْنَةَ ساكن الراء، ومنهم مَنْ يقول‏:‏ رِنة كزِنة، قال‏:‏ وذو القعدة يسمى هُوَاعاً‏.‏

وقال ابن خالَويه‏:‏ اختلف في جمادى الآخرة؛ فقال قُطْرب وابن الأنباري وابن دريد‏:‏ هو رُبَّى بالباء، وقال أبو عمر الزاهد‏:‏ هذا تصحيف، إنما هو رُبَّى، وقال أبو موسى الحامض‏:‏ رِنَة‏.‏

وقال القالي‏:‏ في المقصور والَممدود‏:‏ قال ابنُ الكلبي‏:‏ كانت عاد تسمِّي جمادى الأولى رُنَّى، وجمادى الآخرة حَنِيناً‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سمَّوْها بالأزمنة التي وقعت فيها؛ فوافق شهرُ رمضان أيامَ رَمَضَ الحرّ فسُمِّي بذلك‏.‏

تنبيه- الفرقُ بين هذا النوع وبين النوع الثاني أن ذاك فيما هو ضعيف من جهة النَّقل وعدم الثبوت، وهذا فيما هو ضعيف من جهة عدم الفصاحة مع ثبوته في النقل؛ فذاك راجعٌ إلى الإسناد، وهذا راجعٌ إلى اللفظ‏.‏

النوع الحادي عشر‏:‏ معرفة الرديء المذموم من اللغات

هو أقبحُ اللغات وأنزلُها درجة، قال الفراء‏:‏ كانت العربُ تحضر المَوسِم في كل عام، وتحجُّ البيتَ في الجاهلية، وقريشٌ يسمعون لغاتِ العرب، فما اسْتحسنوه من لغاتهم تكلّموا به؛ فصاروا أفصحَ العرب، وخلَتْ لغتُهم، من مُستبْشع اللغات، ومُستقبَح الألفاظ؛ من ذلك‏:‏ الكَشْكَشة؛ وهي في ربيعة ومضر؛ يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شِيناً؛ فيقولون‏:‏ رَأَيْتُكش، وبكَش وعَليْكَش، فمنهم من يُثبتُها حالةَ الوقف فقط، وهو الأشْهر، ومنهم من يُثبتها في الوصل أيضاً، ومنهم من يَجعلها مكانَ الكاف ويكسرها في الوصل ويُسكنِّها في الوقف؛ فيقول‏:‏ مِنْش وَعَليْش‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الكَسْكَسة؛ وهي في ربيعة ومُضر؛ يجعلون بعد الكافِ أو مكانها في المذكر سيناً على ما تقدّم، وقصدوا بذلك الفَرْقَ بينهما‏.‏

ومن ذلك‏:‏ العَنْعََنة؛ وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم؛ تجعل الهمزة المبدوء بها عيناً، فيقولون في أنك عنّك، وفي أسْلم عَسْلم، وفي أذُن عُذُن‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الفَحفَحة في لغة هُذَيل، يجعلون الحاء عَيْناً‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الوكْم في لغة ربيعة، وهم قوم من كَلْب؛ يقولون‏:‏ عليكِم وبكِم، حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الوهْم في لغة كلْب؛ يقولون‏:‏ منهِمْ وعنهِم وبينهِمْ، وإن لم يكن قبل الهاء ياءٌ ولا كسرة‏.‏

ومن ذلك‏:‏ العَجْعَجَة في لغة قضاعة؛ يجعلون الياء المشدَّدة جيماً، يقولون في تميميّ تميمِجّ‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الاستنطاء في لغة سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار؛ تجعل العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء كأنْطي في أعْطِي‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الوتم في لغة اليمن؛ تجعلُ السِّين تاء كالنات في الناس‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الشَّنشنة في لغة؛ اليمن تجعل الكاف شيناً مطلقاً كلبَّيْش اللهم لبَّيْش، أي لبيك‏.‏

ومن العرب من يجعل الكاف جيماً كالجعْبة يريد الكعبة‏.‏

وقال ابن فارس في فقه اللغة‏:‏ باب اللغات المذمومة- فذكر منها العَنْعَنَة والكشكشة، والكَسكَسة، والحرف الذي بين القاف والكاف في لغة تميم، والذي بين الجيم والكاف في لغة اليمن، وإبدال الياء جيماً في الإضافة نحو غُلامج، وفي النسب نحو بَصرجّ وكُوفِجّ‏.‏

ومن ذلك الخَرْم؛ وهو زيادةُ حرف الكلام، لا الذي في العروض كقوله‏:‏

ولا للما بهم أبداً دواء

وقوله‏:‏

وصاليات كَكَما يُؤَثْفَيْنْ

قال‏:‏ وهذا قبيحٌ لا يزيد الكلام قُوَّة، بل يُقَبِّحه‏.‏

وذكر الثعالبي في فقه اللغة من ذلك‏:‏ اللَّخْلَخَانيَّة تَعْرِض فِي لغة أعراب الشِّحْر وعُمان؛ كقولهم‏:‏ مَشَا اللّه كان، يريدون‏:‏ ما شاء اللّه كان‏.‏

والطُّمْطُمانيَّة تَعْرِض في لغة حِمْيَر؛ كقولهم‏:‏ طاب أمْهَوَاء‏:‏ أي طاب الهواءُ‏.‏

وهذه أمثلة من الألفاظ المفردة‏:‏ في الجمهرة‏:‏ الطَّعْسَفَة لغةٌ مرغوب عنها، يقال‏:‏ مرَّ يُطَعْسِفُ في الأرض إذا مرَّ يَخْبِطُهَا‏.‏

وفي الغريب المصنف‏:‏ يقال حفرت البئر حتى أَمَهْتُ وأَمْوَهْت، وإن شئتَ أَمْهَيْتُ؛ وهي أبعد اللغات فيها؛ والمعنى انتهيت إلى الماء‏.‏

وفي الجمهرة‏:‏ تَدَخْدَخ الرجل إذا انقبض، لغةٌ مرغوب عنها، ورضَبَت الشاة لغةٌ مرغوب عنها؛ والفصيح رَبَضَتْ‏.‏

وفي أمالي القالي‏:‏ يقال‏:‏ بَغْداد وبَغْدَان ومغدان وبَغْدَاذ، وهي أقلها وأردَؤها‏.‏

وفي أدب الكاتب لابن قُتَيبة‏:‏ يقال في أسنانه حَفَر، وهو فسادٌ في أصول الأسنان، وحَفْر رديئة‏.‏ ويقال‏:‏ فلان أحْوَل من فلان، من الحِيلة؛ لأن أصل الياءِ فيها واو من الحَول، ويقال‏:‏ أحْيل، وهي رديئة‏.‏

وفي ديوان الأدب للفارابي‏:‏ الفِصّ بالكسر لغة في الفَصّ، وهي أردأ اللغتين، وأَشْغَلَه لغة في شَغله، وهي رديئةٌ، وانْدَخَل أي دخل، وليس بجيّد‏.‏ والدِّجاج بالكسر لغة في الدّجاج، وهي لغة رديئة‏.‏ والوحْل بالسكون لغةٌ في الوحَل وهي أردأُ اللغتين‏.‏ والوَتَد بفتح التاء لغة في الوَتِد، وهي أردَأ اللغتين، واليِسار بالكسر لغة في اليسار وهي أرْدؤُهما‏.‏

ويقال‏:‏ هو أَخْيَرُ منه في لغة رديئة، والشائعُ خيرٌ منه بلا هَمْز‏.‏

وفي الصحاح قال الخليل‏:‏ أفَلَطني لغةٌ تميمية قبيحة في أفلتني‏.‏

وفي نوادر اليزيدي يقال‏:‏ أَلَقْتُ الدواة إلاَقة، ولُقْتُها ليقاً رديئة‏.‏ وتقول‏:‏ أَقَلْتَه البيع إقالة، وقِلْتُهُ قيلاً رديئة‏.‏ وأنتن اللحم فهو مُنْتِن، وقد يقال له‏:‏ مِنتِن بالكسر، وهي رديئة خبيثة‏.‏ وتقول في كل لغة‏:‏ هذا مَلاك الأمر وفِكاك الرقاب، وقد جاء عن بعض العرب أنه فتح هذين الحرفين وهي رديئة، وتقول‏:‏ رابني الرجل، وأما أرابني فإنها لغة رديئة‏.‏

وفي شرح الفَصِيح للبَطْليوسي‏:‏ الرُّنْزُ‏:‏ لغة في الأرز، وهي رديئة، وقال ابنُ السكّيت في الإصلاح‏:‏ يقال‏:‏ في الإشارة‏:‏ تَلك بفتح التاء لغةٌ رديئة‏.‏

قال ابنُ دَرَسْتَويه في شرح الفصيح‏:‏ قول العامة نحويّ لغوي على وزن جهل يجهل خطأ، أو لغة رديئة، وقوله‏:‏ دَمِعَتْ عيني بكسر الميم لغة رديئة‏.‏

وقال ابن خالويه في شرح الفصيح‏:‏ قال أبو عمرو‏:‏ أكثر العرب تقول‏:‏ تلك، وتيك لغةٌ لا خيرَ فيها‏.‏ ويقال‏:‏ حَدَر القراءة يحْدُرُها ويحْدِرها، ولا خيرَ فيها، وسُؤْت به ظنّاً، وأسأت به ظنّاً، ولا خيرَ فيها، والطِّرياق لغة في التِّرياق، ولا خير فيها‏.‏ وحَوْصَلة الطائر مخفّفة ولا خير في التَّثْقيل، وبعضُ العرب يسمِّ الصَّفا والعصا لغة سوء، ويقال‏:‏ تَطَالَلْت بمعنى تطاولت لغة سوء‏.‏

وتميم تقول‏:‏ الحمدِ للّه بكسر الدال، ولا خير فيها‏.‏ انتهى‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ أَوقفت الدابّة لغة رديئة‏.‏

وفيه‏:‏ أَعَقَّت الفرس أي حملت، فهي عَقُوق، ولا يقال مُعِق إلا في لغة رديئة، وهو من النوادر، وفيه غَلَقْتُ البابَ غَلْقَاً لغة رديئة متروكة‏.‏

وفيه‏:‏ يقال محَقَه اللّه، وأَمْحقَه لغةٌ فيه رديئة‏.‏

وفيه‏:‏ لا يقال ماء مالح إلا في لغة رديئة‏.‏ ولا يقال‏:‏ أشَرُّ الناس إلا في لغة رديئة‏.‏

وفي تهذيب التبريزي‏:‏ الحُوار بالضم‏:‏ ولد الناقة، والحوار بالكسر لغة رديئة‏.‏

وفي المقصود والممدود للقالي‏:‏ في نفساء ثلاث لغات‏:‏ نُفَساء وهي الفصيحةُ الجيدة، ونَفْساء، ونَفَساء، وهي أقلّها وأردؤها‏.‏

وفي المجمل‏:‏ قال ابن دريد‏:‏ الثَّحْج لغة مرغوب عنها لمهْرَة بن حَيْدَانَ، يقولون‏:‏ ثَحَجه برجْله إذا ضربه بها‏.‏

وفي الأفعال لابن القوطيّة‏:‏ حَدَرت السفينة والقِراءة، والرباعي لغة رديئة‏.‏

النوع الثاني عشر‏:‏ معرفة المطرد والشاذ

قال ابن جني في الخصائص‏:‏ أصل مواضع ط ر د في كلامهم التتابع والاستمرار؛ من ذلك طَرَدت الطَّرِيدة إذا اتبعتَها واستمرت بين يديك، ومنه مطارَدَة الفُرْسان بعضهم بعضاً، ألا ترى أن هناك كرّاً وفرّاً، فكلٌّ يطرد صاحبه، ومنه المِطْرَد‏:‏ رمحٌ قصيرٌ يطرد به الوحش، واطَّرد الجدول إذا تتابع ماؤُه بالريح، ومنه بيت الأنصاريّ‏:‏

أتَعْرِفُ رَسْمَاً كاطِّرادِ المَذَاهِبِ ***

أي كتتابع المذاهب، وهي جمع مُذْهَب‏.‏

وأما مواضع ش ذ ذ في كلامهم فهو التفرّق، والتفرّد، من ذلك قوله‏:‏

يَتركْن شَذَّان الحَصَى جَوافِلاَ ***

أي ما تطاير وتهافتَ منه‏.‏ وشذَّ الشيء يشُذّ ويشِذ شذُوذَاً وشذّاً، وأشْذَذْتُهُ وشَذَذْتُهُ أيضاً أَشُذّه بالضم لا غير‏.‏ وأباها الأصمعي، وقال‏:‏ لا أعرف إلا شاذاً أي متفرقاً، وجمع شاذّ شُذَّاذ، قال‏:‏ كبعضِ من مَرَّ من الشُّذَّاذ هذا أصل هذين الأصلين في اللغة، ثم قيل ذلك في الكلام، والأصوات على سَمْته وطريقه في غيرهما، فجعل أهلُ عِلم العرب ما استمرّ من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصّناعة مُطَّرداً، وجعلوا ما فارق عليه بِقيّةُ بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذاً، حَمْلاً لهذين الموضعين على أحكام غيرهما‏.‏

قال‏:‏ ثم اعلم أن الكلام في الاطّراد والشذوذُ على أربعة أضرب‏:‏ مُطَّرِد في القياس والاستعمال جميعاً؛ وهذا هو الغاية المطلوبة وذلك؛ نحو قام زيد، وضربتُ عمراً، ومررت بسعيدٍ‏.‏

ومُطَّرِد في القياس شاذٌّ في الاستعمال؛ وذلك نحو الماضي من يَذَر ويدَع، وكذلك قولهم‏:‏ مكان مُبْقِل، هذا هو القياس، والأكثر في السَّماع باقل، والأول مسموع أيضاً حكاه أبو زيد في كتاب حِيْلة وَمحَالة وأنشد‏:‏

أعَاشَني بَعْدَك وادٍ مُبْقِلُ ***

ومما يَقْوى في القياس، ويضعُف في الاستعمال استعمال مفعول عسى اسماً صريحاً، نحو قولك‏:‏ عسى زيد قائماً أو قياماً، هذا هو القياس، غير أن السماع ورَد بحَظْرِه والاقتصار على ترك استعمال الاسم هاهنا، وذلك قولهم‏:‏ عسى زيد أن يقوم و‏(‏عسى اللّه أن يأتي بالفتح‏)‏، وقد جاء عنهم شيء من الأول، أنشدنا أبو علي‏:‏

أكثرتَ في العذْلِ مُلحّاً دائما *** لا تَعْذُلَنْ إني عَسِيتُ صائما

ومنه المثل السائر‏:‏ عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُساً‏.‏

والثالث المُطَّرِد في الاستعمال الشَّاذ في القياس، نحو قولهم‏:‏ أَخْوَصَ الرِّمْث، واسْتَصْوبت الأمر، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال‏:‏ يقال‏:‏ اسْتَصْوبْت الشيء، ولا يقال استَصَبْتُ، ومنه استَحْوذَ، وأغْيلت المرأة، واستنوق الجملُ، واسْتَتْيَسَت الشاة، واسْتَفْيَل الجمل‏.‏

قال أبو النجم‏:‏

يدير عَيْنَيْ مُصْعَب مُسْتَفْيل ***

والرابع- الشاذ في القياس والاستعمال جميعاً، وهو كتتميم مفعول مما عينه واو أو ياء، نحو ثوب مَصْوُون، ومسك مَدْووف، وحكى البغداديّون‏:‏ فرس مَقْوُود، ورجل معْوود من مَرَضه، وكلُّ ذلك شاذٌّ في القياس والاستعمال؛ فلا يسوغ القياس عليه ولا ردُّ غيره إليه‏.‏

