فصل: شروط إباحة نكاح الحرّ للأمة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ثانيًا‏:‏ الرّقيق وأحكام الأسرة

الرّقيق والاستمتاع

67 - الاستمتاع بالجواري لا يكون مشروعًا إلاّ أن يكون في ملك يمينٍ أو نكاحٍ صحيحٍ، وما خرج عن ذلك فهو محرّم يأثم فاعله، وهو من الكبائر، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون‏}‏‏.‏

الاستمتاع في ملك اليمين

68 - ليس للمالك الذّكر أن يستمتع بمملوكه الذّكر، وليس ذلك داخلًا فيما أباحته الآية السّابقة، بل هو لواطة محرّمة تدخل فيما حرّمه اللّه تعالى من عمل قوم لوطٍ الّذي عذّبوا به على ما قصّه اللّه تعالى في كتابه‏.‏ وكذا إن كان المالك امرأةً والمستمتع به المملوكة الأنثى لا يدخل فيما أباحته الآية السّابقة، بل هو من السّحاق المحرّم‏.‏ وكذلك إن كان المالك امرأةً والمملوك ذكرًا فليس لها أن تستمتع به، أو أن تمكّنه من الاستمتاع بها، ولا له أن يفعل شيئًا من ذلك، بل هو عليها حرام، وهي عليه حرام، سواء أكانت خليّةً، أو ذات زوجٍ‏.‏ قال القرطبيّ‏:‏ وعلى هذا إجماع العلماء‏.‏ ا‏.‏ هـ‏.‏ وكما لو أرادت أن يتزوّجها، فإنّها حرام عليه حرمةً مؤقّتةً، أي ما دام رقيقًا لها، فإن أعتقته أو باعته جاز لها النّكاح بشروطه‏.‏ وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أنّ نكاح المرأة عبدها باطل‏.‏ وسواء في هذه الأنواع الثّلاثة السّابقة الوطء ومقدّماته من التّقبيل، والمباشرة، واللّمس، والنّظر بشهوةٍ، كلّها محرّمة بحسبها‏.‏ ووجه خروج هذه الصّورة الثّالثة ‏(‏استمتاع المالكة بمملوكها‏)‏ من دلالة الآية، أنّ الآية خاطبت الأزواج من الرّجال‏.‏ قال ابن العربيّ‏:‏ من غريب القرآن، أنّ هذه الآيات العشر من أوّل سورة المؤمنون عامّة في الرّجال والنّساء، إلاّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين هم لفروجهم حافظون‏}‏ فإنّما خاطب بها الرّجال خاصّةً دون الزّوجات، بدليل قوله ‏{‏إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ وإنّما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلّةٍ أخرى، كآيات الإحصان عمومًا وخصوصًا وغير ذلك من الأدلّة »‏.‏ ونقل ابن كثيرٍ عن ابن جريرٍ بسنده عن قتادة أنّ امرأةً اتّخذت مملوكها، وقالت‏:‏ تأوّلت آيةً من كتاب اللّه ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ قال‏:‏ فأتي بها عمر رضي الله عنه، فضرب العبد، وجزّ رأسه ونقل ابن قدامة عن جابرٍ أنّ امرأةً جاءت إلى عمر بالجابية وقد نكحت عبدها، فانتهرها عمر، وهمّ أن يرجمها، وقال‏:‏ لا يحلّ لك‏.‏ فالوطء الجائز بملك اليمين، هو وطء المالك الذّكر لمملوكته الأنثى خاصّةً، وفي هذا وردت الآية السّابقة‏.‏

وطء الرّجل الحرّ لمملوكته

69 - يحلّ للرّجل الحرّ أن يستمتع بجاريته بالوطء، أو بمقدّماته، بشرط أن تكون مملوكةً له ملكًا كاملًا، وهي الّتي ليس له فيها شريك، ولا لأحدٍ فيها شرط أو خيار، وبشرط أن لا يكون فيها مانع يقتضي تحريمها عليه، كأن تكون أخته من الرّضاعة، أو بنت زوجته، أو موطوءة فرعه، أو أصله‏.‏ أو تكون مزوّجةً، أو مشركةً‏.‏ والجارية الّتي يتّخذها سيّدها للوطء تسمّى سريّةً، واتّخاذها لذلك يسمّى التّسرّي‏.‏ وتنظر الأحكام التّفصيليّة لذلك في مصطلح ‏(‏تسرٍّ‏)‏‏.‏

وفيما يلي بعض الأحكام الّتي أغفل ذكرها هناك، أو ذكرت بإيجازٍ، نظرًا إلى أنّ تعلّقها بمصطلح ‏(‏رقّ‏)‏ أظهر‏.‏

طلاق السّرّيّة والظّهار منها، وتحريمها، والإيلاء منها

70 - الطّلاق لا يلحق السّرّيّة ولا أثر له اتّفاقًا‏.‏ وأمّا الظّهار، فقد ذهب جمهور العلماء ‏(‏الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏ إلى أنّه لو ظاهر من أمته لم يكن مظاهرًا، فلا كفّارة عليه، ويجب عليه التّوبة ممّا قاله، فإنّه كذب وزور‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الّذين يظاهرون منكم من نسائهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فهي ظاهرة في الزّوجات، والأمة وإن صحّ إطلاق لفظ ‏"‏ نسائنا ‏"‏ عليها لغةً لكنّ صحّة الإطلاق لا تستلزم الحقيقة، بل يقال‏:‏ هؤلاء ‏"‏ جواريه لا نساؤه »‏.‏ ولأنّ الحلّ في الأمة تابع غير مقصودٍ من العقد بل يصحّ العقد، ويثبت الملك مع عدم حلّ الوطء، كما في شراء الأمة المجوسيّة‏.‏ ونقل هذا القول أيضًا عن ابن عمر وعبد اللّه بن عمرٍو وسعيد بن المسيّب ومجاهدٍ والأوزاعيّ‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ الأمة يلحقها ظهار سيّدها، فلو ظاهر منها لم يحلّ له أن يطأها بعد ذلك حتّى يكفّر كفّارةً تامّةً، لأنّها محلّلة له حلًّا أصليًّا فيصحّ الظّهار منها كالزّوجة، وهو مرويّ أيضًا عن الحسن وعكرمة والنّخعيّ وعمرو بن دينارٍ والزّهريّ وقتادة‏.‏ وعن الحسن والأوزاعيّ إن كان يطؤها فهو ظهار وإلاّ فلا‏.‏ وقال عطاء‏:‏ عليه نصف كفّارة الظّهار من الحرّة‏;‏ لأنّ الأمة على النّصف من الحرّة في الأحكام‏.‏ ولو آلى من أمته فليس ذلك إيلاءً، فلا يطالب بالفيئة، أو التّطليق، وعليه الكفّارة إن حنث‏.‏ وكذا إن حرّم أمته على نفسه بقوله‏:‏ « هي عليّ حرام ‏"‏ فليس فيه إلاّ كفّارة يمينٍ، لأنّه كتحريم الطّعام، وقد ورد ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم على نفسه أمته فنزل‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم‏}‏‏}‏‏.‏

استبراء الأمة إذا دخلت في الملك

71 - من اشترى أمةً فليس له أن يطأها إن كانت حاملًا حتّى تضع حملها إجماعًا، فإن لم يكن بها حمل بيّن، فلا يطؤها حتّى يستبرئها، بأن تحيض عنده حيضةً‏;‏ ليتيقّن براءة رحمها من حمل غيره، وكذا من دخلت في ملكه بأيّ سببٍ، كهبةٍ، أو ميراثٍ، أو وصيّةٍ، أو غير ذلك، ودليل ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاسٍ‏:‏ ‏{‏لا توطأ حامل حتّى تضع، ولا غير ذات حملٍ حتّى تحيض حيضةً‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏لا يحلّ لامرئٍ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره‏}‏‏.‏ والتّسرّي في هذا يختلف عن النّكاح، فمن نكح حرّةً حلّ له وطؤها دون استبراءٍ‏.‏ وذهب بعض الفقهاء أيضًا إلى أنّ الرّجل إذا أراد أن يبيع أمةً كان يطؤها، أو أراد أن يزوّجها، فلا بدّ من استبرائها قبل ذلك‏.‏ والعلّة في الاستبراء، أنّها إن كانت حاملًا من سيّدها تكون أمّ ولدٍ له إذا ولدت، فلا يحلّ له بيعها، ولا يصحّ البيع، ولا تحلّ للمشتري‏;‏ ولئلاّ يفضي إلى اشتباه الأنساب‏.‏ وهذا الّذي تقدّم هو في الوطء‏.‏ أمّا دواعيه ومقدّماته فقد اختلف فيها‏.‏ وتفصيل القول في الاستبراء وأحواله ينظر تحت عنوان ‏(‏استبراء‏)‏‏.‏

آثار وطء الأمة بملك اليمين

72 - الآثار اللّاحقة بالوطء من وجوب الغسل وإثبات الحرمة بالصّهر، لاحقة بالوطء بملك اليمين، ويفترق عن الوطء في النّكاح بأمورٍ منها‏:‏ أنّ وطء الحرّ الحرّة في النّكاح يحصن الرّجل والمرأة، بحيث لو زنى أحدهما يكون حدّه الرّجم‏.‏ أمّا من وطئ في ملك يمينٍ ثمّ زنى فحدّه الجلد لا غير‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم في ذلك خلافًا‏.‏

نكاح الرّقيق

73 - يجوز للرّقيق ذكرًا كان أو أنثى أن يتزوّج، ولا يكون ذلك إلاّ بإذن السّيّد إجماعًا‏;‏ لأنّ رقيقه ماله‏.‏ وقد حثّ اللّه تبارك وتعالى السّادة على تزويج المماليك‏;‏ لما فيه من الصّيانة والإعفاف، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم والصّالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله واللّه واسع عليم‏}‏‏.‏ قال القرطبيّ‏:‏ الصّلاح هنا الإيمان‏.‏ والأمر في الآية للتّرغيب والاستحباب‏.‏ وللسّيّد أن يجبر الأمة على التّزويج بمن شاء السّيّد، واستثنى الحنابلة أن يكون الزّوج معيبًا بعيبٍ يردّ به في النّكاح فلا يجبرها عليه، وأمّا إجباره العبد على النّكاح فمذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشّافعيّ في القديم أنّ له ذلك أيضًا‏;‏ لأنّ مصلحته موكولة إلى السّيّد، وذهب الشّافعيّة على الجديد والحنابلة إلى أنّه لا يجبره‏;‏ لأنّ تكليفه كامل، وليس له منفعة بضعه‏.‏ وليس للعبد ولا للأمة التّزوّج بغير إذن السّيّد‏.‏ ونكاح الرّقيق على ثلاثة أنحاءٍ كلّها جائزة من حيث الجملة‏.‏ الأوّل‏:‏ أن ينكح الحرّ أمةً‏.‏ الثّاني‏:‏ أن ينكح العبد أمةً‏.‏ الثّالث‏:‏ أن ينكح العبد حرّةً‏.‏ وفيما يلي بيان ذلك‏:‏

النّوع الأوّل‏:‏ نكاح الحرّ للأمة

74 - ذكر اللّه تعالى زواج الأحرار بالإماء في قوله‏:‏ ‏{‏ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فممّا ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات واللّه أعلم بإيمانكم بعضكم من بعضٍ فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ وآتوهنّ أجورهنّ بالمعروف محصناتٍ غير مسافحاتٍ ولا متّخذات أخدانٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم واللّه غفور رحيم‏}‏‏.‏ وقد أخذ الأئمّة أكثر أحكام هذا النّكاح من هذه الآية‏.‏ فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأصل تحريم هذا النّوع من الزّواج وأنّه لا يحلّ، والعقد فاسد ما لم تجتمع شروط معيّنة تفيدها الآية‏.‏ وأنّ الجواز إذا اجتمعت الشّروط هو من باب الرّخصة‏.‏ وقالوا في حكمة هذا التّحريم‏:‏ إنّ هذا النّوع من الزّواج يؤدّي إلى رقّ الولد‏;‏ لأنّ الولد تبع لأمّه حرّيّةً ورقًّا، ولما فيه من الغضاضة على الحرّ بكون زوجته أمةً تمتهن في حوائج سيّدها وحوائج أهله‏.‏ ولذا قال عمر رضي الله عنه‏:‏ أيّما حرٍّ تزوّج أمةً فقد أرقّ نصفه‏.‏ واستدلّوا بما يلي‏:‏

