فصل: دعاء العروس لنفسه ولعروسه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


عِرافة

التّعريف

1 - العِرافة بالكسر تأتي بمعنيين‏:‏

الأوّل‏:‏ بمعنى عمل العرّاف، وهو مثقّل بمعنى المنجّم والكاهن، وقيل‏:‏ العرّاف‏:‏ يخبر عن الماضي، والكاهن‏:‏ يخبر عن الماضي والمستقبل‏.‏

المعنى الثّاني‏:‏ العرافة‏:‏ مصدر عرفت على القوم أعرف فأنا عارف، أي‏:‏ مدبّر أمرهم وقائم بسياستهم، وعرُفت عليهم بالضّمّ لغةً، فأنا عريف‏.‏

وفي الاصطلاح بالمعنى الأوّل نقل ابن حجر عن البغويّ‏:‏ أنّ العرّاف‏:‏ هو الّذي يدّعي معرفة الأمور بمقدّمات أسباب يستدلّ بها على مواقعها، كالمسروق من الّذي سرقه، ومعرفة مكان الضّالّة ونحو ذلك‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّنجيم‏:‏

2 - من معاني التّنجيم في اللّغة‏:‏ النّظر إلى النّجوم، وفي الاصطلاح‏:‏ هو علم يعرف به الاستدلال بالتّشكّلات الفلكيّة على الحوادث السّلفيّة‏.‏

ب - الكهانة‏:‏

3 - الكهانة‏:‏ هي تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل، وادّعاء معرفة الأسرار‏.‏ والفرق بين الكاهن والعرّاف‏:‏ أنّ الكاهن من يخبر بواسطة النّجم عن المغيبات في المستقبل، بخلاف العرّاف فإنّه الّذي يخبر عن المغيبات الواقعة أي‏:‏ في الماضي‏.‏

وقيل‏:‏ الكاهن أعمّ من العرّاف، لأنّ العرّاف يخبر عن الماضي، والكاهن يخبر عن الماضي والمستقبل‏.‏

ج - السّحر‏:‏

4 - السّحر في اللّغة‏:‏ كلّ ما لطف مأخذه ودقّ، ويأتي بمعنى الخدعة، يقال‏:‏ سحره أي‏:‏ خدعه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ‏}‏ أي‏:‏ المخدوعين‏.‏

أمّا في الاصطلاح فله تعريفات مختلفة، منها ما أورده القليوبيّ بقوله‏:‏ السّحر شرعاً‏:‏ مزاولة النّفوس الخبيثة لأقوال أو أفعال ينشأ عنها أمور خارقة للعادة‏.‏

وعرّفه ابن عابدين بأنّه‏:‏ علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانيّة يقتدر بها على أفعال غريبة لأسباب خفيّة‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - العرافة حرام بنصّ الحديث النّبويّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد «‏.‏

قال ابن حجر‏:‏ الأصل فيه استراق الجنّ السّمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن، والكاهن اسم يطلق على العرّاف‏.‏

وقال النّوويّ أيضاً‏:‏ العرّاف من جملة الكهّان والعرب تسمّي كلّ من يتعاطى علماً دقيقاً كاهناً‏.‏

وفي حديث مسلم عن صفيّة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » من أتى عرّافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلةً «‏.‏

قال النّوويّ‏:‏ عدم قبول صلاته معناه‏:‏ أنّه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه‏.‏

6- واختلاف الوعيدين‏:‏ الكفر وعدم قبول الصّلاة، باختلاف حالي من أتى الكاهن أو العرّاف، فمن أتى كاهناً أو عرّافاً وصدّقهما في قولهما يكفر، لإشراكه الغير مع اللّه في علم الغيب الّذي استأثر به اللّه، ومن أتاهما لمجرّد السّؤال ولم يصدّقهما لم يكفر، بل يحرم من ثواب صلاته أربعين يوماً زجراً‏.‏

وهذا ما يدلّ عليه حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ‏:‏ » من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد برئ ممّا أنزل على محمّد، ومن أتاه غير مصدّق له لم تقبل صلاته أربعين ليلةً «‏.‏

وتفصيل الموضوع في مصطلحي‏:‏ ‏(‏سحر وكهانة‏)‏‏.‏

أمّا العرافة بالمعنى الثّاني فلم نجد لها أحكاماً فقهيّةً تحت هذا اللّفظ وتؤخذ أحكامها من مصطلح‏:‏ ‏(‏إمارة‏)‏‏.‏

عُراة

انظر‏:‏ عورة‏.‏

عَرايا

انظر‏:‏ بيع العرايا‏.‏

عُرْبون

انظر‏:‏ بيع العربون‏.‏

عربيّة

التّعريف

1 - في اللّغة‏:‏ عَرِب لسانه عروبةً‏:‏ إذا كان عربيّاً فصيحاً، ورجل عربيّ‏:‏ ثابت النّسب في العرب وإن كان غير فصيح، ورجل أعرابيّ‏:‏ إذا كان بدويّاً صاحب نجعة وارتياد للكلأ وتتبّع مساقط الغيث، وأعرب‏:‏ إذا كان فصيحاً وإن لم يكن من العرب، وعرّب منطقه أي‏:‏ هذّبه من اللّحن، وعرّبه‏:‏ علّمه العربيّة‏.‏

واللّغة العربيّة‏:‏ ما نطق به العرب، قال قتادة‏:‏ كانت قريش تختار أفضل لغات العرب حتّى صار أفضل لغاتها لغتها فنزل القرآن بها‏.‏

قال الأزهريّ‏:‏ وجعل اللّه عزّ وجلّ القرآن المنزّل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عربيّاً، لأنّه نسبه إلى العرب الّذين أنزل بلسانهم‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - عجميّة‏:‏

2 - في اللّغة‏:‏ العُجْم والعَجَم خلاف العُرْب والعَرب، يقال‏:‏ عَجَميّ وجمعه عُجْم‏.‏

والعَجَم‏:‏ جمع الأعجم الّذي لا يفصح، والعَجَمِيّ‏:‏ الّذي من جنس العَجَم أفصح أو لم يفصح‏.‏

ورجل أعجميّ وأعجم‏:‏ إذا كان في لسانه عجمة وإن أفصح بالعجميّة‏.‏

ويقال‏:‏ لسان أعجميّ إذا كان في لسانه عجمة، وعلى ذلك فالعجمة والعجميّة خلاف العربيّة‏.‏

ب - لغة‏:‏

3 - اللّغة‏:‏ اللّسن وهي أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم، والجمع لغات ولغون، وفي التّهذيب‏:‏ لَغَا فلان عن الصّواب وعن الطّريق‏:‏ إذا مال عنه، قال ابن الأعرابيّ‏:‏ واللّغة أخذت من هذا، لأنّ هؤلاء تكلّموا بكلام مالوا فيه عن لغة هؤلاء الآخرين‏.‏

وعلى ذلك فاللّغة أعمّ من العربيّة، لأنّها تشمل العربيّة وغيرها‏.‏

فضل اللّغة العربيّة

4 - للّغة العربيّة فضل على سائر الألسن، لأنّها لسان أهل الجنّة، ويثاب الإنسان على تعلّمها وعلى تعليمها غيره، وفي الحديث الشّريف‏:‏ » أحبّوا العرب لثلاث‏:‏ لأنّي عربيّ، والقرآن عربيّ، ولسان أهل الجنّة في الجنّة عربيّ « وفي رواية‏:‏ » وكلام أهل الجنّة عربيّ «‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - قال الشّافعيّ‏:‏ يجب على كلّ مسلم أن يتعلّم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه، قال في القواطع‏:‏ معرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلّفين إلاّ أنّه في حقّ المجتهد على العموم في إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه، أمّا في حقّ غيره من الأمّة ففرض فيما ورد التّعبّد به في الصّلاة من القراءة والأذكار، لأنّه لا يجوز بغير العربيّة‏.‏

ما يشترط معرفته من العربيّة بالنّسبة للمجتهد

6- جاء في البحر المحيط‏:‏ من شروط المجتهد أن يكون عارفاً بلسان العرب وموضوع خطابهم لغةً ونحواً وصرفاً، فليعرف القدر الّذي يفهم به خطابهم وعاداتهم في الاستعمال، إلى حدّ يميّز به صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومبيّنه، وعامّه وخاصّه، وحقيقته ومجازه‏.‏

قال أبو إسحاق‏:‏ ويكفيه من اللّغة أن يعرف غالب المستعمل ولا يشترط التّبحّر، ومن النّحو الّذي يصحّ به التّمييز في ظاهر الكلام كالفاعل والمفعول والخافض والرّافع‏.‏

