فصل: أداء صلاة الفرض راكبًا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ركن

التّعريف

1 - الرّكن في اللّغة‏:‏ الجانب الأقوى والأمر العظيم، وما يقوى به من ملكٍ وجندٍ وغيرهما، والعزّ، والمنعة‏.‏ والأركان‏:‏ الجوارح، وفي حديث الحساب‏:‏ ‏{‏يقال لأركانه‏:‏ انطقي‏}‏ أي جوارحه، وأركان كلّ شيءٍ جوانبه الّتي يستند إليها ويقوم بها‏.‏ وركن الشّيء في الاصطلاح‏:‏ ما لا وجود لذلك الشّيء إلاّ به‏.‏ وهو ‏"‏ الجزء الذّاتيّ الّذي تتركّب الماهيّة منه ومن غيره بحيث يتوقّف تقوّمها عليه »‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الشّرط‏:‏

2 - الشّرط في اللّغة إلزام الشّيء والتزامه، وكذلك الشّريطة، والجمع شروط وشرائط وبالتّحريك العلامة، وجمعه أشراط‏.‏ واصطلاحًا عرّفه ابن السّبكيّ بقوله‏:‏ ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته »‏.‏ واختار ابن الحاجب أنّ الشّرط ‏"‏ ما استلزم نفيه نفي أمرٍ على غير جهة السّببيّة »‏.‏ وهو اختيار شارح التّحرير العلّامة أمير باد شاه‏.‏ قال الإمام الكاسانيّ مفرّقًا بين الرّكن والشّرط‏:‏ والأصل أنّ كلّ متركّبٍ من معانٍ متغايرةٍ ينطلق اسم المركّب عليها عند اجتماعها، كان كلّ معنًى منها ركنًا للمركّب، كأركان البيت في المحسوسات، والإيجاب والقبول في باب البيع في المشروعات، وكلّ ما يتغيّر الشّيء به ولا ينطلق عليه اسم ذلك الشّيء كان شرطًا، كالشّهود في باب النّكاح‏.‏ وعلى هذا فكلّ من الرّكن والشّرط لا بدّ منه لتحقّق المسمّى شرعًا، غير أنّ الرّكن يكون داخلًا في حقيقة المسمّى، فهو جزؤه، بخلاف الشّرط فإنّه يكون خارجًا عن المسمّى‏.‏ وقد صرّح الشّيخ محبّ اللّه بن عبد الشّكور بأنّ الأركان توقيفيّة، قال‏:‏ وإنّ جعل بعض الأمور ركنًا وبعضها شرطًا توقيفيّ لا يدرك بالعقل‏.‏

ب - الفرض‏:‏

3 - الفرض في اللّغة‏:‏ القطع والتّوقيت، والحزّ في الشّيء، وما أوجبه اللّه تعالى، والسّنّة، يقال‏:‏ فرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أي‏:‏ سنّ‏.‏ واصطلاحًا‏:‏ خطاب اللّه المقتضي للفعل اقتضاءً جازمًا‏.‏ وهو تعريف الواجب أيضًا، حيث إنّ الجمهور لا يفرّقون بينهما، فهما من التّرادف عندهم‏.‏ وقال العضد في تعريف الإيجاب‏:‏ هو خطاب بطلب فعلٍ غير كفٍّ ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب‏.‏ والواجب هو الفعل المتعلّق بالإيجاب، فهو فعل غير كفٍّ تعلّق به خطاب بطلبٍ بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب‏.‏ وعند الحنفيّة يفترق الفرض والواجب بالظّنّ والقطع، فإن كان ما ذكر ثبت بقطعيٍّ ففرض، وإن ثبت بظنّيٍّ فهو الواجب‏.‏ ثمّ إنّ الفقهاء قد يطلقون الفرض على الرّكن، كما صنع التّمرتاشيّ في تنوير الأبصار، فقال في باب صفة الصّلاة‏:‏ من فرائضها التّحريمة‏.‏ وقال خليل في مختصره في باب الوضوء‏:‏ فرائض الوضوء‏.‏‏.‏ وقال في كتاب الصّلاة‏:‏ فرائض الصّلاة‏.‏‏.‏ قال الدّردير‏:‏ أي‏:‏ أركانها وأجزاؤها المتركّبة هي منها‏.‏ والنّوويّ في المنهاج‏.‏ فقال في باب الوضوء‏:‏ فرضه ستّة‏.‏ قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ الفرض والواجب بمعنًى واحدٍ، والمراد هنا الرّكن لا المحدود في كتب أصول الفقه‏.‏ والشّيخ أبو النّجا الحجّاويّ في الإقناع، فقال في باب الوضوء‏:‏ فرضه ستّة‏.‏‏.‏ لكنّ الفرض عندهم أعمّ من الرّكن‏.‏ وقد صرّح بذلك الحصكفيّ فقال‏:‏ ثمّ الرّكن ما يكون فرضًا داخل الماهيّة، وأمّا الشّرط فما يكون خارجها، فالفرض أعمّ منها وهو ما قطع بلزومه حتّى يكفر جاحده‏.‏

الحكم الإجمالي

4 - الرّكن إمّا أن يكون جزء ماهيّة الحقيقة الشّرعيّة في العبادات، كالقيام في الصّلاة والإمساك في الصّوم، وفي العقود كالإيجاب والقبول في عقد البيع‏.‏ أو جزء ماهيّة الأشياء المحسوسة كأركان البيت‏.‏

الرّكن والواجب

5 - يفرّق الفقهاء بين الرّكن والواجب في بابي الحجّ والعمرة، والصّلاة، أمّا باب الحجّ والعمرة فباتّفاق المذاهب الأربعة فينصّون أنّ للحجّ والعمرة أركانًا، وواجباتٍ، وتظهر ثمرة التّفريق بينهما في التّرك، فمن ترك ركنًا من أركان الحجّ أو العمرة لم يتمّ نسكه إلاّ به، فإن أمكنه الإتيان أتى به، وذلك كالطّواف والسّعي، وإن لم يمكن الإتيان به كمن فاته الوقوف بعرفة بأن طلع عليه فجر يوم النّحر ولم يقف فإنّه يفوته الحجّ في هذه السّنة، ويتحلّل بعمرةٍ وعليه الحجّ من قابلٍ‏.‏ وذلك لأنّ الماهيّة لا تحصل إلاّ بجميع الأركان‏.‏ وانظر ‏(‏حجّ‏:‏ ف 123‏)‏ ومن ترك واجبًا فعليه دم، ويكون حجّه تامًّا صحيحًا، فالواجب يمكن جبره بالدّم بخلاف الرّكن‏.‏ وأمّا باب الصّلاة فعند الحنفيّة والحنابلة فقط فإنّهم يجعلون للصّلاة أركانًا وواجباتٍ‏.‏ وتظهر ثمرة التّفريق بينهما في التّرك أيضًا‏.‏ فترك الرّكن يترتّب عليه بطلان الصّلاة إن كان تركه عمدًا‏.‏ أمّا إن تركه سهوًا أو جهلًا فلا تصحّ صلاته إلاّ إن أمكن التّدارك، وفي كيفيّته خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏سجود السّهو‏)‏‏.‏ وأمّا ترك الواجب فإنّ الصّلاة لا تبطل بتركه سهوًا، ويسجد للسّهو جبرًا له، وتركه عمدًا يبطل الصّلاة عند الحنابلة، وقال الحنفيّة‏:‏ عليه إعادة الصّلاة وجوبًا إن تركه عمدًا جبرًا لنقصانه، وكذا لو تركه سهوًا ولم يسجد للسّهو‏.‏

الرّكن في العبادات

تختلف أركان العبادات باختلافها‏:‏

أ - أركان الوضوء‏:‏

6 - اختلف الفقهاء في أركان الوضوء‏.‏ فذهب الحنفيّة إلى أنّها أربعة أركانٍ، غسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح ربع الرّأس وغسل الرّجلين‏.‏ وزاد الشّافعيّة عليها النّيّة والتّرتيب، وزاد الحنابلة الموالاة، إلاّ أنّهم اعتبروا النّيّة شرطًا لا ركنًا‏.‏ وزاد المالكيّة الدّلك‏.‏

ب - أركان التّيمّم‏:‏ اختلف الفقهاء في أركان التّيمّم‏.‏

7- فذهب الحنفيّة إلى أنّ للتّيمّم ركنين، الضّربتان، والمسح، والنّيّة شرط عندهم‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ أركانه خمسة‏:‏ النّيّة، وضربة واحدة، وتعميم الوجه واليدين إلى الكوعين بالمسح، والصّعيد الطّاهر، والموالاة‏.‏ كما ذهب الشّافعيّة إلى أنّ أركانه خمسة وهي‏:‏ نقل التّراب، ونيّة استباحة الصّلاة، ومسح الوجه، ومسح اليدين إلى المرفقين، والتّرتيب بين الوجه واليدين‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ أركانه أربعة‏:‏ مسح جميع الوجه، ومسح اليدين إلى الكوعين، والتّرتيب، والموالاة في غير الحدث الأكبر، وأمّا النّيّة فهي شرط عندهم‏.‏