قال‏:‏ واعلم أن الشيء إذا اطَّرد في الاستعمال، وشذّ عن القياس فلا بدَّ من اتِّباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يُتَّخذ أصلاً يقاسُ عليه غيرُه؛ ألا ترَى أنك إذا سمعت استحوذ، و استصوب، أدَّيتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السمعُ فيهما إلى غيرهما؛ فلا تقول في استقام، استقوم، ولا في استباع استبْيَع، ولا في أعاد أعوَد لو لم تسمع شيئاً من ذلك، قياساً على قولهم‏:‏ أَخْوَصَ الرِّمث؛ فإن كان الشيء شاذّاً في السماع مطّرداً في القياس تحاميتَ ما تحامت العربُ من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله‏.‏

من ذلك امتناعك من وذر، وودَع؛ لأنهم لم يقولوهما؛ ولا غَرو عليك أن تستعمل نظيرهما، نحو وَزن ووعد، لو لم تسمعهما‏.‏ ومن ذلك استعمال ‏(‏أن‏)‏ بعد كاد نحو قولك‏:‏ كاد زيد أن يقوم، وهو قليلٌ شاذّ في الاستعمال، وإن لم يكن قبيحاً، ولا مَأْبيّاً في القياس‏.‏

ومن ذلك قول العرب‏:‏ أقائم أخواك أم قاعدان، هكذا كلامهم‏.‏

قال أبو عثمان‏:‏ والقياس مُوجب أن تقول أقائم أخوَاك أم قاعدٌ هُما، إلا أن العربَ لا تقولهُ إلا قاعدان، فتصلُ الضمير، والقياسُ يوجبُ فَصْلِهِ ليُعادِل الجملة الأولى‏.‏

ذكر نبذ من الأمثلة الشاذة في القياس المطّردة في الاستعمال‏.‏

قال الفارابي في ديوان الأدب‏:‏ يقال أحْزَنه يَحْزُنُه؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يَحْزُنْك‏}‏ وهذا شاذٌّ وكان القياس يُحزِنه، ولم يُسْمَع‏.‏ ويقال‏:‏ أحَمَّه اللّه من الحمَّى، فهو محموم، وهو من الشَّواذ، والقياسُ مُحَمّ، وأجنَّه اللّه من الجنون فهو مُجَنّ، وهو من الشواذّ‏.‏

قال‏:‏ ومن الشواذّ باب فَعِل يفعِل بكسر العين فيهما، كوَرِث، وورِع، ووبِق، ووثِق، ووفِق، وومِقَ، ووِرم، وورِي الزَّند، وَوَلي وِلاية، وَيَبِس يَيَبس لغة في يبس يَيْبِس ويقال‏:‏ أورس الشجر إذا اصفرَّ ورقه فهو وارس، ولا يقال مُورس وهو من الشواذ‏.‏

ومن الشواذ أيضاً قولهم‏:‏ القَوْد، والعَوَر، والخَوَل، والخور وقولهم‏:‏ أحوجني الأمر، وأرْوَح اللحم، وأسْود الرجل من سواد لونِ الولد، وأحوز الإبل أي سار بها‏.‏ وأعور الفارس إذا بدا فيه موضعُ خَلل للضَّرب‏.‏ وأَحْوشَ عليه الصيد إذا أنفره ليصيدَه، وأخْوَصت النَّخلة من الخَوص‏.‏ وأعْوص بالخَصْمِ إذا لوى عليه أمره‏.‏ وأفوق بالسهم لغة في أفاق‏.‏ وأشْوكت النخلة من الشَّوْك، وأنْوكْت الرجل إذا وجدته أنوك‏.‏ وأحَوْلَ الغلام إذا أتى عليه حَوْل، وأطولت في معنى أطلت‏.‏ وأعْول أي بكى ورفع صوته‏.‏ وأقْوَلْتَني ما لم أقُل، وأعْوَه القوم لغة في أعاه، أي أصاب ماشيَتَهم عاهَة، وأَخْيَلت السماء، وأغْيَمَت لغة في أغامت، وأغْيل فلان ولده لغة في أغال‏.‏

وفي أمالي ثعلب‏:‏ قال أبو عثمان المازني قالت العرب‏:‏ زُهي الرجل وما أزْهاه، وشُغِل وما أشْغله، وجُنَّ وما أَجَنَّه، هذا الضَّرْب شاذ، وإنما يُحْفظ حِفْظاً‏.‏

وفي الصحاح للجوهري‏:‏ تقول جئت مجيئاً حسناً، وهو شاذ؛ لأن المصدر من فَعَل بفِعل مَفعَل بفتح العين، وقد شذّت منه حرُوفٌ؛ فجاءت على مَفْعِل كالمجِيءِ والمحيض والمَكيل والمَصِير‏.‏

وفيه‏:‏ شَنآن بالتحريك والتسكين، وقُرِئ بهما، وهما شاذّان؛ فالتحريك شاذّ في المعنى؛ لأن فَعَلان إنما هو من بناء ما كان معناه الحركة والاضطراب، كالضرَبان والخَفَقان والتسكين شاذٌّ في اللفظ لأنه لم يجئ شيءٌ من المصادر عليه‏.‏

وقال ابن السراج في الأصول‏:‏ اعلم أنه ربما شذَّ من بابه؛ فينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطَّرَد في جميع الباب لم يكن بالحرف الذي يشذّ منه‏.‏ وهذا مستعمل في جميع العلوم، ولو اعتُرض بالشاذّ على القياس المطّرد لبطل أكثرُ الصناعات والعلوم، فمتى سمعت حَرْفاً مخالفاً لا شكَّ في خلافه لهذه الأصول فاعلم أنه شذّ، فإن كان سُمع ممن تُرْضَى عربيته، فلا بدّ من أن يكون قد حاول به مذهباً، أو نحا نحْواً من الوجوه، أو استهواه أمرٌ غلطه‏.‏

قال‏:‏ وليس البيتُ الشاذّ والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجةً على الأصل المُجْمَع عليه في كلامٍ، ولا نحو، ولا فِقه؛ وإنما يَرْكَن إلى هذا ضَعفة أهل النحو ومَنْ لا حجةَ معه، وتأويل هذا ما أشبهه في الإعراب كتأويل ضَعَفة أصحاب الحديث وأتْباع القصَّاص في الفقه‏.‏

وفيه‏:‏ لا يقال هذا أبيض من هذا‏.‏ وأجازه أهلُ الكوفة واحتجُّوا بقول الرَّاجز‏:‏

جارِية في دِرْعِها الفَضْفَاض *** أبيضُ من أُخت بَنِي أُبَاضِ

قال المبرّد‏:‏ البيتُ الشاذُّ ليس بحجة على الأصل المُجْمَع عليه‏.‏

فائدة- قال ابن خالويه في شرح الفصيح‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ كان الأصمعي يقولُ أفصحُ اللغات ويُلغي ما سواها، وأبو زيد بجعلُ الشاذّ والفصيح واحداً فيجيز كلَّ شيء قيل‏.‏

قال‏:‏ ومثال ذلك أن الأصمعي يقول‏:‏ حزَنني الأمر يحزُنني، ولا يقول أحزنني‏.‏

قال أبو حاتم‏:‏ وهما جائزان؛ لأن القراء قرؤوا ‏"‏ لا يَحزُنهما الفَزَعُ الأَكْبَرُ ‏"‏، ولا يُحْزِنهم‏.‏ جميعاً بفتح الياء وضمها‏.‏

النوع الثالث عشر‏:‏ معرفة الحوشي والغرائب والشواذّ والنوادر

هذه الألفاظ مُتَقاربة، وكلّها خلافُ الفصيح‏.‏

قال في الصحاح‏:‏ حُوشيُّ الكلام وَحْشِيّه وغَرِيبه‏.‏

وقال ابن رشيق في العمدة‏:‏ الوَحْشِيُّ من الكلام ما نَفر عن السمع‏.‏ ويقال له أيضاً حُوشِي، كأنّه منسوب إلى الحُوشِ، وهي بقايا إبل وبار بأرض قد غَلَبَتْ عليها الجنّ فعمرتها ونفَتْ عنها الإنس لا يطؤها إنسي إلا خَبَلوه، قال رُؤْبة‏:‏

جرَت رجالاً من بِلاَد الحُوشِ

قال‏:‏ وإذا كانت اللفظةُ حسنةً مُسْتَغربة لا يعلمُها إلا العالم المبرّز، والأعرابي القحّ، فتلك وَحشيّة‏.‏

قال إبراهيم بن المهدي لكاتبه عبد اللّه بن صاعد‏:‏ إياك وتتبُّع وحشيَّ الكلام طمعاً في نَيْل البَلاغة؛ فإن ذلك هو العيّ الأكبر، وعليك بما سَهُل مع تجنُّبك ألفاظ السّفل‏.‏

وقال أبو تمام يمدح الحَسنَ بن وَهْبَ بالبلاغة‏:‏

لم يتّبع شَنَع اللُّغات ولا مشى رَسْفَ المقيّد في طَرِيق المنطقِ

والغَرائب جمع غريبة، وهي بمعنى الحوشيّ، والشوارد جمع شاردة وهي أيضاً بمعناها، وقد قابل صاحب القاموس بها الفصيح حيث قال‏:‏ مشتملاً على الفُصُح والشوارد‏.‏ وأصلُ التشريد التَّفْريق، فهو من أصل باب الشذوذ، والنوادر جمع نادرة‏.‏

وقال في الصحاح‏:‏ نَدَر الشيء يندر نُدُوراً‏:‏ سقَط وشذَّ، ومنه النوادر؛ وقد أَلَّفَ الأقدمون كتباً في النوادر، كنوادر أبي زيد، ونوادر ابن الأعرابي، ونوادر أبي عمرو الشيباني وغيرهم، وفي آخر الجمهرة أبوابٌ معقودةٌ للنوادر، وفي الغريب المصنف لأبي عبيد بابٌ لنوادر الأسماء، وبابٌ لنوادر الأفعال، وألف الصغانيّ كتاباً لطيفاً في شوارد اللغة، ومن عبارات العلماء المستعملة في ذلك النادرة، وهي بمعنى الشوارد‏.‏

فائدتان‏:‏ الأولى- قال ابنُ هشام‏:‏ اعلم أنهم يستعملون غالباً وكثيراً ونادراً وقليلاً ومطَّرداً؛ فالمطَّرد لا يتخلَّف، والغالبُ أكثر الأشياء، ولكنه يتخلَّف، والكثير دونه، والقليل دون الكثير، والنادر أقل من القليل، فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالبُها، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل، والواحد نادر؛ فعلم بهذا مراتبُ ما يُقالُ فيه ذلك‏.‏

الثانية- قال ابنُ فارس في فقه اللغة‏:‏ باب مراتب الكلام في وُضوحه وأشكاله، أما واضحُ الكلام فالذي يفهمه كلّ سامع عرَف ظاهرَ كلام العرب، وأما المُشْكِل فالذي يأتيه الإشكالُ من وجوه‏:‏ منها غرابة لفظه كقول القائل‏:‏ يَمْلَخُ في الباطل مَلْخَاً‏.‏ يَنْفضُ مِذْرَوَيْه‏.‏

وكما جاء أنه قيل‏:‏ أيُدَالِكَ الرجلُ امْرَأتَهُ‏؟‏ قال‏:‏ نعم؛ إذا كان مُلْفَجَاً‏.‏ ومنه في كتاب اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تَعْضِلُوهُنَّ‏}‏، ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ‏}‏، ‏{‏سَيِّداً وَحَصُوراً‏}‏، ‏{‏وتُبْرئُ الأَكْمَهَ‏}‏‏.‏

وغيرُه مما صنَّف فيه عُلَمَاؤُنا كتبَ غريب القرآن‏.‏

ومنه في الحديث‏:‏ على التِّيعَة شاةٌ، والتِّيمَةُ لصاحبها، وفي السُّيُوب الخُمْس، لا خِلاَط، ولا وِراط، ولا شِنَاق، ولا شِغَار‏.‏ ومَنْ أَجْبى فَقَد أرْبَى وهذا كتابهُ إلى الأقْيَال العَبَاهِلة‏.‏

ومنه في شعر العرب‏:‏

وقاتم الأعْماق *** خاوي المخترق

شأز بمن عَوّه *** جدب المنطلق

مَضْبُورَةٌ قَرْوَاءُ *** هِرْجاب فُنُقْ

وفي أمثال العرب‏:‏ باقِعةٌ، وشرّابٌ بأنْقُعٍ، ومُخْرَنَبق لِيَنْبَاعَ‏.‏

ذكر أمثلة من النوادر

قال أبو عبيد في الغريب المصنّف‏:‏ نوادر الأسماء البرْت‏:‏ الرجلُ الدليل‏.‏ والحَرْش‏:‏ الأثَر‏.‏ والعَيْقَة‏:‏ ساحلُ البحر‏.‏ ويقال‏:‏ شَيْن عَبَاقِيَة للذي له أثرٌ باق‏.‏ ‏(‏و ث ي ج‏)‏ الوَثيجُ من كل شيء‏:‏ الكثيف‏.‏ واللَّويَّة‏:‏ ما خَبَأَتْه من غيرك، التَّلَهْوق مثل التَّمَلُّق‏.‏ والوَبيل‏:‏ الحُزْمة من الحطب‏.‏ تزوّج فلان لُمَّته من النساء أي مثله‏.‏ العَرين‏:‏ اللحم‏.‏ الصُّمَادح‏:‏ الخالص من كل شيء‏.‏ النسع‏:‏ العرق‏.‏ الشُّوَاية‏:‏ الشيء الصغير من الكبير كالقطعة من الشاة‏.‏ وشِوَاية الخبز‏:‏ القرص، نلان في معنى الآن‏.‏ أنشدنا الأحمر‏:‏

نَوِّلِي قَبْلَ نَأْيِ دَارِي جُمَانَا *** وصِليهِ كما زَعَمْتِ تَلاَنَا

الغُبَّة من الشيء‏:‏ البُلْغَة من العيش‏.‏ وهو على شصاصاء أمْرٍ أي على عجلةٍ، وعلى حدِّ أمر‏.‏ النَّاصاة‏:‏ النَّاصيَة في لغة طيء‏.‏

ومن نوادر الفعل‏:‏ مَتَعْتُ بالشيء‏:‏ ذهبت‏.‏ تَشَاوَل القوم‏:‏ تناول بعضُهم بعضاً عند القتال بالرماح‏.‏ خرج يَسْتَمِي الوَحْشَ‏:‏ يَطْلُبُهَا‏.‏ هَلْهَلْتَ أُدْركه‏:‏ أي كِدْت‏.‏ آزيت على صَنِيع بني فلان أي أضْعَفْت عليه‏.‏ آض يئيض أيضاً‏:‏ صار، وردت على القوْم التِقَاطَاً إذا لم تَشْعُرْ بهم حتى تَرِد عليهم، وردت الماء نِقاباً مثل الالتقاط‏.‏ أزْلَجتُ الباب إزلاجاً‏:‏ أغلقته‏.‏ جاء فلان توّاً إذا جاء قاصداً لا يُعَرِّجُه شيء‏.‏ فإن أقام ببعض الطريق فليس بتوّ، اسْتادَ القومُ بني فلان استِياداً إذا قتلوا سيّدهم أو خَطَبوا إليه‏.‏ اسْتَأْتَنْتُ أتاناً‏:‏ اتَّخَذت أتاناً‏.‏ كَمَيْت الشهادة أكميها‏:‏ كتمتُها‏.‏ ذرَّحْت الزعفران وغيره في الماء إذا جعلت فيه منه شيئاً يسيراً‏.‏ يَقِنْت الأمر يقَناً من اليقين، ما أبْرح هذا الأمر أي ما أعجبه‏.‏

ونوادرُ الأسماء والأفعال كثيرة لا يمكنُ اسْتِقْصَاؤُهَا‏.‏

قال في الجمهرة‏:‏ ومن نوادر قولهم أن يقولوا‏:‏ أفعلت أنا وفعلت بغيري‏.‏

فمن ذلك‏:‏ أكببت على الشيء تَجَانأْتُ عليه، وكببت الشيء أكبّه إذا قلبته‏.‏

وقال ابن خالويه في شرح الدريدية‏:‏ يقال أكبّ لوجهه أي سقط، وكبّه اللّه؛ وهذا حرف نادر جاء خلاف العربية؛ لأن الواجب أن يقول‏:‏ فعل الشيء وأفعله غيره‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ حكى يونس لَبُبْتَ يا رجل بالضم‏:‏ أي صرت ذا لُبّ، وهو نادر ولا نظير له في المضاعف‏.‏