1 - أنّ الآية جعلت إباحة هذا النّكاح لمن لم يستطع طول حرّةٍ، ولمن خاف العنت، فدلّت بمفهومها على أنّ من لم يوجد هذان الشّرطان فيه، فلا يكون مباحًا له‏.‏

2 - قوله تعالى في آيةٍ لاحقةٍ مشيرًا إلى هذا النّوع من النّكاح‏:‏ ‏{‏يريد اللّه أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا‏}‏ فدلّ على أنّه رخصة، والأصل التّحريم‏.‏ فأمّا إن وجدت الشّروط المعتبرة فإنّ نكاح الأمة جائز إجماعًا لما تقدّم من الآية‏.‏

شروط إباحة نكاح الحرّ للأمة

يشترط لإباحة نكاح الحرّ المسلم للأمة ما يلي‏:‏

الشّرط الأوّل

75 - أن لا يكون عنده زوجة حرّة يمكنه أن يستعفّ بها‏.‏ فإن وجدت لم يجز له نكاح الأمة‏;‏ لأنّ الحرّة طول، وفي الحديث ‏{‏تنكح الحرّة على الأمة، ولا تنكح الأمة على الحرّة‏}‏‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم في هذا خلافًا ‏"‏ لكن قد نقل في ذلك خلاف عن مالكٍ، قال القرطبيّ‏:‏ اختلف قول مالكٍ في الحرّة أهي طول أم لا، فقال في المدوّنة‏:‏ ليست الحرّة بطولٍ تمنع نكاح الأمة إذا لم يجد سعةً لأخرى وخاف العنت، وقال في كتاب محمّدٍ ما يقتضي أنّ الحرّة بمثابة الطّول‏.‏ قال القرطبيّ‏:‏ فيقتضي هذا أنّ من عنده حرّة فلا يجوز له نكاح الأمة وإن عدم السّعة وخاف العنت‏.‏ ومن كان عنده أمة يتسرّاها لا يحلّ له نكاح الأمة، وكذا إن كان قادرًا على شراء أمةٍ تصلح للوطء‏.‏ ويعتبر عند الحنابلة وفي الأصحّ عند الشّافعيّة، في الحرّة الّتي يمنع وجودها تحته صحّة نكاحه للأمة، أن تكون بحيث يحصل بها الإعفاف، فإن لم تكن كذلك لم تمنع نكاح الأمة، كأن تكون صغيرةً، أو هرمةً، أو غائبةً، أو مريضةً لا يمكن وطؤها‏.‏ لأنّه عاجز عن حرّةٍ تعفّه فأشبه من لا يجد شيئًا‏.‏ وفي روضة الطّالبين‏:‏ أو كانت مجنونةً، أو مجذومةً، أو برصاء، أو رتقاء، أو مضناةً لا تحتمل الجماع‏.‏

الشّرط الثّاني

76 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من شروط حلّ نكاح الأمة أن يخاف أن يقع في الزّنا إن لم يتزوّج، وشقّ عليه الصّبر عن الجماع فعنت بسبب ذلك، أي وقع في المشقّة الشّديدة‏.‏ قال إمام الحرمين‏:‏ وليس المراد بالخوف أن يغلب على ظنّه الوقوع في الزّنا، بل أن يتوقّعه لا على النّدور‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ من غلبت عليه شهوته وضعفت تقواه فهو خائف‏.‏ وهذا الشّرط غير معتبرٍ عند الحنفيّة، إذ ليس زواج الأمة مقصورًا على الضّرورة، أخذًا بعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النّساء‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأحلّ لكم ما وراء ذلكم‏}‏ ولم يرد ما يوجب تخصيصه، قالوا‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك لمن خشي العنت منكم‏}‏ إنّما يدلّ على المنع بالمفهوم، وليس ذلك حجّةً عند الحنفيّة، ولو سلم، لأمكن حمله على الكراهة، وهي لا تنافي الصّحّة‏.‏ وقد صرّح صاحب البدائع بالكراهة‏.‏

الشّرط الثّالث

77 - أن لا يقدر على نكاح حرّةٍ، لعدم وجود حرّةٍ، أو لعدم وجود الطّول وهو الصّداق‏.‏ وقيل‏:‏ الصّداق والنّفقة‏.‏ وهذا قول الجمهور‏.‏

الشّرط الرّابع

78 - أن لا تكون الأمة مملوكةً له، ولا لولده‏.‏ فلا يتزوّج السّيّد أمته الّتي يملكها، قال صاحب الهداية‏:‏ لأنّ النّكاح ما شرع إلاّ مثمرًا ثمراتٍ مشتركةً بين المتناكحين، والمملوكيّة تنافي المالكيّة فيمتنع وقوع الثّمرة على الشّركة‏.‏ وقال ابن قدامة‏:‏ لأنّ ملك الرّقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه‏.‏ ولو ملك زوجته وهي أمة انفسخ نكاحها‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم فيه خلافًا‏.‏ ولا يجوز للرّجل أن يتزوّج أمة ابنه أو بنته‏;‏ لأنّ له فيها شبهةً، وهذا قول الجمهور‏.‏ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏أنت ومالك لأبيك‏}‏‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ يجوز للرّجل أن يتزوّج أمة ابنه أو بنته‏.‏ لأنّها ليست مملوكةً له ولا تعتق بإعتاقه‏.‏

الشّرط الخامس

79 - أن تكون الأمة مسلمةً إن كان من يريد الزّواج بها حرًّا مسلمًا، فلو كانت كتابيّةً لم يصحّ النّكاح، لمفهوم قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فممّا ملكت أيمانكم من فتياتكم المومنات‏}‏ وهذا قول الشّافعيّة، وقول عند المالكيّة، وهو المذهب عند الحنابلة‏;‏ لأنّ زواج الأمة للضّرورة، والضّرورة تندفع بزواجه بأمةٍ مسلمةٍ، ولأنّه يجتمع فيها نقص الكفر ونقص الرّقّ، وذهب الحنفيّة وهو قول عند الحنابلة‏:‏ إلى عدم اشتراط ذلك، أخذًا بإطلاق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النّساء‏}‏ وقوله ‏{‏وأحلّ لكم ما وراء ذلكم‏}‏ قالوا‏:‏ فلا يخرج عنه شيء إلاّ بما يوجب التّخصيص، وليست الآية السّابقة موجبةً للتّخصيص‏;‏ لأنّ دلالتها بمفهوم الصّفة، وليس هو حجّة عند الحنفيّة، كما هو معلوم في أصول الفقه‏.‏ قالوا‏:‏ ولأنّ وطأها بملك اليمين جائز، فيجوز بالنّكاح‏.‏ وقالوا‏:‏ إنّ زواج الأمة في تلك الحال يكون مكروهًا، لا حرامًا‏.‏

استدامة نكاح الأمة عند زوال بعض الشّروط

80 - لو زال بعض الشّروط المتقدّمة بعد أن نكح الحرّ الأمة لم ينفسخ نكاحها عند عامّة العلماء، ولم يلزمه الطّلاق، كأن تزوّج عليها حرّةً، أو أمكنه التّزوّج بها لوجودها، أو كان معسرًا لا يجد صداقًا فأيسر، أو كان يخاف العنت ثمّ زال ذلك الخوف لأمرٍ ما، وذلك أنّ الشّروط المتقدّمة هي شروط ابتداءٍ، لا شروط دوامٍ‏.‏ وفي قول المزنيّ من الشّافعيّة‏:‏ ينفسخ نكاح الأمة بذلك، وهو قول عند الحنابلة‏.‏ ولو كان الزّوج قد طلّق الأمة ثمّ زالت بعض الشّروط بأن تزوّج حرّةً مثلًا، صرّح الشّافعيّة بأنّه لا يحرم عليه مراجعة الأمة في عدّتها‏.‏

الولاية في تزويج الأمة

81 - لا تزوّج الأمة نفسها، بل ولاية تزويجها لسيّدها لأنّها ماله‏.‏ وقد قال تعالى ‏{‏فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ‏}‏ أي بولاية أربابهنّ ومالكيهنّ‏.‏ فإن كان السّيّد صغيرًا أو سفيهًا فلوليّه في المال تزويجها‏;‏ لأنّه قد يكون في ذلك مصلحة ماليّة للصّغير، لما فيه من تحصيل مهرها وولدها، وكفاية مؤنتها، وصيانتها عن الزّنا الموجب للحدّ‏.‏ وذهب الشّافعيّة على الأصحّ عندهم، إلى أنّ لوليّ الصّغير أن يزوّج أمته إذا ظهرت الغبطة ‏(‏الحظّ الماليّ‏)‏‏.‏ وإن كان مالك الأمة امرأةً فمذهب الشّافعيّ وهو رواية عن أحمد‏:‏ أنّ من يتولّى تزويج المرأة يتولّى تزويج أمتها، ولا يزوّجها إلاّ بإذن سيّدتها لأنّها مالها، فلا يتصرّف فيها أحد إلاّ بإذنها‏.‏

المهر والنّفقة والاستخدام

82 - إذا زوّج السّيّد أمته فمهرها له‏;‏ لأنّها ملكه ذاتًا ومنفعةً، وهذا قول الجمهور‏.‏ وقال مالك‏:‏ مهرها لها، وهي أحقّ به من السّيّد، لقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ وآتوهنّ أجورهنّ‏}‏‏.‏ هذا ما ذكره القرطبيّ عنه، وفي الزّرقانيّ أنّ المنقول عن مالكٍ في ذلك فيه خلاف‏.‏ وإذا زوّج السّيّد أمته امتنع عليه الاستمتاع بها، ويبقى له منفعة استخدامها، فتكون على ما ذكره الشّافعيّة والحنابلة عنده نهارًا‏;‏ لأنّه وقت الخدمة، وتكون عند زوجها ليلًا‏;‏ لأنّه وقت الاستمتاع، فإن تبرّع السّيّد بأن تكون عند الزّوج ليلًا ونهارًا كانت عنده‏.‏ وحيث كانت عند السّيّد فعليه نفقتها في وقته، وحيث كانت عند الزّوج فعليه نفقتها في وقته‏.‏ هذا مذهب الحنابلة وهو الأصحّ للشّافعيّة‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ نفقة الأمة المزوّجة على زوجها بكلّ حالٍ‏.‏ وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ نفقة الزّوجة الأمة على السّيّد على كلّ حالٍ‏;‏ لأنّها لا تجب إلاّ بالتّمكين التّامّ، ولم يوجد‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ السّيّد إذا زوّج أمته فليس عليه أن يبوّئها بيت الزّوج، لكنّها تخدم الوليّ، ويقال للزّوج‏:‏ متى ظفرت بها وطئتها، فإن بوّأها معه فلها النّفقة والسّكنى، وإلاّ فلا‏.‏