ج - أركان الصّلاة‏:‏

8 - اختلف الفقهاء في أركان الصّلاة، فذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ أركان الصّلاة هي‏:‏ النّيّة، واعتبرها الحنابلة شرطًا، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة في كلّ ركعةٍ، والرّكوع، والاعتدال بعده، والسّجود، والجلوس بين السّجدتين، والجلوس للتّشهّد الأخير، والتّشهّد الأخير‏.‏ ‏(‏وقال المالكيّة‏:‏ التّشهّد الأخير ليس بركنٍ وأمّا الجلوس فإنّه ركن لكنّه للسّلام‏)‏ والسّلام، والتّرتيب، والطّمأنينة‏.‏ وزاد المالكيّة الرّفع من الرّكوع، والرّفع من السّجود، قال الدّردير‏:‏ الصّلاة مركّبة من أقوالٍ وأفعالٍ فجميع أقوالها ليست بفرائض إلاّ ثلاثةً‏:‏ تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسّلام، وجميع أفعالها فرائض إلاّ ثلاثةً رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتّشهّد، والتّيامن بالسّلام‏.‏ وزاد الشّافعيّة والحنابلة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد الأخير، كما قال الحنابلة بركنيّة التّسليمتين‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ أركان الصّلاة هي‏:‏ القيام، والرّكوع، والسّجود، والقراءة، والقعدة الأخيرة مقدار التّشهّد، وترتيب الأركان، وإتمام الصّلاة، والانتقال من ركنٍ إلى ركنٍ‏.‏ والنّيّة عندهم شرط وليست بركنٍ وكذا التّحريمة‏.‏

د - أركان الصّيام‏:‏

9 - ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ للصّوم ركنًا واحدًا وهو الإمساك عن المفطرات، وأمّا النّيّة فهي شرط عندهم‏.‏ واعتبر المالكيّة والشّافعيّة النّيّة ركنًا، فللصّوم ركنان عند المالكيّة هما النّيّة والإمساك، وزاد الشّافعيّة ثالثًا وهو الصّائم‏.‏

هـ - أركان الاعتكاف‏:‏

10 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ للاعتكاف ركنًا واحدًا وهو اللّبث في المسجد‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ أركانه أربعة‏:‏ النّيّة، والمعتكف، واللّبث، والمسجد‏.‏

و - أركان الحجّ والعمرة‏:‏

11 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ للحجّ ركنين، الوقوف بعرفة، ومعظم طواف الزّيارة ‏(‏أربعة أشواطٍ‏)‏‏.‏ وأمّا الإحرام فهو شرط ابتداءً، ركن انتهاءً‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ أركان الحجّ أربعة‏:‏ الإحرام، والوقوف بعرفة، والطّواف اتّفاقًا والسّعي على المشهور خلافًا لابن القصّار‏.‏ وزاد ابن الماجشون في الأركان‏:‏ الوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة، وحكى ابن عبد البرّ قولًا بركنيّة طواف القدوم‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ والمشهور أنّ الوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة غير ركنين، بل الأوّل مستحبّ، والثّاني واجب يجبر بالدّم‏.‏ وأمّا القول بركنيّة طواف القدوم فليس بمعروفٍ بل المذهب أنّه واجب يجبر بالدّم‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ أركان الحجّ ستّة‏:‏ الإحرام، والوقوف بعرفة، والطّواف والسّعي، والحلق أو التّقصير، والتّرتيب بين الأركان‏.‏ كما اختلف الفقهاء في أركان العمرة‏.‏ فقال الحنفيّة‏:‏ لها ركن واحد وهو الطّواف‏.‏ وقال المالكيّة والحنابلة‏:‏ أركانها ثلاثة‏:‏ الإحرام، والطّواف، والسّعي‏.‏ وزاد الشّافعيّة‏:‏ الحلق أو التّقصير، والتّرتيب‏.‏

الرّكن في العقود

12 - هناك اتّجاهان في تحديد الرّكن في العقود‏:‏ الأوّل‏:‏ ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ لكلّ عقدٍ ثلاثة أركانٍ هي‏:‏ الصّيغة، والعاقدان، والمعقود عليه، وهذه الثّلاثة تئول في الحقيقة إلى ستّةٍ، فمثلًا في البيع‏:‏ الصّيغة عبارة عن الإيجاب والقبول‏.‏ والعاقدان هما البائع والمشتري‏.‏ والمعقود عليه هو المبيع والثّمن‏.‏ الثّاني‏:‏ ذهب الحنفيّة إلى أنّ لكلّ عقدٍ ركنًا واحدًا فقط وهو الصّيغة ‏(‏الإيجاب والقبول‏)‏‏.‏

أقسام الرّكن

13 - اتّفق الفقهاء على تقسيم الرّكن في الصّلاة إلى فعليٍّ وقوليٍّ‏.‏ وتظهر ثمرة هذا التّقسيم في التّكرار‏.‏ وانفرد الحنفيّة بتقسيم الرّكن في الصّلاة إلى ركنٍ أصليٍّ وركنٍ زائدٍ، فالقيام والرّكوع والسّجود أركان أصليّة، والقراءة والقعود الأخير ركنان زائدان‏.‏ والرّكن الزّائد عندهم هو ما يسقط في بعض الصّور من غير تحقّق ضرورةٍ بلا خلفٍ، كسقوط القراءة بالاقتداء‏.‏ والرّكن الأصليّ ما لا يسقط إلاّ لضرورةٍ‏.‏ ومعنى كون الرّكن زائدًا أنّه ركن من حيث قيام ذلك الشّيء به في حالةٍ، وانتفاؤه بانتفائه، وزائد من حيث قيامه بدونه في حالةٍ أخرى، فالصّلاة ماهيّة اعتباريّة، فيجوز أن يعتبرها الشّارع تارةً بأركانٍ وأخرى بأقلّ منها‏.‏ ثمّ إنّ اعتبار القراءة، والقعود الأخير ركنين زائدين ليس متّفقًا عليه عند الحنفيّة، وإنّما هو محلّ خلافٍ عندهم‏.‏ أمّا القراءة فالأكثر على أنّها ركن زائد‏.‏ كما انفرد الشّافعيّة بتقسيم الرّكن في الصّلاة إلى ركنٍ طويلٍ وركنٍ قصيرٍ، فالقصير عندهم ركنان‏:‏ الاعتدال بعد الرّكوع، والجلوس بين السّجدتين، وما عداهما طويل‏.‏ ويترتّب على هذا التّقسيم عندهم أنّ تطويل الرّكن القصير عمدًا بسكوتٍ أو ذكرٍ لم يشرع فيه يبطل الصّلاة‏;‏ لأنّ تطويله تغيير لوضعه، ويخلّ بالموالاة‏;‏ ولأنّه ليس مقصودًا لذاته بل للفصل بين الأركان، وأمّا تطويله سهوًا فلا يبطل الصّلاة ويسجد للسّهو‏.‏ ومقدار التّطويل عندهم أن يلحق الاعتدال بعد الرّكوع بالقيام للقراءة، والجلوس بين السّجدتين بالجلوس للتّشهّد، والمراد قراءة الواجب فقط لا قراءته مع المندوب أي الفاتحة وأقلّ التّشهّد‏.‏

أقلّ الرّكن وأكمله

14 - قد يكون للرّكن كيفيّتان يتحقّق بهما، إحداهما‏:‏ كيفيّة الإجزاء ويطلق عليها بعض الفقهاء كالشّافعيّة أقلّ الرّكن، والثّانية‏:‏ كيفيّة الكمال، وهي الكيفيّة الّتي توافق السّنّة‏.‏ ومن تلك الأركان في باب الصّلاة الرّكوع والسّجود، فينصّ الفقهاء على أنّ لهما كيفيّتين فأقلّ الرّكوع وهو القدر المجزئ منه عند الجمهور أن ينحني حتّى تقترب فيه راحتا كفّيه من ركبتيه‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ هو خفض الرّأس مع انحناء الظّهر، وذلك لأنّه المفهوم من موضوع اللّغة فيصدق عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اركعوا‏}‏، وقد نصّ الشّافعيّة على كراهة الاقتصار على الأقلّ‏.‏ وأكمل الرّكوع أن يسوّي ظهره وعنقه، ويمكّن يديه من ركبتيه مفرّقًا أصابعه وناصبًا لركبتيه‏.‏ وأقلّ السّجود مباشرة بعض جبهته مصلّاه، وهناك خلاف في بقيّة الأعضاء بين المذاهب وينظر تفصيل ذلك في مصطلحاتها‏:‏ ‏(‏ركوع، سجود‏)‏‏.‏ وأكمل السّجود أن يضع ركبتيه ثمّ يديه ثمّ جبهته وأنفه، ويضع يديه حذو منكبيه، وينشر أصابعه مضمومةً للقبلة، ويفرّق ركبتيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه، وهذا في الرّجل‏.‏ أمّا المرأة فإنّها تضمّ بعضها إلى بعضٍ‏.‏ وفي باب الحجّ‏:‏ الوقوف بعرفة فأقلّه أن يحصل بعرفة في وقت الوقوف ولو لحظةً، ولو مارًّا بها، أو نائمًا أو جاهلًا بها، فمن حصلت له هذه اللّحظة في وقت الوقوف صار مدركًا للحجّ، ولا يجري عليه الفساد بعد ذلك‏.‏ ووقت الوقوف من زوال يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النّحر عند الجمهور‏.‏ ومن الغروب إلى طلوع فجر يوم النّحر عند مالكٍ، فالرّكن عند المالكيّة الاستقرار لحظةً في عرفة بعد الغروب، أمّا الوقوف نهارًا بعد الزّوال فواجب ينجبر بالدّم‏.‏ وأكمله أن يجمع في الوقوف بين اللّيل والنّهار ‏{‏لفعله صلى الله عليه وسلم‏}‏ مع قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لتأخذوا مناسككم‏}‏‏.‏ وقد عدّ الحنابلة الجمع بين اللّيل والنّهار واجبًا يجب في تركه دم‏.‏ وعند الحنفيّة يكون الجمع واجبًا فيما إذا وقف نهارًا، أمّا إذا وقف ليلًا فلا واجب عليه‏.‏ واستحبّ الشّافعيّة إراقة الدّم حينئذٍ خروجًا من خلاف من أوجبه‏.‏