وفي إرشاد الفحول‏:‏ يشترط في المجتهد أن يكون عالماً بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسّنّة من الغريب ونحوه، ولا يشترط أن يكون حافظاً لها عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكّناً من استخراجها من مؤلّفات الأئمّة المشتغلين بذلك‏.‏

الاحتجاج بالعربيّة

7 - قال ابن فارس‏:‏ لغة العرب يحتجّ بها فيما اختلف فيه إذا كان التّنازع في اسم أو صفة أو شيء ممّا يستعمله العرب من سننها في حقيقة أو مجاز ونحوه، فأمّا ما سبيله الاستنباط، وما فيه لدلائل العقل مجال، فإنّ العرب وغيرهم فيه سواء‏.‏

وأمّا خلاف الفقهاء في القرء، والعود في الظّهار، ونحوه، فمنه ما يصلح للاحتجاج فيه بلغة العرب، ومنه ما يوكّل إلى غير ذلك‏.‏

قال‏:‏ ويقع في الكلمة الواحدة لغتان كالصّرام، وثلاث كالزّجاج، وأربع كالصّداق، وخمس كالشّمال، وستّ كالقسطاس ولا يكون أكثر من ذلك‏.‏

ما يشترط فيه العربيّة وما لا يشترط

8- يشترط الفقهاء - في الجملة - العربيّة في مسائل منها‏:‏

قراءة القرآن، والأذكار في الصّلاة من التّشهّد والتّسبيح، والتّكبير في الصّلاة والأذان، وخطبة الجمعة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏ترجمة ف 5 وما بعدها‏)‏‏.‏

عَرَج

انظر‏:‏ أعرج‏.‏

عُرْس

التّعريف

1 - العُرْسُ في اللّغة‏:‏ مهنة الإملاك والبناء، وقيل‏:‏ اسم لطعام العرس خاصّةً، والعروس‏:‏ وصف يستوي فيه الذّكر والأنثى ما داما في إعراسهما، وأعرس الرّجل بامرأته‏:‏ إذا دخل بها، والعِرس بالكسر‏:‏ امرأة الرّجل، والجمع أعراس، والعُرس بالضّمّ‏:‏ الزّفاف، يذكّر ويؤنّث‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الزّفاف‏:‏

2 - الزّفاف لغةً‏:‏ إهداء الزّوجة إلى زوجها، يقال‏:‏ زفّ النّساء العروس إلى زوجها، والاسم الزّفاف‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

والعرس أعمّ من الزّفاف‏.‏

تخلّف العروس عن الجمعة والجماعة

3 - ذهب المالكيّة في المشهور عندهم والشّافعيّة إلى أنّه‏:‏ لا يجوز للعروس التّخلّف عن الخروج لحضور الجماعات وسائر أعمال البرّ، كعيادة المرضى، وتشييع الجنائز مدّة الزّفاف بسبب العرس، ولا حقّ للزّوجة في منعه من شهود ذلك، قال الشّافعيّة‏:‏ إلاّ ليلاً فيجب عليه التّخلّف تقديماً للواجب على السّنّة، وخالفهم في هذا بعض المتأخّرين من الشّافعيّة‏.‏

وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكيّة إلى أنّه‏:‏ يجوز له التّخلّف عن حضور ذلك كلّه بسبب العرس، للاشتغال بزوجته وتأنيسها واستمالة قلبها‏.‏

وليمة العرس

4 - أجمع العلماء على أنّ وليمة العرس مشروعة، لما روي من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها، قال أنس رضي الله عنه‏:‏ » أقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاثاً يبني عليه بصفيّة بنت حييّ فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فألقى فيها من التّمر والأقط والسّمن، فكانت وليمته «، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه حين قال له‏:‏ تزوّجت‏:‏ » أولم ولو بشاة «‏.‏

ووليمة العرس سنّة مؤكّدة، وليست واجبةً في قول جمهور الفقهاء، لأنّها طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، وفي قول عند الشّافعيّة أنّها واجبة عيناً، لظاهر أمره صلى الله عليه وسلم بها عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه، ولأنّ الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبةً‏.‏

أمّا إجابة الوليمة فهي واجبة عيناً على كلّ من يدعى إليها لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها « وفي لفظ‏:‏ » أجيبوا هذه الدّعوة إذا دعيتم إليها « ولحديث‏:‏ » من لم يجب الدّعوة فقد عصى اللّه ورسوله «‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏وليمة‏)‏‏.‏

تهنئة العروس

5 - ذهب الفقهاء إلى استحباب تهنئة العروس والدّعاء له، سواء كان ذكراً أو أنثى، لإدخال السّرور عليه عقب العقد والبناء، فيقول له‏:‏ بارك اللّه لك، وبارك عليك وجمع بينكما في خير وعافية، لما روي من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه أثر صفرة فقال‏:‏ ما هذا ‏؟‏ فقال‏:‏ إنّي تزوّجت امرأةً على وزن نواة من ذهب، قال‏:‏ » بارك اللّه لك، أولم ولو بشاة «‏.‏

ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوّج قال‏:‏ » بارك اللّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير «‏.‏

قال ابن حبيب من المالكيّة‏:‏ ولا بأس بالزّيادة على هذا من ذكر السّعادة، وما أحبّ من خير، إلاّ أنّه يكره عند الشّافعيّة أن يقول‏:‏ بالرّفاء والبنين، لأنّه من أقوال الجاهليّة، وقد نهي عنه لما روي أنّ عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ تزوّج امرأةً من جشم، فدخل عليه القوم فقالوا‏:‏ بالرّفاء والبنين، فقال‏:‏ لا تفعلوا ذلك‏.‏ قالوا‏:‏ فما نقول يا أبا يزيد ‏؟‏ قال‏:‏ قولوا‏:‏ بارك اللّه لكم وبارك عليكم، إنّا كذلك كنّا نؤمر‏.‏

دعاء العروس لنفسه ولعروسه

6 - ذهب الفقهاء إلى أنّه يستحبّ للعروس إذا زفّت إليه زوجته أوّل مرّة أن يأخذ بناصيتها، ويدعو أن يبارك اللّه لكلّ منهما في صاحبه، ومن الدّعاء المأثور في ذلك‏:‏ اللّهمّ إنّي أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرّها ومن شرّ ما جبلتها عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » إذا تزوّج أحدكم امرأةً، أو اشترى خادماً فليقل‏.‏‏.‏‏.‏ « الحديث‏.‏

وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد رضي الله عنهم قال‏:‏ تزوّجت فحضره عبد اللّه بن مسعود وأبو ذرّ وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم فحضرت الصّلاة فقدّموه فصلّى بهم، ثمّ قالوا له‏:‏ إذا دخلت على أهلك فصلّ ركعتين ثمّ خذ برأس أهلك فقل‏:‏ اللّهمّ بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، وارزقهم منّي وارزقني منهم، ثمّ شأنك وشأن أهلك‏.‏

ضرب الدّفوف في العرس

7- قال الفقهاء‏:‏ يستحبّ إعلان النّكاح، وضرب الدّفوف فيه حتّى يشتهر ويعرف ويتميّز عن السّفاح، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أعلنوا هذا النّكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدّفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم امرأةً وقد خضّب بالسّواد فليعلمها، ولا يغرّها « وفي رواية‏:‏ » أعلنوا النّكاح واضربوا عليه بالغربال « أي‏:‏ الدّفّ‏.‏

وعن عائشة‏:‏ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » ما فعلت فلانة ‏؟‏ ليتيمة كانت عندها، فقلت‏:‏ أهديناها إلى زوجها، قال‏:‏ فهل بعثتم معها جاريةً تضرب بالدّفّ وتغنّي ‏؟‏ قالت‏:‏ تقول ماذا ‏؟‏ قال‏:‏ تقول‏:‏

أتيناكم أتينـــاكم *** فحيّونا نحيّيــكم

لولا الذّهب الأحمـر *** ما حلّت بواديـكم

لولا الحنطة السّمرا *** ما سمنت عذاريكم

وروي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه كان إذا سمع صوتاً أو دفّاً، قال‏:‏ ما هذا ‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ عرس أو ختان صمت، وإن كان في غيرهما عمل بالدّرّة‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏غناء، شعر، وليمة‏)‏‏.‏

قسم العروس

8 - ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى‏:‏ أنّ صاحب النّسوة إذا تزوّج امرأةً جديدةً وأعرسها قطع الدّور، وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً، وثلاثاً إن كانت ثيّباً، وتكون السّبع والثّلاث متتاليات، ولا يقضيها لزوجاته الباقيات، ثمّ يعود للدّور بين زوجاته، لما ورد عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ من السّنّة إذا تزوّج الرّجل البكر على الثّيّب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوّج الثّيّب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثمّ قسم، وإلى هذا ذهب الشّعبيّ، والنّخعيّ، وإسحاق‏.‏