أولاد الحرّ من الأمة

83 - إذا تزوّج الحرّ أمةً فأولاده منها أرقّاء تبعًا لأمّهم، فيولدون على ملك السّيّد، وقد صرّح الحنفيّة بأنّ ذلك ما لم يشترط الزّوج في عقد النّكاح، حرّيّة أولاده منها، فإن شرطه صحّ وعتق جميع أولاده منها من ذلك النّكاح لأنّه في معنى تعليق الحرّيّة بالولادة، ثمّ إن مات السّيّد أو باع الأمة الزّوجة فالصّحيح أنّ الشّرط قائم ويعتق من يولد بعد ذلك أيضًا‏.‏ واتّفقوا على أنّه إن أعتق السّيّد أولاد أمته فعلى الأب الحرّ نفقتهم، قال المالكيّة‏:‏ إلاّ أن يعدم أو يموت فعلى السّيّد‏;‏ لأنّ من أعتق صغيرًا ليس له من ينفق عليه فنفقته على معتقه، لأنّه يتّهم أنّه إنّما أعتقه ليسقط عن نفسه نفقته‏.‏ ولو أنّ الزّوج اشترى زوجته الأمة انفسخ نكاحه كما تقدّم، فإن كانت حاملًا منه صار الحمل محكومًا بحرّيّته‏;‏ لأنّها صارت أمّ ولدٍ له، ولو كان العلوق أثناء الرّقّ‏.‏ صرّح بذلك القليوبيّ من الشّافعيّة‏.‏

زواج الحرّة على الأمة

84 - من تزوّج أمةً بشروطها، ثمّ أمكنه زواج الحرّة فتزوّجها، فقد تقدّم أنّه لا ينفسخ نكاح الأمة‏.‏ ويثبت المالكيّة للحرّة هنا الحقّ في فسخ نفسها إن لم تكن علمت بأنّه متزوّج بأمةٍ، قالوا‏:‏ ذلك لما يلحقها من المعرّة‏.‏ قال المالكيّة‏:‏ ويكون فسخها بطلقةٍ واحدةٍ بائنةٍ، فإن أوقعت أكثر من واحدةٍ لم يقع إلاّ واحدة‏.‏ قالوا‏:‏ وكذا لو تزوّج على الحرّة أمةً يكون للحرّة الخيار‏.‏

العشرة والقسم

85 - يستمتع الزّوج من زوجته الأمة بمثل ما يستمتع به من الحرّة، ويجتنب الدّبر والحيضة، لكن لا يعزل عن الحرّة إلاّ برضاها، ولا يعزل عن زوجته الأمة عند الحنابلة وهو قول أبي حنيفة إلاّ برضا سيّدها لأنّ الحقّ له في الولد‏.‏ وقال صاحبا أبي حنيفة‏:‏ الحقّ في الإذن لها خاصّةً‏;‏ لأنّ الوطء حقّها إذ تثبت لها المطالبة به، وفي العزل تنقيص حقّها فيشترط رضاها كالحرّة‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ ليس للزّوج أن يعزل عن زوجته الأمة إلاّ بإذن السّيّد وإذنها، لأنّ العزل ينقص الاستمتاع‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يحرم العزل عن الحرّة والأمة، زوجةً أو سرّيّةً، بالإذن وغير الإذن‏.‏ والحقّ في الاستمتاع للأمة لا لسيّدها، فلو تنازلت عن حقّها في القسم صحّ، ولو رضيت بعيب الزّوج فلا فسخ‏.‏ وللزّوجة الأمة الحقّ في أن يقسم لها، بخلاف السّرّيّة‏.‏ ولها عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة نصف ما يقسم للحرّة، فللأمة ليلة مقابل كلّ ليلتين للحرّة‏.‏ فإن كنّ إماءً كلّهنّ وجب العدل بينهنّ، قال الحنابلة - وهو وجه عند الشّافعيّة -‏:‏ فيقسم لهنّ ليلةً وليلةً لا أكثر، كما لو كنّ كلّهنّ حرائر، إلاّ أن يرضين بالزّيادة‏.‏ قالوا‏:‏ والحقّ في القسم للأمة لا لسيّدها، فلها أن تهب ليلتها لضرّتها أو لزوجها، وليس لسيّدها الاعتراض، وقال المالكيّة‏:‏ يجب التّسوية بين الزّوجة الحرّة والزّوجة الأمة في القسم‏.‏ وإن تزوّج أمةً بكرًا أقام عندها سبعًا ثمّ دار، وإن كانت ثيّبًا أقام عندها ثلاثًا ثمّ دار، كما يفعل مع الحرّة‏.‏ ولو تبيّن الزّوج عنّينًا فرضيت به كان لسيّدها المطالبة بالفسخ عند أبي حنيفة، وقال الشّافعيّة وأبو يوسف‏:‏ الطّلب لها‏.‏ وهذه المسألة فرع عن مسألة العزل وقد تقدّمت‏.‏

استبراء الزّوجة الأمة

86 - من اشترى أمةً لم يحلّ له وطؤها من غير استبراءٍ، وذلك ليتحقّق براءة رحمها ‏(‏ر‏:‏ استبراء‏)‏‏.‏ أمّا من تزوّج أمةً فقد اختلف فيها، فذهب أبو حنيفة إلى أنّه ليس على الزّوج أن يستبرئها ولو كان المولى يطؤها قبل التّزويج، وعلّلوا ذلك بأنّ عقد النّكاح متى صحّ تضمّن العلم ببراءة الرّحم شرعًا وهو المقصود من الاستبراء، وعلى المولى أن يستبرئها قبل أن يزوّجها‏.‏ وقريب من هذا قول المالكيّة فقد قالوا‏:‏ إنّ على السّيّد أن يستبرئ موطوءته إن أراد تزويجها ويصدّق السّيّد إن قال‏:‏ إنّه استبرأها قبل التّزويج‏.‏ وذهب أبو يوسف إلى أنّ على الزّوج أن يستبرئها استحسانًا‏.‏

النّوع الثّاني‏:‏ زواج العبد بالأمة

87 - يجوز أن يتزوّج العبد أمةً، ولا يشترط في ذلك شيء من الشّروط المتقدّمة لزواج الحرّ بالأمة، ولا يصحّ ذلك إلاّ بإذن سيّد العبد وسيّد الأمة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏أيّما عبدٍ تزوّج بغير إذن سيّده فهو عاهر‏}‏ وفي قولٍ عند الحنفيّة‏:‏ يكون نكاحه موقوفًا على إجازة السّيّد‏.‏ إذا كان للسّيّد عبد وأمة فله أن يزوّج عبده أمته، ويشترط إذن العبد عند من لا يجيز إجباره على النّكاح وهم الحنفيّة والمالكيّة‏.‏ وإذا زوّج عبده من أمته فلا مهر عند من قال‏:‏ إنّ مهر الأمة لسيّدها‏.‏ ومهر زوجة العبد في كسبه هو إن كان له كسب في قول الشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة، فإن لم يكن عنده ما ينفق، يفرّق بينهما بطلب الزّوجة، وليس للسّيّد منعه من الكسب، ثمّ قال الشّافعيّة‏:‏ ليس على العبد أن ينفق على زوجته إلاّ نفقة المعسرين إن كثر ماله‏;‏ لضعف ملكه‏.‏ والمعتمد عند الحنابلة أنّ النّفقة على السّيّد سواء ضمنها أو لم يضمنها، وسواء باشر هو العقد أو باشره العبد بإذنه، وسواء كان مأذونًا له في التّجارة أم لا‏;‏ لأنّه حقّ تعلّق بالعبد برضا سيّده فيضمنه، فعلى هذا لو باع السّيّد العبد أو أعتقه لم يسقط المهر عن السّيّد‏.‏ وتعلم غالب أحكام هذا النّوع من النّكاح، بمراجعة زواج الحرّ بالأمة السّابق ذكره‏.‏

النّوع الثّالث‏:‏ زواج العبد بالحرّة

88 - لا يمتنع شرعًا أن يتزوّج العبد حرّةً، وله أن يجمع بين حرّةٍ وأمةٍ، ولكن لا يحلّ له أن يتزوّج سيّدته‏;‏ لأنّ أحكام النّكاح تتنافى مع أحكام الملك، فإنّ كلّ واحدٍ منهما يقتضي أن يكون الطّرف الآخر بحكمه يسافر بسفره ويقيم بإقامته وينفق عليه فيتنافيان‏;‏ ولأنّ مقتضى الزّوجيّة قوامة الرّجل على المرأة بالحفظ والصّون والتّأديب، والاسترقاق يقتضي قهر السّادات للعبيد بالاستيلاء والاستهانة، فيتعذّر أن تكون سيّدةً لعبدها وزوجةً له‏.‏ ولو أنّ الزّوجة الحرّة ملكت زوجها العبد انفسخ نكاحهما‏.‏ وممّا يدلّ لصحّة زواج العبد بحرّةٍ ما ورد في قصّة ‏{‏بريرة، فإنّها كانت زوجةً لعبدٍ اسمه مغيث، فلمّا أعتقت، قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم لو راجعتيه‏.‏ فقالت يا رسول اللّه أتأمرني ‏؟‏ قال‏:‏ إنّما أنا شفيع‏.‏ قالت‏:‏ لا حاجة لي فيه‏}‏‏.‏ فلا يشفع إليها النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أن تنكح عبدًا إلاّ والنّكاح صحيح‏.‏ ولكن لمّا كان العبد غير كفءٍ للحرّة فلا تتزوّجه إلاّ برضا أوليائها، فإن تزوّجته فلمن لم يرض منهم الفسخ‏.‏ وهذا قول مالكٍ والشّافعيّ وأحمد، وهو قول الصّاحبين، على أنّ المنقول عنهما أنّ ذلك في الأولياء إذا تساووا في الدّرجة‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن رضي بعضهم ورضيت المرأة لم يكن لباقي الأولياء الفسخ‏.‏ وأخذ العلماء من قصّة بريرة أيضًا أنّ الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ يكون لها الخيار بين البقاء معه وبين الفسخ‏.‏ وصرّح الحنفيّة بأنّ الفسخ يقع بمجرّد اختيارها ولا يتوقّف على حكم القاضي لظهوره وعدم الخلاف فيه‏.‏ وولد العبد من زوجته الحرّة أحرار‏;‏ لأنّ الولد تابع لأمّه حرّيّةً ورقًّا‏.‏

إنفاق العبد على أولاده

89 - إن كان أولاد العبد أحرارًا، كأن تكون أمّهم حرّةً، أو يكونوا من أمةٍ فيعتقهم السّيّد، فلا تلزم أباهم العبد نفقتهم، وكذا لا تلزمه نفقة أحدٍ من أقاربه سواهم‏;‏ لأنّ نفقة الأقارب تجب على سبيل المواساة وليس العبد أهلها‏.‏ وتكون النّفقة على من يليه من أقاربهم على ما يذكر في باب النّفقات، فإن لم يكن من تلزمه نفقتهم كانت في بيت المال‏.‏ وإن كانوا أرقّاء فليس على أبيهم العبد نفقتهم أيضًا، وتلزم نفقتهم سيّدهم‏.‏

عدد زوجات العبد

90 - اختلف في العدد الّذي يجوز للعبد أن يجمعه من النّساء، فقيل‏:‏ لا يتزوّج أكثر من امرأتين، وهذا مذهب الحنفيّة والحنابلة، واحتجّوا بما ورد عن عمر وعليٍّ وعبد الرّحمن بن عوفٍ في ذلك‏.‏ وبما روى ليث بن أبي سليمٍ عن الحكم بن عتيبة أنّه قال‏:‏ أجمع أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ العبد لا ينكح أكثر من اثنتين، ولكون أحكام الرّقيق على النّصف من أحكام الأحرار من حيث الجملة‏.‏ وقيل‏:‏ له أن يتزوّج أربعًا، وهو مذهب المالكيّة، قالوا‏:‏ لعموم آية‏:‏ ورباع لأنّ النّكاح من العبادات، والعبد والحرّ فيهما سواء‏.‏