ترك الرّكن وتكراره

15 - لترك الرّكن آثار وصور في العبادات والمعاملات تختلف باختلاف كيفيّة التّرك عمدًا كان أو سهوًا أو جهلًا، وفي كلّ حالةٍ تفصيل وخلاف ينظر في مظانّه من الموسوعة‏.‏ كما أنّ تكرار الرّكن يجري عليه ما يجري على التّرك مع ضوابط وتفصيلاتٍ تنظر في مظانّها‏.‏

ترك الرّكن في العقود

16 - ترك الرّكن في العقود يوجب بطلانها، وذلك لانعدام الأمور الّتي لا بدّ منها ليتحقّق العقد في الخارج‏.‏ فمن ترك الإيجاب أو القبول في جميع صورهما في أيّ عقدٍ من العقود فعقده باطل، وذلك كمن باع أو اشترى من غير إيجابٍ أو قبولٍ ولم يقع على سبيل التّعاطي فيكون بيعه حينئذٍ باطلًا‏.‏ ثمّ إن تخلّف الرّكن في العقود عند الحنفيّة يدخل في حالة البطلان، والّتي يفرّقون بينها وبين حالة الفساد، وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏بطلان‏)‏‏.‏ وأمّا ما يترتّب على بطلان العقود فينظر تفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏بطلان‏)‏‏.‏

الرّكن بمعنى جزء الماهيّة المحسوسة‏:‏ استلام الأركان في الطّواف

17 - استحبّ الفقهاء استلام ركنين من أركان البيت‏.‏ الأوّل‏:‏ الحجر الأسود، ويسنّ تقبيله لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ‏{‏استقبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحجر، ثمّ وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثمّ التفت فإذا هو بعمر بن الخطّاب يبكي، فقال‏:‏ يا عمر، هاهنا تسكب العبرات‏}‏‏.‏ وعن عابس بن ربيعة عن ‏{‏عمر رضي الله عنه أنّه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله، وقال‏:‏ إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك‏}‏‏.‏ وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأن تكون القبلة بلا صوتٍ، وعند المالكيّة في الصّوت بالتّقبيل قولان‏:‏ الكراهة والإباحة‏.‏ قال الشّيخ الحطّاب نقلًا عن الشّيخ زرّوقٍ في شرح الإرشاد‏:‏ ورجّح غير واحدٍ الجواز، ونقله أيضًا الشّيخ دسوقيّ عن الحطّاب‏.‏ وزاد الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أن يسجد عليه‏.‏ قال الحنابلة‏:‏ فعله ابن عمر وابن عبّاسٍ، وأنكر الإمام مالك وضع الخدّين على الحجر الأسود، قال في المدوّنة‏:‏ وهو بدعة، قال الشّيخ الدّردير في الشّرح الكبير‏:‏ وكره مالك السّجود وتمريغ الوجه عليه، قال الحطّاب‏:‏ قال بعض شيوخنا‏:‏ وكان مالك يفعله إذا خلا به‏.‏ وعند الحنفيّة والشّافعيّة يسنّ أن يكون التّقبيل والسّجود ثلاثًا‏.‏ فإن لم يتمكّن من تقبيله استلمه بيده وقبّل يده، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استلمه وقبّل يده‏}‏‏.‏ ولما روى مسلم عن نافعٍ قال‏:‏ ‏{‏رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثمّ قبّل يده‏.‏ وقال‏:‏ ما تركته منذ رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفعله‏}‏ وهذا مذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏ ومذهب المالكيّة أنّه لا يقبّل يده بل يضعها على فيه من غير تقبيلٍ، وعندهم رواية أنّه يقبّل يده كما يقبّل الحجر، والأوّل هو المشهور، وحجّته أنّ التّقبيل في الحجر تعبّد وليست اليد بالحجر‏.‏ قال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ ويسنّ أن تكون يده اليمنى، وقال الحنفيّة‏:‏ يضع يديه عليه ثمّ يقبّلها أو يضع إحداهما، والأولى أن تكون اليمنى لأنّها المستعملة فيما فيه شرف‏.‏ فإن لم يتمكّن من استلامه بيده استلمه بشيءٍ كعصًا، ثمّ يقبّل ما استلمه به لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم‏}‏ وهذا مذهب الجمهور، وعند المالكيّة‏:‏ يضع العصا على فيه من غير تقبيلٍ‏.‏

18 - فإن عجز عن كلّ ذلك لشدّة الزّحام أشار إليه بيده أو شيءٍ فيها من بعيدٍ ولا يزاحم النّاس فيؤذي المسلمين، لما روي ‏{‏أنّه صلى الله عليه وسلم قال لعمر‏:‏ يا عمر إنّك رجل قويّ، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضّعيف، إن وجدت خلوةً فاستلمه، وإلاّ فاستقبله فهلّل وكبّر‏}‏‏.‏ ولأنّ الاستلام سنّة، وإيذاء المسلم حرام، وترك الحرام أولى من الإتيان بالسّنّة‏.‏ وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏{‏طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيرٍ كلّما أتى على الرّكن أشار إليه بشيءٍ عنده وكبّر‏}‏‏.‏ قال الحنفيّة‏:‏ يشير إليه بباطن كفّيه كأنّه واضعها عليه وذلك بأن يرفع يديه حذاء أذنيه ويجعل باطنهما نحو الحجر مشيرًا بهما إليه وظاهرهما نحو وجهه، وصرّحوا بتقبيل كفّيه‏.‏ ومذهب الشّافعيّة في التّقبيل كمذهب الحنفيّة حيث إنّهم صرّحوا بتقبيل ما أشار به، سواء كانت الإشارة بيده أو غيرها‏.‏ ومذهب الحنابلة أنّه لا يقبّل المشار به قالوا‏:‏ لعدم وروده‏.‏ وذهب المالكيّة أنّه إن تعذّر استلامه يكبّر فقط إذا حاذاه من غير إشارةٍ بيده ولا رفعٍ، وصفة الاستلام عند الحنفيّة أن يضع كفّيه على الحجر ويضع فمه بين كفّيه ويقبّله، وعند المالكيّة والشّافعيّة أن يلمسه بيده، وقال الحنابلة‏:‏ يمسحه بيده‏.‏ الثّاني‏:‏ الرّكن اليمانيّ، فيسنّ استلام الرّكن اليمانيّ في الطّواف من غير تقبيلٍ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ‏{‏أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلاّ الحجر والرّكن اليمانيّ‏}‏‏.‏ وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه يسنّ تقبيله، وقال المالكيّة‏:‏ إذا استلمه بيده وضعها على فيه من غير تقبيلٍ، ومذهب الشّافعيّة أنّه يقبّل ما استلمه به‏.‏ وإذا لم يتمكّن من استلامه أشار إليه بيده عند الشّافعيّة والحنابلة، قال الشّافعيّة‏:‏ لأنّها بدل عنه لترتّبها عليه عند العجز في الحجر الأسود فكذا هنا، ومقتضى القياس أنّه يقبّل ما أشار به، قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ وهو كذلك‏.‏ وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يشير عند الزّحام، وعند المالكيّة أنّه يكبّر إذا حاذاه‏.‏

