فصل: باب بَيَانِ إِطْلاَقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ:

104- قَوْله: صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْر سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْل فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» أَمَّا (الْحُدَيْبِيَةُ) فَفيها لُغَتَانِ: تَخْفِيف الْيَاء وَتَشْدِيدهَا. وَالتَّخْفِيف هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمُخْتَار وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ، وَأَهْل اللُّغَةِ، وَبَعْض الْمُحَدِّثِينَ. وَالتَّشْدِيد قَوْل الْكِسَائِيِّ وَابْن وَهْب، وَجَمَاهِير الْمُحَدِّثِينَ. وَاخْتِلَافهمْ فِي (الْجِعْرَانَة) كَذَلِكَ فِي تَشْدِيد الرَّاء وَتَخْفِيفهَا، وَالْمُخْتَار فيها أَيْضًا التَّخْفِيف.
وَقَوْله (عَلَى إِثْر سَمَاء) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الثَّاء وَبِفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَالسَّمَاء الْمَطَر.
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُفْر مَنْ قَالَ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدهمَا: هُوَ كُفْرٌ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَالِبٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ مُخْرِج مِنْ مِلَّة الْإِسْلَام. قَالُوا: وَهَذَا فِيمَنْ قَالَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْكَوْكَبَ فَاعِلٌ مُدَبِّرٌ مُنْشِئٌ لِلْمَطَرِ، كَمَا كَانَ بَعْض أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَزْعُم، وَمَنْ اِعْتَقَدَ هَذَا فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَالشَّافِعِيُّ مِنْهُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَبِرَحْمَتِهِ، وَأَنَّ النَّوْء مِيقَاتٌ لَهُ وَعَلَامَةٌ اِعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مُطِرْنَا فِي وَقْت كَذَا، فَهَذَا لَا يَكْفُر. وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَته وَالْأَظْهَر كَرَاهَته لَكِنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا إِثْم فيها. وَسَبَب الْكَرَاهَة أَنَّهَا كَلِمَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْن الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ، فَيُسَاءُ الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا، وَلِأَنَّهَا شِعَار الْجَاهِلِيَّة، وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أَصْل تَأْوِيل الْحَدِيث: أَنَّ الْمُرَاد كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّه تَعَالَى لِاقْتِصَارِهِ عَلَى إِضَافَة الْغَيْث إِلَى الْكَوْكَب، وَهَذَا فِيمَنْ لَا يَعْتَقِد تَدْبِير الْكَوْكَبِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيل الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فِي الْبَاب: «أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِرُ وَكَافِرٌ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «مَا أَنْعَمْت عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَة إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيق مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «مَا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى مِنْ السَّمَاء مِنْ بَرَكَة إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيق مِنْ النَّاس بِهَا كَافِرِينَ» فَقَوْله (بِهَا) يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ بِالنِّعْمَةِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا (النَّوْء) فَفيه كَلَامٌ طَوِيلٌ قَدْ لَخَّصَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه، فَقَالَ: النَّوْءُ فِي أَصْلِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْكَوْكَبِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ نَاءَ النَّجْمُ يَنُوءُ نَوْءًا أَيْ سَقَطَ، وَغَابَ.
وَقِيلَ: أَيْ نَهَضَ وَطَلَعَ. وَبَيَان ذَلِكَ أَنَّ ثَمَانِيَة وَعِشْرِينَ نَجْمًا مَعْرُوفَة الْمَطَالِع فِي أَزْمِنَة السَّنَة كُلّهَا وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِمَنَازِل الْقَمَر الثَّمَانِيَة وَالْعِشْرِينَ. يَسْقُط فِي كُلِّ ثَلَاث عَشْرَة لَيْلَة مِنْهَا نَجْم فِي الْمَغْرِب مَعَ طُلُوع الْفَجْر وَيَطْلُع آخَر يُقَابِلهُ فِي الْمَشْرِق مِنْ سَاعَته. وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة إِذَا كَانَ عِنْد ذَلِكَ مَطَرٌ يَنْسُبُونَهُ إِلَى السَّاقِط الْغَارِب مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: إِلَى الطَّالِع مِنْهُمَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْد: وَلَمْ أَسْمَع أَحَدًا يَنْسُب النَّوْء لِلسُّقُوطِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع. ثُمَّ إِنَّ النَّجْم نَفْسُهُ قَدْ يُسَمَّى نَوْءًا تَسْمِيَةً لِلْفَاعِلِ بِالْمَصْدَرِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاجُ فِي بَعْض أَمَالِيهِ: السَّاقِطَةُ فِي الْغَرْب هِيَ الْأَنْوَاء وَالطَّالِعَة فِي الْمَشْرِق هِيَ الْبَوَارِج. وَاَللَّه أَعْلَم.
106- أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسَانِيدِ فَفيه عَمْرو بْن سَوَّاد بِتَشْدِيدِ الْوَاو آخِرُهُ دَالٌ.
وَفيه (أَبُو يُونُس) مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة وَاسْمه (سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ) بِضَمِّ أَوَّلهمَا.
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه: (حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَلَمَة الْمُرَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث) قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه: (وَحَدَّثَنِي عَمْرو بْن سَوَّاد أَخْبَرْنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَخْبَرْنَا عَمْرو بْن الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُس مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) فَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلّه بَصْرِيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَة فَمَدَنِيٌّ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِمٌ بِعَبْدِ اللَّه بْن وَهْب، وَعَمْرو بْن الْحَارِث أَوَّلًا ثُمَّ أَعَادَهُمَا وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله حَدَّثَنَا مُحَمَّد، وَعَمْرو بْن سَوَّاد لِاخْتِلَافِ لَفْظ الرِّوَايَات كَمَا تَرَى.
وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مِثْل هَذَا التَّدْقِيق وَالِاحْتِيَاط لِمُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه فِي مَوَاضِع. وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ.
107- وَقَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّه، وَقَالَ بَعْضهمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْء كَذَا وَكَذَا».
قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حَتَّى بَلَغَ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}.
فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه: لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ جَمِيع هَذَا نَزَلَ فِي قَوْلهمْ فِي الْأَنْوَاء فَإِنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُ يَأْبَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا النَّازِل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} وَالْبَاقِي نَزَلَ فِي غَيْر ذَلِكَ، وَلَكِنْ اِجْتَمَعَا فِي وَقْتِ النُّزُولِ، فَذَكَر الْجَمِيع مِنْ أَجْل ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ الِاقْتِصَار عَلَى هَذَا الْقَدْر الْيَسِير فَحَسْب. هَذَا آخِر كَلَامِ الشَّيْخ رَحِمَهُ اللَّه.
وَأَمَّا تَفْسِير الْآيَة فَقِيلَ: تَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ أَيْ شُكْركُمْ كَذَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ.
وَقِيلَ: تَجْعَلُونَ شُكْر رِزْقكُمْ.
قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ تَجْعَلُونَ حَظَّكُمْ.
وَأَمَّا (مَوَاقِعُ النُّجُومِ) فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمُرَادُ نُجُومُ السَّمَاءِ. وَمَوَاقِعهَا مَغَارِبهَا.
وَقِيلَ: مَطَالِعهَا.
وَقِيلَ: اِنْكِدَارهَا وَقِيلَ: يَوْم الْقِيَامَة.
وَقِيلَ: النُّجُوم نُجُوم الْقُرْآن وَهِيَ أَوْقَات نُزُوله.
وَقَالَ مُجَاهِد: مَوَاقِعُ النُّجُومِ مُحْكِمُ الْقُرْآنِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفيه(عَبَّاس بْن عَبْد الْعَظِيم الْعَنْبَرِيُّ) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَالْعَنْبَرِيُّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون بَعْدهَا مُوَحَّدَة.
قَالَ الْقَاضِي: وَضَبَطَهُ الْعُذْرِيُّ (الْغُبْرِيّ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة. وَهُوَ تَصْحِيفٌ بِلَا شَكٍّ.
وَفيه(أَبُو زُمَيْلٍ) بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْح الْمِيمِ وَاسْمِهِ (سَمَّاك بْن الْوَلِيد الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ)، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنْصَارِ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الإِيمَانِ:

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آيَة الْمُنَافِقِ بُغْضُ الْأَنْصَار وَآيَة الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأَنْصَارِ» وَفِي الِّروَاية الأُخْرَى: «حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَة الْإِيمَان وَبُغْضهمْ آيَة النِّفَاق» وَفِي الأُخْرَى: «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّه، وَمَنْ أَبْغَضهمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» وَفِي الأُخْرَى: «لَا يُبْغِض الْأَنْصَار رَجُل يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ» وَفِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «وَاَلَّذِي فَلَق الْحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضنِي إِلَّا مُنَافِقٌ».