أحكام نكاح العبد

91 - الأصل أنّ أحكام نكاح العبد كأحكام نكاح الأحرار، إلاّ ما يستثنى من ذلك، وهو قليل، ومنه - غير ما تقدّم - أنّ العبد إن وطئ الحرّة في نكاحٍ لم يحصنها، كما أنّ نكاح الأمة لا يحصن الحرّ، فلو تزوّجت عبدًا فوطئها ثمّ زنت حدّت حدّ البكر وهو مائة جلدةٍ ولم ترجم‏;‏ لعدم إحصانها‏.‏ وهذا قول جمهور العلماء‏.‏ وقال مالك‏:‏ إن كان أحد الزّوجين حرًّا والآخر مملوكًا وتمّ الوطء فالحرّ منهما محصن فيرجم إن زنى‏.‏

الإيلاء من الزّوجة الأمة، وإيلاء العبد من زوجته

مذهب الشّافعيّة وظاهر مذهب أحمد أنّ الإيلاء من الزّوجة الأمة كالإيلاء من الزّوجة الحرّة، وسواء كان الزّوج عبدًا أو حرًّا، وللأمة المطالبة بالوطء بعد الأشهر الأربعة وإن عفا السّيّد‏;‏ لأنّ الحقّ لها في الاستمتاع، فإن تركت المطالبة لم يكن لسيّدها الطّلب‏.‏ واحتجّوا على الأشهر الأربعة بعموم آية الإيلاء‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ مدّة الإيلاء إن كان الزّوج عبدًا شهران ولو كانت زوجته حرّةً، فإن كان المولى حرًّا فالمدّة أربعة أشهرٍ ولو كانت زوجته أمةً‏.‏ واحتجّوا بالقياس قياسًا على العدّة‏.‏

الخلع

إن خالعت الأمة زوجها على مالٍ في الذّمّة بغير إذن السّيّد صحّ الخلع عند الجمهور ولا يلزم سيّدها أداء المال، بل يكون في ذمّتها تؤدّيه إن عتقت، وقيل‏:‏ يتعلّق برقبتها فتباع فيه، فإن كان بإذن السّيّد لزمه وتعلّق بذمّته هو‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ لا يصحّ خلعها بغير إذن السّيّد‏.‏ وإن خالع العبد زوجته صحّ الخلع‏;‏ لأنّه يملك الطّلاق على غير مالٍ فملك الخلع، وهو طلاق أو فسخ على مالٍ، والحقّ في العوض للسّيّد‏.‏ فإن كانت الأمة مأذونًا لها في التّجارة، أو تملك شيئًا من المال عند من يقول بأنّها تملك المال، لزمها المال‏.‏

الظّهار والكفّارات

94 - إذا كان المظاهر عبدًا لم يجب عليه التّكفير إلاّ بالصّيام‏;‏ لأنّه لا يستطيع الإعتاق ولا الإطعام، فهو كالحرّ المعسر وأسوأ منه حالًا‏.‏ لكن إن أذن له سيّده في الإعتاق أو الإطعام ففي إجزائه قولان‏:‏ الأوّل‏:‏ أنّه لا يجزئه لو أعتق ولو أذن له سيّده في التّكفير بالعتق، وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة ورواية عن أحمد، وذلك لأنّه هو مملوك لا يملك، فيقع تكفيره بمال غيره فلم يجزئه‏.‏ والثّاني‏:‏ يجزئه الإطعام المأذون فيه دون العتق المأذون فيه، وهذا قول مالكٍ وقول للشّافعيّة‏;‏ لأنّ العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث، وليس ذلك للرّقيق‏.‏ والثّالث‏:‏ إن أذن له سيّده في التّكفير بالمال جاز سواء كان إطعامًا أو عتقًا، وهذا قول ثانٍ للشّافعيّة، ورواية عن أحمد وقول الأوزاعيّ‏.‏ ثمّ قال الشّافعيّة‏:‏ فإن أعتق فالولاء موقوف، فإن عتق فالولاء له، وإن دام رقّه فالولاء لسيّده‏.‏ ولو أذن له سيّده في العتق أو الإطعام لم يجب عليه شيء منهما حتّى عند من يقول بإجزائهما‏;‏ لأنّ الصّيام فرضه‏.‏ وصرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في قولٍ ثالثٍ لهم‏:‏ بأنّ للسّيّد مع ذلك منعه من الصّوم إن أضرّ بخدمته‏.‏ قال الحنفيّة‏:‏ وهذا في غير كفّارة الظّهار، أمّا فيها فليس له المنع‏;‏ لأنّه يتعلّق بها حقّ الزّوجة‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ ليس له أن يمنعه ولو أضرّ بخدمته‏;‏ لأنّه واجب لحقّ اللّه تعالى كالصّلاة المفروضة وصوم رمضان‏.‏ وممّا تقدّم يعلم حكم التّكفير في اليمين أو القتل إذ تنطبق عليهما الأحكام السّابقة بقدرهما‏.‏

الطّلاق

95 - اختلف الفقهاء في عدد الطّلاق في نكاح الرّقيق‏.‏ فذهب الجمهور ‏(‏المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏، وهو مرويّ عن عمر وابن عبّاسٍ وسعيد بن المسيّب وإسحاق وابن المنذر وغيرهم إلى أنّ عدد الطّلاق معتبر بالزّوج، فإن كان الزّوج حرًّا فإنّه يملك على زوجته ثلاث تطليقاتٍ ولو كانت أمةً‏.‏ وإن كان الزّوج عبدًا فإنّه يملك تطليقتين لا غير، ولو كانت زوجته حرّةً، فإن طلّقها الثّانية بانت منه ولم تحلّ له حتّى تنكح زوجًا غيره‏.‏ واستدلّوا لذلك بما روى الدّارقطنيّ بسنده عن عائشة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏طلاق العبد تطليقتان ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجًا‏}‏‏.‏ وبأنّ الرّجل هو المخاطب بالطّلاق فكان معتبرًا به‏;‏ ولأنّ الطّلاق خالص حقّ الزّوج، وهو ممّا يختلف بالحرّيّة والرّقّ اتّفاقًا، فكان اختلافه به‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ الطّلاق معتبر بالنّساء، فإن كانت الزّوجة حرّةً فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبدًا، وإن كانت أمةً فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حرًّا‏.‏ وهو مرويّ عن عليٍّ وابن مسعودٍ، والحسن وابن سيرين، وعكرمة وعبيدة السّلمانيّ، ومسروقٍ، والزّهريّ، والثّوريّ وغيرهم‏.‏ واحتجّوا بحديث ‏{‏طلاق الأمة اثنتان وعدّتها حيضتان‏}‏‏.‏ ولأنّ المرأة محلّ الطّلاق فهو معتبر بها كالعدّة‏.‏ وذهب ابن عمر رضي الله عنهما إلى أنّ أيّهما رقّ نقص الطّلاق برقّه‏.‏ وإنّما ذهبوا من حيث الجملة إلى نقص طلاق الرّقيق عن طلاق الأحرار قياسًا على الحدّ الّذي قال اللّه تعالى فيه‏:‏ ‏{‏فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب‏}‏ إلاّ أنّه لمّا كان التّنصيف يقتضي أن يكون طلقةً ونصفًا، ولا نصف للطّلقة، حتّى لو قال‏:‏ أنت طالق نصف طلقةٍ طلقت طلقةً كاملةً، فلذا كان طلاق الرّقيق طلقتين على الخلاف المتقدّم في من يعتبر به الطّلاق من الزّوجين‏.‏ ثمّ إن طلّق العبد زوجته مرّتين أو ثلاثًا على الخلاف المتقدّم لم تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجًا غيره، فلو لم تنكح زوجًا آخر لكن أصابها سيّدها بملك اليمين لم تحلّ لمطلّقها بذلك بدلالة الآية‏.‏ ولو أنّ زوجها بعد أن طلّقها كلّ ما يملكه من الطّلاق اشتراها لم يحلّ له وطؤها بملك اليمين ما لم تنكح زوجًا آخر‏.‏

تطليق السّيّد على العبد

96 - لو طلّق السّيّد زوجة عبده لم يقع طلاقه سواء كانت الزّوجة حرّةً أو أمةً، وسواء كانت أمةً للسّيّد أم لغيره‏.‏ وقد قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما‏:‏ ‏{‏أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إنّ سيّدي زوّجني أمته، وهو يريد أن يفرّق بيني وبينها قال‏:‏ فصعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم المنبر فقال‏:‏ يا أيّها النّاس ما بال أحدكم يزوّج عبده أمته ثمّ يريد أن يفرّق بينهما، إنّما الطّلاق لمن أخذ بالسّاق‏}‏‏.‏ وحقّ الرّجعة في الطّلاق الرّجعيّ هو للعبد لا لسيّده، فله المراجعة ولو لم يأذن السّيّد‏.‏ والأمة تثبت عليها الرّجعة أيضًا ولو لم يرض سيّدها‏.‏

انفساخ نكاح الأمة بملك زوجها لها

97 - صرّح الحنابلة بأنّه إذا ملك الزّوج زوجته الأمة انفسخ نكاحه لها بأيّ وجهٍ كان الملك، سواء أكان بشراءٍ، أو بقبولها هبةً، أو وصيّةً، أو بالميراث، أو غير ذلك‏.‏ ولو أوصى السّيّد بجاريته لزوجها الحرّ، ومات، فقبل الزّوج الوصيّة، انفسخ النّكاح‏;‏ لأنّ النّكاح لا يجتمع مع الملك، ثمّ من قال بأنّه تملك الوصيّة بالقبول، فحينئذٍ ينفسخ النّكاح‏.‏ ومن قال بأنّه إذا قبل تبيّن أنّه ملك الموصى به من حين الموت يقول‏:‏ إنّ الانفساخ يتبيّن حصوله بالموت‏.‏

بيع الأمة المزوّجة هل يكون فسخًا لنكاحها

98 - إذا باع السّيّد أمته المزوّجة لغير زوجها فلا ينفسخ نكاحها عند جمهور العلماء‏.‏ وروي عن ابن مسعودٍ، وأبيّ بن كعبٍ، وجابرٍ وأنسٍ رضي الله عنهم، أنّ بيع الأمة يكون طلاقًا لها، لظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النّساء إلاّ ما ملكت أيمانكم‏}‏ وهو مرويّ عن ابن عبّاسٍ والتّابعين، قال ابن حجرٍ‏:‏ بأسانيد صحيحةٍ، وذكر منهم سعيد بن المسيّب، والحسن ومجاهدًا، وعكرمة، والشّعبيّ‏.‏ ا هـ‏.‏ ونقل القرطبيّ عن ابن عبّاسٍ بيعها طلاقها، والصّدقة بها طلاقها، وأن تورث طلاقها واحتجّ الجمهور بالقياس على بيع العين المؤجّرة‏:‏ لا تنفسخ الإجارة بالبيع، فكذا هنا، وبقصّة بريرة، فإنّها لمّا أعتقت خيّرت، أي فلم يكن عتقها طلاقًا، فكذا بيعها‏.‏ وهذا بخلاف سبي المرأة الكافرة، فإنّ الآية نزلت فيها، فتحلّ لمن وقعت في سهمه بعد استبرائها‏.‏