19 - وما ذكر من أحكام استلام الرّكنين يراعى في كلّ طوفةٍ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ‏{‏أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الرّكن اليمانيّ والحجر الأسود في كلّ طوفةٍ‏}‏‏.‏ وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الفقهاء‏.‏ وأمّا استلام الرّكنين الآخرين - الشّاميّ والعراقيّ - فليس بمشروعٍ في الجملة‏.‏ قال البهوتيّ‏:‏ ولا يستلم ولا يقبّل الرّكنين الآخرين، لقول ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ ‏{‏لم أر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلاّ الرّكنين اليمانيّين‏}‏‏.‏ وقد صرّح الحنفيّة والمالكيّة بكراهة استلام الرّكنين العراقيّ والشّاميّ - وهي كراهة تنزيهيّة عند الحنفيّة - قالوا‏:‏ لأنّهما ليسا ركنين حقيقةً بل من وسط البيت‏;‏ لأنّ بعض الحطيم من البيت‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يسنّ استلام الرّكنين ولا تقبيلهما‏.‏ قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ والمراد بعدم تقبيل الأركان الثّلاثة إنّما هو نفي كونه سنّةً، فلو قبّلهنّ أو غيرهنّ من البيت لم يكن مكروهًا ولا خلاف الأولى، بل يكون حسنًا، كما نقله في الاستقصاء عن نصّ الشّافعيّ قال‏:‏ وأيّ البيت قبّل فحسن غير أنّا نؤمر بالاتّباع‏.‏ قال الإسنويّ‏:‏ فتفطّن له، فإنّه أمر مهمّ‏.‏ 20 - والسّبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام أنّ الرّكن الّذي فيه الحجر الأسود فيه فضيلتان‏:‏ كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم عليه السلام، واليمانيّ فيه فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام‏.‏ وأمّا الشّاميّان فليس لهما شيء من الفضيلتين‏.‏ ‏{‏قال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ ما أراه - يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الرّكنين اللّذين يليان الحجر إلاّ أنّ البيت لم يتمّ على قواعد إبراهيم، ولا طاف النّاس من وراء الحجر إلاّ لذلك‏}‏‏.‏

ركوب

التّعريف

1 - الرّكوب لغةً‏:‏ مصدر ركب‏.‏ يقال‏:‏ ركب الدّابّة يركبها أي علا عليها، وكلّ ما علي عليه فقد ركب‏.‏ وقيل‏:‏ هو خاصّ بالإبل‏.‏ ولا يخرج الرّكوب في الاصطلاح عن ذلك‏.‏

الحكم التّكليفي

أ - صلاة التّطوّع راكبًا‏:‏

2 - لا خلاف بين الفقهاء في إباحة صلاة التّطوّع على الرّاحلة، في السّفر الطّويل - وهو ما يجوز فيه قصر الصّلاة - وقال ابن عبد البرّ‏:‏ أجمعوا على أنّه جائز لكلّ من سافر سفرًا يقصر فيه الصّلاة أن يتطوّع على دابّته حيثما توجّهت، أمّا السّفر القصير وهو ما لا يباح فيه القصر فإنّه يباح فيه الصّلاة على الرّاحلة عند الجمهور واستدلّوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه‏}‏ وبالصّلاة على الرّاحلة فسّرت الآية، وقال ابن عمر‏:‏ نزلت هذه الآية في التّطوّع خاصّةً، أي حيث توجّه بك بعيرك، وعن عبد اللّه بن دينارٍ قال‏:‏ ‏{‏كان عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما يصلّي في السّفر على راحلته أينما توجّهت يومئ، وذكر عبد اللّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله‏}‏‏.‏ وأخرج البخاريّ عن ابن عمر قال‏:‏ ‏{‏كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي في السّفر على راحلته حيث توجّهت به يومئ إيماء صلاة اللّيل إلاّ الفرائض ويوتر على راحلته‏}‏ »‏.‏ ولمسلمٍ‏:‏ ‏{‏غير أنّه لا يصلّي عليها المكتوبة‏}‏، ولم يفرّق بين قصير السّفر وطويله‏;‏ ولأنّ إباحة الصّلاة على الرّاحلة تخفيف في التّطوّع كي لا يؤدّي إلى قطعها وتقليلها، وهذا يستوي فيه الطّويل والقصير‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ يشترط أن يكون سفر قصرٍ، أمّا إن لم يكن سفر قصرٍ فلا يتنفّل على الدّابّة‏.‏

شروط جواز التّنفّل على الرّاحلة

3 - يشترط لجواز التّنفّل على الرّاحلة ما يأتي‏:‏

1 - ترك الأفعال الكثيرة بلا عذرٍ كالرّكض‏.‏

2 - دوام السّفر إلى انتهاء الصّلاة‏.‏ فلو صار مقيمًا في أثناء الصّلاة عليها وجب إتمامها على الأرض مستقبلًا القبلة، وإلى هذا ذهب المالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة وأبو يوسف، ومحمّد من الحنفيّة‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز له أن يتمّ الصّلاة عليها‏.‏ وتفصيله في الصّلاة، وصلاة التّطوّع‏.‏

استقبال القبلة في صلاة التّطوّع على الرّاحلة

4 - قال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ إن أمكن استقبال القبلة على الرّاحلة وإتمام أركان الصّلاة كركوعها وسجودها لزمه ذلك، وإن لم يمكن فلا يلزمه ذلك، لما روي عن أنسٍ‏:‏ ‏{‏أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر، فأراد أن يتطوّع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثمّ صلّى حيث وجّهه ركابه‏}‏‏.‏ ويختصّ وجوب الاستقبال بتكبيرة الإحرام، فلا يجب فيما سواه‏;‏ لوقوع أوّل الصّلاة بالشّرط، ثمّ يجعل ما بعده تابعًا له‏.‏ وقال المالكيّة والحنفيّة‏:‏ لا يلزمه الاستقبال وإن أمكنه، ولو في تكبيرة الإحرام أمّا راكب السّفينة ونحوها كالعماريّة وهي نوع من السّفن يدور فيها كيف يشاء، ويتمكّن من الصّلاة إلى القبلة، فعليه استقبال القبلة في صلاته‏.‏

قبلة الرّاكب وجهته

5 - قبلة المصلّي على الرّاحلة حيث وجّهته، فإن عدل عنها لا إلى جهة القبلة فسدت صلاته، لأنّه ترك قبلته عمدًا‏.‏ فإن عدل إلى القبلة فلا تبطل صلاته، لأنّها الأصل، وإنّما جاز تركها للعذر‏.‏ وتفصيله في مصطلح ‏(‏استقبال‏)‏‏.‏

أداء صلاة الفرض راكبًا

6 - يجوز أداء صلاة الفرض راكبًا في السّفينة ونحوها كالمحفّة والعماريّة ممّا يمكن معه استقبال القبلة وإتمام أركانها، واختلفوا في الرّاحلة‏:‏ فقال الجمهور‏:‏ لا يجوز أداؤها على دابّةٍ، سواء أكانت واقفةً أم سائرةً إلاّ لعذرٍ كخوفٍ‏.‏ فإن صلّى على راحلته لعذرٍ لم تلزمه الإعادة‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ إن كانت واقفةً وتوجّه إلى القبلة وأتمّ الفرض جاز وإن لم تكن معقولةً، لاستقراره في نفسه‏.‏ أمّا إن كانت سائرةً، أو لم يتوجّه إلى القبلة، أو لم يتمّ أركانها فلا يجوز إلاّ لعذرٍ‏;‏ لأنّ سير الدّابّة منسوب إليه، ويعيد الصّلاة في حالة العذر‏.‏

اتّباع الجنازة راكبًا

7 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ينبغي لمشيّع الجنازة أن لا يتبعها راكبًا إلاّ لعذرٍ كمرضٍ أو ضعفٍ‏.‏ فقد روي ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى أناسًا ركبانًا في جنازةٍ فقال‏:‏ ألا تستحيون ‏؟‏ إنّ ملائكة اللّه يمشون على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدّوابّ‏}‏‏.‏ وإذا اتّبعها راكبًا يكون خلف الجنازة‏.‏ أمّا الرّكوب في الرّجوع فلا بأس به‏.‏ ولا بأس باتّباع الجنازة راكبًا عند الحنفيّة، ولكنّ المشي أفضل منه‏;‏ لأنّه أقرب إلى الخشوع، ويكره أن يتقدّم الرّاكب الجنازة‏;‏ لأنّ ذلك لا يخلو عن إضرارٍ بالنّاس‏.‏

صلاة المجاهد راكبًا

8 - يجوز للمجاهد أن يصلّي راكبًا إذا التحم القتال ولم يتمكّن من تركه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا‏}‏‏.‏ والتّفصيل في ‏(‏صلاة الخوف‏)‏‏.‏

الحجّ راكبًا

9 - الحجّ راكبًا على الدّوابّ، ونحوها أفضل من الحجّ ماشيًا، لأنّ ذلك فعله صلى الله عليه وسلم، ولأنّه أقرب إلى الشّكر، وإلى هذا ذهب المالكيّة والحنفيّة والشّافعيّة، ولم نجد للحنابلة تصريحًا في هذه المسألة‏.‏