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَة هِيَ الْعَلَامَةُ، وَمَعْنَى هَذَه الأحَادِيث: أَنَّ مَنْ عَرَفَ مَرْتَبَة الْأَنْصَار وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي نُصْرَة دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّعْيِ فِي إِظْهَارِهِ وَإِيوَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامِهِمْ فِي مُهِمَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ حَقّ الْقِيَام، وَحُبِّهِمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُبّه إِيَّاهُمْ، وَبَذْلهمْ أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ بَيْن يَدَيْهِ، وَقِتَالهمْ وَمُعَادَاتهمْ سَائِر النَّاس إِيثَارًا لِلْإِسْلَامِ. وَعَرَفَ مِنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُرْبه مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي نُصْرَة الْإِسْلَام وَسَوَابِقه فيه، ثُمَّ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ وَعَلِيًّا لِهَذَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِل صِحَّة إِيمَانِهِ وَصِدْقِهِ فِي إِسْلَامِهِ لِسُرُورِهِ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بِمَا يُرْضِي اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى، وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ أَبْغَضهمْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نِفَاقه وَفَسَاد سَرِيرَته. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله: (فَلَق الْحَبَّة) فَمَعْنَاهُ شَقَّهَا بِالنَّبَاتِ.
وَقَوْله: «وَبَرَأَ النَّسَمَة» هُوَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ خَلَقَ النَّسَمَة وَهِيَ بِفَتْحِ النُّون وَالسِّين. وَهِيَ الْإِنْسَان، وَقِيلَ: النَّفْس. وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ النَّسَمَةَ هِيَ النَّفْس، وَأَنَّ كُلَّ دَابَّة فِي جَوْفهَا رُوح فَهِيَ نَسَمَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسَانِيد الْبَاب: فَفيه عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن جَبْر؛ فَعَبْد مُكَبَّرٌ فِي اِسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ، وَجَبْر بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الْبَاء، وَيُقَال: فيه أَيْضًا جَابِرٌ.
وَفيه الْبَرَاء بْن عَازِب وَهُوَ مَعْرُوف بِالْمَدِّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَهْل اللُّغَة وَالْأَخْبَار، وَأَصْحَاب الْفُنُون كُلّهَا.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه: وَحَفِظْت فيه عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة الْقَصْر وَالْمَدّ.
وَفيه يَعْقُوبُ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقَارِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَّة قَبِيلَة مَعْرُوفَة.
وَفيه زِرُّ بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاءِ وَهُوَ زِرُّ بْن حُبَيْشٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَمَاتَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ اِبْن مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَة، وَقِيلَ اِبْن مِائَة وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَة، وَقِيلَ مِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرِينَ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ.
وَأمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن جَبْر قَالَ: سَمِعْت أَنَسًا يَقُول) ثُمَّ قَالَ مُسْلِم (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيب الْحَارِثِيّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي اِبْن الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَنَس) فَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ رِجَالُهُمَا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ إِلَّا اِبْن جَبْر فَإِنَّهُ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ شُعْبَة وَإِنْ كَانَ وَاسِطِيًّا فَقَدْ اِسْتَوْطَنَ الْبَصْرَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
108- سبق شرحه بالباب.
109- سبق شرحه بالباب.
110- سبق شرحه بالباب.
111- سبق شرحه بالباب.
112- سبق شرحه بالباب.
113- سبق شرحه بالباب.

.باب بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِنَقْصِ الطَّاعَاتِ وَبَيَانِ إِطْلاَقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَى غَيْرِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ:

114- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَار فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَتْ اِمْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَة: وَمَا لَنَا يَا رَسُول اللَّهِ أَكْثَر أَهْل النَّار؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْن وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَب لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ. قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقْصَان الْعَقْل فَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ تَعْدِل شَهَادَة رَجُل وَاحِدٍ؛ فَهَذَا نُقْصَان الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِر فِي رَمَضَان، فَهَذَا نُقْصَان الدِّين». قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْمَعْشَر هُمْ الْجَمَاعَة الَّذِينَ أَمْرهمْ وَاحِدٌ أَيْ مُشْتَرِكُونَ، وَهُوَ اِسْمٌ يَتَنَاوَلهُمْ كَالْإِنْسِ مَعْشَرٌ وَالْجِنُّ مَعْشَرٌ، وَالْأَنْبِيَاء مَعْشَرٌ، وَالنِّسَاء مَعْشَرٌ، وَنَحْو ذَلِكَ. وَجَمْعه مَعَاشِر.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار» وَهُوَ بِنَصْبِ (أَكْثَر) إِمَّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَة تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى الْحَال عَلَى مَذْهَب اِبْن السَّرَّاج وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ قَالَ: إِنَّ (أَفْعَل) لَا يَتَعَرَّف بِالْإِضَافَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ بَدَل مِنْ الْكَاف فِي (رَأَيْتُكُنَّ).