وفي شرح الدريدية لابن خالويه‏:‏ يقال طاف الخيال يطوف، وأخبرنا ابن مجاهد عن السمري عن الفرّاء قال‏:‏ سمعت شيخاً من النحويين- وكان ثقة- يقال له الأحمر يقال‏:‏ طِفت بالكَسر، وهو نادر‏.‏

وفي شرح الفصيح له‏:‏ يقال ما أحسن شِبْره أي طُوله، وما أحسنَ عماه مثله، وهما حرفان نادران‏.‏

ومن الشوارد‏:‏ الأجيار جمع جيران، حكاه ابنُ الأعرابي‏:‏ وأجبته جِيبى على وزن فعلى، حكاه اللحياني‏.‏

ومن الغرائب‏:‏ قال ياقوت في بعض نسخ الصحاح‏:‏ الخازباز‏:‏ السِّنَّوْر، عن ابن الأعرابي قال‏:‏ وهو من أغْرَب الأشياء، والمشهور أنه اسمٌ للذباب ولِدَاء يأخذ الإبل في حُلُوقها، ولِنَبْت‏.‏

وفي شرح المقامات لسلامة الأنباري‏:‏ الوَطْبُ‏:‏ وِعاء اللبن مشهور، وكذا المِحْقَن، وهو غريب‏.‏

وقال ابن خالويه في شرح الدريدية في قول الشاعر‏:‏

بِسَرْوِ حِمْيرَ أَبوالُ البِغَالِ بهِ *** أَنَّى تَسَدَّيتِ وَهْنَاً ذلكِ البِينَا

أبوال البغال في هذا البيت‏:‏ السراب، قال‏:‏ وهذا حرف غريب حدثناه أبو عمر الزاهد‏.‏

وفي المجمل لابن فارس‏:‏ الإبرة معروفة، وأَبْرَتْه العقرب‏:‏ ضربته بإبْرَتها، وإبْرَة الذراع مستدقّها، والإبَار‏:‏ تلقيح النخل، ونخلة مَأْبورة ومُؤَبَّرة، وتأبَّر النخل قَبِل الإبار، وذلك مشهور‏.‏

ومما يستغرب قليلاً‏:‏ المآبر وهي النَّمائم، الواحد مِئْبَرَة‏.‏

وفيه‏:‏ الجُود‏:‏ الجوع، سمعت القطان يقول‏:‏ سمعت علياً يقول‏:‏ هذا أغربُ حَرْفٍ فيه، يريدُ في باب الجوع‏.‏

النوع الرابع عشر‏:‏ معرفة المستعمل والمهمل

تقدّم في النوع الأول عدَّة الأبنية المستعملة والمهمَلة، وكان هذا محلّه، قال ابن فارس‏:‏ المهمل على ضربين‏:‏ ضربٌ لا يجوز ائتلاف حروفه في كلام العرب البتّة، وذلك كجيم تؤلّف مع كاف، أو كاف تقدّم على جيم، وكعين مع غين، أو حاء مع هاء أو غين، فهذا وما أشبَهه لا يأْتَلِف‏.‏

والضَّرْبُ الآخر‏:‏ ما يجوزُ تألّف حروفه؛ لكنَّ العرب لم تقل عليه، وذلك كإرادة مُرِيد أن يقول عضخ، فهذا يجوز تألّفه وليس بالنّافر؛ ألا تراهم قد قالوا في الأحرف الثلاثة‏:‏ خضع، لكن العرب لم تقل عضخ، فهذان ضربان للمهمل‏.‏

وله ضربٌ ثالث؛ وهو أن يريد مريدٌ أن يتكلّم بكلمةٍ على خمسة أحرف ليس فيها من حروف الذُّلْق أو الإطباق حرف، وأي هذه الثلاثة كان فإنه لا يجوز أن يسمّى كلاماً‏.‏ وأهل اللغة لم يذكروا المهمَل في أقسام الكلام، وإنما ذكروه في الأبنية المهمَلة التي لم تقل عليها العرب‏.‏

وقال ابن جنّي في الخصائص‏:‏ أما إهمالُ ما أُهْمِل مما تحتمله قسمةُ التركيب في بعض الأصول المتصوّرة أو المستعملة فأكثرهُ متروكٌ للاستثقال، وبقيتُه ملحقةٌ به ومقَفَّاة على إثْره‏.‏

فمن ذلك ما رُفِض استعماله لتَقَارُب حروفه، نحو سص، و صص، وطت، وتط، وضش وشض؛ وهذا حديث واضح لنُفور الحسِّ عنه، والمشقَّة على النفس لتكلّفه، وكذلك نحو قج، وجق، وكق، وقك، وكج، وجك؛ وكذلك حروف أعني حروف الحَلق هي من الائتلاف أبْعَدُ؛ لتَقَارُب مَخارجها عن مُعظَم الحروف، أعني حروف الفم، وإن جُمع بين اثنين منها يقدَّم الأقوى على الأضعف، نحو‏:‏ أهل وأحَدٍ، وأخٍ، وعَهد؛ وعَهْر وكذلك متى تقاربَ الحرفان لم يُجْمَع بينهما إلا بتقديم الأقوى منهما، نحو أُرُل، وَوَتِد، وَوطْد؛ يدل على أن الراء أقْوَى من اللام أن القَطع عليها أقوى من القَطع على اللام، وكأنَّ ضَعْف اللام إنما أتاها لما تُشْرَبه من الغُنَّة عند الوقوف عليها؛ ولذلك لا تكاد تَعْتاص اللام‏.‏ وقد ترى إلى كثرة اللَّثْغَة في الكلام بالراء‏.‏ وكذلك الطاء والتاء هما أقوى من الدال؛ وذاك لأن جَرْس الصوت بالتاء والطاء عند الوقوف عليهما أقْوَى منه وأظهر عند الوقوف على الدال‏.‏

وأما ما رُفِض أن يُسْتَعْمل وليس فيه إلا ما استُعمِل من أصله فالجوابُ عنه تابعٌ لما قبله، وكالمحمُول على حُكمه؛ وذلك أن الأصولَ ثلاثة‏:‏ ثلاثيّ ورباعيّ خماسيِ؛ فأكثرُها استعمالاً وأَعْدَلُهَا تركيباً الثلاثيّ؛ وذلك لأنه حرفٌ يُبْتدأ به، وحَرْفٌ يُحْشَى به وحرف يُوقَف عليه؛ وليس اعتدالُ الثلاثيّ لقلَّةِ حروفه فحسب، ولو كان كذلك لكان الثنائيّ أكثرَ منه اعتدالاً؛ لأنه أقلُّ حروفاً، وليس الأمر كذلك‏.‏

ألا ترى أن ما جاء من ذوات الحرفين جزءٌ لا قَدْر له فيما جاء من ذوات الثلاثة، وأقلُّ منه ما جاء على حرفٍ واحد، فتمكُّن الثلاثي إذن إنما هو لقلَّة حروفه، ولشيء آخر، وهو حَجْز الحَشْو الذي هو عينُه بين فائه ولامه، وذلك لتباينهما وتعادي حاليهما؛ ألا ترى أن المُبْتدأ به لا يكون إلا متحرِّكاً، وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكناً، فلما تنافرت حالاهما وسَّطوا العين حاجزاً بينهما لئلاَّ يفجؤوا الحسّ بضدِّ ما كان آخذاً فيه، ومُنصبّاً إليه؛ فقد وضح بذلك خفَّة الثلاثي‏.‏

وإذا كان كذلك فذوات الأربعة مستثقلةٌ غيرُ متمكنة تمكَّن الثلاثي؛ لأنه إذا كان الثلاثي أخفّ وأمْكَنَ من الثنائي على قلَّة حروفه فلا محالة أنه أخفُّ وأمكن من الرباعي، لكَثْرة حروفه؛ ثم لا شكّ فيما بعد في ثِقَل الخماسيّ وقوة الكلْفة به، فإذا كان كذلك ثقُل عليهم مع تناهيه وطوله أن يَسْتَعملوا في الأصل الواحد جميعَ ما تنقسم إليه به جهات تركيبه، وذلك أن الثلاثي يتركّب منه ستة أصول، نحو جَعْلَ، جَلْع، عِلْج، لجْع، لَعْج، عِجْل، والرّباعي يتركب منه أربعة وعشرون أصلاً، وذلك أنك تضرب الأربعة في التراكيب التي خرجت عن الثلاثي، وهي ستة؛ فيكون ذلك أربعة وعشرين تركيباً، المستعملُ منها قليلٌ وهي‏:‏ عَقْرب، وبُرْقع، وعَرْقَب، وعَبْقَر، ولو جاء منه غيرُ هذه الأحرف فعسى أن يكونَ ذلك، والباقي مهملٌ كله، وإذا كان الرباعي مع قُرْبه من الثلاثي إنما استُعْمل منه الأقل النَّزْر، فما ظنّك بالخماسي على طوله وتقاصر الفِعل الذي هو مِئَنّة، من التصرف والثقل عنه؛ فلذلك قلَّ الخماسي أصلاً‏.‏ ثم لا تجد أصلاً مما رُكِّب منه قد تُصُرّف فيه بتغيير نَظْمه ونَضَده، كما تُصُرف في باب عَقْرب بَعَبْقر وعرقب وبُرْقع؛ ألا ترى أنك لا تجد شيئاً من نحو سَفَرْجل قالوا فيه‏:‏ سَرَفجل، ولا نحو ذلك؛ مع أن تقليبه يبلغ مائة وعشرين أصلاً‏.‏ ثم لم يُسْتعمل من ذلك إلا سفرجل وحده

فأما قول بعضهم‏:‏ زبردج فَقَلْبٌ لَحِق الكلمة ضرورة في بعض الشعر ولا يقاس؛ فدلَّ ذلك على استكراههم ذوات الخمس؛ لإفراط طولها، فأوجبت الحالُ الإقلالَ منها، وقَبْضَ اللسان عن النُّطْق بها إلا فيما قلَّ ونَزُر، ولما كانت ذوات الأربعة تليها، وتتجاوز أعدل الأصول- وهو الثلاثي- إليها مسَّها بقُرْبها منه قلةُ التصرف فيها، غيرَ أنها في ذلك أحسنُ حالاً من ذواتِ الخمسة؛ لأنها أدنى إلى الثلاثة منها، وكان التصرُّفُ فيها دون تصرف الثلاثي، وفوقَ تصرّف الخماسي؛ ثم إنهم لما أمسُّوا الرباعي طرفاً صالحاً من إهمال أصوله وإعدام حال التمكّن في تصرفه، تخطَّوا بذلك إلى إهمال بعض الثلاثي، لا من أجل جفاء تراكيبه لتقارُبه، نحو سص، وصس، لكن من قِبل أنهم حَذَوه على الرُّباعي، كما حَذوا الرباعي على الخماسي؛ ألا ترى أن لجع لم يُهْمل لثِقله؛ فإن اللام أخت الراء والنون، وقد قالوا‏:‏ نجع فيه ورجع عنه واللام أخت الحرفين، وقد أُهملت في باب اللجع، فدلَّ على أن إهمالَ لجع ليس للاستثقال؛ بل لإخلالهم ببعض أصول الثلاثي؛ لئلا يخلو هذا الأصلُ من ضَرْبٍ من الإهمال، مع شِياعه واطّراده في الأصلين اللذين فوقه، كما أنهم لم يُخْلوا الخماسي من بعض تصرّف بالتحقير والتكسير والترخيم؛ فعُرِف أن ما أُهْمِل من الثلاثي لغير قُبْحِ التأليف نحو‏:‏ ضث و ثض، و ثذ و ذث إنما هو لأن محلّه من الرباعي محلُّ الرباعي من الخماسي، فأتاه ذلك القَدْر من الجمود من حيث ذلك، كما أتى الخماسيّ ما فيه من التصرّف في التكسير والتحقير والترخيم من حيث كان محلّه من الرباعي محلَّ الرباعي من الثلاثي؛ وهذه عادةٌ للعرب مألوفة، وسنّةٌ مسلوكة، إذا أعطوا شيئاً من شيء حُكْماً ما قابلوا ذلك بأن يُعْطُوا المأخوذ منه حكماً من أحكام صاحبه أمارة بينهما وتتميماً للشَّبَه الجامع لهما، ألا تراهم لما شبّهوا الاسم بالفعل فلم يصرفوه، كذلك شبهوا الفعل بالاسم فأعربوه‏.‏

وإذ قد ثبت أن الثلاثي في الإهمال محمولٌ على حكم الرباعي فيه؛ لقُربه من الخماسي بقي علينا أن نورد العلة التي لها استعمل بعض الأصول من الثلاثي والرباعي والخماسي دون بعض‏.‏ وقد كانت الحالُ في الجميع متساوية‏.‏

فنقول‏:‏ اعلم أن واضعَ اللغة لما أراد صَوْغَها وترتيبَ أحوالها هجَم بِفِكره على جميعها، ورأى بعين تَصَوِّره وجوه جُمَلها وتفاصيلها؛ فعلِم أنه لا بدّ من رفْض ما شَنُع تأليفه منها؛ نحو‏:‏ هع، وقخ، وكق؛ فنَفَاه عن نفسه، ولم يَمْزجه بشيء من لفظه؛ وعَلِم أيضاً أن ما طال وأملَّ بكثرة حروفه لا يمكنُ فيه من التصَرُّف ما أمكن في أعدَل الأصول وأخفّها، وهو الثلاثي؛ وذلك أن التصرّف في الأصل، وإن دعا إليه قياسٌ- وهو الاتّساع به في الأسماء، والأفعال، والحروف- فإن هناك من وجْهٍ آخر ناهياً عنه، ومُوحِشاً منه؛ وهو أنَّ في نَقل الأصل إلى أصلٍ آخر- نحو صبر، وبصر، وضرب، وربض- صورة الإعلال نحو قولهم‏:‏ ما أطيبه وأيْطَبَه، واضمحل وامضحلّ، وقِسِيّ وأَينق، وهذا كله إعلالٌ لهذه الكلِم، وما جرى مجراها، فلما كان انتقالهم من أصل إلى أصل، نحو صبر وبصر مشابهاً للإعلال من حيث ذكرنا كان عذراً لهم في الامتناع من استيفاء جميع ما تحتمِله قسمةُ التركيب في الأصول، فلما كان الأمر كذلك، واقتضت الضرورةُ رفْضَ البعض، واستعمال البعض، جرت موادُّ الكلم عندهم مَجْرى مالٍ مُلقًى بين يَدَيْ صاحبه، وقد عزم على إنفاق بعضه دون بعض، فميَّزَ رديئه وزائفه، فنفاه البتة، كما نَفَوّْا عنهم تركيب ما قَبُح تأليفه، ثم ضرب بيده إلى ما لطُف له من جيّده، فتناوله للحاجة إليه، وترك البعض الآخر لأنه لم يُرِد استيعاب جميعَ ما بين يديه منه لما قدمنا ذِكْره، وهو يرى أنه لو أخذ ما ترك مكان أخْذ ما أَخذ لأغْنى عن صاحبه، وأدَّى في الحاجة إليه تأديته؛ ألا ترَى أنهم لو استعملوا لجع مكان نجع لقام مقامه، وأغنى مَغْناه، ثم قد يكون في بعض ذلك أغراضٌ لهم؛ لأجلها عدَلوا إليه على ما تقدَّمت الإشارةُ إليه في مناسبةِ الألفاظ للمعاني‏.‏