الطّواف راكبًا

10 - لا خلاف بين الفقهاء في صحّة طواف الرّاكب إذا كان له عذر لحديث أمّ سلمة رضي الله عنها، قالت‏:‏ ‏{‏شكوت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّي أشتكي فقال‏:‏ طوفي من وراء النّاس وأنت راكبة‏}‏‏.‏ واختلفوا في حكم الطّواف راكبًا بلا عذرٍ فذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يجب عليه دم لحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما‏:‏ ‏{‏إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم طاف في حجّة الوداع على بعيرٍ، يستلم الرّكن بمحجنٍ‏}‏‏.‏ وقال جابر‏:‏ ‏{‏طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبين الصّفا والمروة‏}‏ »‏.‏ ولأنّ اللّه تعالى أمر بالطّواف مطلقًا فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليلٍ، وهو رواية عن أحمد‏.‏ وذهب الحنفيّة والمالكيّة وأحمد في إحدى الرّوايات عنه، إلى أنّ المشي في الطّواف من واجبات الطّواف، فإن طاف راكبًا بلا عذرٍ وهو قادر على المشي وجب عليه دم، واستدلّوا عليه‏:‏ بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏الطّواف بالبيت بمنزلة الصّلاة‏}‏‏.‏ ولأنّ الطّواف عبادة تتعلّق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذرٍ كالصّلاة، ولأنّ اللّه أمر بالطّواف بقوله‏:‏ ‏{‏وليطّوّفوا بالبيت العتيق‏}‏، والرّاكب ليس بطائفٍ حقيقةً، فأوجب ذلك نقصًا فيه فوجب جبره بالدّم، وزاد الحنفيّة‏:‏ إن كان بمكّة فعليه الإعادة، وإن عاد إلى بلاده فعليه دم‏.‏ وينظر التّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏طواف‏)‏‏.‏ أمّا السّعي راكبًا فيجزئه لعذرٍ، ولغير عذرٍ بالاتّفاق‏.‏

ضمان الرّاكب ما تجنيه الدّابّة

11 - ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد إلى أنّ الرّاكب يضمن ما تتلفه الدّابّة بيدها حال ركوبه من مالٍ أو نفسٍ‏.‏ واختلفوا في ضمان ما تجنيه برجلها، فقال الحنفيّة والحنابلة في روايةٍ عن أحمد‏:‏ إنّ الرّاكب لا يضمن ما جنته دابّته برجلها‏;‏ لأنّه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية فلا يضمنها كما لو لم تكن يده عليها، وقال الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد‏:‏ يضمن الرّاكب ما تجنيه الدّابّة في حال ركوبه مطلقًا‏.‏ سواء جنت بيدها، أم برجلها، أم برأسها، لأنّها في يده، وعليه تعهّدها وحفظها‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ لا يضمن الرّاكب ما تعطبه الدّابّة بيدها أو رجلها أو ذنبها، إلاّ أن يكون ذلك من شيءٍ فعله بها‏.‏ والتّفصيل في ‏(‏ضمان، وإتلاف‏)‏‏.‏

ما يقوله الرّاكب إذا ركب دابّته

12 - يسنّ للرّاكب إذا استوى على دابّته أن يكبّر ثلاثًا ثمّ يقرأ آية‏:‏ ‏{‏سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون‏}‏‏.‏ ويدعو بالدّعاء المأثور عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعن عليّ بن ربيعة قال‏:‏ ‏{‏شهدت عليًّا رضي الله عنه أتي بدابّةٍ ليركبها، فلمّا وضع رجله في الرّكاب قال‏:‏ بسم اللّه، فلمّا استوى على ظهرها قال‏:‏ ‏{‏سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون‏}‏‏.‏ ثمّ قال‏:‏ الحمد للّه ثلاث مرّاتٍ، ثمّ قال‏:‏ اللّه أكبر ثلاث مرّاتٍ، ثمّ قال‏:‏ سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، ثمّ ضحك، فقيل‏:‏ يا أمير المومنين من أيّ شيءٍ ضحكت ‏؟‏ قال‏:‏ رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت ثمّ ضحك، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه من أيّ شيءٍ ضحكت ‏؟‏ قال‏:‏ إنّ ربّك سبحانه يعجب من عبده إذا قال‏:‏ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب غيري‏}‏‏.‏ وإذا ركب للسّفر دعا بما جاء في صحيح مسلمٍ‏:‏ ‏{‏أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفرٍ كبّر ثلاثًا ثمّ قال‏:‏ ‏{‏سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون‏}‏، اللّهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللّهمّ هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنّا بعده، اللّهمّ أنت الصّاحب في السّفر، والخليفة في الأهل‏.‏ اللّهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل‏}‏‏.‏ وكذلك الحكم إذا ركب أيّ نوعٍ من وسائل الرّكوب‏.‏

ركوع

التّعريف

1 - الرّكوع لغةً‏:‏ الانحناء، يقال‏:‏ ركع يركع ركوعًا وركعًا، إذا طأطأ رأسه أو حنى ظهره، وقال بعضهم‏:‏ الرّكوع هو الخضوع، ويقال‏:‏ ركع الرّجل إذا افتقر بعد غنًى وانحطّت حاله، وركع الشّيخ‏:‏ انحنى ظهره من الكبر‏.‏ والرّاكع‏:‏ المنحني، وكلّ شيءٍ ينكبّ لوجهه فتمسّ ركبته الأرض أو لا تمسّها بعد أن ينخفض رأسه فهو راكع، وجمع الرّاكع ركّع وركوع‏.‏ وركوع الصّلاة في الاصطلاح‏:‏ هو طأطأة الرّأس أي خفضه، لكن مع انحناءٍ في الظّهر على هيئةٍ مخصوصةٍ في الصّلاة‏.‏ وهي أن ينحني المصلّي بحيث تنال راحتاه ركبتيه مع اعتدال خلقته وسلامة يديه وركبتيه، وذلك بعد القومة الّتي فيها القراءة‏.‏ أمّا في غير الصّلاة فهو لا يخرج عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الخضوع‏.‏

2 - الخضوع لغةً‏:‏ الذّلّ والاستكانة والانقياد والمطاوعة، ويقال‏:‏ رجل أخضع، وامرأة خضعاء وهما‏:‏ الرّاضيان بالذّلّ‏.‏ وخضع الإنسان‏:‏ أمال رأسه إلى الأرض أو دنا منها، وهو تطامن العنق ودنوّ الرّأس من الأرض، والخضوع‏:‏ التّواضع والتّطامن، وهو قريب من الخشوع يستعمل في الصّوت، والخضوع يستعمل للأعناق‏.‏ والخضوع أعمّ من الرّكوع، إذ الرّكوع هيئة خاصّة‏.‏

ب - السّجود‏:‏

3 - السّجود لغةً‏:‏ مصدر سجد، وأصل السّجود التّطامن والخضوع والتّذلّل، يقال‏:‏ سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه، وسجد الرّجل إذا وضع جبهته على الأرض‏.‏ والسّجود في الاصطلاح‏:‏ وضع الجبهة أو بعضها على الأرض، أو ما اتّصل بها من ثابتٍ مستقرٍّ على هيئةٍ مخصوصةٍ في الصّلاة‏.‏ ففي كلٍّ من الرّكوع والسّجود نزول من قيامٍ، لكنّ النّزول في السّجود أكثر منه في الرّكوع‏.‏

أوّلًا‏:‏ الرّكوع في الصّلاة‏:‏ ‏(‏الحكم التّكليفيّ‏)‏

4 - أجمعت الأمّة على أنّ الرّكوع ركن من أركان الصّلاة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا‏}‏ الآية، وللأحاديث الثّابتة، منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته‏:‏ عن أبي هريرة ‏{‏أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلّى، فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فردّ، وقال‏:‏ ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ، فرجع يصلّي كما صلّى، ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ارجع فصلّ فإنّك لم تصلّ - ثلاثًا - فقال‏:‏ والّذي بعثك بالحقّ ما أحسن غيره، فعلّمني، فقال‏:‏ إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعًا ثمّ ارفع حتّى تعدل قائمًا، ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدًا، ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلّها‏}‏ »‏.‏