وقال الجمهور‏:‏ إنّ ذلك حقّ للمرأة بسبب الزّفاف، وإنّ الثّيّب العروس إذا شاءت أن يقيم عندها سبعاً فعل، وقضي للبواقي من ضرّاتها، لما ورد عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا تزوّجها أقام عندها ثلاثاً وقال‏:‏ » إنّه ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي « وفي رواية‏:‏ » وإن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع وللثّيّب ثلاث « وفي لفظ‏:‏ » إن شئت أقمت معك ثلاثاً خالصةً لك، وإن شئت سبّعت لك ثمّ سبّعت لنسائي «‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى‏:‏ أنّه لا فضل للجديدة في القسم على القديمة، لإطلاق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ ‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ‏}‏‏.‏

وقال سعيد بن المسيّب والحسن البصريّ ونافع والأوزاعيّ‏:‏ للبكر ثلاث وللثّيّب ليلتان وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏قسم بين الزّوجات‏)‏‏.‏

عَرْصة

التّعريف

1 - عرصة الدّار في اللّغة‏:‏ ساحتها، وهي البقعة الواسعة الّتي ليس فيها بناء‏.‏

والجمع عراص وعرصات، وقيل‏:‏ هي كلّ موضع واسع لا بناء فيه‏.‏

والفقهاء يستعملون لفظ العرصة بالمعنيين كما جاء في اللّغة‏:‏

أ - المعنى الأخصّ، وهو أنّ العرصة‏:‏ اسم لساحة الدّار ووسطها، وما كان بين الدّور من خلاء، فقد قال الدّسوقيّ في باب الشّفعة‏:‏ لا شفعة في عرصة، وهي ساحة الدّار الّتي بين بيوتها، وهي المسمّاة بالحوش، وفي حاشية القليوبيّ‏:‏ العرصة اسم للخلاء بين الدّور‏.‏

ب - المعنى الأعمّ، وهو‏:‏ أنّ العرصة تطلق على القطعة من الأرض، سواء أكانت بين الدّور أم لا‏.‏

جاء في نهاية المحتاج‏:‏ لو قال‏:‏ بعتك هذه الأرض أو السّاحة أو العرصة أو البقعة، وفيها بناء، يدخل في البيع دون الرّهن قال الشبراملسي‏:‏ الفقهاء لم يستعملوا العرصة والسّاحة في معناهما اللّغويّ، بل أشاروا إلى أنّ الألفاظ الأربعة ‏"‏ الأرض - السّاحة - العرصة - البقعة ‏"‏ عرفاً بمعنىً وهو‏:‏ القطعة من الأرض لا بقيد كونها بين الدّور‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الحريم‏:‏

2 - الحريم لغةً‏:‏ ما حرم فلا ينتهك، وهو أيضاً فناء الدّار أو المسجد، ويأتي كذلك بمعنى الحمى‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ حريم الشّيء‏:‏ ما حوله من حقوقه ومرافقه، وعرّفه الشّافعيّة بأنّه‏:‏ ما تمسّ الحاجة إليه لتمام الانتفاع، وإن حصل أصل الانتفاع بدونه‏.‏

ب - الفناء‏:‏

3 - فناء الشّيء في اللّغة‏:‏ ما اتّصل به معدّاً لمصالحه، وقال الكفويّ‏:‏ فناء الدّار هو‏:‏ ما امتدّ من جوانبها، أو هو ما اتّسع من أمامها‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ نقل الحطّاب عن الأبيّ في شرح مسلم‏:‏ الفناء‏:‏ ما يلي الجدران من الشّارع المتّسع النّافذ‏.‏

ما يتعلّق بالعرصة من أحكام

يذكر الفقهاء ما يتعلّق بالعرصة من أحكام في عدّة أبواب، ومن ذلك ما يأتي‏:‏

أ - البيع‏:‏

4 - لو قال شخص لغيره‏:‏ بعتك هذه الأرض أو السّاحة أو العرصة أو البقعة وفيها بناء وشجر، فإنّه يدخل في البيع بلا ذكر، أي‏:‏ وإن لم يسمّ البناء والشّجر، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في المذهب، لكنّ المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن شرط أو عرف، فإذا وجد شرط أو عرف عمل به، وقيّد الشّافعيّة الشّجر بالنّابت الرّطب‏.‏

والطّريق الثّاني عند الشّافعيّة‏:‏ القطع بعدم الدّخول، لخروجها عن مسمّى الأرض ولا دليل على تبعيّتها لها من عرف ولا غيره، فلا وجه للدّخول‏.‏

وألحق الفقهاء بالبيع كلّ ما ينقل الملك، من نحو هبة ووقف ووصيّة وصدقة‏.‏

ومن باع داراً تناول البيع بناءها وفناءها، لأنّ الدّار اسم للبناء والأرض‏.‏

قال الحنفيّة‏:‏ والأصل أنّ العرصة أصل في الدّار، لأنّ قرار البناء عليها، وإنّما دخل البناء وما كان متّصلاً بالبناء في بيع الدّار بطريق التّبعيّة لاتّصال البناء بالعرصة اتّصال قرار، فيكون تبعاً لها‏.‏

ب - الشّفعة‏:‏

5 - يختلف الفقهاء في الأخذ بالشّفعة في العرصة، تبعاً لاختلافهم فيمن يكون له الحقّ في الشّفعة، وفيما تكون فيه الشّفعة‏.‏

ومن ترتيب الحنفيّة لمراتب استحقاق الشّفعة يتبيّن استحقاق الأخذ بالشّفعة في العرصة المبيعة، أو التّابعة لما هو مبيع‏.‏

قال الكرخيّ في مختصره‏:‏ الشّفعة تستحقّ عند أصحابنا جميعاً بثلاثة معان‏:‏ بالشّركة فيما وقع عليه عقد البيع، أو بالشّركة في حقوق ذلك، أو بالجوار الأقرب فالأقرب، وتفسير ذلك‏:‏ دار بين قوم فيها منازل لهم فيها شركة بين بعضهم، وفيها ما هي مفردة لبعضهم، وساحة الدّار موضوعة بينهم يتطرّقون من منازلهم فيها، وباب الدّار الّتي فيها المنازل في زقاق غير نافذ، فباع بعض الشّركاء في المنزل نصيبه من شريكه، أو من رجل أجنبيّ بحقوقه من الطّرق في السّاحة وغيرها، فالشّريك في المنزل أحقّ بالشّفعة من الشّريك في السّاحة، ومن الشّريك في الزّقاق الّذي فيه باب الدّار، فإن سلّم الشّريك في المنزل الشّفعة فالشّريك في السّاحة أحقّ بالشّفعة‏.‏

وإن سلّم الشّريك في السّاحة فالشّريك في الزّقاق الّذي لا منفذ له الّذي يشرع فيه باب الدّار أحقّ بعده بالشّفعة من الجار الملاصق‏.‏

أمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يبنون حكم الأخذ بالشّفعة في العرصة على إمكان قسمتها أو عدمه، وعلى إمكان إيجاد البديل إذا بيعت الدّار الّتي تتبعها العرصة، كما أنّه لا بدّ أن تكون بين شريكين أو أكثر، إذ لا شفعة إلاّ للشّريك عندهم، وعلى هذا فلا شفعة في العراص الضّيّقة الّتي لا تنقسم إذا باع أحد الشّركاء نصيبه فيها، وهذا عند الشّافعيّة، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقّبة «‏.‏

وفي رواية عن أحمد أنّ فيها الشّفعة لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الشّفعة فيما لم يقسم « ولأنّ الشّفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضّرر في هذا النّوع أكثر، لأنّه يتأبّد ضرره، أمّا ما أمكن قسمته، بحيث إذا قسم لم يستضرّ بالقسمة فإنّ الشّفعة تثبت فيه‏.‏

6 - وإذا بيع بيت من دار لها صحن، ولا طريق للبيت إلاّ من هذا الصّحن، فلا شفعة في الصّحن، لأنّ ذلك يضرّ بالمشتري، وفي قول عند الشّافعيّة‏:‏ تثبت فيه الشّفعة، والمشتري هو المضرّ بنفسه‏.‏