وكذلك امتناعُهم في الأصل الواحد من بعض مُثُله واستعمال بعضها، كرَفْضِهم في الرباعي مثل فَعْلُل وفَعلِل وفُعْلَل، لما ذكرناه؛ فكما توقَّفوا عن استيفاء جميع تراكيب الأصول، كذلك توقفوا عن استيفاء جميع أمثلة الأصل الواحد، من حيثُ كان الانتقال في الأصل الواحد من مثالٍ إلى مثال في النّقْص والاختلال كالانتقال في المادة الواحدة من تركيبٍ إلى تركيب؛ لكنَّ الثلاثي جارٍ فيه لخِفَّته جميع ما تحتملُه القِسمةُ، وهي الاثنا عشر مثالاً، إلا مثالاً واحداً وهو فِعُل، فإنه رُفِض للاستثقال لما فيه من الخروج من كَسْرٍ إلَى ضم، انتهى كلام ابن جني‏.‏

النوع الخامس عشر‏:‏ معرفة المفاريد

قال ابنُ جني في الخصائص‏:‏ المسموعُ الْفَرْد هل يقبل ويحتجُّ به‏؟‏ له أحوال‏:‏ أحدها- أن يكون فرداً، بمعنى أنه لا نظير له في الألفاظ المسموعة، مع إطباق العرب على النُّطق به، فهذا يُقْبَل، ويحتجُّ به، ويُقاس عليه إجماعاً، كما قِيس على قولهم في شَنُوءة شَنَئِيّ، مع أنه لم يُسْمع غيرُه؛ لأنه لم يُسْمع ما يخالفه، وقد أطبقوا على النُّطق به‏.‏

الحال الثاني- أن يكون فرداً، بمعنى أن المتكلِّم به من العرب واحد، ويخالف ما عليه الجمهور؛ فينظر في حال هذا المنفرد به؛ فإن كان فصيحاً في جميع ما عدا ذلك القَدْر الذي انفرد به، وكان ما أورده مما يقبلُه القياسُ، إلا أنه لم يَرِد به استعمالٌ إلا من جهة ذلك الإنسان؛ فإنّ الأَوْلى في ذلك أن يحسن الظنّ به، ولا يحمل على فساده‏.‏

فإن قيل‏:‏ فمن أين ذلك‏؟‏ وليس يجوز أن يَرْتجل لغةً لنفسه‏؟‏ قيل‏:‏ يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغةٍ قديمة طال عهدُها، وعَفا رسمُها؛ فقد أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج، عن أبي خليفة الفضل بن الحبَاب، قال‏:‏ قال لي ابن عَوْن، عن ابن سيرين، قال عمرُ بن الخطاب رضي اللّه عنه‏:‏ كان الشّعرُ علم قوم، ولم يكن لهم علمٌ أصحَّ منه؛ فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العربُ بالجهاد، وغزْوِ فارسَ والروم، ولَهَت عن الشعر ورِوايته؛ فلما كَثُر الإسلام، وجاءت الفتُوحُ، واطمأنت العرب في الأمصار راجعُوا رِواية الشعر، فلم يَؤُولوا إلى ديوان مُدَوَّن، ولا كتاب مكتوب، وألْفَوا ذلك، وقد هلك من العرب مَنْ هَلَك بالموت والقتل؛ فحفِظوا قُلّ ذلك وذهب عنهم كُثْره‏.‏

وقال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ ما انتهى إليكم ممّا قالت العربُ إلا قُلُّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعر كثير‏.‏

وعن حمَّاد الرَّاوية قال‏:‏ أمر النعمانُ بن المُنذر فنُسِخت له أشعارُ العرب في الطُّنُوج وهي الكراريس، ثم دفَنها في قصره الأبيض؛ فلما كان المختار بن أبي عُبيد الثقفي، قيل له‏:‏ إن تحت القَصْر كنزاً، فاحتَفَره فأخرج تلك الأشعار؛ فمن ثمَّ أهل الكوفة أعلمُ بالشعر من أهل البصرة‏.‏

قال ابن جني‏:‏ فإذا كان كذلك لم نقطع على الفصيح يُسْمَع منه ما يخالِفُ الجمهور بالخطأ ما دام القياسُ يَعْضُده، فإن لم يَعْضُده كرَفْع المفعول، والمضاف إليه، وجرِّ الفاعل أو نصبه، فينبغي أن يردّ؛ وذلك لأنه جاء مُخالفاً للقياس والسماع جميعاً، وكذا إذا كان الرجلُ الذي سُمِعت منه تلك اللغة المخالفة مضعوفاً في قوله، مألوفاً منه اللَّحن وفساد الكلام، فإنه يردّ عليه، ولا يُقبل منه، وإن احتمُل أن يكون مصيباً في ذلك لغةً قديمة، فالصواب ردّه وعدمُ الاحتفال بهذا الاحتمال‏.‏

الحال الثالث- أن ينفرد به المتكلِّم ولا يُسْمع من غيره لا ما يوافقه ولا ما يخالفه‏.‏

قال ابن جني‏:‏ والقولُ فيه أنه يجب قبولُه إذا ثبتت فصاحته؛ لأنه إما أن يكون شيئاً أخذه عمن نطق به بلغةٍ قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه على حدِّ ما قلناه فيمن خالف الجماعة، وهو فصيح، أو شيئاً ارتجله؛ فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمَتْ طبيعته تصرّف وارتجل ما لم يُسْبق إليه؛ فقد حكي عن رُؤْبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظاً لم يسمعاها ولا سُبِقا إليها‏.‏

أما لو جاء شيء من ذلك عن متَّهم أو من لم تَرْقَ به فصاحته، ولا سبَقت إلى الأنفس ثِقته، فإنه يردّ ولا يُقبل؛ فإن ورد عن بعضهم شيءٌ يدفعه كلام العرب ويأباه القياسُ على كلامهما، فإنه لا يُقنع في قبوله أن يُسْمَع من الواحد، ولا من العدَّة القليلة، إلا أن يكثر من ينطق به منهم، فإن كَثُر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوَجه في القياس فمجازُه وجهان‏:‏ أحدهما أن يكون مَنْ نطق به لم يُحْكِم قياسه على لغة آبائهم، والآخر أن تكون أنت قصَّرْت عن استدراك وجه صحته‏.‏ ويحتمل أن يكون سمَعه من غيره ممن ليس فصيحاً، وكثُرَ استماعه له؛ فسرَى في كلامه، إلا أن ذلك قلّما يقع؛ فإن الأعرابي الفصيح إذا عُدِل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافَها، ولم يَعْبَأ بها، فالأقوى أن يُقْبل ممن شهرت فصاحته ما يُورده، ويُحْمَل أمرُه على ما عُرِف من حاله، لا على ما عسى أن يحتمل‏.‏ كما أن على القاضي قبولَ شهادة من ظهرت عدالته، وإن كان يجوز كذِبه في الباطن؛ إذ لو لم يُؤْخذ بها لأدّى إلى ترك الفصيح بالشك وسقوط كلّ اللغات‏.‏

تنبيه- الفرق بين هذا النوع وبين النوع الخامس أن ذاك فيما تفرَّد بنقله عن العرب واحدٌ من أئمة اللغة، وهذا فيما تفرَّد بالنطق به واحدٌ من العرب؛ فذاك في الناقل، وهذا في القائل‏.‏

وهذه أمثلةٌْ من هذا النوع في الجمهرة‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ لم تأت الخَيْطة في شِعْرٍ ولا نَثْرٍ غير بيت واحد، وهو قول أبي ذؤيب في رجل يَشْتَارُ عسلاً‏:‏

تَدَلَّى عليها بَينَ سِبٍّ وَخَيْطَةٍ *** شديدُ الوَصَاة نَابلٌ وابنُ نابلِ

السِّب بلغة هذيل‏:‏ الحَبْل‏.‏

وفي الغريب المصنّف‏:‏ الرُّحُم‏:‏ الرَّحْمَة‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ كان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير‏:‏

ومن ضَرِيبتُه التَّقْوَى وَيَعْصِمُهُ *** من سَيِّئ العَثَراتِ اللَّهُ بالرُّحُمِ

قال ثم قال‏:‏ لم أسْمَع هذا الحرفَ إلاَّ في هذا البيت، قال‏:‏ وكان يقرأ وأقرب رُحماً‏.‏

وفي الجمهرة يقال‏.‏ هو ابن أَجْلَى في معنى ابنِ جَلاَ، قال العجّاج‏:‏

لاَقَوْا به الحجَّاج والإصْحارا *** به ابن أَجْلَى وافَقَ الإسْفارا

قال الأصمعي‏:‏ ولم أسمع بابنِ أَجْلَى إلاَّ في هذا البيت‏.‏

وفيها‏:‏ أخبرنا أبو حاتم قال‏:‏ سألت أمَّ الهيثم عن الحَبِّ الذي يسمى أسفيوش ما اسمه بالعربية‏؟‏ فقالت‏:‏ أرني منه حبَّات، فأريتُها، فأَفْكَرت ساعة، ثم قالت‏:‏ هذه البُحْدُق، ولم أسمَعْ ذلك من غيرها‏.‏

وفيها الحَوْصَلاء‏:‏ الحَوْصَلة، قال أبو النجم‏:‏

هادٍ ولو جارَ لحَوْصَلائه

وذكر الأصمعي أنه لم يَسْمَعه إلاَّ في هذا البيت‏.‏

وفي أمالي القالي‏:‏ الكِتَرْ‏:‏ السَّنام، قال عَلْقَمة بن عَبْدَة‏:‏

كِتْرٌ كَحَافةِ كِير القَيْنِ مَلْمُومُ

قال الأصمعي‏:‏ ولم أسمع بالكَتْر إلا في هذا البيت‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ التَّوْأَبَانِيَّانِ‏:‏ قَادمتا الضرع، قال ابن مُقبل‏:‏

لها تَوْأََبَانِيَّان لم يَتَفَلْفَلاَ

أي لم تسوّد حلمتاهما‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ سمّى ابنُ مُقْبل خِلْفَي الناقة تَوْأَبَانِيَّيْن، ولم يأت به عربيّ‏.‏

وفيه‏:‏ الشَّمَل لغة في الشّمْل، أنشد أبو زيد في نوادره للْبُعَيث‏:‏

وقد يَنْعَشُ اللَّهُ الفَتَى بعد عَثْرةٍ *** وقد يَجْمعُ اللَّهُ الشَّتِيتَ من الشَّمَلْ

قال أبو عَمْرو الجَرْمي‏:‏ ما سَمِعتُه بالتحريك إلا في هذا البيت‏.‏

وفي الغريب المصنّف قال الكسائي‏:‏ نَمَى الشيء يَنْمِي بالياء لا غير، قال‏:‏ ولم أسمعه يَنْمو إلا من أخوين من بني سليم، ثم سألتُ عنه بني سليم، فلم يعرفوه بالواو‏.‏

وفي الكامل للمبرد‏:‏ زعم الأصمعي أن الكِرَاض حَلَقُ الرَّحِم، قال‏:‏ ولم أسمعه إلا في هذا الشعر، وهو قول الطرماح‏:‏

سَوْفَ تُدْنيكَ من لَمِيسَ سَبَنْدَا *** ةٌ أمارَتْ بالبَوْلِ ماءَ الكِرَاض

وفي شرح المعلقات للنحاس الفَرَد لغة في الفَرْد، قال النابغة‏:‏

طاوي المَصير كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَد

قال‏:‏ وقال بعض أهل اللغة‏:‏ لم يسمع بفرَد إلا في هذا البيت‏.‏

وفي كتاب ليس لابن خالَوَيْه لم تأت الأجِنَّة لجمع الجنَّة بمعنى البُسْتان إلاَّ في بيت واحد وهو‏:‏

وترى الحمام مُعانقاً شُرُفاته *** يَهْدِلْنَ بين أَجِنَّةٍ وحَصَاد

قالوا‏:‏ ويجوز أن تكون الأجنَّة الفراخ، فيكون جمع جَنين‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ لم يأت فمّ بالتشديد إلا في قول جرير‏:‏

إن الأمامَ بعدهُ ابنُ أُمِّه *** ثم ابنه والي عَهْدِ عَمِّه

قَدْ رضِيَ الناسُ به فسَمه *** يا ليتَها قد خَرَجَتْ من فُمِّه

وقال ابن خالويه في شرح الدريدية‏:‏ الرّشاء بالمد‏:‏ اسمُ موضع، وهو حرف نادر ما قرأته إلا في قول عوف بن عطيّة‏:‏

يَقودُ الجِياد بأرسانها *** يضعن ببطن الرّشاء المِهارا

وقال ابن السكّيت في إصْلاح المنطق‏:‏ لم يجئ مالح في شيء من الشِّعر إلا في بيت لعُذَافِر‏:‏ بِصْرِيَّةٍ تزوّجت بَِصْرياً يُطْعِمُها المالِحَ والطَّرِيَّا وقال‏:‏ يقال فلان ذو دَغَوَات ودَغَيات أي أخلاق رديئة، ولم يُسْمع دَغَيات ولا دَغْيَة إلا في بيت لرُؤْبة، فإنهم زعموا أنه قال‏:‏ نحن نقول دَغْية وغيرنا يقول دَغْوَة، وأنشد‏:‏

ذَا دَغَيَاتٍ قُلَّبَ الأَخْلاَقِ

وقال القالي في المقصور والمدود‏:‏ قال صاحبُ كتاب العين‏:‏ قال أبو الدقيش‏:‏ كلمة لم أسمعها من أحدنُهَاء النهار أي ارتفاعُه‏.‏

وذكر ابن دُريد أنه قد جاء الفعالاء القُصاصاء في معنى القِصاص‏.‏

وقال‏:‏ زعموا أن أعرابيَّاً وقف على بعض أُمراءِ العراق، فقال‏:‏ القُصَاصاء أَصْلَحَك اللَّه أي خُذْ لي بالقصاص، وهو نادر شاذ، وقد قال سيبويه‏:‏ إنه ليس في كلامهم فُعالاء، والكلمة إذا حكاها أعرابيٌّ واحد لم يَجُزْ أن يُجْعَل أصلاً، لأنه يجوز أن يكون كذِباً، ويجوزُ أن يكون غَلَطاً، ولذلك لم يودِع في أبواب الكتاب إلا المشهور الذي لا يُشَكّ في صحَّته‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ ذكر أبو زيد أنه سمع أعرابيًّا يقول‏:‏ نَسيماء بالمد، قال‏:‏ والواحد إذا أتى بشاذٍّ نادر لم يكن قولُه حجةً مع مخالفة الجميع‏.‏

النوع السادس عشر‏:‏ معرفة مختلف اللغة

قال ابن فارس في فقه اللغة‏:‏ اختلافُ لغات العرب من وجوه‏:‏ أحدُها- الاختلافُ في الحركات، نحو نَستعين ونِستعين بفتح النون وكسرها، قال الفرّاء‏:‏ هي مفتوحةٌ في لغة قريش، وأسد وغيرهم يكسرها‏.‏

والوجه الآخر- الاختلافُ في الحركة والسكون نحو مَعَكم ومَعْكم‏.‏

ووجهٌ آخر- وهو الاختلاف في إبْدال الحروف، نحو‏:‏ أولئك وأُولاَلِك، ومنها قولهم‏:‏ أن زيداً وعنّ زيداً‏.‏

ومن ذلك‏:‏ الاختلافُ في الهَمز والتَّلْيين نحو مُسْتهزئون ومُسْتهزُوْن‏.‏

ومنه‏:‏ الاختلافُ في التقديم والتأخير، نحو صاعِقة وصاقِعةٌ‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلاف في الحَذْفِ والإثبات، نحو اسْتَحْيَيْتُ واستَحْيتُ، وصَدَدْتُ وأصْدَدْتُ‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلاف في الحرف الصحيح يُبْدَلُ حَرْفاً مُعْتلاً، نحو أمَّا زيد، وأَيْما زيد‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في الإمَالَةِ والتفخيم مثل قَضَى ورمى، فبعضهم يفخّم وبعضهم يميل‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في الحَرْفِ الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول، ومنهم من يضم، نحو‏:‏ اشْتَرَوا الضّلالة‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في التذكير والتأنيث، فإن من العرب من يقول‏:‏ هذه البقَر، وهذه النخل، ومنهم من يقول‏:‏ هذا البقر، وهذا النخل‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في الإدغام نحو‏:‏ مهتدون ومُهَدّون‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في الإعراب نحو‏:‏ ما زيدٌ قائماً، وما زيدٌ قائم، وإنّ هَذين، وإنَّ هَذان، ومنها‏:‏ الاختلاف في صورة الجمع نحو‏:‏ أسْرى وأُسارى‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في التحقيق والاختلاس نحو‏:‏ يأمرُكم ويأمرْكم، وعُفِيَ له وعُفْي له‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلاف في الوقف على هاء التأنيث مثل‏:‏ هذه أُمَّهْ، وهذه أمّتْ‏.‏