الطّمأنينة في الرّكوع

5 - ذهب جمهور الفقهاء ‏(‏المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة‏)‏ إلى أنّ الطّمأنينة في الرّكوع بقدر تسبيحة فرضٍ، لا تصحّ الصّلاة بدونها‏.‏ ومن أدلّة الجمهور على وجوب الطّمأنينة‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم في قصّة المسيء صلاته‏:‏ ‏{‏ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعًا‏}‏‏.‏ الحديث‏.‏ ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏أسوأ النّاس سرقةً الّذي يسرق من صلاته، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، وكيف يسرق من صلاته ‏؟‏ قال‏:‏ لا يتمّ ركوعها ولا سجودها‏}‏‏.‏ وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏أنّه كان إذا ركع استوى، فلو صبّ على ظهره الماء لاستقرّ، وذلك لاستواء ظهره ولاطمئنانه فيه‏}‏‏.‏ وحديث أبي مسعودٍ البدريّ رضي الله عنه قال‏:‏ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا تجزئ صلاة الرّجل حتّى يقيم ظهره في الرّكوع والسّجود‏}‏‏.‏ وفي روايةٍ ‏{‏لا تجزئ صلاة لا يقيم الرّجل فيها صلبه في الرّكوع والسّجود‏}‏‏.‏ قال التّرمذيّ‏:‏ والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم‏.‏ وقد رأى أبو حذيفة رضي الله عنه رجلًا لا يتمّ الرّكوع والسّجود فقال‏:‏ ما صلّيت، ولو متّ متّ على غير الفطرة الّتي فطر اللّه عليها محمّدًا صلى الله عليه وسلم فإذا رفع رأسه من الرّكوع ثمّ شكّ هل أتى بقدر الإجزاء أو لا، لا يعتدّ به ويلزمه إعادة الرّكوع، لأنّ الأصل عدم ما شكّ فيه‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ الطّمأنينة في الرّكوع ليست فرضًا، وأنّ الصّلاة تصحّ بدونها‏;‏ لأنّ المفروض من الرّكوع أصل الانحناء والميل، فإذا أتى بأصل الانحناء فقد امتثل، لإتيانه بما ينطلق عليه الاسم الوارد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم‏}‏‏.‏ الآية‏.‏ أمّا الطّمأنينة فدوام على أصل الفعل، والأمر بالفعل لا يقتضي الدّوام‏.‏ وهي عندهم من واجبات الصّلاة، ولهذا يكره تركها عمدًا، ويلزمه سجود السّهو إذا تركها ساهيًا، وذكر أبو عبد اللّه الجرجانيّ أنّها سنّة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ولا يلزم بتركها سجود السّهو، وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن لم يقم صلبه في الرّكوع، إن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام الرّكوع لم يجزه، وإن كان إلى تمام الرّكوع أقرب منه إلى القيام أجزأه، إقامةً للأكثر مقام الكلّ‏.‏

هيئة الرّكوع

6 - الهيئة المجزئة في الرّكوع أن ينحني انحناءً خالصًا قدر بلوغ راحتيه ركبتيه بطمأنينةٍ، بحيث ينفصل رفعه من الرّكوع عن هويّه، على أن يقصد من هويّه الرّكوع، وهذا في معتدل الخلقة من النّاس لا طويل اليدين ولا قصيرهما، فلو طالت يداه أو قصرتا أو قطع شيء منهما أو من أحدهما لم يعتبر ذلك، ولم يزد على تسوية ظهره، فإن لم تقرب راحتاه من ركبتيه بالحيثيّة المذكورة لم يكن ذلك ركوعًا، ولم تخرجه عن حدّ القيام إلى الرّكوع، وكذا إن قصد من هبوطه غير الرّكوع‏.‏ والعاجز ينحني قدر إمكانه، فإن عجز عن الانحناء أصلًا أومأ برأسه ثمّ بطرفه، ولو عجز عن القيام وصلّى قاعدًا ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهته ما قدّام ركبتيه من الأرض، والأكمل أن تحاذي جبهته موضع سجوده‏.‏ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أكمل هيئات الرّكوع أن ينحني المصلّي بحيث يستوي ظهره وعنقه، ويمدّهما كالصّحيفة، ولا يخفض ظهره عن عنقه ولا يرفعه، وينصب ساقيه إلى الحقو، ولا يثني ركبتيه، ويضع يديه على ركبتيه، ويأخذ ركبتيه بيديه، ويفرّق أصابعه حينئذٍ، فإن كانت إحدى يديه مقطوعةً أو عليلةً، فعل بالأخرى ما ذكرنا، وفعل بالعليلة الممكن، فإن لم يمكنه وضع اليدين على الرّكبتين أرسلهما، ويجافي الرّجل مرفقيه عن جنبيه، أمّا المرأة فتضمّ بعضها إلى بعضٍ، ولو لم يضع يديه على ركبتيه ولكن بلغ ذلك القدر أجزأه، إلاّ أنّه يكره التّطبيق في الرّكوع، وهو أن يجعل المصلّي إحدى كفّيه على الأخرى ثمّ يجعلهما بين ركبتيه أو فخذيه إذا ركع‏.‏ والتّطبيق كان مشروعًا في أوّل الإسلام ثمّ نسخ، قال ‏{‏مصعب بن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه‏:‏ صلّيت إلى جنب أبي فطبّقت بين كفّيّ، ثمّ وضعتهما بين فخذيّ، فنهاني أبي وقال‏:‏ كنّا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الرّكب‏}‏‏.‏ وعن أبي حميدٍ السّاعديّ رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ فاعرض، فقال‏:‏ كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه، ثمّ قال‏:‏ اللّه أكبر، وركع، ثمّ اعتدل، فلم يصوّب رأسه ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه‏.‏ الحديث‏.‏ قالوا - أي الصّحابة رضي الله عنهم -‏:‏ صدقت، هكذا صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏}‏‏.‏ وذكر أبو حميدٍ‏:‏ ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنّه قابض عليهما‏}‏‏.‏ وذهب قوم من السّلف منهم عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه إلى أنّ التّطبيق في الرّكوع سنّة لما رواه من أنّه رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله‏.‏

رفع اليدين عند تكبير الرّكوع

7 - ذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والحنابلة وهو رواية عن مالكٍ إلى أنّ رفع اليدين عند تكبيرة الرّكوع وعند الرّفع منه سنّة ثابتة، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه كفعله عند تكبيرة الإحرام، أي يبدأ رفع يديه عند ابتداء تكبيرة الرّكوع وينتهي عند انتهائها، لتضافر الأحاديث الصّحيحة في ذلك، منها ما روى محمّد بن عمرو بن عطاءٍ أنّه سمع أبا حميدٍ في عشرةٍ من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكر صفة صلاته، وفيه أنّه رفع يديه عند الرّكوع‏}‏‏.‏ وقال البخاريّ‏:‏ قال الحسن وحميد بن هلالٍ‏:‏ كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم - يعني عند الرّكوع -‏.‏ وإلى هذا ذهب الأوزاعيّ وعلماء الحجاز والشّام والبصرة‏.‏ وقال الحنفيّة والثّوريّ وابن أبي ليلى وإبراهيم النّخعيّ وهو المشهور عن مالكٍ‏:‏ إنّ المصلّي لا يرفع يديه إلاّ لتكبيرة الإحرام‏.‏ لأدلّةٍ منها‏:‏ قول عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه‏:‏ لأصلّينّ بكم صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم يرفع يديه إلاّ في أوّل مرّةٍ‏.‏ وقول البراء بن عازبٍ رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصّلاة رفع يديه إلى قريبٍ من أذنيه ثمّ لا يعود‏}‏‏.‏ وقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏صلّيت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلاّ عند افتتاح الصّلاة‏}‏‏.‏

التّكبير عند ابتداء الرّكوع

8 - ذهب أكثر أهل العلم وجمهور الفقهاء إلى أنّ من السّنّة أن يبتدئ الرّكوع بالتّكبير للأحاديث النّبويّة الواردة في ذلك منها‏:‏ ‏(‏1‏)‏ ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم، ثمّ يكبّر حين يركع، ثمّ يقول‏:‏ سمع اللّه لمن حمده حين يرفع صلبه من الرّكعة‏}‏‏.‏ الحديث‏.‏ ‏(‏2‏)‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏أنّه كان يصلّي بهم فكبّر كلّما خفض ورفع، فإذا انصرف قال‏:‏ إنّي لأشبهكم صلاةً برسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏}‏‏.‏ ‏(‏3‏)‏ وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكبّر في كلّ خفضٍ، ورفعٍ، وقيامٍ، وقعودٍ، وأبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما‏}‏‏.‏ ‏(‏4‏)‏ ولأنّه شروع في ركنٍ من أركان الصّلاة فشرع فيه التّكبير كحالة ابتداء الصّلاة‏.‏ وذهب الحنابلة إلى أنّ تكبيرة الرّكوع كغيرها من تكبيرات الانتقال من واجبات الصّلاة الّتي تبطل الصّلاة بتركها عمدًا، وتسقط إذا تركت سهوًا أو جهلًا، ولكنّها تجبر بسجود السّهو، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏صلّوا كما رأيتموني أصلّي‏}‏ وثبت ‏{‏أنّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ كان يبتدئ الرّكوع بالتّكبير‏}‏‏.‏ وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه‏.‏ ويسنّ للإمام عند الجمهور والحنابلة معًا أن يجهر بهذه التّكبيرة، ليعلم المأموم انتقاله، فإن لم يستطع لمرضٍ أو غيره بلّغ عنه المؤذّن أو غيره‏.‏

