فصل: ولاء المكاتب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ما يناط بالقدم من أحكامٍ شرعيّةٍ

81 - يذكر الفقهاء أحكام القدم بصفتها عضواً من أعضاء الإنسان في أبوابٍ عدّةٍ من الفقه‏,‏ منها القصاص‏,‏ والتّعزير‏,‏ والوضوء‏,‏ والغسل‏,‏ والتّيمم‏,‏ ويذكرونها بصفتها جزءاً من أجزاء الذّراع للقياس بها أحياناً‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلحاتها‏.‏

س - القصبة‏:‏

82 - من معاني القصبة في اللغة أنّها واحدة القصب والقصبات‏,‏ والقصب هو‏:‏ كل نباتٍ يكون ساقه أنابيب وكعوباً‏,‏ وقال الفيومي‏:‏ كل عشرة أذرعٍ تسمّى قصبةً‏,‏ وكل عشر قصباتٍ تسمّى أشلاً‏,‏ ومضروب الأشل في القصبة قفيز‏,‏ وقال في المعجم الوسيط‏:‏ من معاني القصبة في اللغة أنّها مقياس من القصب طوله في مصر ثلاثة أمتارٍ وخمسة وخمسون من المائة من المتر‏,‏ وجمعها قصب وقصبات‏.‏

وفي اصطلاح الفقهاء‏,‏ قال عميرة‏:‏ القصبة ستّة أذرعٍ وثلثا ذراعٍ‏.‏

وقال الماورديّ‏:‏ والقصبة ستّة أذرعٍ‏,‏ ووافقه على ذلك ابن مفلحٍ‏,‏ إلا أنّه أضاف‏:‏ والقصبة ستّة أذرعٍ بالذّراع العمريّة‏,‏ والقصبة من أجزاء الجريب‏,‏ قال الماورديّ‏:‏ فأمّا الجريب فهو عشر قصباتٍ في عشر قصباتٍ‏.‏

ما يناط بالقصبة من الأحكام الشّرعيّة

83 - القصبة عند الفقهاء من أجزاء الجريب ومن أضعاف الذّراع‏,‏ يعيّرونها بها‏.‏

ع - المرحلة‏:‏

84 - المرحلة في اللغة المسافة الّتي يقطعها المسافر في يومٍ‏,‏ والجمع مراحل‏.‏

والمرحلة في اصطلاح الفقهاء لا تخرج عن معناها اللغويّ‏,‏ وقد حاول الفقهاء ضبطها بالمسافة والزّمن‏.‏

قال ابن عابدين من الحنفيّة‏:‏ قال في النّهاية أي التّقدير بثلاث مراحل قريب من التّقدير بثلاثة أيّامٍ‏,‏ لأنّ المعتاد من السّير في كلّ يومٍ مرحلةً واحدةً خصوصاً في أقصر أيّام السّنة‏.‏ ونقل عن الفتح أنّه قيل‏:‏ يقدّر بواحد وعشرين فرسخاً‏,‏ وقيل‏:‏ بثمانية عشر‏,‏ وقيل‏:‏ بخمسة عشر‏,‏ وكل من قدّر منها اعتقد أنّه مسيرة ثلاثة أيّامٍ‏,‏ أي بناءً على اختلاف البلدان‏.‏

وقال الدسوقي من المالكيّة‏:‏ مرحلتان أي سير يومين معتدلين‏,‏ أو يوم وليلة بسير الإبل المثقّلة بالأحمال على المعتاد‏.‏

وقال الشّربيني الخطيب من الشّافعيّة‏:‏ وهما - أي المرحلتان - سير يومين بلا ليلةٍ معتدلين‏,‏ أو ليلتين بلا يومٍ معتدلتين‏,‏ أو يوم وليلة كذلك بسير الأثقال‏,‏ أي الحيوانات المثقّلة بالأحمال‏,‏ ودبيب الأقدام على العادة المعتادة من النزول والاستراحة والأكل والصّلاة ونحوه‏.‏