ومنها‏:‏ الاختلافُ في الزيادة نحو‏:‏ أَنْظُرُ، وأنْظُورُ‏.‏

وكلُّ هذه اللغات مسماةٌ منسوبةٌ إلى أصحابها، وهي وإن كانت لقومٍ دون قومٍ فإنها لمّا انتشرت تَعَاوَرَها كلٌّ‏.‏

ومن الاختلاف اختلافُ التضادّ، وذلك كقول حِمْيَر للقائم‏:‏ ثب، أي اقْعُد، وفي الحديث‏:‏ إن عامر بن الطفيل قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فوثَّبَه وسادة، أي أفرشه إياها، والوِثاب‏:‏ الفراش بلغة حِمْير‏.‏

وروي أن زيد بن عبد اللَّه بن دارم وفدَ على بعض ملوك حِمْير، فألفاه في مُتَصَيَّدٍ له على جبل مُشْرف، فسلَّم عليه وانتسب له، فقال له الملك‏:‏ ثِبْ، أي اجلس، وظنَّ الرجلُ أنه أمرَ بالوُثوبِ من الجبل، فقال‏:‏ ستجدني أيها الملك مِطْوَاعاً ثم وثب من الجبل فهلك، فقال الملك‏:‏ ما شأنه‏؟‏ فخبروه بقصته وغلطه في الكلمة، فقال‏:‏ أما أنه ليست عندنا عَرِبيَّتْ، من دخل ظَفَارِ حَمَّر، أي فليتعلم الحميريّة‏.‏

فوائد‏:‏

الأولى- قال ابنُ جني في الخصائص‏:‏ اللغاتُ على اختلافها كلُّها حجة، ألا ترى أن لغةَ الحجاز في إعمال ما، ولغةَ تميم في تَرْكِه، كلٌّ منهما يَقْبلهُ القياس، فليس لك أن تردّ إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحقَّ بذلك من الأخرى، لكن غايةُ مَا لَك في ذلك أن تتخيَّر إحداهما فتقوِّيها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبلُ لها، وأشدُّ نسباً بها، فأما ردّ إحداهما بالأخرى فلا‏.‏ ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم نزل القرآنُ بسبع لغاتٍ كلُّها شافٍ كافٍ، هذا إذا كانت اللغتان في القياس سواء، أو متقاربتين، فإن قلّت إحداهما جدّاً، وكثرت الأخرى جداً أخذتَ بأوسعها رواية وأقواهما قياساً‏.‏ ألا ترى أنك لا تقول‏:‏ المال لِك ولا مررت بَك، قياساً على قول قُضاعة‏:‏ المال لِه ومررت بَه ولا أكرَمْتُكِش قياساً على قول من قال‏:‏ مررت بكِش، فالواجبُ في مثل ذلك استعمالُ ما هو أقوى وأشيع، ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مُخْطِئاً لكلام العرب، فإن الناطق على قياس لغةٍ من لغات العرب مصيب غير مخطئ، لكنه مخطئ لأجود اللغتين، فإن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه غير ملوم ولا منكَر عليه‏.‏ انتهى‏.‏

وقال أبو حيان في شرح التسهيل‏:‏ كلُّ ما كان لغةً لقبيلة قِيسَ عليه‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ إنما يسوغ التأويل إذا كانت الجادّة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادّة فيتأوَّل، أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم يتكلَّم إلا بها فلا تأويل‏.‏ ومن ثم رُدَّ تأويل أبي على قولهم‏:‏ ليس الطيبُ إلا المسكُ، على أن فيها ضمير الشأن، لأن أبا عمرو نقل أنّ ذلك لغة بني تميم‏.‏

وقال ابن فارس‏:‏ لغةُ العرب يُحْتَجَّ بها فيما اختُلِف فيه، إذا كان التنازع في اسم أو صفة أو شيء مما تستعملُه العرب من سُنَنها في حقيقةٍ أو مجاز، أو ما أشبه ذلك، فأما الذي سبيلُه سبيلُ الاستنباط، وما فيه لِدلائل العقل مَجال، أو من التوحيد وأصول الفقه وفروعه، فلا يحتجُّ فيه بشيءٍ من اللغة، لأن موضوع ذلك على غير اللغات، فأما الذي يختلف فيه الفقهاء من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَالمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ ثَلاََثةَ قُرُوء‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعَمِ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثمَّ يَعُودُونَ لمَا قَالُوا‏}‏، فمنه ما يصلُح الاحتجاجُ فيه بلغة العرب، ومنه ما يُوكَل إلى غير ذلك‏.‏

الفائدة الثانية- في العربي الفصيح ينتقل لسانه‏:‏ قال ابن جنّي‏:‏ العمل في ذلك أن تنظر حالَ ما انتقل إليه لسانه، فإن كان فصيحاً مثل لغته أُخِذَ بها كما يؤخذ بما انتقل منها، أو فاسداً فلا، ويؤخد بالأولى‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما يُؤْمنك أن يكون كما وجدتَ في لغته فساداً بعد أن لم يكن فيها فيما علمت، أن يكون فيها فسادٌ آخر فيما لم تعلمه‏؟‏ قيل‏:‏ لو أخذ بهذا لأدَّى إلى ألاّ تطيب نفسٌ بلغة، وأن تتوقَّف عن الأخذ عن كلّ أحدٍ مخافةَ أن يكون في لغته زَيْغ حادث لا نعلمه الآن، ويجوزُ أن يعلَم بعد زمان، وفي هذا من الخَطَل ما لا يخفى، فالصوابُ الأخذُ بما عُرف صحته ولم يظهر فساده، ولا يلتفت إلى احتمال الخلَل فيه ما لم يبيّن‏.‏

الفائدة الثالثة- قال ابن فارس في فقه اللغة‏:‏ باب انتهاءِ الخلاف في اللغات‏.‏

يقع في الكلمة الواحدة لغتان، كقولهم‏:‏ الصِّرَام والصَّرام، والحِصاد والحَصاد‏.‏

ويقع في الكلمات ثلاثُ لغات، نحو‏:‏ الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج، ووَشْكانَ ذَا، ووُشْكانَ ذا، ووِشْكانَ ذا‏.‏

ويقعُ في الكلمة أربعُ لغات، نحو الصِّداق، والصَّداق، والصَّدَقة والصُّدُقة‏.‏

ويكون فيها خمسُ لغات نحو‏:‏ الشَّمال، والشَّمْل، والشَّمْأل، والشَّيمْلَ والشَّمَل‏.‏

ويكون فيها ستُّ لغات نحو‏:‏ قُسْطاس، وقِسْطاس، وقِصْطَاس، وقُسْتَاط، وقِسَّاط، وقُسَّاط، ولا يكون أكثر من هذا‏.‏

والكلام بعد ذلك أربعة أبواب‏:‏ الباب الأول- المجمع عليه الذي لا علةَ فيه، وهو الأكثر والأعمّ، مثل‏:‏ الحمد والشكر، لا اختلافَ فيه في بناء ولا حركة‏.‏

والباب الثاني- ما فيه لغتان وأكثرُ، إلا أن إحدى اللُّغاتِ أفصح‏.‏ نحو بَغْذَاذ وبَغْدَاد وبَغْدان هي كلها صحيحة، إلا أن بعضها في كلام العرب أصحّ، وأفصح‏.‏

والباب الثالث- ما فيه لغتان أو ثلاثٌ أو أكثر، وهي متساوية كالحَصاد والحِصاد، والصَّداق والصِّداق، فأيّاً ما قال القائل فصحيح فصيح‏.‏

والباب الرابع- ما فيه لغة واحدة إلا أن المُولَّدين غيَّروا فصارتْ ألسنتهُم فيه بالخَطأ جاريةً، نحو قولهم‏:‏ أَصْرَف اللَّه عنك كذا‏.‏ وانْجَاص‏.‏ وامرأة مُطاوعة، وعِرْق النِّسا بكسر النون‏.‏ وما أشبه ذا‏.‏

وعلى هذه الأبواب الثلاثة بنى أبو العباس ثعلب كتابه المُسمَّى فصيح الكلام أخبرنا به أبو الحسن القطان عنه- انتهى كلامُ ابن فارس‏.‏

الرابعة- قال ابنُ هشام في شرح الشواهد‏:‏ كانت العربُ ينشد بعضهم شعرَ بعض، وكلٌّ يتكلم على مقتضى سجيّته التي فُطِر عليها، ومن هاهنا كثرت الرواياتُ في بعض الأبيات‏.‏ انتهى‏.‏

النوع السابع عشر‏:‏ معرفة تداخل اللغات

قال ابن جني في الخصائص‏:‏ إذا اجتمع في الكلام الفصيح لغتان فصاعداً كقوله‏:‏

وأَشْرَبُ الماء ما بي نَحْوَهُ عَطَشٌ *** إلاَّ لأنّ عُيونُهْ سال واديها

فقال‏:‏ نحوه بالإشباع، وعيونه بالإسكان، فينبغي أن يُتَأَمَّل حال كلامه، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، وكثرتهما واحدةٌ، فأخْلَق الأمر به أن تكونَ قبيلتُه تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللَّفظين، لأنّ العرب قد تفعلُ ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها، وسَعة تصرّف أقوالها، ويجوز أن تكون لغتُه في الأصل إحداهما، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلةٍ أخرى، وطال بها عهدُه، وكثر استعماله لها، فلحقت- لطول المدّة، واتساع الاستعمال- بلغته الأولى، وإن كانت إحدى اللفظتين أكثرَ في كلامه من الأخرى، فأخْلَق الأمر به أن تكون القليلةُ الاستعمال هي الطارئة عليه، والكثيرةُ هي الأولى الأصلية‏.‏ ويجوز أن تكونا مخالفتين له ولقبيلته، وإِنما قلَّت إحداهما في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه‏.‏

وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظٌ مختلفة، فسُمِعت في لغة إنسان واحد، فعلى ما ذكرناه، كما جاء عنهم في أسماء الأسد، والسيف، والخمر وغير ذلك، وكما تنْحَرف الصيغةُ واللفظ واحد، كقولهم‏:‏ رَغْوة اللبن، ورُغْوته، ورِغاوته كذلك مثلثاً‏.‏ وكقولهم‏:‏ جئت من عَلِ، ومن عَلُ، ومن عَلاَ، ومن عُلْو، ومن عِلْو، ومن عَلْوُ، ومن عالٍ، ومن مُعالٍ، فكلُ ذلك لغات لجماعات، وقد تجتمع لإنسان واحد‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ اختلف رجلان في الصّقر، فقال أحدُهما‏:‏ بالصاد، وقال الآخر‏:‏ بالسين، فتراضَيا بأوَّل واردٍ عليهما، فحكيا له ما هما فيه، فقال‏:‏ لا أقول كما قلتما، إنما هو الزّقْر، وعلى هذا يتخرَّج جميعُ ما ورد من التَّدَاخل، نحو قَلاَ يَقْلَى، وسَلَى يَسْلَى، وطهُر فهو طاهر، وشَعُر فهو شاعر، فكلُّ ذلك إنما هو لغاتٌ تداخلتْ فتركّبت بأن أُخِذ الماضي من لغةٍ والمضارعُ أو الوصفُ من أُخرى لا تَنْطقُ بالماضي كذلك، فحصل التداخل والجمع بين اللغتين، فإنّ من يقول قَلَى يقول في المضارع يَقْلِي، والذي يقول يَقْلَى يقول في الماضي قَلَِي، وكذا من يقول سَلا يقول في المضارع يَسْلو، من يقول فيه يَسْلَى يقول في الماضي سَلِي، فتلاقَى أصحابُ اللغتين، فسَمِع هذا لغةَ هذا، وهذا لغة هذا، فأخذَ كلُّ واحد من صاحبه ماضيَه إلى لغته فتركَّبَت هناك لغةٌ ثالثة، وكذا شاعر وطاهر إنما هو من شَعَر وطهَر بالفتح، وأما بالضّم فوصفُه على فعيل فالجمعُ بينهما من التداخل‏.‏ انتهى كلامُ ابن جنّي‏.‏

وقال ابنُ دريد في الجمهرة‏:‏ البُكا يمد ويُقْصر، فمن مدّه أخرجه مخرج الضُّغاء والرُّغاء، ومن قَصره أخرجه مخرج الآفة وما أشبهها مثل الضَّنى ونحوه‏.‏

وقال قومٌ من أهل اللغة‏:‏ بل هما لغتان صحيحتان وأنشدوا بيت حسان‏:‏

بكَتْ عيني وحقّ لها بُكاها *** وما يُغْني البكاءُ ولا العَويلُ

وكان بعضُ مَن يُوثق به يَدفع هذا ويقول‏:‏ لا يجمع عربيٌّ لفظين أحدهما ليس من لغته في بيت واحد‏.‏ وقد جاء هذا في الشعر الفصيح كثيراً‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ثعلب في أماليه‏:‏ يقال‏:‏ فَضَل يفْضُل، وفَضِل يَفْضَل، وربما قالوا فَضِل يَفْضُل‏.‏

قال الفراء وغيرُه من أهل العربية‏:‏ فَعِل يفعُل لا يجيء في الكلام إلا في هذين الحرفين‏:‏ مِتّ تَمُوت في المعتل ودِمتَ تَدُوم، وفي السالم فَضِل يَفْضُل، أخذوا مِتّ من لغةِ مَنْ قال يفضَل، وأخذوا يموت مِن لغةِ مَنْ قال يفضُل، ولا يُنكر أن يؤخذ بعض اللغات من بعض‏.‏

وقال ابن درستويه في شرح الفصيح‏:‏ يقال‏:‏ حَسِبَ يَحْسَب نظير علم يعلم، لأنه من بابه، وهو ضدّه، فخرج على مِثاله، وأما يحسِب بالكسر في المستقبل فلغةٌ مثل وَرِم يَرِم، وَوَلِي يَلي‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ يقال حَسَب يَحْسِب على مثال ضرب يضرب، مخالفة للّغة الأخرى، فمن كسر الماضي والمستقبل فإنما أخذ الماضي من تلك اللغة، والمستقبل من هذه، فانكسر الماضي والمستقبل لذلك‏.‏

وقال في موضع آخر شملهم الأمر يشملهم لغات، فمن العرب قوم يقولون‏:‏ شَمَل بفتح الميم من الماضي وضمها في المستقبل، ومنهم من يقول شَمِل بالكسر يَشْمَل بالفتح، ومنهم من يأخذ الماضي من هذا الباب والمستقبل من الأول، فيقول‏:‏ شَمِل بالكسر يشمُل بالضم، و ليس ذلك بقياس، واللغتان الأوليان أجْوَد‏.‏