التّسبيح في الرّكوع

9 - اتّفق الفقهاء على مشروعيّة التّسبيح في الرّكوع لحديث عقبة بن عامرٍ قال‏:‏ ‏{‏لمّا نزلت ‏{‏فسبّح باسم ربّك العظيم‏}‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعلوها في ركوعكم‏}‏‏.‏ واختلفوا فيما وراء ذلك من الأحكام‏.‏ ومذهب الحنفيّة أنّ التّسبيح في الرّكوع سنّة، وأقلّه ثلاث، فإن ترك التّسبيح أو نقص عن الثّلاث كره تنزيهًا‏.‏ والزّيادة على الثّلاث للمفرد أفضل بعد أن يختم على وترٍ، ولا يزيد الإمام على وجهٍ يملّ به القوم‏.‏ وقيل‏:‏ إنّ تسبيحات الرّكوع والسّجود واجبات‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ التّسبيح في الرّكوع مندوب بأيّ لفظٍ كان، والأولى سبحان ربّي العظيم وبحمده، وقيل‏:‏ إنّه سنّة، والتّسبيح لا يتحدّد بعددٍ بحيث إذا نقص عنه يفوته الثّواب، بل إذا سبّح مرّةً يحصل له الثّواب، وإن كان يزاد الثّواب بزيادته‏.‏ وينهى عن الطّول المفرط في الفريضة، بخلاف النّفل‏;‏ لأنّ المطلوب في حقّ الإمام التّخفيف‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ يسنّ التّسبيح في الرّكوع، ويحصل أصل السّنّة بتسبيحةٍ واحدةٍ، وأقلّه سبحان اللّه، أو سبحان ربّي، وأدنى الكمال سبحان ربّي العظيم وبحمده ثلاثًا، وللكمال درجات‏.‏ فبعد الثّلاث خمس، ثمّ سبع، ثمّ تسع، ثمّ إحدى عشرة، وهو الأكمل، ولا يزيد الإمام على الثّلاث، أي يكره له ذلك‏;‏ تخفيفًا على المأمومين‏.‏ ويزيد المنفرد وإمام قومٍ محصورين راضين بالتّطويل‏:‏ ‏{‏اللّهمّ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخّي وعظمي، وما استقلت به قدمي‏}‏‏.‏ وذهب الحنابلة إلى أنّه يشرع للمصلّي أن يقول في ركوعه‏:‏ سبحان ربّي العظيم، وهو أدنى الكمال، والواجب مرّة، والسّنّة ثلاث، وهو أدنى الكمال، والأفضل الاقتصار على سبحان ربّي العظيم، من غير زيادةٍ ‏(‏وبحمده‏)‏‏.‏ ولا يستحبّ للإمام التّطويل، ولا الزّيادة على ثلاثٍ كي لا يشقّ على المأمومين‏.‏ وهذا إذا لم يرضوا بالتّطويل‏.‏

قراءة القرآن في الرّكوع

10 - اتّفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في الرّكوع لحديث عليٍّ رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد‏}‏‏.‏ وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏ألا وإنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء، فقمن أن يستجاب لكم‏}‏ ولأنّ الرّكوع والسّجود حال ذلٍّ وانخفاضٍ، والقرآن أشرف الكلام‏.‏

الدّعاء في الرّكوع

11 - ذهب المالكيّة إلى كراهة الدّعاء في الرّكوع، وذهب الشّافعيّة إلى استحباب الدّعاء في الرّكوع، لأنّ ‏{‏النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده‏:‏ سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك اللّهمّ اغفر لي‏}‏‏.‏ ولما روى عليّ رضي الله عنه ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال‏:‏ اللّهمّ لك ركعت، ولك خشعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخّي وعظمي وعصبي‏}‏‏.‏

إدراك الرّكعة بإدراك الرّكوع مع الإمام

12 - اتّفق الفقهاء على أنّ من أدرك الإمام في الرّكوع فقد أدرك الرّكعة، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏من أدرك الرّكوع فقد أدرك الرّكعة‏}‏ ولأنّه لم يفته من الأركان إلاّ القيام، وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام، ثمّ يدرك مع الإمام بقيّة الرّكعة، وهذا إذا أدرك في طمأنينةٍ الرّكوع أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الرّكوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء‏.‏ وعليه أن يأتي بالتّكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الرّكوع أو ببعضها لا تنعقد‏;‏ لأنّه أتى بها في غير محلّها قال بعضهم‏:‏ إلاّ النّافلة - ثمّ يأتي بتكبيرةٍ أخرى للرّكوع في انحطاطٍ إليه، فالأولى ركن لا تسقط بحالٍ، والثّانية ليست بركنٍ، وقد تسقط في مثل هذه الحالة‏.‏

إطالة الرّكوع ليدرك الدّاخل الرّكعة

13 - لو أحسّ الإمام وهو في الرّكوع بداخلٍ يريد الصّلاة معه هل يجوز له الانتظار بتطويل الرّكوع ليلحقه أم لا ‏؟‏ ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا ينتظره‏;‏ لأنّ انتظاره فيه تشريك في العبادة بين اللّه عزّ وجلّ وبين الخلق، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يشرك بعبادة ربّه أحدًا‏}‏‏.‏ ولأنّ الإمام مأمور بالتّخفيف رفقًا بالمصلّين‏.‏ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إذا صلّى أحدكم للنّاس فليخفّف فإنّ فيهم الضّعيف والسّقيم والكبير، وإذا صلّى أحدكم لنفسه فليطوّل ما شاء‏}‏‏.‏ وإلى هذا ذهب الأوزاعيّ واستحسنه ابن المنذر، وهذا إذا كان يعرف الدّاخل، أمّا إذا لم يعرفه فلا بأس بالانتظار، قال ابن عابدين‏:‏ لو أراد التّقرّب إلى اللّه من غير أن يتخالج في قلبه شيء سوى اللّه لم يكره اتّفاقًا لكنّه نادر، وتسمّى مسألة الرّياء، فينبغي التّحرّز عنها‏.‏ وذهب الحنابلة وهو أحد الأقوال عند الشّافعيّة‏:‏ إلى أنّه يكره الانتظار إذا كان يشقّ على المأمومين، لأنّ الّذين معه أعظم حرمةً من الدّاخل، وإن لم يشقّ عليهم لكونه يسيرًا ينتظره، لأنّه ينفع الدّاخل ولا يشقّ على المأمومين‏.‏ وإلى هذا ذهب أبو مجلزٍ والشّعبيّ والنّخعيّ، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثورٍ‏.‏ وذهب الشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى استحباب الانتظار بشروطٍ هي‏:‏

أ - أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار‏.‏

ب - أن لا يفحش طول الانتظار‏.‏

ج - أن يقصد به التّقرّب إلى اللّه لا التّودّد إلى الدّاخل أو استمالة قلبه‏.‏

د - أن لا يميّز بين داخلٍ وداخلٍ، لشرف المنتظر، أو صداقته، أو سيادته، أو نحو ذلك، لأنّ الانتظار بدون تمييزٍ إعانة للدّاخل على إدراك الرّكعة‏.‏ أمّا إذا أحسّ بقادمٍ للصّلاة خارجٍ عن محلّها، أو بالغ في الانتظار كأن يطوّله تطويلًا لو وزّع على جميع الصّلاة لظهر أثره، أو لم يكن انتظاره للّه تعالى، أو فرّق بين الدّاخلين للأسباب المذكورة، فلا يستحبّ الانتظار قطعًا بل يكره، فإن انتظر لم تبطل صلاته في الرّاجح عندهم، وحكي عن بعضهم بطلان الصّلاة، وهو قول ضعيف غريب‏.‏

ثانيًا‏:‏ الرّكوع لغير اللّه

14 - قال العلماء‏:‏ ما جرت به العادة من خفض الرّأس والانحناء إلى حدٍّ لا يصل به إلى أقلّ الرّكوع - عند اللّقاء - لا كفر به ولا حرمة كذلك، لكن ينبغي كراهته لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لمن قال له‏:‏ ‏{‏يا رسول اللّه، الرّجل منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفيلتزمه ويقبّله ‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفيأخذ بيده ويصافحه ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏}‏‏.‏ الحديث‏.‏ أمّا إذا انحنى ووصل انحناؤه إلى حدّ الرّكوع فقد ذهب بعض العلماء إلى أنّه إن لم يقصد تعظيم ذلك الغير كتعظيم اللّه لم يكن كفرًا ولا حرامًا، ولكن يكره أشدّ الكراهة لأنّ صورته تقع في العادة للمخلوق كثيرًا‏.‏ وذهب بعضهم إلى حرمة ذلك ولو لم يكن لتعظيم ذلك المخلوق، لأنّ صورة هيئة الرّكوع لم تعهد إلاّ لعبادة اللّه سبحانه‏.‏ قال ابن علّان الصّدّيقيّ‏:‏ من البدع المحرّمة الانحناء عند اللّقاء بهيئة الرّكوع، أمّا إذا وصل انحناؤه للمخلوق إلى حدّ الرّكوع قاصدًا به تعظيم ذلك المخلوق كما يعظّم اللّه سبحانه وتعالى، فلا شكّ أنّ صاحبه يرتدّ عن الإسلام ويكون كافرًا بذلك، كما لو سجد لذلك المخلوق‏.‏

ركون‏.‏

التّعريف

1 - الرّكون في اللّغة‏:‏ من ركن إلى الشّيء يركن، ويركن‏:‏ مال وسكن واطمأنّ إليه‏.‏ وفي الاصطلاح الفقهيّ‏:‏ الميل إلى الخاطب، وظهور الرّضا به من المرأة أو من ذويها‏.‏ والرّكون يشمل الموافقة الصّريحة وظهور الرّضا بوجهٍ يفهم منه إذعان كلّ واحدٍ لشرط صاحبه وإرادة العقد‏.‏