ما يناط بالمرحلة من الأحكام الشّرعيّة

85 - أناط الفقهاء بالمراحل السّفر المثبت للرخص كالقصر في الصّلاة وجمع الصّلوات وقد ذهب الجمهور إلى أنّ السّفر المثبت للرخص ما كان قدر مرحلتين وقدّروه بستّة عشر فرسخاً‏,‏ أو أربعة بردٍ‏,‏ أو ثمانيةً وأربعين ميلاً‏.‏

قال الدّردير‏:‏ وهي - أي مسافة السّفر - باعتبار الزّمان مرحلتان أي سير يومين معتدلين، وقال الدسوقي‏:‏ فالعبرة بالأربعة البرد‏.‏

وقال النّووي‏:‏ وطويل السّفر ثمانية وأربعون ميلاً هاشميّةً‏,‏ قال وهو مرحلتان بسير الأثقال‏.‏

وقال المقدسي‏:‏ يبلغ سفره ذهاباً ستّة عشر فرسخاً تقريباً، وهي يومان‏.‏

أمّا الحنفيّة فقد نصوا على أنّ مسافة السّفر المثبت للرخص هي ثلاث مراحل‏,‏ قال ابن عابدين‏:‏ التّقدير بثلاث مراحل قريب من التّقدير بثلاثة أيّامٍ‏,‏ ولا عبرة عند جمهور الحنفيّة للمسافة‏,‏ بل العبرة للزّمن فقط على المذهب‏,‏ وقال الحصكفي‏:‏ ولا اعتبار بالفراسخ على المذهب‏.‏

فالمرحلة من حيث المسافة عند الجمهور تساوي أربعةً وعشرين ميلاً هاشمياً‏,‏ أو بريدين‏,‏ أو ثمانية فراسخ‏,‏ وكلها متساوية‏.‏

وعند الحنفيّة المرحلة ستّة فراسخ‏,‏ وقيل خمسة فراسخ‏,‏ وقيل سبعة فراسخ‏,‏ والفتوى على الأوّل‏.‏

أمّا من حيث الزّمان‏,‏ فالمرحلة عند الجمهور مسيرة يومٍ كاملٍ معتدلٍ‏,‏ أو ليلةٍ كاملةٍ معتدلةٍ بسير الحيوانات المثقّلة بالأحمال‏,‏ واليوم من طلوع الشّمس إلى غيابها‏,‏ ويغتفر وقت النزول المعتاد للرّاحة أو إصلاح المتاع أو الصّلاة‏.‏

أمّا الحنفيّة فالمرحلة عندهم هي مسيرة يومٍ من أقصر أيّام السّنة‏,‏ ولا يشترط سفر كلّ اليوم إلى اللّيل‏,‏ بل من طلوع الفجر الصّادق إلى الزّوال فقط‏,‏ وقد قدّروا ذلك في مصر بسبع ساعاتٍ إلا ربعاً‏,‏ وفي الشّام بستّ ساعاتٍ وثلثي السّاعة‏.‏

ف - المِيل‏:‏

86 - الميل في اللغة‏:‏ بكسر الميم مقدار مدى البصر من الأرض قاله الأزهري‏,‏ وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراعٍ‏,‏ وعند المحدثين أربعة آلاف ذراعٍ‏,‏ قال الفيومي‏:‏ الخلاف لفظي‏,‏ لأنّهم اتّفقوا على أنّ مقداره ست وتسعون ألف إصبعٍ‏,‏ والإصبع ست شعيراتٍ بطن كلّ واحدةٍ إلى الأخرى‏,‏ ولكن القدماء يقولون‏:‏ الذّراع اثنتان وثلاثون أصبعاً والمحدثون يقولون أربع وعشرون إصبعاً‏,‏ وعلى ذلك فالخلاف في الذّراع وليس في الميل‏.‏