وإن كان للبيت باب آخر يستطرق منه، أو كان له موضع يفتح منه باب إلى طريق نافذ، ففي هذه الحالة إن كان الصّحن لا يمكن قسمته فلا شفعة فيه عند الحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة، والصّحيح عند الشّافعيّة‏:‏ أنّ الشّفعة تثبت فيه، وإن كان الصّحن يمكن قسمته وجبت فيه الشّفعة، لأنّه أرض مشتركة تحتمل القسمة، فوجبت فيه الشّفعة، لكن قال ابن قدامة‏:‏ ويحتمل أن لا تجب فيه الشّفعة بحال، لأنّ الضّرر يلحق المشتري بتحويل الطّريق إلى مكان آخر مع ما في الأخذ بالشّفعة من تفويت صفقة المشتري وأخذ بعض المبيع من العقار دون بعض، فلم يجز، كما لو كان الشّريك في الصّحن شريكاً في الدّار، فأراد أخذ الصّحن وحده‏.‏

وإن كان نصيب المشتري من الصّحن أكثر من حاجته فذكر الشّافعيّة، والقاضي من الحنابلة‏:‏ أنّ الشّفعة تجب في الزّائد بكلّ حال، لوجود المقتضي وعدم المانع، وقال ابن قدامة‏:‏ والصّحيح أنّه لا شفعة فيه، لأنّ في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري، ولا يخلو من الضّرر‏.‏

أمّا المالكيّة فالمشهور عندهم‏:‏ أنّه لا شفعة في العرصة، سواء بيعت وحدها أو مع ما هي تبع له من بيوت‏.‏

جاء في الشّرح الصّغير‏:‏ لا شفعة في عرصة، وهي ساحة الدّار الّتي بين بيوتها، أو على جهة من بيوتها، وتسمّى في عرف العامّة بالحوش، ولا في ممرّ أي طريق إذا كانت البيوت الّتي تتبعها العرصة أو الممرّ قد قسمت بين الشّركاء وبقيت السّاحة مشتركةً بينهم، فإذا باع أحدهم حصّته من العرصة مع ما حصل له من البيوت، أو باعها مفردةً، فلا شفعة فيها للآخر، لأنّها لمّا كانت تابعةً لما لا شفعة فيه وهو البيوت المنقسمة، كان لا شفعة فيها، وقيل‏:‏ إن باعها وحدها وجبت الشّفعة‏.‏

إلاّ أنّ اللّخميّ من المالكيّة له تفصيل آخر، قال‏:‏ إن قسمت بيوت الدّار دون مرافقها من ساحة وطريق ثمّ باع أحد الشّركاء حظّه من بيوتها بمرافقها فلا شفعة في البيت، لأنّ القسمة قد تمّت ولا شفعة للجار، وكذلك لا شفعة في السّاحة المشتركة، لأنّها تابعة لما لا شفعة فيه، ولأنّها من منفعة ما قسم مصلحته، وإن باع أحد الشّركاء نصيبه من السّاحة فقط وكان البائع يدخل إلى البيوت من السّاحة كان للشّركاء أن يردّوا بيعه، لأنّ في ذلك ضرراً بهم، وإن كان البائع قد أسقط تصرّفه، وكان يصل إلى البيوت من طريق آخر‏:‏ فإن باعها من أهل الدّار جاز لبقيّة الشّركاء الشّفعة على أحد القولين في الشّفعة فيما لا ينقسم، وإن باع من غير أهل تلك الدّار كان لهم ردّ بيعه، لأنّ ضرر السّاكن أخفّ من ضرر غير السّاكن، ولهم أن يجيزوا بيعه ويأخذوا بالشّفعة‏.‏

ج - الأيمان‏:‏

7 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من حلف‏:‏ لا يدخل هذه الدّار فانهدمت وصارت ساحةً، فدخلها لم يحنث، لأنّه زال عنها اسم الدّار، ولأنّ اسم الدّار يشمل السّاحة والبنيان‏.‏

قال الخطيب‏:‏ هذا إذا قال‏:‏ لا أدخل هذه الدّار، فإن قال‏:‏ لا أدخل هذه حنث بالعرصة، وإن قال‏:‏ داراً، لم يحنث بفضاء ما كان داراً‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ لو عيّن وقال‏:‏ لا أدخل هذه الدّار فذهب بناؤها بعد يمينه ثمّ دخلها يحنث، لأنّ قوله‏:‏ هذه الدّار إشارة إلى المعيّن الحاضر فيراعى فيه ذات المعيّن، لا صفته، لأنّ الوصف للتّعريف، والإشارة كافية للتّعريف، وذات الدّار قائمة بعد الانهدام، لأنّ الدّار في اللّغة‏:‏ اسم للعرصة والعرصة قائمة‏.‏

والدّليل على أنّ الدّار اسم للعرصة بدون البناء قول النّابغة‏:‏

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند‏.‏‏.‏

سمّاها داراً بعدما خلت من أهلها وخربت، أمّا لو حلف‏:‏ لا يدخل داراً، فدخل داراً خربةً لم يحنث، لأنّ قوله‏:‏ داراً وإن ذكر مطلقاً، لكنّ المطلق ينصرف إلى المتعارف، وهي الدّار المبنيّة، فيراعى فيه الاسم والصّفة، فما لم يوجد لا يحنث‏.‏

د - الوصيّة‏:‏

8 - ذهب جمهور الفقهاء إلى‏:‏ أنّ من أوصى بعرصة فبناها أو غرس فيها، فإنّ ذلك يعتبر رجوعاً عن الوصيّة، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة وفي أصحّ الوجهين عند الحنابلة وأشهب من المالكيّة‏.‏

أمّا لو زرعها فلا يعتبر ذلك رجوعاً عند الشّافعيّة والحنابلة، لكن قال الشّافعيّة‏:‏ إن كان المزروع ممّا تبقى أصوله فالأقرب، كما قال الأذرعيّ إلى كلامهم في بيع الأصول والثّمار أنّه كالغراس، لأنّه يراد للدّوام‏.‏

أمّا عند المالكيّة غير أشهب فلا تبطل الوصيّة ببناء العرصة، فلو أوصى بعرصة ثمّ بناها داراً مثلاً فلا تبطل الوصيّة ببنائها، ويشترك الموصي والموصى له بقيمتي العرصة والبناء قائماً، ولو أوصى له بدار فهدمها فليس برجوع، ولا وصيّة له في النّقض الّذي نقص، وإنّما يكون له العرصة فقط، وقال ابن القاسم‏:‏ إذا هدم الدّار فالعرصة والنّقص للموصى له‏.‏

والهدم لا يبطل الوصيّة أيضاً عند الحنفيّة وتبقى العرصة للموصى له، لأنّ الدّار اسم للعرصة، والبناء بمنزلة الصّفة، فيكون تبعاً للدّار، والتّصرّف في التّبع لا يدلّ على الرّجوع عن الأصل‏.‏

أمّا عند الشّافعيّة‏:‏ فإنّ الهدم يعتبر رجوعاً في النّقض وفي العرصة، وهذا إذا هدمها الموصي، أمّا إذا هدمها غيره فإنّ الوصيّة تبطل في النّقض لبطلان الاسم، ولا تبطل في العرصة‏.‏

مواطن البحث

9 – يرد ذكر العرصة في غير ما ذكر من أبواب الفقه مثل‏:‏ الإقرار والإجارة والعاريّة والقسمة وغير ذلك، وتنظر في مواطنها ومصطلحاتها‏.‏

عَرْض

التّعريف

1 - العَرْض - بفتح العين وسكون الثّاني - في اللّغة يأتي لمعان منها‏:‏ الإظهار والكشف، يقال‏:‏ عرضت الشّيء، أظهرته، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً ‏}‏ قال الفرّاء في معنى الآية‏:‏ أبرزناها حتّى نظر إليها الكفّار، ومنها المتاع‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجماليّ

أ - عرض الإسلام على من لم يسلم من الزّوجين‏:‏

2 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه‏:‏ إذا أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين أو المجوسيّين أو أسلم كتابيّ تزوّج بوثنيّة أو مجوسيّة قبل الدّخول تعجّلت الفرقة بينهما من حين إسلامه، ويكون ذلك فسخاً لا طلاقاً‏.‏

وقال مالك‏:‏ إن كانت هي المسلمة عرض عليه الإسلام، فإن أسلم وإلاّ وقعت الفرقة، وإن كان هو المسلم تعجّلت الفرقة‏.‏

أمّا إذا كان إسلام أحدهما بعد الدّخول فيرى الشّافعيّة وأحمد في رواية‏:‏ أنّه يقف على انقضاء العدّة، فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النّكاح، وإن لم يسلم حتّى انقضت العدّة وقعت الفرقة منذ اختلف الدّينان، فلا يحتاج إلى استئناف العدّة، وهذا قول الزّهريّ واللّيث والحسن بن صالح والأوزاعيّ وإسحاق، ونحوه عن مجاهد، وعبد اللّه بن عمر ومحمّد بن الحسن، وقال أحمد في الرّواية الثّانية‏:‏ تتعجّل الفرقة وهو اختيار الخلال وقول الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ وإن أسلم استمرّت الزّوجيّة، وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء ثلاث حيض أو مضيّ ثلاثة أشهر، فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة‏.‏