وَأَمَّا قَوْلهَا: (وَمَا لَنَا أَكْثَر أَهْل النَّار؟) فَمَنْصُوبٌ إِمَّا عَلَى الْحِكَايَةِ، وَإِمَّا عَلَى الْحَالِ.
وَقَوْله (جَزْلَة) بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الزَّايِ أَيْ ذَاتُ عَقْلٍ وَرَأْيٍ.
قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ: الْجَزَالَة الْعَقْل وَالْوَقَار.
وَأَمَّا (الْعَشِيرُ) فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الشِّين وَهُوَ فِي الْأَصْل الْمُعَاشِر مُطْلَقًا. وَالْمُرَاد هُنَا الزَّوْج.
وَأَمَّا اللُّبُّ فَهُوَ الْعَقْل. وَالْمُرَاد كَمَالُ الْعَقْل.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَذَا نُقْصَان الْعَقْل» أَيْ عَلَامَة نُقْصَانه.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَتَمْكُث اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي» أَيْ تَمْكُث لَيَالِي وَأَيَّامًا لَا تُصَلِّي بِسَبَبِ الْحَيْض. وَتُفْطِر أَيَّامًا مِنْ رَمَضَان بِسَبَبِ الْحَيْض. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَفيه جُمَل مِنْ الْعُلُوم مِنْهَا الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَة وَأَفْعَال الْبِرّ وَالْإِكْثَار مِنْ الِاسْتِغْفَار وَسَائِر الطَّاعَات. وَفيه أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وَفيه أَنَّ كُفْرَان الْعَشِير وَالْإِحْسَان مِنْ الْكَبَائِر فَإِنَّ التَّوَعُّد بِالنَّارِ مِنْ عَلَامَة كَوْن الْمَعْصِيَة كَبِيرَة كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَفيه أَنَّ اللَّعْن أَيْضًا مِنْ الْمَعَاصِي الشَّدِيدَة الْقُبْح وَلَيْسَ فيه أَنَّهُ كَبِيرَة فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْن» وَالصَّغِيرَة إِذَا أُكْثِرَتْ صَارَتْ كَبِيرَة وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعْن الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ».
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم اللَّعْن فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة الْإِبْعَاد وَالطَّرْد، وَفِي الشَّرْع الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى؛ فَلَا يَجُوز أَنْ يُبْعَد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى مَنْ لَا يُعْرَف حَاله وَخَاتِمَة أَمْره مَعْرِفَة قَطْعِيَّة. فَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجُوز لَعْن أَحَد بِعَيْنِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا أَوْ دَابَّة إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْر أَوْ يَمُوت عَلَيْهِ كَأَبِي جَهْلٍ، وَإِبْلِيس.
وَأَمَّا اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَلَعْنٍ الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَالْمُصَوِّرِينَ وَالظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْكَافِرِينَ وَلَعْن مَنْ غَيَّرَ مَنَار الْأَرْضِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه وَمَنْ اِنْتَسَبَ إِلَى غَيْر أَبِيهِ وَمَنْ أَحْدَث فِي الْإِسْلَام حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوص الشَّرْعِيَّة بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَوْصَاف لَا عَلَى الْأَعْيَان. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفيه إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى غَيْر الْكُفْر بِاَللَّهِ تَعَالَى- كَكُفْرِ الْعَشِير، وَالْإِحْسَان، وَالنِّعْمَة وَالْحَقّ. وَيُؤْخَذ مِنْ ذَلِكَ صِحَّة تَأْوِيل الْكُفْر فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهَا. وَفيه بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه. وَفيه وَعْظ الْإِمَامِ وَأَصْحَاب الْوِلَايَاتِ وَكُبَرَاء النَّاس رَعَايَاهُمْ وَتَحْذِيرهمْ الْمُخَالَفَات، وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الطَّاعَات. وَفيه مُرَاجَعَة الْمُتَعَلِّم الْعَالِم، وَالتَّابِع الْمَتْبُوع فِيمَا قَالَهُ إِذَا لَمْ يَظْهَر لَهُ مَعْنَاهُ، كَمُرَاجَعَةِ هَذِهِ الْجَزْلَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا. وَفيه جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان مِنْ غَيْر إِضَافَةٍ إِلَى الشَّهْر وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَار إِضَافَته. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا نُقْصَان الْعَقْل فَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ تَعْدِل شَهَادَة رَجُل» تَنْبِيهٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَهُوَ مَا نَبَّهَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابه بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أَيْ أَنَّهُنَّ قَلِيلَات الضَّبْط قَالَ: وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْعَقْل مَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ الْعِلْم، وَقِيلَ: بَعْض الْعُلُوم الضَّرُورِيَّة، وَقِيلَ: قُوَّةٌ يُمَيَّز بِهَا بَيْن حَقَائِق الْمَعْلُومَات. هَذَا كَلَامه.