عدّة الأمة

99 - تنتهي عدّة الأمة إن كانت حاملًا بوضع الحمل كالحرّة‏.‏ فإن لم تكن حاملًا، وكانت العدّة من وفاةٍ فهي على النّصف من عدّة الحرّة، فتكون شهرين وخمسة أيّامٍ‏.‏ فإن كانت العدّة من طلاقٍ وكانت الأمة ممّن يحضن كانت عدّتها قرأين، وهما حيضتان، أو طهران، على الخلاف المعروف في تفسير القرء، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏طلاق الأمة اثنتان وعدّتها حيضتان‏}‏‏.‏ وهذا لأنّ الرّقّ منصّف، والحيضة لا تتجزّأ، فأكملت فصارت قرأين‏.‏‏.‏ وقد أشار عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى ذلك بقوله‏:‏ لو استطعت أن أجعلها حيضةً ونصفًا لفعلت‏.‏ وإن كانت ممّن لا يحضن لصغرٍ، أو إياسٍ، وكذا الّتي بلغت بالسّنّ ولم تحض، فعدّتها عند الحنفيّة، وفي القول الأظهر للشّافعيّ، وروايةٍ عن أحمد‏:‏ شهر ونصف، على النّصف من عدّة الحرّة، ولم يكمل الشّهر الثّاني‏;‏ لأنّ الأشهر متجزّئة، فأمكن تنصيفها‏.‏ وقيل‏:‏ تكون عدّتها شهرين، وهذا قول ثانٍ للشّافعيّ، ورواية ثانية عن أحمد عليها المذهب، وهو مرويّ عن عطاءٍ والزّهريّ وإسحاق‏;‏ لأنّ الأشهر بدل من القروء، وعدّة الّتي تحيض قرءان، فعدّة الّتي لا تحيض شهران‏.‏ وقال مالك وربيعة‏:‏ تكون عدّتها ثلاثة أشهرٍ، كالحرّة، ولأنّ العدّة للعلم ببراءة الرّحم وذلك معنًى لا تختلف فيه الأمة عن الحرّة، وهذا أيضًا قول ثالث للشّافعيّ، ورواية ثالثة عن أحمد وهو مرويّ عن الحسن ومجاهدٍ وعمر بن عبد العزيز والنّخعيّ‏.‏

حداد الأمة على زوجها، وسكناها مدّة العدّة

100 - يجب على الأمة الإحداد على زوجها المتوفّى مدّة عدّتها، وذلك لأنّها مخاطبة بحقوق اللّه تعالى فيما ليس فيه إبطال لحقّ مولاها، وليس في الإحداد إبطال لحقّه‏.‏ وصرّح الحنفيّة بأنّها لا تمنع من الخروج‏;‏ لأنّه لو لزمها فات حقّ السّيّد في استخدامها‏.‏ وعند الحنفيّة أيضًا يجب عليها الحداد للطّلاق البائن‏.‏ ولكن تخرج في العدّة بخلاف الحرّة‏.‏ وحيث استحقّت الأمة المزوّجة السّكنى في حياة زوجها فإنّها تستحقّها مدّة العدّة، على ما صرّح به الشّافعيّة‏.‏

اللّعان

101 - إن قذف الزّوج زوجته بالزّنا وأحدهما أو كلاهما رقيق، فقد اختلف العلماء في صحّة اللّعان بينهما‏:‏ فذهب مالك، وأحمد في الرّواية المنصوصة عنه الّتي رواها الجماعة من أصحابه إلى صحّة اللّعان بينهما، سواء كان الزّوج حرًّا أو عبدًا، وسواء كانت الزّوجة حرّةً أو مملوكةً‏.‏ وهو منقول عن سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسارٍ، والحسن، وربيعة، وإسحاق‏.‏ ويستدلّ لهذا القول بعموم آيات اللّعان‏;‏ ولأنّ اللّعان يمين فلا يفتقر إلى اشتراط الحرّيّة‏;‏ ولأنّ الزّوج إذا كان عبدًا يحتاج إلى نفي الولد، فيشرع اللّعان طريقًا له إلى نفي الولد‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان أحد الزّوجين أو كلاهما مملوكًا فلا لعان، وهو مرويّ أيضًا عن الزّهريّ والثّوريّ والأوزاعيّ وحمّادٍ، قالوا‏:‏ لأنّ اللّعان شهادة على ما نصّ عليه الكتاب، والرّقيق ليس من أهلها‏.‏ وفي قولٍ للقاضي من الحنابلة‏:‏ إنّه إذا كانت المقذوفة أمةً فيصحّ اللّعان لنفي الولد خاصّةً، وليس له لعانها لإسقاط القذف والتّعزير‏;‏ لأنّ الحدّ لا يجب، واللّعان إنّما يشرع لإسقاط حدٍّ أو نفي ولدٍ، فإذا لم يكن ولد امتنع اللّعان‏.‏

النّسب

102 - ولد الحرّة منسوب إلى زوجها وإن كان عبدًا إذا أتت به تامًّا لأقلّ مدّة الحمل من حين عقد عليها وهي ستّة أشهرٍ فأكثر، ما لم يزد عن أكثر مدّة الحمل منذ فارقها‏.‏ وولد الأمة إن كانت ذات زوجٍ لاحق بزوجها، على ما ذكر في الحرّة‏.‏ فإن كانت الأمة غير ذات زوجٍ فأتت بولدٍ لمدّة الإمكان، فإن كان سيّدها وطئها وثبت ذلك باعترافه، أو بأيّ طريقٍ كان، فأتت بالولد بعد ستّة أشهرٍ من وطئه، لحقه نسبه عند جمهور العلماء من غير استلحاقٍ وصارت أمّ ولدٍ له ولو لم يستلحقه، ولو نفاه وأنكره ما دام مقرًّا بالوطء أو ثبت عليه، وليس له نفيه‏.‏ فإن نفاه لم ينتف عنه، إلاّ أن يدّعي أنّه استبرأها بحيضةٍ فأتت بالولد بعد أكثر من ستّة أشهرٍ من استبرائه لها‏.‏ ولا لعان بين الأمة وسيّدها، وقيل‏:‏ له اللّعان للنّفي‏.‏ واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏الولد للفراش‏}‏ وقد صارت الأمة بالوطء فراشًا‏.‏ واستدلّوا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ ‏{‏حصّنوا هذه الولائد فلا يطأ رجل وليدته ثمّ ينكر ولدها إلاّ ألزمته إيّاه‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏ما بال رجالٍ يطئون ولائدهم ثمّ يعزلونهنّ، لا تأتيني وليدة يعترف سيّدها أنّه أتاها إلاّ ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا‏}‏‏.‏ ثمّ إن أقرّ بالولد فليس له نفيه بعد ذلك، وكذا إن هنئ به فسكت‏.‏ وقال أبو حنيفة والثّوريّ‏:‏ لا تصير الأمة بالوطء فراشًا، ولا يلحقه ولدها إذا ترك الاعتراف به أو سكت ما لم يقرّ بولدها، فإن أقرّ به لحقه ذلك الولد وسائر أولادها بعد ذلك‏.‏ ولو وطئها في الفرج فعزل عنها أو وطئها دون الفرج لم تكن بذلك فراشًا، ولا يلحقه ولدها وقيل‏:‏ بلى‏.‏ ولو أتت بولدٍ من زنًا لم يلحقه‏.‏ وحيث لا يلحق الولد سيّدها يكون عبدًا له، ما لم يكن الوطء بشبهةٍ‏.‏

الحضانة

103 - ذهب جمهور الفقهاء ‏(‏الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏ إلى أنّ الحضانة لا تثبت للرّقيق‏;‏ لأنّه لا يملك منافع نفسه، والحضانة إنّما تحصل بتلك المنافع‏.‏ ولأنّ الحضانة ولاية، ولا ولاية لرقيقٍ‏.‏ وعلى هذا فلو كانت أمّ الطّفل مملوكةً وكان ولدها حرًّا فحضانته لمن يلي الأمّ في استحقاق الحضانة إن كان حرًّا، وكذا إن كان الأب عبدًا فلا حضانة له‏.‏ قال صاحب كشّاف القناع‏:‏ فإن أذن السّيّد جاز‏;‏ لانتفاء المانع‏.‏ واستثنى الشّافعيّة صورةً‏:‏ وهي أن تسلّم أمة لكافرٍ له منها ولد، فحضانته لها، لأنّها فارغة إذ يمنع سيّدها من قربانها‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّ الأمّ الرّقيقة أحقّ بولدها الحرّ‏;‏ لأنّها أمّ مشفقة فأشبهت الحرّة‏.‏ قالوا‏:‏ فإن بيعت الأمة فنقلت كان الأب أحقّ به‏.‏ لكن قالوا‏:‏ إن تسرّر بها الزّوج بعد طلاقها تسقط حضانتها، لأنّها حينئذٍ بمنزلة الحرّة تتزوّج‏.‏ وأمّا إن كان الولد رقيقًا فسيّده أحقّ بحضانته من أمّه وأبيه ولو كانا حرّين‏;‏ لأنّه مملوك له، وصور رقّه مع حرّيّة الأمّ متعدّدة، منها‏:‏ أن يولد من رقيقةٍ فتعتق هي دون ولدها‏.‏ لكن ليس له أن يفرّق بينه وبين أمّه، لما ورد من النّهي عن التّفريق بين الوالدة وولدها‏.‏

الرّضاع

104 - للأمة إرضاع ولدها حرًّا كان أو عبدًا، ويجب على السّيّد تمكينها من ذلك، وعليه أن لا يسترضع الأمة لغير ولدها‏;‏ لأنّ فيه إضرارًا بالولد للنّقص من كفايته وصرف اللّبن المخلوق له إلى غيره مع حاجته إليه، فلا يجوز كنقص الكبير عن كفايته‏.‏ فإن كان في لبنها فضل عن كفاية ولدها فلسيّدها التّصرّف فيه بإجارتها للإرضاع، كما لو مات ولدها وبقي لبنها‏.‏

الرّقيق والوصايا

أ - وصيّة الرّقيق‏:‏

105 - إن وصّى العبد بمالٍ ثمّ مات على الرّقّ بطلت وصيّته‏;‏ لأنّه لا مال له بل ما بيده لسيّده‏.‏ أمّا إن أعتق ثمّ مات ولم يغيّر وصيّته فإنّها تكون عند الحنابلة وفي قولٍ للشّافعيّة صحيحةً لأنّ قوله صحيح وأهليّته تامّة‏;‏ ولأنّ الوصيّة يصحّ صدورها ممّن لا مال له، كما لو وصّى، الفقير الّذي لا مال له ثمّ استغنى‏.‏ وقال المالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ‏:‏ تكون باطلةً أيضًا ولو أذن السّيّد‏;‏ لعدم أهليّة الملك فيه‏.‏

ب - ‏(‏الوصيّة للرّقيق‏)‏‏:‏

106 - إن أوصى السّيّد بعتق عبده صحّت الوصيّة إجماعًا، بشرطها، ويكون تدبيرًا ‏(‏ر‏:‏ تدبير‏)‏ وإن أوصى السّيّد لعبده بجزءٍ شائعٍ من ماله فقد اختلف الفقهاء في صحّة ذلك‏:‏ فذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في قولٍ إلى أنّ الوصيّة بذلك صحيحة، وتصرف جميعها إلى عتق العبد، فإن خرج العبد من الوصيّة عتق واستحقّ باقيها بعد قيمته، وإن لم يخرج عتق منه بقدر الوصيّة‏.‏ ثمّ قال الحنفيّة‏:‏ يستسعى بعد ذلك فيما بقي منه على الرّقّ‏.‏ ووجه الصّحّة‏:‏ أنّ الجزء الشّائع يتناول العبد لأنّه من جملة الثّلث الشّائع‏.‏ والوصيّة له بنفسه تصحّ ويعتق، وما فضل يستحقّه لأنّه يصير حرًّا فيملك بالوصيّة، فيصير كأنّه قال‏:‏ أعتقوا عبدي من ثلثي وأعطوه ما فضل منه‏.‏ والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه يكون له بنسبة ذلك الجزء من رقبته ومن سائر التّركة‏.‏ وإن أوصى له بمعيّنٍ كثوبٍ أو دارٍ، أو بمائة درهمٍ مثلًا، فالجمهور على أنّ الوصيّة باطلة‏;‏ لأنّ العبد يكون ملكًا للورثة، فما وصّى له به يكون ملكًا لهم، فكأنّه أوصى للورثة بما يرثونه‏.‏ وقال مالك وأبو ثورٍ وهو رواية عن أحمد‏:‏ تصحّ‏.‏ وفي قولٍ للشّافعيّة‏:‏ الوصيّة للرّقيق باطلة بكلّ حالٍ إلاّ أن يوصي بعتقه‏.‏ أمّا إن أوصى بمالٍ لعبد غيره فيصحّ اتّفاقًا‏.‏ ثمّ إن عتق فالمال له‏.‏ وإن بقي على الرّقّ فللسّيّد‏.‏ ولا يشترط إذن السّيّد في القبول عند الجمهور لأنّه كسب، كالاحتطاب‏.‏ وفي قولٍ للشّافعيّة خلاف الأصحّ‏:‏ يفتقر إلى إذن سيّده، كالبيع والشّراء‏.‏