والميل في اصطلاح الفقهاء مختلف فيه بينهم على أقوالٍ‏:‏

فذهب الحنفيّة إلى أنّه أربعة آلاف ذراعٍ‏.‏

وللمالكيّة قولان‏:‏ ذهب ابن عبد البرّ إلى أنّه ثلاثة آلاف ذراعٍ وخمسمائة ذراعٍ‏,‏ وقال ابن حبيبٍ‏:‏ الميل ألف باعٍ‏,‏ والباع ذراعان فيكون الميل ألفي ذراعٍ‏,‏ وقال الدسوقي‏:‏ والمشهور أنّ الميل ألفا ذراعٍ‏,‏ والصّحيح أنّه ثلاثة آلاف ذراعٍ وخمسمائةٍ‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ الميل أربعة آلاف خطوةٍ‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ الميل الهاشمي ستّة آلاف ذراعٍ بذراع اليد‏,‏ وهي اثنا عشر ألف قدمٍ‏.‏

ما يناط بالميل من الأحكام الشّرعيّة

87 - ينيط الفقهاء بالميل بعض الأحكام الشّرعيّة‏,‏ أهمها مسافة السّفر المثبت للرخص على أنّه جزء من أجزاء الفرسخ‏,‏ وقد تقدّم ذلك في فرسخ‏.‏

كما يعلّق بعض الفقهاء بالميل مسافة بعد الماء لإباحة التّيمم‏.‏

فقد ذهب الحنفيّة إلى أنّ البعد عن الماء المبيح للتّيمم هو ميل‏,‏ قال الحصكفي‏:‏ من عجز عن استعمال الماء المطلق الكافي لطهارته لصلاة تفوت إلى خلفٍ لبعده ولو مقيماً في المصر ميلاً أربعة آلاف ذراعٍ تيمم‏.‏

وقدّر المالكيّة هذه المسافة بميلين إلا إذا ظنّ أو تيقّن عدم وجود الماء فلا يجب عليه الطّلب أصلاً‏,‏ وكذلك إذا شقّ عليه بالفعل طلبه‏,‏ فإنّه لا يلزمه طلبه‏.‏

وقدّر بعض الشّافعيّة المسافة بنصف فرسخٍ‏,‏ وهو ميل ونصف‏,‏ قال الشّربيني الخطيب‏:‏ لعلّه يقرب من نصف فرسخٍ‏.‏

مُقَارَضَة

انظر‏:‏ مضاربة‏.‏

مُقَاسَمة

التّعريف

1 - المقاسمة لغةً‏:‏ مصدر قاسم يقال‏:‏ قاسم فلان فلاناً‏,‏ أخذ كل منهما قسمه‏,‏ وقاسمته‏:‏ حلفت له‏,‏ وقاسمته المال وهو قسيمي‏,‏ فعيل بمعنى فاعلٍ‏,‏ مثل جالسته ونادمته وهو جليسي ونديمي‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - المشاركة‏:‏

2 - المشاركة في اللغة مصدر شارك يقال‏:‏ شارك فلان فلاناً مشاركةً‏,‏ وفعله الثلاثي‏:‏ شرك‏,‏ يقال‏:‏ شرك فلاناً في الأمر شركاً وشركةً‏:‏ كان لكلّ منهما نصيب منه‏,‏ فهو شريك‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

والصّلة بين المقاسمة والمشاركة التّضاد‏.‏

ب - المحاصّة‏:‏

3 - المحاصّة في اللغة‏:‏ مصدر يقال‏:‏ حاصّه محاصّةً وحصاصاً‏:‏ قاسمه فأخذ كل واحدٍ منهما حصّته أي نصيبه‏,‏ وتحاصّ الغرماء‏:‏ اقتسموا المال بينهم حصصاً‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

والصّلة بين المحاصّة والمقاسمة‏:‏ هو أنّ المقاسمة أعم من المحاصّة‏,‏ لأنّ المحاصّة لا تكون إلا إذا لم يف المال بالحقوق وإن كان الاثنان يشتركان في التّقسيم والإفراز‏.‏

ج - المهايأة‏:‏

4 - المهايأة في اللغة‏:‏ مفاعلة من الهيئة وهي الحالة الظّاهرة للمتهيّئ للشّيء‏,‏ قال الفيومي‏:‏ تهايأ القوم تهايؤاً من الهيئة‏:‏ جعلوا لكلّ واحدٍ هيئةً معلومةً‏,‏ والمراد النّوبة‏,‏ فكل من الشّريكين يرضى بهيئة واحدةٍ ويختارها‏,‏ أو أنّ الشّريك الثّاني ينتفع بالعين على الهيئة الّتي ينتفع بها الشّريك الأوّل‏,‏ أي أن يتواضعوا على أمرٍ فيتراضوا به‏.‏