ويرى الحنفيّة‏:‏ أنّه إذا أسلم الزّوج وامرأته من أهل الكتاب بقي النّكاح بينهما ولا يتعرّض لهما، لأنّ ابتداء النّكاح صحيح بعد إسلام الرّجل فلأن يبقى أولى، وإن كانت من غير أهل الكتاب فهي امرأته حتّى يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلاّ فرّق بينهما، وكذلك إن كانت المرأة هي الّتي أسلمت والزّوج من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب فهي امرأته حتّى يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم وإلاّ فرّق بينهما، ويستوي إن كان دخل بها أو لم يدخل بها، وحجّتهم في ذلك ما روي أنّ دهقانة الملك أسلمت فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن يعرض الإسلام على زوجها فإن أسلم وإلاّ فرّق بينهما، وأنّ دهقاناً أسلم في عهد عليّ رضي الله عنه فعرض الإسلام على امرأته فأبت ففرّق بينهما، وهذا الحكم فيما إذا كان الزّوجان في دار واحدة، أمّا إذا اختلفت الدّار فإنّ الحكم فيه خلاف‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏اختلاف الدّار ف 5‏)‏‏.‏

وإذا عقد نكاح صبيّين من أهل الذّمّة ثمّ أسلم أحدهما وهو يعقل الإسلام صحّ إسلامه عند الحنفيّة استحساناً، ويعرض على الآخر الإسلام إن كان يعقل، فإن أسلم فهما على نكاحهما، وإن أبى أن يسلم‏:‏ فإن كان الزّوج هو الّذي أسلم والمرأة كتابيّة لم يفرّق بينهما كما لو كانا بالغين، وإن كان بخلاف ذلك ففي القياس لا يفرّق بينهما أيضاً، لأنّ الإباء إنّما يتحقّق موجباً للفرقة ممّن يكون مخاطباً بالأداء، والّذي لم يبلغ وإن كان عاقلاً فهو غير مخاطب بذلك، إلاّ أنّه يفرّق بينهما استحساناً، إذ الأصل عند الحنفيّة‏:‏ أنّ كلّ من صحّ منه الإسلام إذا أتى به صحّ منه الإباء إذا عرض عليه، وعند تقرّر السّبب الموجب للفرقة‏:‏ الصّبيّ يستوي بالبالغ كما لو وجدته امرأته مجنوناً‏.‏

هذا وينتظر عقل غير مميّز، وأمّا المجنون فلا ينتظر لعدم نهايته، بل يعرض الإسلام على أبويه فأيّهما أسلم تبعه فيبقى النّكاح، فإن لم يكن له أب نصّب القاضي عنه وصيّاً فيقضي عليه بالفرقة‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّه‏:‏ إذا أسلم الزّوجان معاً ثبت نكاحهما إذا خلا من الموانع، فإن سبق الزّوج إلى الإسلام أقرّ على الكتابيّة، ويقرّ على غيرها إذا أسلمت بأثره، وإن سبقت هي‏:‏ فإن كان قبل الدّخول وقعت الفرقة، وإن كان بعده ثمّ أسلم في العدّة ثبت وإلاّ بانت‏.‏

ب - عرض المرأة نفسها على الرّجل الصّالح‏:‏

3 - يجوز عرض المرأة نفسها على الرّجل وتعريفه رغبتها فيه، لصلاحه وفضله أو لعلمه وشرفه أو لخصلة من خصال الدّين، ولا غضاضة عليها في ذلك، بل ذلك يدلّ على فضلها، فقد أخرج البخاريّ من حديث ثابت البنانيّ قال‏:‏ كنت عند أنس رضي الله عنه وعنده ابنة له، قال أنس‏:‏ » جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، قالت‏:‏ يا رسول اللّه، ألك بي حاجة ‏؟‏ فقالت بنت أنس‏:‏ ما أقلّ حياءها، واسوأتاه قال‏:‏ هي خير منك رغبت في النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها «‏.‏

ج - عرض الإنسان موليّاته على أهل الخير‏:‏

4 - يجوز عرض الإنسان بنته وغيرها من موليّاته على من يعتقد خيره وصلاحه، لما فيه من النّفع العائد على المعروضة عليه ولا استحياء في ذلك، ولا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوّجاً فقد أخرج البخاريّ من حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما‏:‏ » أنّ عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه حين تأيّمت حفصة بنت عمر رضي الله عنهما من خنيس بن حذافة السّهميّ رضي الله عنه - وكان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فتوفّي بالمدينة - فقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه‏:‏ أتيت عثمان بن عفّان رضي الله عنه فعرضت عليه حفصة فقال‏:‏ سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثمّ لقيني فقال‏:‏ قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا، قال عمر‏:‏ فلقيت أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه فقلت‏:‏ إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئاً، وكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي، ثمّ خطبها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر فقال‏:‏ لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً ‏؟‏ قال عمر‏:‏ قلت‏:‏ نعم، قال أبو بكر‏:‏ فإنّه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلاّ أنّي كنت علمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولو تركها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبلتها «‏.‏

وأمّا العرض بمعنى المتاع‏.‏

فينظر تفصيله في مصطلح ‏(‏عروض‏)‏‏.‏

عِرْض

التّعريف

1 - من معاني العِرض - بالكسر -‏:‏ النّفس والحسب‏:‏ يقال‏:‏ نقيّ العرض، أي‏:‏ بريء من العيب، وفلان كريم العرض أي‏:‏ كريم الحسب، ويقال‏:‏ عرّض عرضه‏:‏ إذا وقع فيه وشتمه أو قاتله أو ساواه في الحسب‏.‏

وجمع العرض أعراض، كما ورد في الحديث الصّحيح عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا «‏.‏

وإذا ذكر مع النّفس أو الدّم والمال فالمراد به الحسب فقط، كما ورد في الحديث النّبويّ‏:‏ » كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه «‏.‏

وهذا المعنى الأخير‏:‏ الحسب هو الغالب في استعمال الفقهاء لكلمة عرض‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الحسب‏:‏

2 - الحسب هو‏:‏ الكرم والشّرف الثّابت في الآباء، وقيل‏:‏ هو الفعال الصّالحة مثل الشّجاعة، والجود، وحسن الخلق، والوفاء، وقال الأزهريّ‏:‏ الحسب هو الشّرف الثّابت للشّخص ولآبائه‏.‏

ويستعمل الفقهاء غالباً الحسب بالمعنى الأوّل، أي‏:‏ مآثر الآباء والأجداد وشرف النّسب‏.‏

الحكم الإجماليّ

3 - كفلت الشّريعة الإسلاميّة المحافظة على الأنفس والأعراض والأموال، وشرعت لذلك الحدود والقصاص، واتّفق الفقهاء على مشروعيّة الدّفاع عن النّفس والعرض والمال في حالة الصّيال، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ‏}‏، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد « وليس على المصول عليه ضمان ما يتلف من النّفس أو المال في حالة الدّفاع، إذا لم تكن هناك وسيلة أخرى أخفّ من ذلك‏.‏

4 - واتّفق الفقهاء على أنّ الدّفاع عن العرض بمعنى البضع واجب، فيأثم الإنسان بتركه، قال الشّربينيّ الخطيب‏:‏ لأنّه لا سبيل إلى إباحته، وسواء بضع أهله أو غيره، ومثل البضع مقدّماته‏.‏

وقال الفقهاء‏:‏ من وجد رجلاً يزني بامرأته فقتله فلا قصاص عليه ولا دية، لقول عمر لمن وجد رجلاً بين فخذي امرأته فقتله‏:‏ إن عادوا فعد‏.‏

5- واختلفوا في الدّفاع عن النّفس والمال، فقال جمهور الفقهاء بوجوب الدّفاع عن النّفس، وجوازه عن المال‏.‏

وذهب بعضهم بالجواز في الصّورتين‏.‏

وتفصيل الموضوع في مصطلح‏:‏ ‏(‏صيال ف 5، 12‏)‏‏.‏

عُرْف

التّعريف

1 - العرف لغةً‏:‏ كلّ ما تعرفه النّفس من الخير وتطمئنّ إليه، وهو ضدّ النّكر، والعرف والمعروف‏:‏ الجود‏.‏

وهو اصطلاحاً‏:‏ ما استقرّت النّفوس عليه بشهادة العقول، وتلقّته الطّبائع بالقبول‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العادة‏:‏