ج - ‏(‏الإيصاء إلى الرّقيق‏)‏‏:‏

107 - اختلف الفقهاء في الإيصاء إلى الرّقيق‏:‏ فذهب المالكيّة والحنابلة إلى صحّة الإيصاء إليه سواء أكان عبده أم عبد غيره، وذلك لأنّه تصحّ استنابته في الحياة فصحّ أن يوصي إليه كالحرّ‏.‏ ثمّ قال المالكيّة‏:‏ إن كانت الوصيّة لعبد غيره، فإن كانت بإذن السّيّد في القبول فليس له الرّجوع بعد ذلك‏.‏ وإن كان بغير إذنه فليس للعبد التّصرّف بغير إذنه‏.‏ وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمّد‏:‏ لا تصحّ الوصيّة إلى الرّقيق بحالٍ‏;‏ لأنّه لا يكون وليًّا على ابنه بالنّسب فلا يكون وصيًّا على أولاد غيره‏;‏ ولأنّ في الإيصاء إليه على ورثة الموصي إثبات الولاية للمملوك على المالك، وهو قلب للمشروع‏.‏ وقال الأوزاعيّ، والنّخعيّ، وابن شبرمة‏:‏ يصحّ الإيصاء إلى عبد نفسه ولا يصحّ إلى عبد غيره‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ يصحّ الإيصاء إلى الرّقيق على أولاد الموصي إن كانوا صغارًا ولم يكن فيهم رشيد‏.‏ فإن كان فيهم كبير لم يصحّ‏;‏ لأنّ للكبير بيعه أو بيع نصيبه منه فيعجز عن القيام بالوصاية‏.‏ أمّا إن لم يكن فيهم كبير فتصحّ‏;‏ لأنّه يكون مكلّفًا مستبدًّا بالتّصرّف، وليس لأحدٍ عليه ولاية، فإنّ الصّغار وإن كانوا مالكين له لكن لمّا أقامه أبوهم مقام نفسه صار مستبدًّا بالتّصرّف مثله بلا ولايةٍ لهم عليه‏.‏ وقال أبو حنيفة أيضًا‏:‏ لا يصحّ الإيصاء إلى عبد الغير أصلًا، فلو أوصى إليه ثمّ أعتق لم يخرجه القاضي عن الوصاية‏.‏ أمّا إن لم يعتق فيخرجه ويبدّله بغيره‏.‏

إرث الرّقيق

107 م - الرّقّ أحد موانع الإرث، فالرّقيق لا يرث أحدًا من أقاربه، لأنّه مملوك يورث عن مالكه فلا يرث، وذلك بالإجماع إلاّ ما روي عن الحسن وطاووسٍ أنّه يرث، ويكون ما يرثه لسيّده كسائر كسبه، والمملوك لا يورث لأنّه لا مال له، وعلى القول بأنّه يملك ملكًا ضعيفًا فإنّ ماله يئول لسيّده اتّفاقًا‏.‏

الرّقيق والتّبرّعات

108 - تجوز الهبة من الرّقيق بإذن سيّده، لأنّ الحجر عليه لحقّ سيّده، فإن أذنه في الهبة انفكّ حجره فيها‏.‏ فإن لم يأذن له لم يجز‏.‏ وذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى والثّوريّ وهو المقدّم عند الحنابلة إلى أنّه ليس للرّقيق أن يضمن أحدًا بغير إذن سيّده ولو كان مأذونًا له في التّجارة، لأنّه عقد يتضمّن إيجاب مالكٍ فلم يصحّ بغير إذنٍ كالنّكاح‏.‏ وذهب الشّافعيّة في أصحّ الوجهين عندهم والحنابلة في احتمالٍ إلى أنّه يصحّ ضمانه‏;‏ لأنّه أهل للتّصرّف، ولا ضرر فيه على السّيّد، ويتّبع به بعد العتق‏.‏ فإن أذن له السّيّد أن يضمن ليكون القضاء من المال الّذي بيده صحّ‏.‏

قبول الرّقيق للتّبرّعات

109 - للرّقيق أن يقبل التّبرّعات من هبةٍ أو هديّةٍ أو عطيّةٍ ولو بغير إذن سيّده، لأنّه تحصيل منفعةٍ كالاحتشاش والاصطياد، وتكون لسيّده لا له‏.‏ ولو أبى العبد قبول الهبة فقد ذهب المالكيّة على الرّاجح عندهم إلى أنّه ليس للسّيّد أن يجبره على قبولها‏.‏

الحجر على الرّقيق

110 - الرّقيق في الأصل محجور عليه شرعًا لحظّ سيّده‏.‏ فليس له أن يبيع أو يشتري بعين المال، أو يتّجر أو يستأجر أو يؤجّر، ولو أن يؤجّر نفسه إلاّ بإذن سيّده، فإن فعل شيئًا من ذلك دون إذنٍ كان تصرّفه باطلًا أو موقوفًا، على الخلاف في تصرّف المحجور عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ يصحّ الشّراء لأنّ الثّمن يتعلّق بالذّمّة‏.‏ وإذا لزم الرّقيق المحجور عليه دين بغير رضا سيّده، كأن اشترى في الذّمّة أو اقترض، فقد ذهب الشّافعيّة، وهو رواية عن أحمد، إلى أنّ الدّين يتعلّق بذمّته يتّبعه الغريم به إذا عتق وأيسر، كالحرّ، وكالأمة إذا اختلعت من زوجها بغير إذنٍ‏.‏ وفي روايةٍ عند الحنابلة‏:‏ يتعلّق الدّين برقبته كأرش جنايته، فإن شاء سيّده فداه، ولا يلزمه فداؤه بما يزيد عن قيمته، وإن شاء سلّمه للدّائن عوض دينه‏.‏

الرّقيق المأذون

111 - يجوز للسّيّد أن يأذن لرقيقه في التّصرّف والمتاجرة، قال ابن قدامة‏:‏ بغير خلافٍ نعلمه‏;‏ لأنّ الحجر عليه كان لحقّ سيّده، فجاز له التّصرّف بإذنه‏.‏ ثمّ قد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الإذن يتحدّد بقدر ما أذن السّيّد، وينفكّ عنه حجره بقدر ما أذن له فيه، ويستمرّ الحجر في القدر الّذي لم يؤذن له فيه، فإن دفع إليه مالًا يتّجر به كان له أن يبيع ويشتري ويتّجر فيه، إن أذن له أن يشتري في ذمّته جاز‏.‏ وإن عيّن له نوعًا من المال يتّجر فيه جاز، ولم يكن له الاتّجار في غيره، ولم يجز له أن يؤجّر نفسه، ولا أن يؤجّر مال التّجارة كدوابّها، ولا أن يتوكّل لإنسانٍ‏;‏ لأنّ الإذن لم يقتض ذلك‏.‏ وعند الجمهور وزفر من الحنفيّة يتصرّف الرّقيق المأذون بالوكالة والنّيابة عن سيّده‏.‏ وليس له عند الشّافعيّة أن يتصدّق بشيءٍ من مال التّجارة - ولو يسيرًا - ما لم يعلم برضا سيّده بذلك‏.‏ وقال الحنابلة في هذا مثل قول الحنفيّة كما يأتي‏.‏ قال الجمهور‏:‏ ولا بدّ من الإذن بالقول، فلو رأى السّيّد عبده يتّجر فلم ينهه لم يصر بذلك مأذونًا‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّقيق المأذون ينفكّ عنه الحجر في ما هو من باب التّجارة‏.‏ قالوا‏:‏ والإذن هنا إنّما هو إسقاط للحقّ، وليس توكيلًا أو إنابةً، ثمّ يتصرّف الرّقيق لنفسه بمقتضى أهليّته، فلا يتوقّت بوقت ولا يتخصّص بنوعٍ، فلو أذن لعبده يومًا أو شهرًا صار مأذونًا مطلقًا حتّى يعيد الحجر عليه لأنّ الإسقاط لا يتوقّت‏.‏ وإذا أذن له في نوعٍ عمّ إذنه الأنواع كلّها ولو نهاه عنها صريحًا، كأن قال‏:‏ اشتر البزّ ولا تشتر غيره، فتصحّ منه كلّ تجارةٍ‏.‏ قال الحنفيّة‏:‏ ويثبت الإذن للعبد في التّجارة دلالةً، فلو رأى السّيّد عبده يبيع ويشتري ما أراد فسكت السّيّد صار العبد بذلك مأذونًا، إلاّ أنّهم فرّقوا بين ما قصد به من الإذن الاستخدام، كأن يطلب من عبده شراء شيءٍ لحاجته، فلا يكون ذلك إذنًا في التّجارة، وبين ما قصد به فكّ الحجر‏.‏ قالوا‏:‏ وللمأذون أن يبيع ويشتري، ويوكّل بالبيع والشّراء، ويرهن ويرتهن، ويعير الثّوب والدّابّة‏;‏ لأنّه من عادة التّجّار، وله أن يصالح عن قصاصٍ وجب على عبده، وتقبل الشّهادة على العبد المأذون إن لم يحضر مولاه‏.‏ ويجوز له أن يأخذ الأرض إجارةً أو مساقاةً أو مزارعةً، ويشارك عنانًا لا مفاوضةً، وله أن يستأجر ويؤجّر، وله أن يؤجّر نفسه ويقرّ بنحو وديعةٍ أو غصبٍ، ويهدي طعامًا يسيرًا بما لا يعدّ سرفًا، وأن يضيف الضّيافة اليسيرة، وليس له أن يعتق عبده ولو على مالٍ، ولا أن يقرض أو يهب ولو بعوضٍ، ولا يكفل بنفسٍ أو مالٍ، ولا يصالح عن قصاصٍ وجب عليه‏.‏ وفي الهداية‏:‏ لا بأس بقبول هديّة العبد التّاجر وإجابة دعوته واستعارة دابّته بخلاف هديّته الدّراهم والدّنانير، استحسانًا، والقياس بطلانه لأنّه تبرّع، والعبد ليس من أهله، ووجه الاستحسان‏:‏ ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل هديّة سلمان رضي الله عنه حين كان عبدًا‏}‏، ‏{‏وقبل هديّة بريرة رضي الله عنها‏}‏‏.‏ وأجاب بعض الصّحابة دعوة مولى أبي أسيدٍ وكان عبدًا‏;‏ ولأنّ في هذه الأشياء ضرورةً لا يجد التّاجر منها بدًّا، بخلاف نحو الكسوة وإهداء الدّنانير فلا ضرورة فيها‏.‏ وقول المالكيّة قريب من قول الحنفيّة، فقد قالوا‏:‏ إنّ السّيّد إن أذن للعبد في نوعٍ من التّجارة، كالبرّ مثلًا كان كوكيلٍ مفوّضٍ فيما أذن له فيه وفي غيره من باقي الأنواع لأنّه أقعده للنّاس ولا يدرون لأيّ أنواع التّجارة أقعده‏.‏ غير أنّه لا يسوغ له الإقدام على غير ما عيّنه له‏.‏ فإن صرّح له بمنعه من غير النّوع منع منه أيضًا، ثمّ إن أشهر المنع ردّ ما أجراه من البيع والشّراء فيما أشهره، وإن لم يشهره مضى ولم يردّ‏.‏ قالوا‏:‏ وكما يحصل الإذن بقوله‏:‏ أذنتك ‏"‏ ويكون إذنًا له مطلقًا، كذلك يحصل بالإذن الحكميّ، كما لو اشترى له بضاعةً ووضعها بحانوتٍ وأقعده فيه للبيع والشّراء‏.‏ قالوا‏:‏ وللمأذون أن يضع من دينٍ له على شخصٍ، أو يؤخّر دينه الحالّ إلى أجلٍ قريبٍ إن لم تكثر الوضيعة، وله أن يضيف الضّيف للاستئلاف على التّجارة، وله نحو الضّيافة كالعقيقة لولده إن اتّسع المال ولم يكره ذلك سيّده، وله أن يأخذ من غيره مالًا مضاربةً ليعمل فيه لأنّه من التّجارة، وله أن يتسرّى ويقبل الوديعة ولا يقبل التّوكيل، وله أن يتصرّف فيما يوهب له ببيعٍ أو شراءٍ لا بصدقةٍ ونحوها ولا بهبةٍ إلاّ هبة الثّواب ‏(‏الهبة بعوضٍ‏)‏‏.‏ ويجوز الحجر عليه للإفلاس وهو في ذلك كالحرّ‏.‏

