فصل: 119- تكفير:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة



.119- تكفير:

1- التعريف:
التكفير: مصدر كفَّر تكفيراً، والكُفْرُ: نقيض الإِيمان. وأَكْفَرْتُ الرجلَ: دعوته كافراً. يقال: لا تُكْفِرْ أَحداً من أَهل قبلتك أَي لا تَنْسُبْهم إِلى الكفر أَي لا تَدْعُهم كفاراً ولا تجعلهم كفاراً بقولك وزعمك. وكَفَّرَ الرجلَ: نسبه إِلى الكفر.
وفي الاصطلاح: هو نسبة أحد من أهل القبلة إلى الكفر.
2- حكم تكفير المسلم:
التكفير أمر خطير ومزلة قدم، فليس لأحد أن يكفر أحداً إلا بأمر موجب للتكفير مما دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد عدَّ ابن حجر الهيتمي تكفير المسلم من الكبائر فقال: (الكبيرة الثانية والثالثة والخمسون بعد الثلاثمائة: قول إنسان لمسلم: يا كافر أو يا عدو الله حيث لم يكفره به بأن لم يرد به تسمية الإسلام كفرا وإنما أراد مجرد السب) أخرج الشيخان في جملة حديث: «ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» أي رجع عليه ما قاله. وفي رواية لهما: «من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله».
والأصل بقاء المسلم على إسلامه حتّى يقوم الدّليل على خلاف ذلك، لما ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته». رواه البخاري. ويجب قبل تكفير أيّ مسلم النّظر والتّفحّص فيما صدر منه من قول أو فعل، فليس كلّ قول أو فعل فاسد يعتبر مكفّرا. ويجب كذلك على النّاس اجتناب هذا الأمر والفرار منه لما يترتب عليه من خطر عظيم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرّجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه». متفق عليه. وعن أبي ذرّ رضي الله عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: «من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدوّ اللّه، وليس كذلك إلا حار عليه». وبالرغم من ذلك فقد تساهل بعض الناس اليوم فأصبحوا يُكَفِّرون بأدنى الأمور، والله المستعان.
3- متى ظهر التكفير؟:
ظهر التكفير مع ظهور الخوارج في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد وصفوه- عليهم لعنة الله- بالكفر، واستباحوا قتاله، واستحلوا دمه، وذلك بعد قصة التحكيم. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله (وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من الذنوب واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» وكفَّروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومن والاهما وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالاً فارقوا السنة والجماعة فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات؛ فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا إن عثمان وعلياً ونحوهما حكموا بغير ما انزل الله، وظلموا فصاروا كفاراً).
وقال ابن كثير رحمه الله: (لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهوداً وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91]. فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه، فقال علي: تباً لك ما أشقاك كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم).
وما أشبه اليوم بالأمس فقد ظهرت فلول الخوارج في هذا الزمان، وكفروا ولاة الأمر، والعلماء، ورجال الأمن، وكل من خالفهم، واستباحوا دماءهم وأموالهم، وساروا على نهج أسلافهم السابقين حذو القذة بالقذة.
4- أصول الخوارج الأولين ومنهجهم وسماتهم العامة:
إن الدارس لحال الخوارج الأولين يخلص في تقرير منهجهم وأصولهم وسماتهم العامة إلى الأصول والسمات التالية:
1- التكفير بالمعاصي (الكبائر) وإلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والقتال.
3- الخروج على أئمة المسلمين اعتقاداً وعملاً- غالباً- أو أحدهما أحياناً.
3- الخروج على جماعة المسلمين ومعاملتهم معاملة الكفار في الدار والأحكام، والبراء منهم وامتحانهم، واستحلال دمائهم.
4- صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم، وقتال المخالفين.
5- كثرة القراء الجهلة فيهم والأعراب، وأغلبهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام».
6- ظهور سيما الصالحين عليهم، وكثرة العبادة كالصلاة والصيام، وأثر السجود، وتشمير الثياب، مسهمة وجوههم من السهر ويكثر فيهم الورع- على غير فقه- والصدق والزهد، مع التشدد والتنطع في الدين كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم...».
7- ضعف الفقه في الدين وقلة الحصيلة من العلم الشرعي، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم».
8- ليس فيهم من الصحابة ولا الأئمة والعلماء وأهل الفقه في الدين أحد، كما قال ابن عباس: (وليس فيكم منهم أحد) يعني الصحابة.
9- الغرور والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رؤوسهم.
10- الخلل في منهج الاستدلال؛حيث أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد، واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين، كما قال فيهم ابن عمر رضي الله عنهما: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين).
11- الجهل بالسنة واقتصارهم على الاستدلال بالقرآن غالباً.
12- سرعة التقلب واختلاف الرأي وتغييره (عواطف بلا علم ولا فقه)، لذلك يكثر تنازعهم وافتراقهم في ما بينهم، وإذا اختلفوا تفاصلوا وتقاتلوا.
13- التعجل في إطلاق الأحكام والمواقف من المخالفين (سرعة إطلاق الحكم على المخالف بلا تثبت).
14- الحكم على القلوب واتهامها، ومنه الحكم باللوازم والظنون.
15- القوة والخشونة والجلد والجفاء والغلظة في الأحكام والتعامل وفي القتال والجدال.
16- قصر النظر وضيق العَطَن وقلة الصبر، واستعجال النتائج.
17- يقتلون أهل الإسلام ويخاصمونهم، ويَدَعُون أهل الأوثان كما جاء وصفهم في الحديث.
5- التحذير من فتنة التكفير:
التكفير في هذا الزمان فتنة أبتلي بها بعض شباب المسلمين ومن ليس عندهم فقه في الدين، فأخذ بعضهم يكفر بعضاً، وما علم هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه». متفق عليه.
وذكر ابن عبد البر رحمه الله عن أبي سفيان قال: قلت لجابر أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة كافر؟ قال: لا، قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله وفزع.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان).
وقال الشوكاني رحمه الله: (اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار).
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله من أعظم أمور الدين؛ وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم..).
6- تكفير المطلق وتكفير المعين: يفرِّق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه- الذي تلبس بالكفر- فيقال: من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر، ولكن الشخص المعيّن الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره بإطلاق، بل لابد من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. يقول ابن تيمية: (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة). ويقول أيضاً: إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يعين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. ويسوق ابن تيمية بعضاً من الأعذار الواردة على المعين فيقول: الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ؛ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها).
وإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق، وتكفير المعيّن، فسندرك خطأ فريقين من الناس، فهناك فريق قد غلا وتجاوز فادعى تكفير المعيّن بإطلاق، دون الالتفات إلى مدى توافر الشروط وانتفاء الموانع عن ذلك المعيّن، وفي المقابل نرى فريقاً من الناس قد امتنع عن تكفير المعين بإطلاق، وأوصد باب الارتداد.
7- عقوبة من كفر مسلماً:
إطلاق الحكم بالتكفير على من لا يستحقه أمر عظيم ومزلة قدم خطيرة كما أسلفنا، وكفى بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان كما قال وإلا عادت عليه» زاجراً ورادعاً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.