والمهايأة اصطلاحاً‏:‏ قسمة المنافع‏,‏ لأنّ كلّ واحدٍ فيها إمّا أن يرضى بهيئة واحدةٍ ويختارها‏,‏ وإمّا أنّ الشّريك الثّاني ينتفع بالعين على الهيئة الّتي وقع بها انتفاع شريكه الأوّل‏,‏ فالمقاسمة أعم من المهايأة‏.‏

مقاسمة الجدّ الإخوة في الميراث

5 - ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والصّاحبين من الحنفيّة إلى توريث الإخوة الأشقّاء أو لأبٍ مع الجدّ‏.‏

فقالوا‏:‏ إن لم يكن معه صاحب فرضٍ فللجدّ الأكثر من المقاسمة أو ثلث التّركة‏,‏ وإن كان معه صاحب فرضٍ فله الأكثر من المقاسمة أو ثلث الباقي أو سدس التّركة‏.‏

وتفسير المقاسمة هنا‏:‏ أن يجعل الجدّ في القسمة كأحد الإخوة‏,‏ فيقسم المال بينه وبين الإخوة‏:‏ للذّكر مثل حظّ الأنثيين‏,‏ ويجعل نصيبه مع الإخوة كنصيب واحدٍ منهم‏,‏ وذلك لأنّه يشبه الأب من جهةٍ ويشبه الأخ من جهةٍ أخرى‏,‏ فوفّرنا عليه حقّه من الشّبهين‏,‏ فجعلناه كالأب في حجب الإخوة لأمّ‏,‏ وكالأخ في قسمة الميراث ما دامت المقاسمة خيراً له‏.‏

وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا مقاسمة بين الجدّ والإخوة والأخوات‏,‏ بل الجد يستقل بالمال كالأب‏,‏ وأنّ الجدّ في الميراث كالأب يحجب الإخوة مطلقاً‏:‏ أشقّاءً أو لأبٍ أو لأمّ‏,‏ وهو مذهب أبي بكرٍ الصّدّيق وابن عبّاسٍ وابن عمر وابن الزبير وأبي بن كعبٍ وحذيفة بن اليمان وأبي سعيدٍ الخدريّ ومعاذ بن جبلٍ وأبي موسى الأشعريّ وعائشة رضي اللّه عنهم أجمعين‏.‏

وتفصيل ذلك ينظر في‏:‏ ‏(‏إرث ف 30‏,‏ 31‏)‏‏.‏

خراج المقاسمة

6 - قال الكاساني‏:‏ وأمّا خراج المقاسمة فهو أن يفتح الإمام بلدةً‏,‏ فيمنّ على أهلها‏,‏ ويجعل على أراضيهم خراج المقاسمة‏,‏ وهو أن يؤخذ منهم نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه وأنّه جائز لما روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هكذا فعل لمّا فتح خيبر‏.‏

ويكون حكم هذا الخراج حكم العشر‏,‏ ويكون ذلك في الخارج كالعشر إلا أنّه يوضع موضع الخراج‏,‏ لأنّه خراج في الحقيقة‏.‏

وتفصيله في‏:‏ ‏(‏خراج ف 15‏)‏‏.‏

مقاسمة أحد الشّريكين

7 - قال الفقهاء‏:‏ لو سأل أحد الشّريكين شريكه مقاسمته فامتنع أجبره الحاكم على ذلك إذا أثبت عنده ملكها‏,‏ وكان مثله ينقسم وينتفعان به مقسوماً‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏قسمة ف 12 وما بعدها‏)‏‏.‏