اكتساب الرّقيق من المباحات والتقاطه

112 - للرّقيق الاكتساب من المباحات كالاصطياد والاحتطاب، ويكون ما يحصّله لسيّده‏.‏ وكذا لو وجد ركازًا‏.‏ وإن وجد لقطةً فله أخذها وهو بغير إذن سيّده، والتقاطه صحيح، وتجري عليه أحكام اللّقطة‏.‏ وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وفي قولٍ للشّافعيّة‏.‏ بدلالة عموم أحاديث اللّقطة، وقياسًا على التقاط الصّبيّ بغير إذن وليّه‏;‏ ولأنّ الالتقاط تخليص مالٍ من الهلاك فجاز بغير إذن السّيّد، كإنقاذ الغريق والمغصوب‏.‏ وإذا التقط كانت اللّقطة أمانةً في يده، وإن عرّفها حولًا صحّ تعريفه فإذا تمّ الحول ملكها سيّده، وللسّيّد انتزاعها منه أثناء الحول ويتمّم تعريفها‏.‏ وإن تملّكها العبد أثناء الحول أو تصدّق بها ضمنها لصاحبها في رقبته‏.‏ والقول الثّاني للشّافعيّة وهو الأظهر، لا يصحّ التقاط العبد لأنّ اللّقطة في الحول أمانة وولاية وبعده تملّك، والعبد ليس من أهل الولاية ولا من أهل الملك‏.‏

الرّقيق والجنايات

القصاص بين الأحرار والرّقيق

113 - أ - إذا قتل الحرّ المسلم رقيقًا فلا يقتصّ منه عند جمهور العلماء بل يعزّر، سواء كان القاتل سيّدًا للرّقيق أو أجنبيًّا، لما روى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏لا يقاد مملوك من مالكٍ‏}‏‏.‏ وما روى ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏لا يقتل حرّ بعبدٍ‏}‏‏.‏ ويجلد الحرّ إذا قتل عبدًا مائةً عند المالكيّة، لما روى عليّ رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏أنّ رجلًا قتل عبده فجلده النّبيّ صلى الله عليه وسلم مائة جلدةً ونفاه عامًا ومحا اسمه من المسلمين أي من العطاء‏}‏ »‏.‏ ولمفهوم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد‏}‏ ولأنّ العبد منقوص بالرّقّ فلا يكافئ الحرّ‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد - إلاّ عبد نفسه فلا يقتل به، وكذا عبد ولده - لعموم آيات القصاص نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القصاص في القتلى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس‏}‏، ولعموم الأحاديث نحو قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏المسلمون تتكافأ دماؤهم‏}‏‏.‏ وقوله ‏{‏النّفس بالنّفس‏}‏‏.‏ ونقل ابن رشدٍ أنّ النّخعيّ ذهب إلى أنّ الحرّ يقتل بعبد نفسه وعبد غيره لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏من قتل عبده قتلناه‏}‏‏.‏ وأمّا في الأطراف فلا يقتصّ من الحرّ إذا قطع طرف رقيقٍ‏.‏ ونقل ابن رشدٍ في ذلك خلافًا‏.‏ وحيث وجب القصاص فالحقّ للسّيّد، له طلبه، وله العفو عنه‏.‏ وحيث لم يجب القصاص، يجب التّعزير، كما في الحديث المتقدّم‏.‏

114 - ب - وأمّا إذا قتل الرّقيق حرًّا سواء كان المقتول سيّده أو غيره فإنّه يقتل به اتّفاقًا إذا تمّت شروط القصاص، وذلك لعموم آيات القصاص، ولأنّه يقتل بالعبد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعبد بالعبد‏}‏ فقتله بالحرّ أولى لأنّ الحرّ أكمل من العبد‏.‏ وكذا يؤخذ طرف العبد بطرف الحرّ عند الحنابلة‏.‏ وذهب الحنفيّة في المعتمد والمالكيّة إلى أنّه لا يقتصّ من العبد للحرّ في الجراح والأعضاء، قال الزّرقانيّ‏:‏ لأنّه كجناية اليد الشّلّاء على اليد الصّحيحة‏.‏ ونقل ابن رشدٍ أنّ في ذلك عن مالكٍ روايتين‏.‏

115 - ج - وكذلك يقتل الرّقيق بالرّقيق عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد، سواء اتّحدت قيمة القاتل وقيمة المقتول أو اختلفتا، واستدلّوا بعموم آيات القصاص، وبالنّصّ عليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعبد بالعبد‏}‏ ولأنّ تفاوت القيمة في الرّقيق كتفاوت الفضائل في الأحرار، كالعلم والشّرف والذّكورة والأنوثة، فكما أهدر هذا التّفاوت بين الأحرار فوجب القصاص مع وجوده، فكذا تفاوت القيم في الرّقيق‏.‏ وفي روايةٍ أخرى عن أحمد أنّ من شرط القصاص أن لا تكون قيمة القاتل أكثر من قيمة المقتول‏.‏ وروي عن ابن عبّاسٍ‏:‏ ليس بين العبيد قصاص في نفسٍ ولا جرحٍ لأنّهم أموال، ونقله ابن رشدٍ عن الحسن وابن شبرمة وجماعةٍ‏.‏ ويجري القصاص بين العبيد في الأطراف عند المالكيّة والشّافعيّة وفي روايةٍ عند الحنابلة، وهو قول عمر بن الخطّاب - نقله ابن رشدٍ - وقول عمر بن عبد العزيز والزّهريّ وقتادة وأبي ثورٍ وابن المنذر، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن‏}‏ الآية‏.‏ وقال الحنفيّة على المشهور وهو رواية أخرى عن أحمد‏:‏ لا يجري القصاص بينهم فيما دون النّفس‏.‏ وهو قول ابن مسعودٍ والشّعبيّ والنّخعيّ والثّوريّ‏;‏ لأنّ الأطراف من العبيد مال فلا يجري القصاص فيها‏;‏ ولأنّ التّساوي في الأطراف معتبر، فلا تؤخذ الصّحيحة بالشّلّاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، وأطراف العبيد لا تتساوى‏.‏ وحيث يجري القصاص في طرف العبد فاستيفاؤه له وله العفو عنه‏.‏

الدّية والأرش

116 - أ - إذا قتل الحرّ عبدًا، أو عكسه، أو قطعه، أو فعل ذلك عبد بعبدٍ، خطأً، أو عمدًا ولم يجب القصاص، ثبت المال، وهو في الحرّ دية النّفس أو العضو أو الحكومة على ما هو معلوم في باب الدّيات‏.‏ وفي العبد قيمته إذا قتل، مهما كانت، قليلةً أو كثيرةً، حتّى لو كانت تبلغ دية الحرّ أو تزيد عليها أضعافًا، وهذا قول المالكيّة والشّافعيّة وأبي يوسف من الحنفيّة، وهو مرويّ عن سعيدٍ والحسن وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز والزّهريّ والأوزاعيّ وإسحاق قالوا‏:‏ لأنّه مال متقوّم أتلفه - سواء عمده وخطؤه - فيضمنه بكمال قيمته‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ ولا مدخل للتّغليظ في بدل الرّقيق‏.‏ ا هـ‏.‏ وقال أبو حنيفة ومحمّد‏:‏ إن ضمن بالجناية يضمن بقيمته، لكن لو كانت قيمته أكثر من دية حرٍّ أو مثلها ينتقص عن دية الحرّ دينارًا أو عشرة دراهم وهو القدر الّذي يقطع به السّارق، وإن كانت أمةً فعلى النّصف من دية العبد، إلاّ نصف دينارٍ‏.‏ وإن ضمن باليد، بأن غصبه فمات في يده فإنّ الواجب قيمته وإن زاد عن ديةٍ أو دياتٍ‏.‏ ووجه قولهما بأنّ في العبد الآدميّة والماليّة، والآدميّة أعلاهما، فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذّر الجمع بينهما، وذلك في حال الجناية عليه بدليل ثبوت القصاص في العمد، والكفّارة في الخطأ، والقيمة بدل عن الدّية في قليل القيمة بالرّأي، وتنقص فيما زاد عن الدّية لنقص رتبة العبد عن الحرّ، وضمان الغصب بمقابلة الماليّة، فيضمن بكامل قيمته في حالة تلفه مغصوبًا إذ الغصب لا يرد إلاّ على المال‏.‏ وإنّما حدّدوا النّقص في الحالة الأولى بدينارٍ أو عشرة دراهم لأثرٍ ورد عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه‏.‏ ونقل ابن رشدٍ أنّ قومًا من أهل الكوفة قالوا‏:‏ في نفس العبد الدّية كالحرّ، لكن ينقص منها شيء‏.‏

العاقلة وجناية العبد والجناية عليه

117 - لا تحمل العاقلة جناية العبد لأنّه لا عاقلة له‏.‏ وأمّا الجناية على العبد فقد ذهب الجمهور من المالكيّة والحنابلة وهو قول للشّافعيّة، وقول الشّعبيّ والثّوريّ والنّخعيّ واللّيث إلى أنّ الّذي يتحمّل قيمة العبد هو القاتل نفسه إن كان حرًّا وليس عاقلته ولو كان القتل خطأً، لحديث‏:‏ ‏{‏لا تحمل العاقلة لا عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك‏}‏ ولأنّ الواجب القيمة لا الدّية إذ العبد مال‏.‏ وقال الحنفيّة، وهو قول للشّافعيّ، وقول عطاءٍ والزّهريّ والحكم وحمّادٍ‏:‏ تحمل العاقلة نفس العبد كما تحمل الحرّ، قال الحنفيّة‏:‏ ولا تحمل ما دون النّفس من العبد لأنّ الأطراف تعامل كالمال‏.‏