2 - العادة في اللّغة‏:‏ الدّيدن يعاد إليه، سمّيت بذلك، لأنّ صاحبها يعاودها أي يرجع إليها مرّةً بعد أخرى‏.‏

وفي الاصطلاح هي‏:‏ ما استمرّ النّاس عليه على حكم المعقول، وعادوا إليه مرّةً بعد أخرى‏.‏

وقال ابن عابدين‏:‏ العادة والعرف بمعنىً واحد من حيث الماصدق وإن اختلفا من حيث المفهوم‏.‏

وفرّق بعضهم بين العرف والعادة‏:‏ بأنّ العادة هي العرف العمليّ، بينما المراد بالعرف هو العرف القوليّ‏.‏

ب - الاستحسان‏:‏

3 - الاستحسان في اللّغة‏:‏ عدّ الشّيء حسناً واعتقاده كذلك‏.‏

ومن معانيه في الاصطلاح‏:‏ العدول عن الدّليل إلى العادة للمصلحة، كدخول الحمّام من غير تعيين زمن المكث وقدر الماء والأجرة، فإنّه معتاد على خلاف الدّليل‏.‏

قال ابن العربيّ‏:‏ الاستحسان‏:‏ إيثار ترك مقتضى الدّليل على طريق الاستثناء والتّرخيص، لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته، وينقسم إلى أقسام منها‏:‏ ترك الدّليل للعرف، وتركه للمصلحة، وتركه للتّيسير لرفع المشقّة وإيثار التّوسعة‏.‏

فالعرف سبب من أسباب الاستحسان‏.‏

أقسام العرف

أوّلاً‏:‏ العرف القوليّ، والعرف العمليّ

ينقسم العرف بحسب استعمال الألفاظ المتعارف عليها في بعض المعاني، أو بحسب الأعمال الّتي يقوم بها النّاس إلى قسمين‏:‏ عرف قوليّ‏:‏ - لفظيّ -، وعرف عمليّ‏.‏

أ - العرف القوليّ‏:‏

4 - العرف القوليّ‏:‏ أن يتعارف قوم إطلاق لفظ على معنىً، بحيث لا يتبادر عند سماعه إلاّ ذلك المعنى، كالدّرهم على النّقد الغالب‏.‏

فمعنى العرف في اللّفظ‏:‏ أن ينقل إطلاق لفظ، ويستعمل في معنىً، حتّى يصير هو المعتاد من ذلك عند الإطلاق، مثال ذلك إطلاق لفظ الدّابّة على ذوات الأربع مع أنّها في اللّغة لكلّ ما يدبّ‏.‏

وكما ينقل العرف اللّفظ المفرد ينقل المركّب، فالعرف القوليّ لا يكون إلاّ إذا نقلت الألفاظ عن معناها اللّغويّ، أو خصّصت ببعض أفرادها، أمّا إذا استمرّ المعنى اللّغويّ متعارفاً، فلا يسمّى عرفاً قوليّاً أو حقيقةً عرفيّةً، وإنّما هو حقيقة لغويّة مشهورة‏.‏

وقد اعتبر الفقهاء العرف القوليّ، فحملوا عليه ألفاظ التّصرّفات، ولاحظوا ذلك في القضاء والفتوى ونصّوا على أنّ كلّ متكلّم إنّما يحمل لفظه على عرفه، فإذا كان المتكلّم باللّفظ هو الشّارع فإنّه يحمل على الحقيقة الشّرعيّة، وإذا كان المتكلّم من أهل اللّغة فإنّه يحمل كلامه على عرفه، وتحمل ألفاظ النّاس الّتي تدور عليها العقود والتّصرّفات على عرفهم في مخاطبتهم، ويجري ما يترتّب على ذلك من التزامات على حسب ما يفيده اللّفظ في العرف‏.‏

ب - العرف العمليّ‏:‏

5 - العرف العمليّ‏:‏ هو ما جرى عليه النّاس وتعارفوه في معاملاتهم وتصرّفاتهم، كتعارف النّاس البيع بالتّعاطي والاستصناع‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ العرف عمليّ وقوليّ، فالأوّل‏:‏ كتعارف قوم على أكل البرّ ولحم الضّأن، فإذا قال‏:‏ اشتر لي طعاماً أو لحماً انصرف إلى البرّ ولحم الضّأن عملاً بالعرف العمليّ‏.‏ والأعراف والعادات الّتي تجري بين النّاس في معاملاتهم تقوم مقام النّطق بالألفاظ، قال عزّ الدّين بن عبد السّلام‏:‏ فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العامّ وتقييد المطلق وغيرها، ومن الأمثلة في ذلك‏:‏

التّوكيل في البيع المطلق، فإنّه يتقيّد بثمن المثل وغالب نقد البلد، تنزيلاً للعادة الجارية في المعاملات منزلة صريح اللّفظ، وكذلك حمل الإذن في النّكاح على الكفء ومهر المثل، لأنّه المتبادر إلى الأفهام فيمن وكّل آخر بتزويج ابنته، وقال ابن القيّم‏:‏ وهذا أكثر من أن يحصر، وعليه يخرّج حديث عروة بن الجعد البارقيّ رضي الله عنه حيث أعطاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ديناراً يشتري به شاةً، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار وجاءه بالدّينار والشّاة الأخرى، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظيّ اعتماداً منه على الإذن العرفيّ، الّذي هو أقوى من اللّفظيّ في أكثر المواضع‏.‏

فالعرف العمليّ أو العادة في الفعل هي المحكّمة فيما يجري بين النّاس في معاملاتهم، ما يجب منها وما لا يجب، تبعاً للعرف الجاري بينهم، وما يدخل في العقود تبعاً وما لا يدخل‏.‏

وقد ذكر الفقهاء أنّ الشّرط العرفيّ كاللّفظيّ، ومن القواعد الفقهيّة في ذلك‏:‏ ‏"‏ المعروف كالمشروط ‏"‏ والمعروف بين التّجّار كالمشروط بينهم، قال السّرخسيّ‏:‏ والمعلوم بالعرف كالمشروط، وفيه أيضاً‏:‏ الثّابت بالعرف كالثّابت بالنّصّ‏.‏

وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ‏.‏

ثانياً‏:‏ العرف العامّ والعرف الخاصّ

6 - العرف العامّ‏:‏ هو ما تعارفه عامّة النّاس كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان، فهو في العرف العامّ بمعنى الدّخول، سواء دخلها ماشياً أو راكباً‏.‏

والعرف الخاصّ‏:‏ هو ما لم يتعارفه عامّة النّاس بل بعضهم، كالألفاظ المصطلح عليها في عرف الشّرع أو عرف التّخاطب، أو في عرف طائفة خاصّة، ومن ذلك اصطلاح الرّفع عند النّحاة، واشترط الحنفيّة في العرف العامّ استمرار العمل به بين النّاس‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ الملحق الأصوليّ‏.‏

ثالثاً‏:‏ العرف الصّحيح والعرف الفاسد

7 - ينقسم العرف إلى صحيح وفاسد‏.‏

فالصّحيح‏:‏ هو ما تعارفه النّاس وليس فيه مخالفة لنصّ شرعيّ، ولا تفويت لمصلحة ولا جلب لمفسدة، كتعارفهم تقديم الهدايا من الخطيب لخطيبته وعدم اعتبارها من المهر‏.‏ والعرف الفاسد‏:‏ ما خالف بعض أدلّة الشّرع أو بعض قواعده، كتعارفهم على بعض العقود الرّبويّة‏.‏

رابعاً‏:‏ العرف الثّابت والعرف المتبدّل

8 - ينقسم العرف باعتبار ثبوته واستقراره وعدمه إلى‏:‏ عرف ثابت، وعرف متبدّل‏.‏ والعرف الثّابت‏:‏ هو الّذي لا يختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، لأنّه يعود إلى طبيعة الإنسان وفطرته، كشهوة الطّعام والشّراب والحزن والفرح، ومن العرف الثّابت العرف الشّرعيّ‏:‏ وهو ما كلّف به الشّرع وأمر به أو نهى عنه أو أذن فيه‏.‏

والعرف المتبدّل‏:‏ هو الّذي يختلف باختلاف الأزمان والبيئات والأحوال، وهو أنواع‏:‏ فمنه ما يعود إلى اعتبار البقاع، والبيئات من حسن شيء أو قبحه، فيكون في مكان حسناً، وفي مكان آخر قبيحاً، مثل كشف الرّأس فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقيّة، وغير قبيح في البلاد المغربيّة‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ الملحق الأصوليّ‏.‏

اعتبار العرف

9 - ينقسم العرف من حيث اعتباره في الأحكام إلى ثلاثة أقسام‏:‏

أ - ما قام الدّليل الشّرعيّ على اعتباره، كمراعاة الكفاءة في النّكاح، ووضع الدّية على العاقلة فهذا يجب اعتباره والأخذ به‏.‏