الحكم التّكليفيّ

2 - يباح للوليّ وللمرأة الرّجوع عن الرّكون في الخطبة لغرضٍ صحيحٍ‏;‏ لأنّه مقدّمة للزّواج الّذي هو عقد عمريّ يدوم ضرره، فكان لها الاحتياط لنفسها، والنّظر في حظّها، والوليّ قائم مقامها في ذلك‏.‏ أمّا الرّجوع عن الرّكون بلا غرضٍ صحيحٍ فهو مكروه لما فيه من إخلاف الوعد، والرّجوع عن القول، ولم يحرم لأنّ الحقّ لم يلزم بعد، كمن ساوم لسلعةٍ ثمّ بدا له أن لا يبيعها‏.‏ وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏خطبة ج 19 ص 195‏)‏

رماد

التّعريف

1 - الرّماد في اللّغة‏:‏ دقاق الفحم من حراقة النّار، والجمع‏:‏ أرمدة وأرمداء، وأصل المادّة ينبئ عن الهلاك والمحق، يقال‏:‏ رمد رمدًا ورمادةً ورمودةً‏:‏ هلك، ولم تبق فيه بقيّة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏مثل الّذين كفروا بربّهم أعمالهم كرمادٍ اشتدّت به الرّيح في يومٍ عاصفٍ‏}‏‏.‏ ضرب اللّه مثلًا لأعمال الكفّار في أنّه يمحقها كما تمحق الرّيح الشّديدة الرّماد في يومٍ عاصفٍ‏.‏ ويقال‏:‏ فلان ‏"‏ عظيم الرّماد ‏"‏، كنايةً عن الكرم، كما ورد في الحديث‏.‏ والرّماد في الاصطلاح يستعمل في المعنى اللّغويّ نفسه، وهو ما بقي بعد احتراق الشّيء‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

‏(‏التّراب والصّعيد‏)‏‏:‏

2 - التّراب ما نعم من أديم الأرض، وهو اسم جنسٍ، والطّائفة منه تربة، وهي ظاهر الأرض، وجمع التّراب أتربة وتربان‏.‏ والصّعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الأزهريّ‏:‏ ومذهب أكثر العلماء أنّ الصّعيد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتيمّموا صعيدًا طيّبًا‏}‏ هو التّراب الطّاهر الّذي على وجه الأرض‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالرّماد

طهارة الرّماد

3 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الرّماد الحاصل من احتراق الشّيء الطّاهر طاهر ما لم تعتره النّجاسة‏;‏ لأنّ حرق الشّيء لا ينجّسه، بل هو سبب التّطهير عند بعض الفقهاء، وقد ثبت في الحديث أنّه ‏{‏لمّا جرح وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ، أخذت فاطمة رضي الله عنها حصيرًا فأحرقته حتّى صار رمادًا، ثمّ ألزقته فاستمسك الدّم‏}‏‏.‏ مع ‏{‏منعه صلى الله عليه وسلم عن التّداوي بالنّجس والحرام‏}‏‏.‏ أمّا الرّماد الحاصل من أصلٍ نجسٍ بعد احتراقه فاختلفوا فيه‏:‏ فذهب أبو حنيفة ومحمّد وهو المفتى به عند الحنفيّة والمختار المعتمد عند اللّخميّ والتّونسيّ وابن رشدٍ من المالكيّة وخلاف الظّاهر عند الحنابلة إلى أنّ الرّماد الحاصل من احتراق شيءٍ نجسٍ أو متنجّسٍ طاهر، والحرق كالغسل في التّطهير‏.‏ قال في الدّرّ‏:‏ ‏(‏وإلاّ لزم نجاسة الخبز في سائر الأمصار‏)‏ أي لأنّه كان يخبز بالرّوث النّجس، ويعلق به شيء من الرّماد، ومثله ما ذكره الحطّاب‏.‏ ولأنّ النّار تأكل ما فيه من النّجاسة، أو تحيله إلى شيءٍ آخر، فيطهر بالاستحالة والانقلاب، كالخمر إذا تخلّلت‏.‏ وعلى ذلك فالمخبوز بالرّوث النّجس طاهر ولو تعلّق به شيء من رماده، وتصحّ الصّلاة به قبل غسل الفم من أكله، ويجوز حمله في الصّلاة، كما ذكره الدّسوقيّ‏.‏ وذهب الشّافعيّة، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة ومقابل المعتمد عند المالكيّة وقول أبي يوسف من الحنفيّة إلى أنّ الرّماد الحاصل من احتراق النّجس نجس‏;‏ لأنّ أجزاء النّجاسة قائمة، والإحراق لا يجعل ما يتخلّف منه شيئًا آخر، فلا تثبت الطّهارة مع بقاء العين النّجسة‏.‏ قال البهوتيّ‏:‏ لا تطهر نجاسة باستحالةٍ، ولا بنارٍ، فالرّماد من الرّوث النّجس نجس‏.‏

التّيمّم بالرّماد

4 - الأصل في مشروعيّة التّيمّم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتيمّموا صعيدًا طيّبًا‏}‏ قال الحنفيّة ‏(‏عدا أبي يوسف‏)‏ والمالكيّة‏:‏ الصّعيد ما صعد أي ظهر من أجزاء الأرض، فهو ظاهر الأرض، فيجوز التّيمّم بكلّ ما هو من جنس الأرض، كما يؤيّده حديث‏:‏ ‏{‏جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا‏}‏‏.‏ وكلّ ما يحترق بالنّار فيصير رمادًا، كالشّجر والحشيش فليس من جنس الأرض‏.‏ وقال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ الصّعيد هو التّراب، كما نقل عن ابن عبّاسٍ قال‏:‏ ‏(‏الصّعيد‏:‏ تراب الحرث، والطّيّب‏:‏ الطّاهر‏)‏ والمراد بالحرث أرض الزّراعة، وعلى ذلك فلا يجوز التّيمّم بالرّماد ولو كان طاهرًا عند جميع الفقهاء‏;‏ لأنّه ليس بترابٍ ولا من جنس الأرض‏.‏ وذهب جمهور الفقهاء ‏(‏المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏ إلى أنّه إن دقّ الخزف أو الطّين المحرق لم يجز التّيمّم به كذلك، كما لا يجوز التّيمّم بأجزاء الأرض المحروقة لأنّ الطّبخ أخرجها عن أن يقع عليها اسم التّراب‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ إذا أحرق تراب الأرض من غير مخالطٍ حتّى صار أسود جاز التّيمّم به، لأنّ المتغيّر لون التّراب لا ذاته، كما صرّحوا بأنّ الرّماد إذا كان من الحطب لا يجوز به التّيمّم، وإن كان من الحجر يجوز‏.‏

ماليّة الرّماد وتقوّمه

5 - المال ما يميل إليه الطّبع، ويجري فيه البذل والمنع، والمتقوّم ما يباح الانتفاع به شرعًا‏.‏ وكلّ طاهرٍ ذي نفعٍ غير محرّمٍ شرعًا مال عند الفقهاء، وهو متقوّم بتعبير الحنفيّة‏.‏ وعلى ذلك فالرّماد الطّاهر مال متقوّم يصحّ بيعه وشراؤه عند الفقهاء، لأنّه ممّا يباح الانتفاع به شرعًا، وقد ثبت الانتفاع به في التّداوي في حديث فاطمة رضي الله عنها المتقدّم ف‏.‏ فالعرف جارٍ على استعماله خالصًا ومخلوطًا بإلقائه في الأرض لاستكثار الرّيع في الزّراعة، ونحوها‏.‏ ولم يرد النّصّ بالنّهي عن استعماله، فكان متموّلًا منتفعًا به عند النّاس يجوز بيعه وشراؤه‏.‏ كذلك الرّماد الحاصل من حرق النّجس أو المتنجّس عند من يقول بطهارته وهم الحنفيّة وبعض المالكيّة، وهو رواية عند الحنابلة، فإنّ الرّماد الحاصل من احتراق النّجس طاهر يجوز الانتفاع به عندهم‏.‏ أمّا من يقول ببقائه نجسًا، وهم الشّافعيّة ومن معهم فيختلف حكمه باختلاف أصل الرّماد‏.‏ فإن كان أصل الرّماد قبل احتراقه نجسًا بحيث لا يعتبر مالًا متقوّمًا في الشّرع، كالخمر والخنزير، والميتة والدّم المسفوح، ورجيع الآدميّ ونحوها، وكالكلب والحشرات عند أكثر الفقهاء، وسباع البهائم الّتي لا نفع فيها عند البعض مع تفصيلٍ فيها، فما يتخلّف من حرق هذه الأشياء من الرّماد باقٍ على حاله من النّجاسة، فلا يعتبر مالًا متقوّمًا عندهم لأنّ المتخلّف من النّجاسة جزء منها، والحرق لا يجعله شيئًا آخر‏.‏ قال الدّردير‏:‏ النّجاسة إذا تغيّرت أعراضها لا تتغيّر عن الحكم الّذي كانت عليه عملًا بالاستصحاب‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ بيع منهيّ عنه ف 7 - 12‏)‏‏.‏