قُلْت: وَالِاخْتِلَاف فِي حَقِيقَة الْعَقْل وَأَقْسَامه كَثِيرٌ مَعْرُوف لَا حَاجَة هُنَا إِلَى الْإِطَالَة بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ. فَقَالَ أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمُونَ: هُوَ فِي الْقَلْب، وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: هُوَ فِي الرَّأْس. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا وَصْفُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ بِنُقْصَانِ الدِّين لِتَرْكِهِنَّ الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي زَمَن الْحَيْض فَقَدْ يُسْتَشْكَل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الدِّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرِكَة فِي مَعْنَى وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا فِي مَوَاضِع أَنَّ الطَّاعَات تُسَمَّى إِيمَانًا وَدِينًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ عِبَادَته زَادَ إِيمَانه وَدِينه، وَمَنْ نَقَصَتْ عِبَادَته نَقَصَ دِينه. ثُمَّ نَقْصُ الدِّين قَدْ يَكُون عَلَى وَجْه يَأْثَم بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ الصَّوْم أَوْ غَيْرهمَا مِنْ الْعِبَادَات الْوَاجِبَة عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ، وَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْه لَا إِثْم فيه كَمَنْ تَرَك الْجُمُعَة أَوْ الْغَزْو أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ، وَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْهٍ هُوَ مُكَلَّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَالصَّوْم. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً فَهَلْ تُثَاب عَلَى الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض وَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْضِيهَا كَمَا يُثَاب الْمَرِيضُ الْمُسَافِر وَيُكْتَب لَهُ فِي مَرَضه وَسَفَره مِثْل نَوَافِل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته وَحَضَرِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا لَا تُثَاب. وَالْفَرْق أَنَّ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر كَانَ يَفْعَلهَا بِنِيَّةِ الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهَا. وَالْحَائِض لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ نِيَّتُهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي زَمَن الْحَيْض، بَلْ يَحْرُم عَلَيْهَا نِيَّة الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض. فَنَظِيرهَا مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيض كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَة فِي وَقْتٍ وَيَتْرُك فِي وَقْتٍ غَيْر نَاوٍ الدَّوَام عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَب لَهُ فِي سَفَره وَمَرَضه فِي الزَّمَن الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِل فيه. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَسَانِيد الْبَاب فَفيه (اِبْن الْهَادِ) وَاسْمه يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة وَأُسَامَة هُوَ الْهَادِ لِأَنَّهُ كَانَ يُوقِد نَارًا لِيَهْتَدِيَ إِلَيْهَا الْأَضْيَاف وَمَنْ سَلَكَ الطَّرِيق. وَهَكَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ (الْهَادِ) وَهُوَ صَحِيح عَلَى لُغَةٍ. وَالْمُخْتَار فِي الْعَرَبِيَّة (الْهَادِي) بِالْيَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب وَغَيْرهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفيه (أَبُو بَكْرِ بْن إِسْحَاق) وَاسْمه مُحَمَّد.
وَفيه (اِبْن أَبِي مَرْيَم) وَهُوَ سَعِيد بْن الْحَكَم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي مَرْيَم الْجُمَحِيُّ أَبُو مُحَمَّد الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْجَلِيلُ.