118 - ب - وأمّا أروش جراح العبد وأعضائه فقد اختلف فيها على أقوالٍ‏:‏ فذهب الشّافعيّة في قولٍ ‏(‏هو قديم قولي الشّافعيّ‏)‏ والحنابلة في إحدى الرّوايتين، قوّاها ابن قدامة إلى أنّ السّيّد يستحقّ على الجاني ما نقص من قيمة العبد، فلو كانت قيمته ألفًا، فلمّا قطع يده أو شجّه موضحةً أو غيرها صارت قيمته ثمانمائةٍ فإنّ الأرش يكون مائتين، ولو جبّه وخصاه فلم تنقص قيمته أو زادت، فلا شيء للسّيّد‏.‏ واحتجّوا لهذا القول بأنّ العبد مال، فيجرى في ضمان الإتلاف فيه على قاعدة إتلاف الأموال الأخرى‏.‏ وذهب الشّافعيّة في الأظهر عندهم والحنابلة في روايةٍ عليها المذهب إلى التّفريق بين جنايةٍ ليس لها في الحرّ أرش مقدّر، فيكون أرشها ما نقص من قيمة العبد المجنيّ عليه كما تقدّم، وبين جنايةٍ لها في الحرّ دية مقدّرة شرعًا، فيكون أرشها بنسبة ذلك من قيمته، فلو كانت قيمته ألفًا فقطع يده ففيها خمسمائةٍ، أو قطع أنفه ففيه قيمته كاملةً، مع بقاء العبد على ملك السّيّد، ولو جبّه ثمّ خصاه ففيه قيمته مرّتين عند الشّافعيّة، مع بقاء ملكيّته للسّيّد‏.‏ وقال الحنابلة في مثل الحالة الأخيرة‏:‏ له قيمته كاملةً للجبّ، وقيمته بعد الجبّ للخصاء‏.‏ واحتجّ لهذا القول بما روي عن عليٍّ رضي الله عنه، وروي نحوه عن سعيدٍ، وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وبالقياس على التّقدير في الحرّ، لأنّ العبد ليس بمالٍ من كلّ وجهٍ، بدليل أنّ في قتله القصاص والكفّارة بخلاف سائر الأموال‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى اعتبار التّقدير بالنّسبة، كما تقدّم في القول الثّاني، لكن قالوا‏:‏ إنّه لا يزاد عن دية مثل ذلك العضو من الحرّ، فلو قطع يد عبدٍ ففيها نصف قيمته لو كانت قيمته ألفين أو ثلاثةً أو أكثر، فإن كانت قيمته عشرة آلاف درهمٍ، كدية الحرّ، أو أكثر من ذلك مهما كانت الزّيادة، فإنّ أرش يده خمسة آلافٍ إلاّ خمسة دراهم لا يزاد عليها‏.‏ قالوا‏:‏ لأنّ اليد من الآدميّ نصفه فتعتبر بكلّه، وينقص هذا المقدار إظهارًا لانحطاط رتبته عن رتبة الحرّ‏.‏ وكلّ ما يقدّر من دية الحرّ فهو مقدّر من قيمة العبد‏;‏ لأنّ القيمة في العبد كالدّية في الحرّ إذ هو بدل الدّم‏.‏ قالوا‏:‏ ومن فقأ عيني عبدٍ فقد فوّت جنس المنفعة فإن شاء الوليّ دفع عبده إلى الجاني وأخذ قيمته، وإن شاء أمسكه ولا شيء له من النّقصان عند أبي حنيفة، وقال الصّاحبان‏:‏ بل يكون له إن أمسكه أخذ ما نقصه‏.‏ وذهب المالكيّة إلى التّفريق في الضّمان بين جراحات العبد وبين قطع طرفٍ أو عضوٍ، ففي الجراحات الّتي لها أرش مقدّر في الحرّ يضمن بنسبتها من كامل قيمته، ففي الجائفة أو الآمّة ثلث قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفي منقّلته عشر قيمته ونصف عشرها‏.‏ وفي غير ذلك من الجراح وهو ما ليس فيه مقدّر، يقدّر نقص قيمة العبد فيدفع كاملًا مهما بلغ‏.‏ فإن برئ بلا شينٍ فلا شيء فيه سوى الأدب في العمد‏.‏ وكذا قطع الأعضاء فيها ما نقص من قيمة العبد بسبب ذلك‏.‏ وقد يفهم من متن خليلٍ وشرّاحه أنّ الضّمان في الأعضاء بنسبتها من القيمة‏.‏

الجناية على جنين الأمة

119 - لو جنى على أمةٍ فأسقطت جنينًا حيًّا ثمّ مات، وكان محكومًا برقّه، ففيه قيمته على ما تقدّم‏.‏ أمّا إن أسقطته ميّتًا بعد تخلّقه أو نفخ الرّوح، ففيه عند المالكيّة والشّافعيّة عشر قيمة أمّه ذكرًا كان أو أنثى، وتعتبر قيمتها يوم الجناية‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان أنثى ففيه عشر قيمته لو كان حيًّا، وإن كان ذكرًا ففيه نصف عشر قيمته لو كان حيًّا‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ فيه ما نقص من قيمة أمّه‏.‏

جنايات الرّقيق

120 - إن كان القاتل رقيقًا فما وجب بجنايته من المال سواء أكان دية نفس حرٍّ أو طرفه، أو قيمة عبدٍ أو قيمة طرفه، وسواء كانت الجناية عمدًا فلم يجب القصاص، أو كانت خطأً فعفي عنها على مالٍ، فإنّ ذلك كلّه يجب في رقبته، ولا تتعلّق بذمّته ولا بذمّة سيّده وهكذا جميع الدّيون الّتي تلزمه بسبب الإتلافات، سواء أكان مأذونًا له بالتّجارة أو غير مأذونٍ‏.‏ وهذا قول الشّافعيّة والحنابلة‏.‏ قالوا‏:‏ ولم تتعلّق هذه الدّيون بذمّته لأنّه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حقّ المجنيّ عليه إلى غير غايةٍ، ولم تتعلّق بذمّة السّيّد‏;‏ لأنّه لم يجن، فتعيّن تعلّقها برقبة العبد لأنّ الضّمان موجب جنايته فتعلّق برقبته كالقصاص‏.‏ وفي وجهٍ عند الشّافعيّة‏:‏ تتعلّق أيضًا بذمّة العبد‏.‏ ثمّ إن كان أرش الجناية بقدر قيمة العبد الجاني أو أقلّ، فالسّيّد مخيّر بين أن يدفع أرش الجناية أو يسلّم العبد إلى وليّ الجناية للبيع‏;‏ لأنّه إن دفع أرش الجناية فقد تأدّى الحقّ، وإن سلّم العبد فقد أدّى المحلّ الّذي تعلّق الحقّ به، وحقّ المجنيّ عليه لا يتعلّق بأكثر من الرّقبة، وقد أدّاها، فلا يكون عليه غير ذلك‏.‏ والخيار إلى السّيّد، فلا يلزمه تسليم العبد إن أدّى الأرش، ولا يلزمه الأرش إن سلّم العبد‏.‏ وإن كانت الجناية أكثر من قيمة العبد ففي قولٍ للشّافعيّ وروايةٍ عن أحمد‏:‏ يخيّر سيّده بين أن يفديه بقيمته وبين أن يسلّمه‏.‏ وقال المالكيّة وهو قول آخر للشّافعيّ ورواية أخرى عن أحمد‏:‏ يلزمه تسليمه ما لم يفده بأرش جنايته بالغةً ما بلغت‏;‏ لأنّه يجوز أن يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من ثمنه، فإذا منع تسليمه للبيع لزمه جميع الأرش لتفويته ذلك‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ إذا جنى العبد جناية خطأٍ بقتل نفسٍ قيل لمولاه‏:‏ إمّا أن تدفعه بدلها أو تفديه لما ورد في ذلك عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّه قال‏:‏ إذا جنى العبد فإن شاء دفعه وإن شاء فداه‏.‏ ولأنّ الأصل في الجناية على الآدميّ في حالة الخطأ أن تتباعد عن الجاني تحرّزًا عن استئصاله والإجحاف به، إذ هو معذور فيه حيث لم يتعمّد الجناية، وتجب على عاقلة الجاني إذا كان له عاقلة، والسّيّد عاقلة عبده‏;‏ لأنّ العبد يستنصر به - والأصل في العاقلة النّصرة عند الحنفيّة - فتجب في ذمّته صيانةً للدّم عن الإهدار‏.‏ وهذا عندهم بخلاف جناية العبد على المال لأنّ العواقل لا تحمل المال‏.‏ والواجب الأصليّ من الأمرين عندهم دفع العبد الجاني إلى المجنيّ عليه، ولهذا يسقط بموت العبد لفوات محلّ الواجب، وإن كان له حقّ النّقل إلى الأمر الثّاني وهو الفداء بالأرش‏.‏ قالوا‏:‏ فإن دفعه مالكه ملكه وليّ الجناية، وإن فداه فداه بأرشها، وكلّ من الأمرين يلزم حالًّا، أمّا الدّفع فلأنّ التّأجيل في الأعيان باطل، وأمّا الفداء فلأنّه جعل بدلًا، فيقوم مقامه ويأخذ حكمه فيجب حالًّا‏.‏ وأيّهما اختاره وفعله فلا شيء لوليّ الجناية غيره‏.‏ فإن لم يختر شيئًا حتّى مات العبد بطل حقّ المجنيّ عليه لفوات محلّ الحقّ، وإن مات بعدما اختار الوليّ الفداء لم يبرأ لتحوّل الحقّ من رقبة العبد إلى ذمّة المولى‏.‏ والاختيار قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل فلو أعتق العبد الجاني مع علمه بالجناية لزمه أرش الجناية وكذا كلّ ما يمنع التّسليم كلًّا أو بعضًا، كأن يبيع العبد أو يهبه أو يدبّره، أو يستولد الأمة الثّيّب، أو يطأ البكر‏.‏ وأمّا إذا قتل العبد حرًّا أو عبدًا فالواجب عندهم القصاص كما تقدّم‏.‏

الكفّارة في قتل الرّقيق

121 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ في قتل الرّقيق - بالإضافة إلى قيمته الواجبة لسيّده - الكفّارة ولو قتل عبد نفسه فتجب الكفّارة كذلك، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ‏}‏‏.‏ الآية، ولأنّه مؤمن فأشبه الحرّ، وهي ككفّارة قتل الحرّ سواء، على التّفصيل والخلاف في ذلك ‏(‏ر‏:‏ كفّارة‏)‏‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّه لا تجب كفّارة في قتل العبد لأنّه مال، ويضمن بالقيمة، فلا كفّارة فيه، كما لا كفّارة في إتلاف سائر الممتلكات‏.‏ والتّكفير مع ذلك مستحبّ‏.‏ قال المالكيّة‏:‏ وحكم الرّقيق في التّكفير إذا قتل حرًّا أو عبدًا حكم الحرّ من حيث أصل التّكفير‏.‏ وأمّا ما يكفّر به العبد فقد ذكر في موضعٍ آخر‏.‏

غصب الرّقيق

122 - من غصب عبدًا أو أمةً جرت عليه أحكام الغصب من حيث الجملة ‏(‏ر‏:‏ غصب‏)‏‏.‏ وذلك لأنّ الرّقيق مال فيجري عليه حكم غصب سائر الأموال من حيث الجملة، ومن غصب جاريةً لم تثبت يده على بضعها وهو الجماع، فيصحّ تزويج السّيّد لها، ولا يضمن الغاصب مهرها لو حبسها عن النّكاح حتّى فات نكاحها بالكبر‏.‏ وإن وطئها بعد الغصب فهو زنًا لأنّها ليست زوجته ولا ملك يمينه، فيكون عليه الحدّ بشروطه، ويلزمه مهر مثلها إن لم تكن مطاوعةً اتّفاقًا‏.‏ أمّا إن كانت مطاوعةً فذهب الشّافعيّة في الأصحّ إلى أنّه لا مهر لها، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏نهى عن مهر البغيّ‏}‏‏.‏ وقال البخاريّ‏:‏ وليس في الأمة الثّيّب في قضاء الأئمّة غرم ولكن عليه الحدّ‏.‏ وقال الحنابلة‏:‏ يجب المهر ويكون لسيّدها لأنّه حقّه، فلا يسقط بمطاوعتها كأجر منافعها‏.‏