ب - ما قام الدّليل الشّرعيّ على نفيه، كعادة أهل الجاهليّة في التّبرّج، وطوافهم في البيت عراةً، والجمع بين الأختين، وغير ذلك من الأعراف الّتي نهى عنها الشّارع، فهذه الأعراف لا تعتبر‏.‏

ج - ما لم يقم الدّليل الشّرعيّ على اعتباره أو نفيه، وهذا هو موضع نظر الفقهاء‏.‏

10 - وقد ذهب الفقهاء إلى اعتباره ومراعاته وبنوا عليه الكثير من الأحكام ولم ينكر ذلك أحد منهم وقد قام الدّليل من الكتاب والسّنّة والإجماع على اعتبار العرف‏.‏

فمن الكتاب‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ‏}‏‏.‏

قال أبو بكر بن العربيّ‏:‏ إنّ الإنفاق ليس له تقدير شرعيّ، وإنّما أحاله اللّه تعالى على العادة، وهي دليل أصوليّ، بنى اللّه تعالى عليه الأحكام، وربط به الحلال والحرام‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ والصّحيح ردّ الحقوق المطلقة في الشّرع إلى العرف فيما بين النّاس في نفقاتهم، في حقّ الموسر والمعسر والمتوسّط، كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك‏.‏

ومن السّنّة حديث عائشة رضي الله عنها‏:‏ » أنّ هند بنت عتبة رضي الله عنها قالت‏:‏ يا رسول اللّه، إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني وولدي إلاّ ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال‏:‏ خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف «‏.‏

قال ابن حجر‏:‏ فيه اعتماد العرف في الأمور الّتي لا تحديد فيها من قبل الشّارع‏.‏

شروط اعتبار العرف

الشّرط الأوّل‏:‏ أن يكون العرف مطّرداً أو غالباً

11 - يشترط لاعتبار العرف‏:‏ أن يكون مطّرداً أو غالباً‏.‏

ومعنى الاطّراد‏:‏ أن يكون العرف مستمرّاً بحيث لا يتخلّف في جميع الحوادث، ومعنى الغلبة‏:‏ أن يكون العمل بالعرف كثيراً، ولا يتخلّف إلاّ قليلاً، ذلك أنّ الاطّراد أو الغلبة يجعل العرف مقطوعاً بوجوده، قال السّيوطيّ‏:‏ إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت، فإذا اضطربت فلا‏.‏ وقال ابن نجيم‏:‏ إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت، ولذا قالوا‏:‏ لو باع بدراهم أو دنانير، وكانا في بلد اختلف فيه النّقود مع الاختلاف في الماليّة والرّواج، انصرف البيع إلى الأغلب، قال في الهداية‏:‏ لأنّه هو المتعارف فينصرف إليه‏.‏

قال الشّاطبيّ‏:‏ وإذا كانت العوائد معتبرةً شرعاً فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادةً في الجملة‏.‏

وبهذا الشّرط يخرج العرف المشترك - هو ما تساوى العمل به وتركه - من الاعتبار، فلا يصلح أن يكون مستنداً أو دليلاً يرجع إليه في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة‏.‏

الشّرط الثّاني‏:‏ أن يكون العرف عامّاً

12 - هذا الشّرط محلّ خلاف بين الفقهاء‏:‏

فذهب جمهور الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يعتبر في بناء الأحكام العرف العامّ دون الخاصّ‏.‏ وفي ذلك تفصيل في الملحق الأصوليّ‏.‏

الشّرط الثّالث‏:‏ ألاّ يكون العرف مخالفاً للنّصّ الشّرعيّ

13 - يشترط في العرف المعتبر شرعاً‏:‏ ألاّ يخالف النّصوص الشّرعيّة، بمعنى أن لا يكون ما تعارف عليه النّاس مخالفاً للأحكام الشّرعيّة المنصوص عليها، وإلاّ فلا اعتبار للعرف، كتعارف النّاس شرب الخمر وتبرّج النّساء والتّعامل بالعقود الرّبويّة ونحو ذلك ثمّ إنّ مخالفة العرف للنّصّ تأتي على وجهين‏:‏ فإذا خالف العرف النّصّ الشّرعيّ من كلّ وجه، فإنّه يعمل بالنّصّ، ولا اعتبار للعرف، لأنّ النّصّ أقوى من العرف، ولا يترك الأقوى لما هو أضعف منه، سواء كان العرف عامّاً أو خاصّاً‏.‏

وإذا خالف العرف النّصّ في بعض الوجوه، فذهب الجمهور إلى أنّه لا يصلح العرف مخصّصاً ولا مقيّداً للنّصّ، وذهب الحنفيّة إلى أنّ العرف يخصّص النّصّ ويقيّده‏.‏

وفي ذلك تفصيل ينظر في‏:‏ الملحق الأصوليّ‏.‏

الشّرط الرّابع‏:‏ ألاّ يعارض العرفَ تصريحٌ بخلافه

14 - يشرط لاعتبار العرف‏:‏ ألاّ يصدر تصريح بخلافه، فإذا صرّح العاقدان مثلاً بخلاف العرف فلا اعتبار للعرف، لأنّ من القواعد الفقهيّة أنّه لا عبرة للدّلالة في مقابلة التّصريح قال العزّ بن عبد السّلام‏:‏ كلّ ما يثبت في العرف إذا صرّح المتعاقدان بخلافه ممّا يوافق مقصود العقد ويمكن الوفاء به صحّ، فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النّهار بالعمل من غير أكل يقطع المنفعة لزمه ذلك، ولو شرط عليه أن لا يصلّي الرّواتب، وأن يقتصر في الفرائض على الأركان، صحّ ووجب الوفاء بذلك، لأنّ تلك الأوقات إنّما خرجت عن الاستحقاق بالعرف القائم مقام الشّرط، فإذا صرّح بخلاف ذلك ممّا يجوّزه الشّرع ويمكن الوفاء به جاز‏.‏

الشّرط الخامس‏:‏ أن يكون العرف قائماً عند إنشاء التّصرّف

15 - يشترط لاعتبار العرف‏:‏ أن يكون قائماً عند إنشاء التّصرّف، وذلك بأن يكون العرف سابقاً أو مقارناً للتّصرّف عند إنشائه، لأنّ كلّ من يقوم بتصرّف - سواء كان قوليّاً أو فعليّاً - إنّما يتصرّف بحسب ما جرى به العرف، ليصحّ الحمل على العرف القائم، فلا عبرة بالعرف الطّارئ بعد التّصرّف‏.‏

قال القرافيّ‏:‏ العوائد الطّارئة بعد النّطق لا يقضى بها على النّطق، فإنّ النّطق سالم عن معارضتها، فيحمل على اللّغة، ونظيره‏:‏ إذا وقع العقد في البيع فإنّ الثّمن يحمل على العادة الحاضرة في النّقد، وما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النّقود لا عبرة به في هذا البيع المتقدّم، وكذلك النّذر والإقرار والوصيّة إذا تأخّرت العوائد عليها لا تعتبر، وإنّما يعتبر من العوائد ما كان مقارناً لها‏.‏

وقال السّيوطيّ‏:‏ العرف الّذي تحمل عليه الألفاظ إنّما هو المقارن السّابق دون المتأخّر، وقال ابن نجيم بعد أن ذكر عبارة السّيوطيّ‏:‏ ولذا قالوا‏:‏ لا عبرة بالطّارئ‏.‏

وقد سبق تفصيل بعض مسائل العرف في مصطلح‏:‏ ‏(‏عادة‏)‏، كما سيأتي الكلام مفصّلاً على مباحث العرف ومسائله في‏:‏ الملحق الأصوليّ‏.‏

عَرَفَات

التّعريف

1 - عرفات وعرفة‏:‏ المكان الّذي يؤدّي فيه الحجّاج ركن الحجّ وهو الوقوف بها‏.‏

حدود عرفة

2 - قال الشّافعيّ‏:‏ هي ما جاوز وادي عُرَنة - بعين مضمومة ثمّ راء مفتوحة ثمّ نون - إلى الجبال القابلة ممّا يلي بساتين ابن عامر، وقد وضعت الآن علامات حول أرض عرفة تبيّن حدودها ويجب على الحاجّ أن يتنبّه لها، لئلاّ يقع وقوفه خارج عرفة، فيفوته الحجّ، أمّا جبل الرّحمة ففي وسط عرفات، وليس نهاية عرفات، ويجب التّنبّه إلى مواضع ليست من عرفات يقع فيها الالتباس للحجّاج وهي‏:‏