وَفيه (عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ الْمَقْبُرِيِّ) وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْمَقْبُرِيِّ هُنَا هَلْ هُوَ أَبُو سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ أَوْ اِبْنه سَعِيد؟ فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يُقَال لَهُ الْمَقْبُرِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُرِيُّ فِي الْأَصْل هُوَ أَبُو سَعِيد. فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُود الدِّمَشْقِيِّ: هُوَ أَبُو سَعِيد قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: خَالَفَهُ سُلَيْمَان بْن بِلَالٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَقَوْل سُلَيْمَان بْن بِلَال أَصَحُّ.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه: رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابه الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم مِنْ وُجُوهِ مَرْضِيَّةٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَمْرو بْن أَبِي عَمْرو عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ هَكَذَا مُبَيَّنًا. لَكِنْ رَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَد أَبِي عَوَانَة الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ أَبِي سَعِيد، وَمِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ سَعِيد كَمَا سَبَقَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ فَالِاعْتِمَاد عَلَيْهِ إِذًا. هَذَا كَلَام الشَّيْخ. وَيُقَال الْمَقْبُرِيُّ بِضَمِّ الْبَاء وَفَتْحِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فيه وَهِيَ نِسْبَة إِلَى الْمَقْبَرَة. وَفيها ثَلَاث لُغَات ضَمّ الْبَاء، وَفَتْحهَا، وَكَسْرِهَا، وَالثَّالِثَة غَرِيبَة.
قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيُّ وَغَيْره: كَانَ أَبُو سَعِيد يَنْزِل الْمَقَابِر، فَقِيلَ لَهُ الْمَقْبُرِيُّ، وَقِيلَ: كَانَ مَنْزِله عِنْد الْمَقَابِر وَقِيلَ: إِنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَعَلَهُ عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ، فَقِيلَ لَهُ: الْمَقْبُرِيُّ، وَجَعَلَ نُعَيْمًا عَلَى إِجْمَار الْمَسْجِد فَقِيلَ لَهُ نُعَيْم الْمُجَمِّر. وَاسْم أَبِي سَعِيد كَيْسَان اللَّيْثِيّ الْمَدَنِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب بَيَانِ إِطْلاَقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ:

فِي الْبَاب حَدِيثَانِ أَحَدهمَا: «إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم السَّجْدَة فَسَجَدَ اِعْتَزَلَ الشَّيْطَان يَبْكِي يَقُول يَا وَيْله، وَفِي رِوَايَة يَا وَيَلِي أُمِرَ اِبْنُ آدَم بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّة وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّار» وَالْحَدِيث الثَّانِي: «إِنَّ بَيْن الرَّجُل وَبَيْن الشِّرْك وَالْكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة» مَقْصُود مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه بِذِكْرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ هُنَا أَنَّ مِنْ الْأَفْعَال مَا تَرْكُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ إِمَّا حَقِيقَة وَإِمَّا تَسْمِيَة. فَأَمَّا كُفْر إِبْلِيس بِسَبَبِ السُّجُود فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} قَالَ الْجُمْهُور: مَعْنَاهُ وَكَانَ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى مِنْ الْكَافِرِينَ، وَقَالَ بَعْضهمْ: وَصَارَ مِنْ الْكَافِرِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ}.
115- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم السَّجْدَة» فَمَعْنَاهُ آيَة السَّجْدَة.
وَقَوْله: «يَا وَيْله» هُوَ مِنْ آدَاب الْكَلَام، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ فِي الْحِكَايَة عَنْ الْغَيْر مَا فيه سُوءٌ وَاقْتَضَتْ الْحِكَايَة رُجُوع الضَّمِير إِلَى الْمُتَكَلِّم، صَرَفَ الْحَاكِي الضَّمِير عَنْ نَفْسه تَصَاوُنًا عَنْ صُورَة إِضَافَة السُّوء إِلَى نَفْسه.
وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «يَا وَيْلِي» يَجُوز فيه فَتْح اللَّام وَكَسْرهَا.
وَقَدْ اِحْتَجَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه وَإِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ: «أُمِرَ اِبْنُ آدَم بِالسُّجُودِ» عَلَى أَنَّ سُجُود التِّلَاوَة وَاجِبٌ. وَمَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَالْكَثِيرِينَ أَنَّهُ سُنَّة، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدهَا: أَنَّ تَسْمِيَة هَذَا أَمْرًا إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام إِبْلِيس فَلَا حُجَّة فيها فَإِنْ قَالُوا حَكَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرهَا قُلْنَا: قَدْ حَكَى غَيْرهَا مِنْ أَقْوَال الْكُفَّار وَلَمْ يُبْطِلهَا حَال الْحِكَايَة وَهِيَ بَاطِلَةٌ.