النوع الثامن عشر‏:‏ معرفة توافق اللغات

قال الجمهور‏:‏ ليس في كتاب اللَّه- سبحانه- شيءٌ بغير لغةِ العرب، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيّاً‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبين‏}‏، وادَّعى ناسٌ أن في القرآن ما ليس بلغةِ العرب، حتى ذكروا لغةَ الرّوم والقِبط والنَّبط‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ ومَن زعم ذلك فقد أكْبَرَ القول‏.‏ قال‏:‏ وقد يُوافق اللفظُ اللفظَ ويقاربه ومعناهما واحدٌ، وأحدهما بالعربية، والآخر بالفارسية أو غيرها‏.‏ قال‏.‏ فمن ذلك الإسْتَبْرَق، وهو الغليظُ من الدِّيباج، وهو استبره بالفارسية أو غيرها، قال‏:‏ وأهلُ مكة يسمُّون المِسْح الذي يَجعَل فيه أصحاب الطعام البرّ البِلاَس وهو بالفارسية بلاس، فأمالوها وأعربوها فقاربت الفارسيةَ العربية في اللفْظ‏.‏

ثم ذكر أبو عبيدة البالِغاء وهي الأكارع، وذكر القَمَنْجَر الذي يُصلح القسيّ، وذكر الدَّسْت، والدَّشْت، والخِيم، والسَّخت‏.‏ ثم قال‏:‏ وذلك كلُّه من لغات العرب وإن وافَقه في لفظه ومعناه شيء من غير لغاتهم‏.‏

قال ابن فارس في فقه اللغة‏:‏ وهذا كما قاله أبو عبيدة‏.‏

وقال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه‏:‏ ما وقع في القرآن من نحو المِشْكاة، والقِسْطاس، والإستبرق، والسجِّيل، لا نُسَلِّم أنها غيرُ عربية، بل غايتُه أن وَضْع العرب فيها وافق لغةً أخرى كالصابون، والتنّور، فإن اللغات فيها متفقة‏.‏

قلت‏:‏ والفرق بين هذا النوع وبين المعَرَّب أن المعرَّب له اسم في لغة العرب غير اللفظ الأعجمي الذي استعملوه بخلاف هذا‏.‏

وفي الصحاح الدَّشْتُ‏:‏ الصحراء قال الشاعر‏:‏

سُودِ نِعَاجٍ كَنِعَاجِ الدَّشْتِ

وهو فارسيٌ أو اتفاقٌ وقعَ بين اللغتين‏.‏

وقال ابنُ جنّي في الخصائص يقال‏:‏ إن التنُّور لفظةٌ اشترَك فيها جميعُ اللغات من العرب وغيرهم، وإن كان كذلك فهو ظريف، وعلى كل حال فهو فَعوّل أو فعنول، لأنه جنسٌ، ولو كان أعجمياً لا غير جاز تمثيلُه لِكَوْنه جنساً ولاَحقاً بالمعرب، فكيف وهو أيضاً عربيّ، لكونه في لغة العرب غير منقول إليها، وإنما هو وِفاق وقع، ولو كان منقولاً إلى اللغة العربية من غيرها لوَجب أن يكون أيضاً وِفاقاً بين جميع اللغات غيرها، ومعلومٌ سعة اللغات غير العربية، فإن جاز أن يكون مشتركاً في جميع ما عدا العربية جاز أيضاً أن يكون وِفاقاً فيها‏.‏

قال‏:‏ ويَبْعُدُ في نفسي أن يكون الأصلُ للغة واحدة، ثم نُقِل إلى جميع اللغات، لأنَّا لا نعرفُ له في ذلك نظيراً، وقد يجوزُ أيضاً أن يكون وِفاقاً وقع بين لغتين أو ثلاث أو نحو ذلك، ثم انْتَشر بالنَّقل في جميعها‏.‏

قال‏:‏ وما أقرب هذا في نفسي، لأنا لا نعرفُ شيئاً من الكلام وقَع الاتفاقُ عليه في كل لغةٍ، وعند كل أمة، هذا كلُّه إذا كان في جميع اللغات هكذا، وإن لم يكن كذلك كان الخَطْبُ فيه أيسر‏.‏ انتهى‏.‏

وقال الثعالبي في فقه اللغة‏:‏ فصل في أسماء قائمة في لغتي العرب والفُرس على لفظٍ واحد‏:‏ التنّور، الخمير، الزمان، الدِّين، الكنز، الدينار، الدرهم‏.‏

النوع التاسع عشر‏:‏ معرفة المعرَّب

هو ما استعملته العرب من الألفاظِ الموضوعةِ لمعانٍ في غير لغتها‏.‏

قال الجوهري في الصحاح‏:‏ تعريبُ الاسم الأعجمي أن تتفوَّه به العرب على مِنْهاجها، تقول‏:‏ عرَّبَتْه العرب وأَعَرَبته أيضاً‏.‏

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام‏:‏ أما لغاتُ العَجَم في القرآن فإنَّ الناسَ اختلفوا فيها، فرُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنهم قالوا في أحْرُفٍ كثيرة إنها بلغات العَجَم، منها قوله‏:‏ طَه، واليمّ، والطور، والرَّبانيُّون، فيقال‏:‏ إنها بالسُّرْيانية‏.‏ والصِّراط، والقِسْطاس، والفِرْدَوْس، يقال‏:‏ إنها بالرُّومية، ومِشْكاة، وكِفْلَيْنِ، يقال‏:‏ إنها بالحبشيّة، وهَيْتَ لك، يقال‏:‏ إنها بالحورانية، قال‏:‏ فهذا قولُ أهل العلم من الفقهاء‏.‏

قال‏:‏ وزعم أهلُ العربية أن القرآنَ ليس فيه من كلام العجم شيءٌ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُرْآنا ًعَرَبيّاً‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بِلسَانٍ عَرَبيٍّ مُبِين‏}‏‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ والصواب عندي مذهبٌ فيه تصديقُ القَوْلين جميعاً، وذلك أنَّ هذه الحروف أصولُها عجمية كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العرب فأعْرَبتها بألْسِنتها، وحوَّلتْها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربيةً، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال عجمية فهو صادق‏.‏ انتهى‏.‏

وذكر الجواليقي في المعرَّب مثله وقال فهي عجمية باعتبار الأصل، عربيةٌ باعتبار الحال، ويطلق على المعرَّب دخيل، وكثيراً ما يقعُ ذلك في كتاب العَيْن والجمهرة وغيرهما‏.‏

فصل- قد ألَّف في هذا النوع الإمامُ أبو منصور الجواليقي كتابَه المعرب في مجلّد، وهو حسنٌ ومفيد، ورأيت عليه تعقباً لبعضهم في عِدَّة كراريس‏.‏

وقال أبو حيَّان في الارتشاف‏:‏ الأسماء الأعجمية على ثلاثة أقسام‏:‏ قسمٌ غيَّرَتْه العربُ وألحَقْته بكلامها، فحُكْمُ أبْنيَته في اعتبار الأصلي والزائد والوَزْن حُكْمُ أبنية الأسماء العربيةِ الوَضْع، نحو درهم وبَهْرَج‏.‏ وقسمٌ غَيَّرته ولم تُلْحِقْه بأبنيةِ كلامِها، فلا يُعْتَبَر فيه ما يُعْتَبَر في القسم الذي قبلَه، نحو آجر وسِفْسِير‏.‏ وقسمٌ تركوه غيرَ مغيَّر، فما لم يُلحِقوه بأبنية كلامهم لم يُعَدّ منها، وما ألحقوه بها عُدّ منها، مثال الأول‏:‏ خُرَاسان، لا يثبت به فُعالان، ومثال الثاني‏:‏ خُرَّم ألحق بسُلّم، وكُركُم ألحق بقُمقُم‏.‏

فصل- قال أئمة العربية‏:‏ تُعْرف عُجْمَة الاسم بوجوه‏:‏ أحدها- النَّقْل بأن ينقُل ذلك أحد أئمة العربية‏.‏

الثاني- خروجُه عن أوزان الأسماء العربية نحو إبْرَيْسَم، فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي‏.‏

الثالث- أن يكون أوَّله نون ثم راء نحو نرْجس، فإنّ ذلك لا يكون في كلمة عربية‏.‏

الرابع- أن يكونَ آخرُه زاي بعد دال نحو مهندز، فإن ذلك لا يكونُ في كلمة عربية‏.‏

الخامس- أن يجتمع فيها الصاد والجيم نحو الصَّوْلجان، والجصّ‏.‏

السادس- أن يجتمع فيه الجيم والقاف نحو المنجنيق‏.‏

السابع- أن يكون خُماسياً ورُباعياً عارياً عن حروف الذّلاقة، وهي الباء، والراء، والفاء، واللام، والميم، والنون، فإنه متى كان عربيّاً، فلا بدَّ أن يكونَ فيه شيء منها، نحو سَفَرْجَل، وقُذَعْمِل، وقِرْطَعْب، وجَحْمَرش، فهذا ما جمعه أبو حيّان في شرح التسهيل‏.‏

وقال الفارابي في ديوان الأدب‏:‏ القافُ والجيم لا يجتمعان في كلمةٍ واحدة في كلام العرب، والجيم والتاء لا تجتمعُ في كلمة من غير حرف ذَوْلَقِيّ، ولهذا ليس الجِبْت من مَحْض العربية، والجيم والصاد لا يَأْتلفان في كلام العرب، ولهذا ليس الجصّ ولا الإجّاص ولا الصَّوْلجان بعربيّ، والجيم والطاء لا يجتمعان في كلمةٍ واحدة، ولهذا كان الطَّاجِن والطَّيْجَن مولّدين، لأن ذلك لا يكون في كلامهم الأصلي‏.‏ انتهى‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ المُهَنْدِز‏:‏ الذي يقدّر مَجاري القُنيّ والأبنية معرّب، وصيَّرُوا زايه سيناً، فقالوا‏:‏ مهندس، لأنه ليس في كلام العرب زايٌ قبلها دال‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن تكون مُعَرّبة أو حكاية صَوْت، نحو الجَرْدَقَة وهو الرغيف، والجُرْموق‏:‏ الذي يُلْبَس فوق الخُفِّ، والجَرَامِقة‏:‏ قومٌ بالموْصِل أصلُهم من العجَم‏.‏ والجَوْسق‏:‏ القَصْر‏.‏ وجِلِّق‏:‏ موضع بالشأم‏.‏ والجُوالِقُ‏:‏ وعاء‏.‏ والجُلاهِق‏:‏ البُندق‏:‏ والمَنْجَنيق‏:‏ التي يُرمَى بها الحجارةُ، ومعناها ما أجْوَدَني‏.‏ وجَلَنْبَلَقْ‏:‏ حكاية صوت باب ضَخمٍ في حالةِ فَتْحِه وإصْفاقه، جَلَنْ على حدة وَبَلَقْ على حِدَة، أنشد المازني‏:‏

فَتَفْتَحُه طَوْراً وطوْراً تُجِيفُه *** فتسمَعُ في الحالَيْن منه جَلَنْبَلَقْ

وقال الأزهري في التهذيب متعقّباً على مَنْ قال‏:‏ الجيمُ والصادُ لا يجتمعان في كلمة من كلام العرب‏:‏ الصادُ والجيم مُستعمَلان، ومنه جَصَّص الجِرْو وإذا فَتَحَ عينيه، وجصَّصَ فلانٌ إنَاءَه إذا ملأه‏.‏ والصَّجُّ ضَرْبُ الحديد بالحديد‏.‏

وقال البطليوسي في شرح الفصيح‏:‏ لا يوجدُ في كلام العرب دالٌ بعدها ذال إلا قليل، ولذلك أَبى البصريون أن يقولوا بغداذ بإهمال الدال الأولى وإعجام الثانية، فأما الدَّاذي ففارسي لا حجة فيه‏.‏

وقال ابنُ دُرَيد في الجمهرة‏:‏ لم تَجْمع العربُ الجيم والقاف في كلمة إلا في خمس كلمات أو ست‏.‏

وقال ابنُ فارس في فقه اللغة‏:‏ حدَّثني علي بن أحمد الصباحي قال‏:‏ سمعتُ ابنَ دريد يقول‏:‏ حروفٌ لا تتكلمُ العرب بها إلا ضرورة، فإذا اضطرّوا إليها حوَّلوها عند التكلّم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها، وذلك كالحرف الذي بين الباء والفاء مثل بور إذا اضطروا قالوا‏:‏ فُور‏.‏

قال ابن فارس‏:‏ وهذا صحيحٌ لأن بور ليس من كلام العرب، فلذلك يَحتاج العربي عند تعريبه إياه أن يصيِّره فاء‏.‏

قال ابنُ دُريد في الجمهرة قال أبو حاتم قال الأصمعي‏:‏ العربُ تجعل الظاء طاء، ألا تراهم سمّوا الناظر ناطوراً، أي ينظر، ويقولون البُرْطُلَة وإنما هو ابن الظُّلَّة‏.‏

وفي مختصر العين‏:‏ الناظر والناطور‏:‏ حافظُ الزَّرع، وليست بعربية‏.‏

وقال سيبويه أبدلوا العَين في إسماعيل، لأنها أشبهُ الحروف بالهمزة، قالوا‏:‏ فهذا يدلُّ على أن أصلَه في العجمية إشْمائيل‏.‏

وفي شرح أدب الكاتب‏:‏ التوت أعجمي معرّب، وأصلُه باللسان العجمي توث، وتوذ، فأبدَلت العرب من الثاء المثلثة، والذال المعجمة تاء ثنويّة، لأن المثلّثة والذال مهملان في كلامهم‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ توث بالثاء المثلثة، وقوم من النحويين يقولون‏:‏ توت بتاء ثنوية، ولم يُسْمع به في الشعر إلا بالمثلثة، وذلك أيضاً قليلٌ، لأنه لا يكاد يجيءُ عن العرب إلا بِذكر الفرصاد، وأنشد لبعض الأعراب‏:‏

لَرَوْضَةٌ من رياض الحَزْنِ أو طَرَفٌ *** من القُرَيَّة حَزْنٌ غيرُ مَحْرُوثِ

أَحْلَى وأشْهَى لِعَيْني إن مَرَرْتُ به *** من كَرْخِ بَغْدَاد ذي الرُّمَّان والتّوثِ

وقال ابنُ درستويه في شرح الفصيح‏:‏ الجَص فارسيٌّ معرب كجّ، أُبْدلت فيه الجيم من كاف أعجميّة لا تُشْبه كاف العرب، والصاد من جيم أعجميّة، وبعضُهم يقول‏:‏ القَصّ بالفتح، وهو أفصح، وهو لغةُ أهل الحجاز‏.‏

وقال الجواليقي في المعرَّب‏:‏ إن العرب كثيراً ما يجترئون على الأسماء الأعجمية فيغيِّرونها بالإبدال، قالوا‏:‏ إسماعيل، وأصلُه إشْمائيل، فأبدلوا لقُرْب المَخْرج‏.‏

قال‏:‏ وقد يُبْدِلون مع البُعْد من المخرج، وقد ينقلونها إلى أبنيتهم ويزيدون وينقصون‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الحروف التي يكون فيها البَدل في المُعَرَّب عشرة‏:‏ خمسةٌ يُطَّرِد إبدالها، وهي‏:‏ الكاف، والجيم، والقاف، والباء، والفاء، وخمسةٌ لا يطَّرد إبدالُها وهي‏:‏ السين، والشين، والعين، واللام، والزاي، فالبدَلُ المطَّرِد‏:‏ هو في كلِّ حرف ليس من حروفهم كقولهم‏:‏ كُرْبَج الكاف فيه بدلٌ من حرف بَين الكاف والجيم، فأبدلوا فيه الكاف، أو القاف، نحو قُرْبَق‏.‏ أو الجيم نحو جَوْرب، وكذلك فِرِند هو بين الباء والفاء فمرّة تُبْدَل منها الباء ومرة تُبْدل منها الفاء‏.‏ وأما ما لا يطّرد فيه الإبدال فكلُّ حرف وافَق الحروف العربية كقولهم إسماعيل أبدلوا السين من الشين، والعينَ من الهمزة، وأصله إشمائيل‏.‏ وكذلك قَفْشَلِيل أبْدَلُوا الشين من الجيم واللام من الزاي، والأصل قفجليز‏.‏ وأما القاف في أوله فتبدل من الحرف الذي بين الكاف والجيم‏.‏

وذكر أبو حاتم أن الحاء في الحُبّ بدل من الخاء، وأصله في الفارسية خب، قال‏:‏ وهذا لم يذكره النّحويون، وليس بالممتنع‏.‏