أ - وادي عرنة‏.‏

ب - وادي نمرة‏.‏

ج - المسجد الّذي سمّاه الأقدمون مسجد إبراهيم، ويسمّى مسجد نمرة ومسجد عرفة، قال الشّافعيّ‏:‏ إنّه ليس من عرفات، وإنّ من وقف به لم يصحّ وقوفه، وقد تكرّر توسيع المسجد كثيراً في عصرنا، وفي داخل المسجد علامات تبيّن للحجّاج ما هو من عرفات، وما ليس منها ينبغي النّظر إليها‏.‏

الحكم التّكليفي

3 - الوقوف بعرفات ركن من أركان الحجّ، بل هو الرّكن الّذي إذا فات فات الحجّ بفواته لحديث‏:‏ » الحجّ عرفة «‏.‏

وللتّفصيل ينظر‏:‏ ‏(‏حجّ ف وما بعدها، ويوم عرفة‏)‏‏.‏

عَرَق

التّعريف

1 - العرق لغةً‏:‏ ما جرى من أصول الشّعر من ماء الجلد، قال صاحب اللّسان‏:‏ ويأتي لعدّة معان منها‏:‏ الثّواب واللّبن‏.‏

ويستعمل عند الفقهاء بمعنيين‏:‏

الأوّل‏:‏ ما رشح من البدن‏.‏

والآخر‏:‏ نوع من المسكرات يقطر من الخمر ويسمّى عرقيّاً‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّمع‏:‏

2 - الدّمع لغةً‏:‏ ماء العين، يقال‏:‏ دمعت العين دمعاً إذا سال ماؤها، وعين دامعة أي‏:‏ سائل دمعها‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

والصّلة بين العرق والدّمع أنّ كلاً منهما ممّا يفرزه الجسم‏.‏

ب - اللّعاب‏:‏

3 - اللّعاب في اللّغة‏:‏ ما سال من الفم، يقال‏:‏ لعب الرّجل إذا سال لعابه، وألعب أي‏:‏ صار له لعاب يسيل من فمه، ولعاب الحيّة‏:‏ سمّها، ولعاب النّحل العسل‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجمالي

أ - العرق بمعنى ما رشح من البدن‏:‏

4 - ذهب الفقهاء إلى طهارة عرق الإنسان مطلقاً، لا فرق في ذلك بين المسلم والكافر، الصّاحي والسّكران، والطّاهر والحائض والجنب‏.‏

5- واختلفوا في حكم طهارة عرق الحيوان‏:‏

فقسّم الحنفيّة عرق الحيوان إلى أربعة أنواع‏:‏ طاهر، ونجس، ومكروه، ومشكوك فيه، وذلك لأنّ كلّ واحد منها متولّد من اللّحم فأخذ حكمه‏.‏

فالطّاهر‏:‏ عرق ما يؤكل لحمه من الحيوان، وعرق الفرس، أمّا عرق ما يؤكل لحمه، فلأنّه يتولّد من لحم مأكول فأخذ حكمه، وأمّا طهارة عرق الفرس، فلأنّ عرقه متولّد من لحمه وهو طاهر، وحرمته لكونه آلة الجهاد لا لنجاسته‏.‏

والنّجس‏:‏ عرق الكلب والخنزير وسباع البهائم، أمّا الكلب فلنجاسة سؤره لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات « فهذا الحديث يفيد النّجاسة، لأنّ الطّهور مصدر بمعنى الطّهارة فيستدعي سابقة التّنجّس أو الحدث، والثّاني منتف، فتعيّن الأوّل، وأمّا الخنزير فلأنّه نجس العين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُ رِجْسٌ ‏}‏‏.‏

وأمّا سباع البهائم، فلأنّه متولّد من لحمها، ولحمها حرام نجس، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » نهى عن كلّ ذي ناب من السّباع وعن كلّ ذي مخلب من الطّير «‏.‏

والمكروه‏:‏ عرق الهرّة والدّجاجة المخلاة وسباع الطّير وسواكن البيوت، قال الكرخيّ‏:‏ كراهية عرق الهرّة لأجل أنّها لا تتحامى النّجاسة، وقال الطّحاويّ‏:‏ الكراهة لحرمة لحمها قال الزّيلعيّ‏:‏ قول الطّحاويّ يدلّ على أنّها إلى التّحريم أقرب كسباع البهائم، لأنّ الموجب للكراهة لازم غير عارض، وقول الكرخيّ يدلّ على التّنزّه، وهذا أصحّ والأقرب إلى موافقة الحديث، فإنّه عليه الصلاة والسلام قال فيها‏:‏ » إنّها ليست بنجس إنّما هي من الطّوّافين عليكم والطّوّافات «‏.‏

وأمّا كراهة عرق الدّجاجة المخلاة فلعدم تحاميها النّجاسة، ويصل منقارها إلى ما تحت رجليها، ويلحق بها الإبل والبقر الجلالة، وأمّا كراهة عرق سباع الطّير وسواكن البيوت فاستحساناً للضّرورة وعموم البلوى، فسباع الطّير تنقضّ من علوّ وهواء فلا يمكن صون الأواني عنها لا سيّما في البراريّ، وسواكن البيوت طوافها ألزم من الهرّة، لأنّ الفأرة تدخل ما لا تقدر الهرّة دخوله وهو العلّة في الباب لسقوط النّجاسة، والقياس أن يكون نجساً، لأنّ لحمها نجس وحرام‏.‏

والعرق المشكوك فيه عرق الحمار والبغل لتعارض الأدلّة، لأنّه قد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه‏:‏ » أمر يوم خيبر بإكفاء القدور من لحوم الحمر الأهليّة وقال‏:‏ إنّها رجس «‏.‏

وأمّا البغل فهو من نسل الحمار فيكون بمنزلته، قال ابن عابدين‏:‏ قيل‏:‏ سببه تعارض الأخبار في لحمه، وقيل اختلاف الصّحابة في سؤره، والأصحّ‏:‏ أنّ الحمار أشبه الهرّة لوجوده في الدّور والأفنية، لكنّ الضّرورة فيه دون الضّرورة فيها لدخولها مضايق البيت فأشبه الكلب والسّباع، فلمّا ثبت الضّرورة من وجه دون وجه واستوى ما يوجب الطّهارة والنّجاسة تساقطا للتّعارض، فصيّر إلى الأصل، وهو هنا شيئان‏:‏ الطّهارة في الماء، والنّجاسة في اللّعاب، وليس أحدهما بأولى من الآخر فبقي الأمر مشكلاً، نجساً من وجه، طاهراً من آخر‏.‏

وذهب المالكيّة إلى طهارة عرق كلّ حيوان حيّ، بحريّاً كان أو برّيّاً، ولو كلباً أو خنزيراً‏.‏ وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العرق له حكم حيوانه طهارةً ونجاسةً، فعرق الحيوان الطّاهر طاهر، وعرق الحيوان النّجس نجس، وعند الشّافعيّة كلّ الحيوانات طاهرة ما عدا الكلب والخنزير وما تفرّع من أحدهما، وعند الحنابلة‏:‏ النّجس من الحيوان ما لا يؤكل من الطّير والبهائم ممّا فوق الهرّ خلقةً كالصّقر والبوم والعقاب والحدأة والنّسر والرّخم وغراب البين والأبقع والبغل والحمار والأسد والنّمر والفهد والذّئب والكلب والخنزير وابن آوى والدّبّ والقرد‏.‏

قال صاحب المغني‏:‏ والصّحيح عندي طهارة البغل والحمار، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يركبهما ويركبان في زمنه وفي عصر الصّحابة فلو كان نجساً لبيّن لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، ولأنّهما لا يمكن التّحرّز منهما لمقتنيهما فأشبها السّنّور‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏طهارة، ونجاسة‏)‏‏.‏

ب - العرق بمعنى الخمر‏:‏

6 - العرق نوع من المسكرات يقطر من الخمر، حكمه حكم الخمر، فهو نجس ويحدّ شاربه قال ابن عابدين‏:‏ لا شكّ أنّ العرق المستقطر من الخمر هو عين الخمر، تتصاعد مع الدّخان وتقطر من الطّابق بحيث لا يبقى منها إلاّ أجزاؤه التّرابيّة، ولذا يفعل القليل منه في الإسكار أضعاف ما يفعله كثير الخمر، والمعتمد المفتى به‏:‏ أنّ العرق لم يخرج بالطّبخ والتّصعيد عن كونه خمراً، فيحدّ بشرب قطرة منه وإن لم يسكر، وأمّا إذا سكر منه فلا شبهة في وجوب الحدّ به، وقد صرّح في منية المصلّي بنجاسته أيضاً‏.‏