الْوَجْه الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد أَمْر نَدْب لَا إِيجَاب.
الثَّالِث: الْمُرَاد الْمُشَارَكَة فِي السُّجُود لَا فِي الْوُجُوب. وَاَللَّه أَعْلَم.
116- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْن الرَّجُل وَبَيْن الشِّرْك وَالْكُفْر تَرْكُ الصَّلَاة» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ بِالْوَاوِ. وَفِي مُخَرَّج أَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَايِينِيّ وَأَبِي نُعَيْم الْأَصْبَهَانِيِّ: أَوْ الْكُفْر (بِأَوْ) وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا وَجْهٌ.
وَمَعْنَى بَيْنه وَبَيْن الشِّرْك تَرْك الصَّلَاةِ أَنَّ الَّذِي يَمْنَع مِنْ كُفْره كَوْنه لَمْ يَتْرُك الصَّلَاة، فَإِذَا تَرَكَهَا لَمْ يَبْقَ بَيْنه وَبَيْن الشِّرْك حَائِل، بَلْ دَخَلَ فيه. ثُمَّ إِنَّ الشِّرْك وَالْكُفْر قَدْ يُطْلَقَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ الْكُفْر بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يُفَرَّق بَيْنهمَا فَيُخَصُّ الشِّرْك بِعَبَدَةِ الْأَوْثَان وَغَيْرهَا مِنْ الْمَخْلُوقَات مَعَ اِعْتِرَافهمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَكُفَّارِ قُرَيْش، فَيَكُون الْكُفْر أَعَمُّ مِنْ الشِّرْك. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا تَارِك الصَّلَاة فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، خَارِجٌ مِنْ مِلَّة الْإِسْلَام إِلَّا أَنْ يَكُون قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُخَالِط الْمُسْلِمِينَ مُدَّة يَبْلُغهُ فيها وُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكه تَكَاسُلًا مَعَ اِعْتِقَاده وُجُوبهَا كَمَا هُوَ حَال كَثِيرٍ مِنْ النَّاس فَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فيه، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّه وَالْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُر بَلْ يَفْسُق وَيُسْتَتَاب فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي الْمُحْصَن، وَلَكِنَّهُ يُقْتَل بِالسَّيْفِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّهُ يَكْفُر وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب كَرَّمَ اللَّه وَجْهه وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه. وَبِهِ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ. وَهُوَ وَجْه لِبَعْضِ أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّه أَنَّهُ لَا يَكْفُر، وَلَا يُقْتَل، بَلْ يُعَزَّر وَيُحْبَس حَتَّى يُصَلِّي وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِظَاهِرِ الْحَدِيث الثَّانِي الْمَذْكُور، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَة التَّوْحِيد. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَل بِحَدِيث: «لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث» وَلَيْسَ فيه الصَّلَاة. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُر بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة» «وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَم أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة» «وَلَا يَلْقَى اللَّه تَعَالَى عَبْد بِهِمَا غَيْر شَاكٍّ فَيُحْجَب عَنْ الْجَنَّةِ». «حَرَّمَ اللَّه عَلَى النَّار مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه» وَغَيْر ذَلِكَ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى قَتْله بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُقِيمُوا الصَّلَاة وَيُؤْتُوا الزَّكَاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ» وَتَأَوَّلُوا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْن الْعَبْد وَبَيْن الْكُفْر تَرْك الصَّلَاة» عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِتَرْكِ الصَّلَاة عُقُوبَةَ الْكَافِر وَهِيَ الْقَتْل، أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَئُول بِهِ إِلَى الْكُفْر، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ فِعْل الْكُفَّار. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفِي الْحَدِيث أَبُو سُفْيَان عَنْ جَابِر، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه طَلْحَة بْن نَافِع.
117- مَا يَتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ فَفيه أَبُو غَسَّان وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصْرَف، وَلَا يُصْرَف، وَاسْمه مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد.
وَفيه أَبُو الزُّبَيْر مُحَمَّد بْن مُسْلِم اِبْن تَدْرُس تَقَدَّمَ أَيْضًا. وَاَللَّه أَعْلَم.
118- سبق شرحه بالباب.
119- سبق شرحه بالباب.
120- سبق شرحه بالباب.
121- سبق شرحه بالباب.
122- سبق شرحه بالباب.
123- سبق شرحه بالباب.