وقال أبو عبيد في الغريب المصنف‏:‏ العرب يعرِّبون الشين سيناً يقولون‏:‏ نيسابور، وهي نيشابور، وكذلك الدَّشْت يقولون دَسْت فيُبدلونها سيناً‏.‏

وفي تذكرة الشيخ تاج الدين بن مكتوم بخطّه‏:‏ قال نصر بن محمد بن أبي الفنون النحوي في كتاب أوزان الثلاثي‏:‏ سين العربية شين في العبرية، فالسلام شلام، واللسان لشان، والاسم اشم‏.‏

وقال ابنُ سِيدَه في المُحْكم‏:‏ ليس في كلام العرب شينٌ بعد لامٍ في كلمة عربيةٍ مَحْضَة، الشينات كلّها في كلام العرب قبل اللامات‏.‏

ذكر أمثلة من المُعرَّب

قال الثعالبي في فقه اللغة‏:‏ فصل- في سياقة أسماء تَفَرّد بها الفُرْس دون العرب، فاضطَّرت العرب إلى تعْرِيبها أو تركها كما هي من ذلك‏:‏ الكُوز، الجَرَّة، الإبريق، الطَّشْتُ، الخِوان، الطَّبق، القَصْعَة، السُّكرُّجة‏.‏

السَّمُّور، السِّنْجَاب، القَاقُم، الفَنَك، الدَّلَق، الخَزُّ، الدِّيباج، التَّاخُتْج، الرَّاخُتْجُ، السُّنْدُس‏.‏

الياقوت، الفَيْرُوزج، البَلُّور‏.‏

الكَعْك، الدَّرْمَك، الجَرْدق، السَّمِيذ‏.‏

السِّكْبَاج، الزيرباج، الاسْفِيداج، الطَّبَاهِج، الفَالُوذَج، اللَّوْزِينَج، الجَوْزينَجُ، النَّفْرِينَج‏.‏

الجُلاَّب، السَّكَنْجُبِين، الجَلَنْجُبِين‏.‏

الدَّارَصِيني، الفُلْفُل، الْكَرَوِيَّا، الزَّنْجَبِيل، الخُولِنْجَان، الْقِرْفة‏.‏

النَّرْجِس، الْبَنَفْسَج، النِّسْرَين، الخِيْرِيّ، السَّوسَن، المَرْزَنْجُوش، الياسِمينُ، الجُلَّنار‏.‏

المِسْك، العَنْبَر، الكافور، الصَّندَل، القَرَنْفُل‏.‏

ومن اللغة الرومية‏:‏ الفِرْدَوْس، وهو البستان‏.‏ القُسْطاس وهو الميزان‏.‏ السَّجَنْجَل‏:‏ المِرآة‏.‏ البِطاقة‏:‏ رُقْعَةٌ فيها رَقْمُ المتَاعِ‏.‏ القَرَسْطُون‏:‏ القَفَار‏.‏ الاصطرلابُ مَعْروف‏.‏ القُسْطناس‏:‏ صَلابةُ الطِّيب‏.‏ القَسْطَرِيّ، والقُسْطار‏:‏ الجِهْبِذ‏.‏ القَسْطَل‏:‏ الغُبار‏.‏ القُبْرسُ‏:‏ أَجْوَدُ النُّحَاس‏.‏ القِنْطار‏:‏ اثنا عشر ألف أوقيَّة‏.‏ البِطْرِيقُ‏:‏ القائد‏.‏ القَرَامِيد‏:‏ الآجر‏.‏ التِّرْياق‏:‏ دواء السُّموم‏.‏ القَنْطَرَةُ معروفة‏.‏ القيطون‏:‏ البيتُ الشَّتوي‏.‏ النِّقْرِس والقُولَنْج‏:‏ مَرَضان‏.‏

سأل عليٌّ رضي اللَّه عنه شُرَيْحاً مسألة فأجابه بالصواب فقال له‏:‏ قَالون‏:‏ أي أصبتَ- بالرُّومية‏.‏ انتهى ما أورده الثعالبي‏.‏

وقال ابن دُرَيد في الجمهرة‏:‏ الكِيمياء ليس من كلام العرب، قال‏:‏ ودِمَشق معرّب‏.‏

وفي كتاب المقصور والممدود للأندلسي‏:‏ الهَيُولَى في كلام المتكلمين‏:‏ أصل الشيء، فإن يكن من كلام العرب فهو صحيح في الاشتقاق‏.‏ ووزنه فيعولى‏.‏

وفيه‏:‏ قَطُونا الذي يُضاف إليه بزر فيقال‏:‏ بزْر قَطونا، أعجميّ معرب، قال‏:‏ وكذلك الكمّثرى‏.‏

وفي المجمل لابن فارس‏:‏ تأْريج الكتاب كلمةٌ معرَّبة‏.‏

وفيه‏:‏ الخُِوان فيما يقال اسم أعجمي، غير أني سمعت إبراهيم بن علي القطان يقول‏:‏ سُئل ثعلب وأنا أسمعُ‏:‏ أيجوزُ أن يُقال إن الخُِوان إنما سمّيَ بذلك لأنه يتخوَّن ما عليه أي يَتنَقّص‏؟‏ فقال‏:‏ ما يبعدُ ذاك وقال ابن سِيده في المُحْكم‏:‏ يقال للفقير بالسريانية فالِغاً، وأعْرَبته العرب فقالت‏:‏ فِلْجٌ‏.‏

قال‏:‏ وقانون كلِّ شيء طريقه ومِقْياسه، وأراها دخيلة‏.‏

وقال في الجمهرة‏:‏ قيل ليونس بِمَ نَعْرفُ الشِّعْر الجيّد‏؟‏ فقال‏:‏ بالشَّشْقَلة‏.‏ قال‏:‏ الشَّشْقلة‏:‏ أن تَزِن الدينار بإزاء الدينار لتنظر أيهما أثقل، ولا أحسْبه عربيّاً محضاً‏.‏

وفي شرح الفصيح للمرزوقي‏:‏ الأتْرُجّ فارسيّ معرَّب، قال‏:‏ وقيل‏:‏ إن الأرز كذلك‏.‏

وفي الاستدراك للزبيدي‏:‏ النَّارَجِيل‏:‏ جوز الهند أعجمي على غير أبنيةِ العرب، وأحسبه من كلمتين‏.‏

وفيه‏:‏ المَتْرس خشبةٌ توضع خَلْف الباب تسمى الشِّجار، وهي أعجمية‏.‏

وفي مختصر العين له‏:‏ الفَانِيذ فارسية‏.‏

وقال الجواليقي في المعرّب قال ابنُ دريد قال أبو حاتم‏:‏ الزِّنْدِيق فارسيّ معرب، كأنَّ أصله عنده زنده كرد‏.‏ زنده‏:‏ الحياة، وكرد‏:‏ العمل، أي يقول بدوام الدهر‏.‏

وقال‏:‏ أخبرنا أبو زكريا عن علي بن عثمان بن صخر عن أبيه قال‏:‏ السُّوذَانِق والسَّوْذَنَيق، والشَّوذنيق والشَّوْذَق بالشين معجمة‏.‏

قال‏:‏ ووجد بخط الأصمعي شُوذَانِق وقيل شَوْذَنُوق كله الشاهين، وهو فارسي معرب، وسَوْذَق أيضاً عن ابن دريد‏.‏

وقال ابن دريد في الجمهرة‏:‏ باب ما تكلَّمتْ به العرب من كلام العجم حتى صار كاللّغز، وفي نسخة حتى صار كاللغة‏:‏ فمما أخذوه من الفارسية‏:‏ البُستان والبَهْرمان وهو لونٌ أحمر، وكذلك الأُرْجُوان، والقِرْمز وهو دود يُصْبَغ به‏.‏ والدَّشت وهي الصحراء‏.‏ والبُوصيّ‏:‏ السفينة‏.‏ والأرَنْدَج‏:‏ الجلود التي تُدْبغ بالعَفْص‏.‏ والرَّهْوَج‏:‏ الهِمْلاج وأصله رهوار، والقَيْرَوان‏:‏ الجماعةُ، وأصله كاروان، والمُهْرَق، وهي‏:‏ خِرَق كانت تصقلُ ويكتبُ فيها وتفسيرها مُهر كَرْدأي صقلت بالخرز‏.‏ والكرد وهي العُنُق‏.‏ والبَهْرج، وهو‏:‏ الباطل‏.‏ والبِلاَس، وهو المِسْحُ‏.‏ والسَّرَقُ، وهو ضَرْبٌ من الحرير‏.‏ والسرَاويل، والعِراق‏.‏ قال الأصمعي‏.‏ وأصلُها بالفارسية إِرانْ شَهْر، أي البلد الخراب فعرّبوها فقالوا‏:‏ العراق‏.‏ والخَوَرْنقَ وأصلُه خرانكه أي موضع الشرب‏.‏ والسَّدير وأصله سِدِلّي أي ثلاث قباب بعضُها في بعض‏.‏ والطَّيْجَن والطَّاجن وأصله طابق‏.‏ والباريّ، وأصله‏:‏ بورياء‏.‏ والخَنْدَق وأصله كَنْدَه أي محفور‏.‏ والجَوْسَق وأصله كوشك‏.‏ والجَرْدق من الخبز وأصله كرْدَه‏.‏ والطّسْت والتَّوْر والهاون، والعرب تقول الهاوون إذا اضطرّوا إلى ذلك‏.‏ والعسكر وأصله لشكر‏.‏ والإسْتَبرَق‏.‏ غليظُ الحرير‏.‏ وأصلُه اسْتَرْوَه‏.‏ والتَّنّور، والجَوْز، واللَّوز، والمَوْزَج‏:‏ الخفّ، وأصله موزه‏.‏ والخَوْر، وهو‏:‏ الخليج من البَحر‏.‏ ودَخاريص القميص‏.‏ والبطّ للطائر المعروف‏.‏ والأشْنان، والتَّخْت‏.‏ والإيوان، والمَرْتَك‏.‏

ومن الأسماء‏:‏ قابوس، وأصله كاَؤوس، وبسْطام وأصله أوستام وزاد في الصحاح‏:‏ الدُّولاب والمِيزاب، قال‏:‏ وقد عُرِّب بالهَمْز‏.‏ والبَخْتُ بمعنى الجَدِّ، قال‏:‏ والبُخْت من الإبل معرّب أيضاً، وبعضهم يقول‏:‏ هو عربيّ‏.‏ والتُّوتِياء، ودُرُوز الثوب، والدِّهَلِيز وهو ما بين الباب والدّار، والطِّراز، وإفرِيز الحائط، والقزّ من الإبريْسم، لكن قال في الجمهرة‏:‏ إنه عربي معروف‏.‏ والبَوْس بمعنى التَّقْبيل، والزئبق، والباشَق، وجُلَّسَان، وهو الورد معرب كُلَّشَان، والجاموس، والطَّيْلَسَان والمِغْنَطيس، والكِرْباس، والمارَسْتان، والدَّوْرق‏:‏ مِكْيال الشراب، والصَّكّ‏:‏ الكتاب، وصَنْجَة الميزان، والصَّنْج، والصَّاروج، وهي‏:‏ النُّورة‏.‏ والصَّوْلجان، والكَوْسَج، ونَوَافِج المِسْك، والهِمْلاَج من البَرَاذِين‏.‏ والفَرْسَخ، والبَند، وهو‏:‏ العلم الكَبير‏.‏ والزُّمُرُّد، والطَّبَرْزَذ، والآجر، والجوهر، والسِّفْسِير، وهو‏:‏ السِّمْسَار، والسُّكَّر، والطُّنْبُور، والكَبَر، وزاد في المحكم‏:‏ الزِّرْنيخ‏.‏

قال ابن دريد‏:‏ ومما أَخَذُوه من الرومية‏:‏ قَوْمس وهو‏:‏ الأمير، والإسْفَنْط وهو ضَرْب من الخمر، وكذا الخَنْدَريس، والنُّمِّيُّ‏:‏ الفَلس، والقُمْقُم والخَوْخ، والدُّراقِن رومي، أو سرياني‏.‏

ومن الأسماء‏:‏ مارية، ورُومانِس، وزاد الأندلسي في المقصور والممدود‏:‏ المَصْطَكاء‏.‏

قال ابن دُريد‏:‏ ومما أخذوه من السُّرْيانية‏:‏ التّأْمُور وهو موضع السرّ، والدَّرْبخة‏.‏ الإصغاء إلى الشيء، أحسبها سريانية، وزاد الأندلسي‏:‏ البَرنْساء والبَرْناساء بمعنى الخَلْق، وقال‏:‏ تفسيره بالسريانية ابن الإنسان‏.‏

قال ابن دريد‏:‏ ومن الأسماء‏:‏ شُرَحْبيل، وشَراحيل، وعَادِياء‏.‏

قال‏:‏ ومما أخذوه من النبطية المِرْعِزّى والمِرْعَزاء وأصله مريزي‏.‏ والصِّيق‏:‏ الغُبَارُ وأصله زيقا‏.‏ والجُدَّاد‏:‏ الخيوط المعقّدة، وأصله كداد‏.‏ انتهى‏.‏

ومما أخذوه من الحبشية‏:‏ الهَرْج‏:‏ وهو القتل‏.‏

ومما أخذوه من الهندية‏:‏ الإهْلِيلَجُ‏.‏

فصل في المعرّب الذي له اسمٌ في لغة العرب

في الغريب المصنف‏:‏ إن الإبريق في لغة العرب يسمى التَّأمورَة، وفي الجمهرة‏:‏ البطّ عند العرب صِغاره وكباره إوَز الواحدة إوَزة، وإن الهاوُون يسمى المِنْحاز والمِهْراس، وإن الطّاجن يسمى بالعربية المِقْلَى‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ إن الأشْنان يسمّى الحُرُض، والمِيزَاب يسمى المثْعب، والسُّكُرُّجة تسمى الثُّقْوَة، وإن العرب كانت تسمي المِسْك المَشْموم، وإن الجاسوس يسمى النَّاطِس، والتُّوث يسمى الفِرْصاد، والأُتْرُج يسمى المُتْك‏.‏ والكَوْسَج يسمى الأثّط‏.‏

وفي ديوان الأدب‏:‏ إن الكَبَر فارسيّ ويسمّى بالعربية اللَّصَف‏.‏

وفي كتاب العَين- المنسوب للخليل‏:‏ أن الياسَمين يسمى بالعربية السَّمْسَق، والسِّجلاَّط، وإن اللُّوبْيا تسمى الدَّجر، وإن السكّر يسمى المِبْرت بلُغة أهل اليمن‏.‏

وقال في الجمهرة‏:‏ السَّذاب اسم البَقْلة المعروفة معرب‏.‏

قال‏:‏ ولا أعلم للسَّذاب اسماً بالعربية، إلا أن أهلَ اليمن يسمونه الفَيْجَن‏.‏

وفي المجمل‏:‏ أن الكُزْبَرة تسمى التَّقْدَة، وأن البَاذَنْجان يسمى الحدجَ، وأن النّرْجس يسمى العَبْهَر‏.‏

وفي شرح التسهيل لأبي حيّان‏:‏ أن الباذَنْجان يسمى الأَنَب‏.‏

وفي شرح الفصيح لابن درستويه‏:‏ الرَّصاص اسم أعجمي معرَّب، واسمه بالعربية الصَّرَفان وبالعجمية أرزرز فأبدلت الصاد من الزاي والألف من الراء الثانية وحذفت الهمزة من أوله وفتحت الراء من أوَّله فصار على وزن فعال‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ أن الخيار الذي هو نوع من القِثَّاء ليس بعربي، وفي المحكم أن اسمَه بالعربية القَثَد‏.‏

وفي أمالي ثعلب‏:‏ إن البَاذِنجان يسمى المَغْد‏.‏

فصل في ألفاظٍ مشهورة في الاستعمال لمعانٍ

وهي فيها معرَّبة، وهي عربية في معانٍ أخر غير ما اشتهر على الألسنة‏:‏

من ذلك‏:‏ الياسمين للزهر المعروف فارسي، وهو اسم عربي للنّمَط يُطْرَح على الهَوْدَج، والوَرْد للمشموم فارسي، وهو اسم عربي للفَرَس، ومن أسماء الأسد‏.‏

فصل في ألفاظ شك في أنها عربية أو معرّبة

قال في الجمهرة‏:‏ الآسُ هذا المشموم أحسبه دخيلاً، على أن العرب قد تكلَّمت به، وجاء في الشعر الفصيح‏.‏ قال‏:‏ وزعم قومٌ أن بعض العرب يسميه السَّمْسَق، ولا أدري ما صحّته‏.‏

وفيها‏:‏ التِّكَّة لا أحسبها إلا دخيلاً، وإن كانوا قد تكلَّموا بها قديماً‏.‏

وفيها‏:‏ النِّد المستعمل من هذا الطيب لا أحسبه عربياً صحيحاً‏.‏

وفيها‏:‏ السَّلَّة التي تعرفها العامة لا أحسبها عربية‏.‏

وفيها‏:‏ لا أحسب هذا الذي يسمى جَِصّاً عربياً صحيحاً‏.‏

وفيها‏:‏ أحسب أن هذا المِشْمِش عربي، ولا أدري ما صحَّته، إلا أنهم قد سمُّوا الرجل مِشْماشاً، وهو مشتق من المَشْمَشَة وهي السُّرْعة والخفّة‏.‏

وفيها‏:‏ تسميتهم النحاس مِسّاً لا أدري أعربيٌّ هو أم لا‏.‏

وفيها‏:‏ دُراقن بالتخفيف‏:‏ الخَوْخ، لغة شاميّة، لا أحسبها عربية‏.‏

وفيها‏:‏ القَصْف‏:‏ اللهو واللعب، ولا أحسبه عربياً‏.‏

وفيها الفُرْن‏:‏ خُبْزَة معروفة، لا أحسبها عربية مَحْضة‏.‏

وفيها‏:‏ القط‏:‏ السِّنَّور، ولا أحسبها عربية صحيحة‏.‏

وفيها‏:‏ الطُّنُّ من القصب، ولا أحسبه عربيّاً صحيحاً، وكذلك قول العامة‏:‏ قام بِطُنّ نفسه، أي كَفَى نفسَه‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ الرَّانج‏:‏ الجَوْزُ الهنديّ، وما أحسبه عربياً‏.‏ والرَّهْوَجَة‏:‏ ضَرْبٌ من السير، ويُشْبه أن يكون فارسياً معرباً‏.‏ والكُزْبُرَة من الأبازير، وأظنه معرّباً، والباطِية‏:‏ الإناء، وأظنه معرباً، وهو النَّاجود‏.‏

فائدة سُئل بعض العلماء عمّا عربتْه العرب

من اللغات، واستعملتْه في كلامها‏:‏ هل يُعْطَى حكم كلامها، فَيُشَقّ وُيشْتَقُّ منه‏؟‏،

فأجاب بما نصه‏:‏ ما عرّبتهُ العربُ من اللغات من فارسي وروميّ وحبشيّ وغيره؛ وأدخلتْهُ في كلامها على ضربين‏:‏ أحدُهما- أسماء الأجناس؛ كالفِرِند، والإبْرَيسم، واللّجام، والمَوْزَج، والمُهْرَق، والرَّزْدق، والآجّر، والباذَق والفَيْرُوز، والقِسْطَاس، والإسْتَبرق‏.‏

والثاني- ما كان في تلك اللغات علماً فأجَرَوه على علميته كما كان، لكنّهم غيّروا لفظه، وقرَّبُوه من ألفاظهم، وربما ألحقوه بأمثلتهم، وربما لم يُلْحقوه، ويشاركه الضَّرب الأول في هذا الحكم لا في العلمية، إلا أن يُنْقل كما نُقل العربي، وهذا الثاني هو المعتدّ بعُجْمته في منع الصرف، بخلاف الأول، وذلك كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وجميع أسماء الأنبياء، إلا ما استُثني منها من العربي كهود وصالح ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وغير الأنبياء كبير وزوتكين، ورستم، وهزارمرد؛ وكأسماءِ البُلْدَان التي هي غير عربية كإصطخر، ومرو، وبلخ، وسمرقند، وخراسان، وكرمان، وغير ذلك، فما كان من الضَّرْب الأول فأشرفُ أحواله أن يجريَ عليه حكم العربيّ فلا يُتجاوز به حُكمه‏.‏

فقول السائل‏:‏ يشتق جوابه المنع، لأنه لا يخلو أن يشتق من لفظٍ عربي أو عجمي مثله، ومحالٌ أن يشتق العجمي من العربي، أو العربي منه، لأنّ اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى مواضعةً كانت في الأصل أو إلهاماً، وإنما يشتق في اللغة الواحدة بعضها من بعض، لأن الاشتقاق نتاجٌ وتوليد، ومحالٌ أن تنتج النوق إلا حُوراناً، وتلد المرأة إلا إنساناً‏.‏

وقد قال أبو بكر محمد بن السري في رسالته في الاشتقاق، وهي أصحُّ ما وُضع في هذا الفن من علوم اللسان‏:‏ ومَن اشتقَّ الأعجمي المعرّب من العربي كان كمن ادَّعى أن الطَّير من الحوت‏.‏

وقول السائل‏:‏ ويشتق منه فقد لعمري يجري على هذا الضَّرْب المجري مَجْرَى العربي كثير من الأحكام الجارية على العربي، من تصرّف فيه، واشتقاقٍ منه؛ ألا تراهم قالوا في اللجام وهو معرب لغام، وليس تبيينهم لأصله الذي نُقل عنه وعرّب منه باشتقاق له؛ لأن هذا التبيين مغزى، والاشتقاق مغزى آخر؛ وكذا كلّ ما كان مثله، قالوا في جمعه‏:‏ لجم؛ فهذا كقولك‏:‏ كتاب وكتب‏.‏ وقالوا‏:‏ لُجِّيم في تصغيره كقولك كتيّب، ويصغّرونه مرخَّماً لُجَيْماً فهذا على حذف زائده‏.‏

ومنه لُجَيْم أبو عجل في أحدِ وجوهه، ويشتقُّ منه الفعل أمراً وغيره فتقول‏:‏ أَلْجمه وقد ألجمه، ويُؤْتَى للفعل منه بمصدر وهو الإلجام، والفرس مُلْجم، والرجل ملجم قال‏:‏

وملجمنا ما إن ينال قذاله

ويستعمل الفعلُ منه على صيغةٍ أخرى، ومنه ما جاء في الحديث من قوله للمرأة‏:‏ استَثْفرِي، وتَلَجَّمي‏.‏ فهذا تَفَعّل من اللجام، ويُتصرَّف فيه أيضاً بالاستعارة، ومنه الحديث‏:‏ التّقيّ مُلْجم‏.‏ فهذا من إلجام الفرس، شَبّه التقيّ به لتقييد لسانه وكفّه، وتكاد هذه الكلمة- أعني لجاماً- لتمكّنها في الاستعمال وتصرّفها فيه تقضي بأنها موضوعة عربية لا معرّبة ولا منقولة لولا ما قَضَوا به من أنها معرّبة من لغام‏.‏ ولا شُبْهة في أن ديواناً معرب، وقد جمعوه على دواوين، وقضوا بأنه كان الأصل فيه دوَّاناً فأبدلوا إحدى واويه ياء، بدليل ردّها في جمعه واواً، وكان هذا عندهم كدينار في أن الأصل دِنَّار، فأبدلوا الياء من إحدى نونيه؛ ولذا ردّوه في الجمع والتصغير إلى أصله، فقالوا‏:‏ دنانير ودنينير، لأن الكسرة في أوله الجالبة للياء زالت في الجمع، واشتقوا من ديوان الفعل فقالوا‏:‏ دَوَّن ودُوّن‏.‏

وأهدي إلى علي رضي اللّه عنه في النَّوْروز الخَبِيص فقال‏:‏ نَوْرزوا لنا كلّ يوم‏.‏

وقال العجاج‏:‏

كالحَبَشِيِّ الْتفّ أو تسبَّجا

فقوله‏:‏ تسبَّجَ هو تفعَّل من السَّبيج، أي الْتف به، والسبيج معرّب قولهم شَبيّ أي ثوب أسود‏.‏

وقال الآخر‏:‏ فكر نبواودَ وّْلبوا‏.‏ أي قصدوا كرنبا ودولاب، وهما مَدِينتان عجميَّتان‏.‏

وقال الأعشى‏:‏

حتى مات وهو مُحَرْزق

وهو معرّب هرزوقا أي مخنوق، وأصله نبطيّ‏.‏

وقال الآخر‏:‏

مثل القِسيّ عَاجَها المُقَمْجِر

وروي القَمَنْجر وهو معرب كمانْكَرْ، ومُقَمْجر فيمن رواه مُفَعْلل منه‏.‏

وقال آخر‏:‏

هل يُنْجِينّي حَلِفٌ سِخْتِيتُ

فهذا فِعليل من السَّخْت كزِحْلِيل من الزَّحْل، وشِمْليل من الشمّل‏.‏

وقالوا‏:‏ بهرجه إذا أبطله، قال العجاج‏:‏

وكان ما اهْتَضَّ الجحَافُ بَهْرَجا

وأصله من قولهم درهم بَهرج أي رديء وهو معرّب نَبْهَره فيما قالوه‏.‏

وأحسبهم قد قالوا‏:‏ مُزَرْجَن، فأخذوه من الزَّرَجُون‏:‏ وهي الخمر، وهي معربة عندهم‏.‏

فإن كان قد جاء فهو كالمُعَرْجن في أخذِه من العُرْجون، ومُحَلْقن في أَخْذِه من الحُلْقَان من الرّطب وهو عربيّ‏.‏ وقالوا‏:‏ نَوْروز، واختلف أبو علي وأبو سعيد في تعريبه فقال أحدهما‏:‏ نَوْرُوز، والآخر نَيْروز، والأول أقربُ إلى اللفظ الفارسي الذي عرِّب منه، وأصله نوروز، أي اليوم الجديد، وإن كان خارجاً عن أمثلة العربية، وليس يلزم في المعرّبات أن تأتي على أمثلتهم؛ ألا ترى إلى الآجر، والإبْرَيسَم، والإهْليلَج، والإطْرِيفَل، بل إنْ جاءت به فحسنٌ لِتكون مع إقحامها على العربية شبيهةً بأوْزانها، ونيروز أدْخَل في كلامهم وأشبه به، لأنه كقيصوم وعَيْثُوم‏.‏ فأما اشتقاق الفعل منه فعلى لفظيهما له نظيرٌ في كلامهم فنَوْرَز كحَوْقَل، وهَرْوَل، ونيْرَز كبَيْطَر وبَيْقَر، والفاعل من الأول مُنَوْرِز، ومن الثاني مُنَيْرز، وقد بنى أبو مهدية اسمَ الفاعل من لفظٍ أعجمي، وذلك فيما أنشدوا له في حكاية ألفاظ أعجمية سمعها، وهي‏:‏

يقولون لي شنبذ ولستُ مشنبذاً *** طوالَ الليالي ما أقام ثَبِير

ولا قائلاً زودا ليعجل صاحبي *** وبستان في قولي عليّ كبير

ولا تاركاً لحني لأتبع لحنهم *** ولو دار صرفُ الدهر حيث يدور

فبنى من شنبذ مشنبذاً‏.‏ وهو من قولهم‏:‏ شون بوذ أي كيف- يعنون الاستفهام، وزود‏:‏ عجل، وبستان‏:‏ خذ‏.‏

وأما قولُ رُؤْبة‏:‏ إلاَّدهٍ فلادَهٍ‏.‏ فالصحيحُ في تفسيره أنها لفظه أعجمية، حَكَى فيها قولَ ظِئره‏.‏

فهذه نبذة مُقْنِعة في بيان ما تصرّف فيه من الألفاظ الأعجمية‏.‏

وأما الضربُ الآخر- وهي الأعلام- فبعيدةٌ من هذا كلّ البعد، بل لها أحكامٌ تختصّ بها من جَمْع وتصغير وغير ذلك قد بيّنَت في أماكنها- قال‏:‏ وجملةُ الجوابِ أن الأعْجمية لا تُشْتَق، أي لا يُحْكَم عليها بأنها مشتقة، وإن اشتقَّ من بعضها، فكما رأينا مما جاء من ذلك، فإذا وافق لفظٌ أعجمي لفظاً عربياً في حروفه فلا ترين أحدَهما مأخوذاً من الآخر، فإسْحَاق اسمُ النبي ليس من لَفْظ أَسْحَقَه اللّه إسحاقاً أي أبعده في شيء، ولا من باقي متصرّفات هذه الكلمة؛ كالسَّحق، وثوب سَحْق، ونخلة سَحُوق، وساحوق اسم موضع، ومكان سَحِيق‏.‏ وكذا يعقوب اسمُ النبي ليس من اليعقوب اسم الطائر في شيء، وكذا سائر ما وقَعَ من الأعجَمي موافقاً لفظُه لفظَ العربي‏.‏ انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

قال المرزوقي في شرح الفصيح‏:‏ المعرَّباتُ ما كان منها بناؤه موافقاً لأبنية كلام العرب يُحْمَل عليها، وما خالفَ أبنيتهم منها يُرَاعى ما كان الفهم له أكثر فيُخْتار، وربما اتّفق في الاسم الواحد عدةُ لغات، كما روي في جبريل ونحوه؛ وطريقُ الاختيار في مثلِه ما ذَكَرْت‏.‏

وقال سلامة الأنباري في شرح المقامات‏:‏ كثيراً ما تغيِّر العربُ الأسماءَ الأعْجَمية إذا استعملتَها كقول الأعشى‏:‏

وكِسْرَى شَهَنْشَاهُ الذي سَارَ مُلْكُه ***

الأصل شاهان شاهْ، فحذفوا منه الألف في كلامهم وأشعارهم‏.‏

قال التاج ابن مكتوم في تذكرته‏:‏ وهذه الهاء التي من شهنشاه تتبع ما قبلها من رفْع ونَصْب وخَفْض‏.‏

وقال ثعلب في أماليه‏:‏ الأسماء الأعجمية كإبراهيم لا تعرف العرب لها تثنية ولا جمعاً؛ فأما التثنية فتجيء على القياس مثل إبراهيمان، وإسماعيلان، فإذا جمعوا حذفوا فردّوها إلى أصل كلامهم، فقالوا‏:‏ أباره، وأسامع، وصغّروا الواحد على هذا بُرَيْه وسُمَيْع، فرودّها إلى أصل كلامهم‏.‏

فائدة‏:‏

في فقه اللغة للثعالبي‏:‏ يقال‏:‏ ثوب مُهَرَّى إذا كان مصبوغاً بلونِ الشمس، وكانت السادة من العرب تلبس العمائم المهرَّاة وهي الصفرُ‏.‏

وأنشد الشاعر‏:‏

رأيتك هرّيت العِمَامَة بَعْدَمَا *** عمَرْت زماناً حاسراً لم تعمَّمِ

وزعم الأزهري أنها كانت تُحْمَل إلى بلاد العرب من هَرَاة، فاشتقُّوا لها وصفاً من اسمها‏.‏

قال الثعالبي‏:‏ وأحسبه اخترع هذا الاشتقاق تعصّباً لبلده هَرَاة، كما زعم حمزة الأصبهانيّ أنّ السَّامَ‏:‏ الفِضَّة وهو معرب عن سِيم، وإنما تقوَّلَ هذا التعريب وأمثاله تكثيراً لسواد المعربات من لغات الفرس وتعصَّباً لهم‏.‏

وفي كتب اللغة‏:‏ أن السّامَ‏:‏ عروق الذهب، وفي بعضها إن السّامَة‏:‏ سبيكة الذهب‏.‏