.باب كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ:

124- فيه عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: «سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْب أَعْظَم عِنْد اللَّه تَعَالَى؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قَالَ: قُلْت: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيم. قَالَ: قُلْت: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُل وَلَدك مَخَافَة أَنْ يَطْعَم مَعَك. قَالَ: قُلْت: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا عَنْ جَرِير عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَمْرو بْن شُرَحْبِيل عَنْ عَبْد اللَّه فَذَكَرَهُ وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى تَصْدِيقهَا: {وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} أَمَّا الْإِسْنَادَانِ فَفيهمَا لَطِيفَة عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ وَهِيَ أَنَّهُمَا إِسْنَادَانِ مُتَلَاصِقَانِ رُوَاتهمَا جَمِيعهمْ كُوفِيُّونَ. وَجَرِير هُوَ اِبْن عَبْد الْحَمِيد. وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِر. وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بْن سَلَمَة. وَشُرَحْبِيل غَيْر مُنْصَرِف لِكَوْنِهِ اِسْمًا عَجَمِيًّا عَلَمًا. وَالنِّدّ الْمِثْل رَوَى شَمِر عَنْ الْأَخْفَش قَالَ: النِّدّ الضِّدّ وَالشَّبَه، وَفُلَان نِدّ فُلَان وَنَدِيده وَنَدِيدَتُهُ أَيْ مِثْله.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَخَافَة أَنْ يَطْعَم مَعَك» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء أَيْ يَأْكُل وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ خَشْيَة إِمْلَاق} أَيْ فَقْر.
وَقَوْله تَعَالَى: {يَلْقَ أَثَامًا} قِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاء إِثْمه، وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل، وَسِيبَوَيْهِ، وَأَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ، وَالْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيِّ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عُقُوبَة.
قَالَهُ يُونُس، وَأَبُو عُبَيْدَة.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاءً قَالَهُ اِبْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ.
وَقَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم عَافَانَا اللَّه الْكَرِيم وَأَحْبَابنَا مِنْهَا.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْ تُزَانِي حَلِيلَة جَارك» هِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَهِيَ زَوْجَته؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَحِلّ لَهُ، وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا تَحِلُّ مَعَهُ. وَمَعْنَى تُزَانِي أَيْ تَزْنِي بِهَا بِرِضَاهَا، وَذَلِكَ يَتَضَمَّن الزِّنَا وَإِفْسَادهَا عَلَى زَوْجهَا وَاسْتِمَالَة قَلْبهَا إِلَى الزَّانِي، وَذَلِكَ أَفْحَشُ وَهُوَ مَعَ اِمْرَأَة الْجَار أَشَدُّ قُبْحًا، وَأَعْظَمُ جُرْمًا لِأَنَّ الْجَار يَتَوَقَّع مِنْ جَاره الذَّبّ عَنْهُ، وَعَنْ حَرِيمه، وَيَأْمَن بَوَائِقه، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ فَإِذَا قَابَلَ هَذَا كُلّه بِالزِّنَا بِامْرَأَتِهِ وَإِفْسَادهَا عَلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّن غَيْره مِنْهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْقُبْح.
وَقَوْله- سُبْحَانه وَتَعَالَى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} مَعْنَاهُ أَيْ لَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي هِيَ مَعْصُومَة فِي الْأَصْل إِلَّا مُحِقِّينَ فِي قَتْلهَا.
أَمَّا أَحْكَام هَذَا الْحَدِيث فَفيه أَنَّ أَكْبَر الْمَعَاصِي الشِّرْك وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاء فيه. وَأَنَّ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقّ يَلِيه، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابنَا: أَكْبَر الْكَبَائِر بَعْد الشِّرْك الْقَتْل. وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي كِتَاب الشَّهَادَات مِنْ مُخْتَصَر الْمُزَنِيِّ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا مِنْ الزِّنَا وَاللِّوَاط وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ وَالسِّحْر وَقَذْف الْمُحْصَنَات وَالْفِرَار يَوْم الزَّحْف وَأَكْل الرِّبَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر فَلَهَا تَفَاصِيلُ وَأَحْكَامٌ تُعْرَف بِهَا مَرَاتِبهَا، وَيَخْتَلِف أَمْرهَا بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال وَالْمَفَاسِد الْمُرَتَّبَة عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا يُقَال فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا هِيَ مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر وَإِنْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهَا أَكْبَرُ الْكَبَائِر كَانَ الْمُرَاد مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَفْضَل الْأَعْمَال. وَاَللَّه أَعْلَم.
125- سبق شرحه بالباب.