مقاسمة السّاعي الثّمرة بعد جنيها في الرطب والعنب

8 - نصّ الحنابلة على أنّه إذا احتيج إلى قطع الثّمرة قبل كمالها خوفاً من العطش أو لضعف الجمار جاز قطعها‏,‏ وكذلك إذا أراد قطع الثّمرة لتحسين الباقي منها جاز‏,‏ وإذا أراد ذلك فقال القاضي‏:‏ يخيّر السّاعي بين أن يقاسم ربّ المال الثّمرة قبل الجذاذ بالخرص‏,‏ ويأخذ نصيب الفقراء نخلةً مفردةً ويأخذ ثمرتها‏,‏ وبين أن يجذّها ويقاسمه إيّاها بالكيل ويقسم الثّمرة في الفقراء‏,‏ وبين أن يبيعها من ربّ المال أو من غيره قبل الجذاذ أو بعده ويقسم ثمنها في الفقراء‏,‏ وقال أبو بكرٍ‏:‏ عليه الزّكاة فيه يابساً‏,‏ وذكر أنّ أحمد نصّ عليه وكذلك الحكم في العنب الّذي لا يجيء منه زبيب‏,‏ والرطب الّذي لا يجيء منه تمر جيّد‏.‏ وتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏زكاة ف 117‏)‏‏.‏

مَقَاصِد الشّريعة

التّعريف

1 - المقاصد في اللغة‏:‏ جمع مقصدٍ‏,‏ وهو‏:‏ الوجهة أو المكان المقصود‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ لم يتعرّض علماء الأصول إلى تعريف المقاصد‏,‏ والّذي يستخلص من كلامهم في ذلك‏:‏ أنّها المعاني والحكم الملحوظة للشّارع في جميع أحوال التّشريع أو معظمها‏,‏ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوعٍ خاصٍّ من أحكام الشّريعة‏.‏

أنواع المقاصد

2 - قال الشّاطبي في بيان قصد الشّارع في وضع الشّريعة‏:‏ تكاليف الشّريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسامٍ‏:‏

أحدها‏:‏ أن تكون ضروريّةً‏.‏

والثّاني‏:‏ أن تكون حاجيةً‏.‏

والثّالث‏:‏ أن تكون تحسينيّةً‏.‏

وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ‏.‏

مُقاصَّة

التّعريف

1 - المقاصّة في اللغة‏:‏ مصدر قاصّه إذا كان له عليه دين مثل ما على صاحبه‏,‏ فجعل الدّين في مقابلة الدّين‏.‏

ويقال‏:‏ تقاصّ القوم إذا قاصّ كل واحدٍ منهم صاحبه في حسابٍ أو غيره‏.‏

وأمّا في الاصطلاح‏:‏ فالمقاصّة إسقاط دينٍ مطلوبٍ لشخص على غريمه في مقابلة دينٍ مطلوبٍ من ذلك الشّخص لغريمه‏,‏ وهي طريقة من طرق قضاء الديون‏.‏

وقال ابن جزيٍّ من المالكيّة‏:‏ المقاصّة هي اقتطاع دينٍ من دينٍ‏,‏ وفيها متاركة‏,‏ ومعاوضة وحوالة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الحوالة‏:‏

2 - الحوالة في اللغة من حال الشّيء حولاً‏:‏ تحوّل‏,‏ وتحوّل من مكانه‏:‏ انتقل عنه‏,‏ فإذا أحلت شخصاً بدينك فقد نقلته إلى ذمّةٍ غير ذمّتك‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ نقل الدّين من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ أخرى‏.‏

والصّلة بين المقاصّة والحوالة‏:‏ أنّ المقاصّة سقوط أحد الدّينين بمثله بشروطه‏,‏ والحوالة نقل للدّين‏.‏

ب - الإبراء‏:‏

3 - من معاني الإبراء في اللغة‏:‏ التّنزيه والتّخليص والمباعدة عن الشّيء‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ إسقاط الشّخص حقاً له في ذمّة آخر أو قبله‏.‏

والصّلة بين المقاصّة والإبراء‏:‏ أنّ المقاصّة إسقاط بعوض‏,‏ والإبراء إسقاط بغير عوضٍ‏.‏

حكم المقاصّة

4 - المقاصّة مشروعة‏,‏ ودليل مشروعيّتها المنقول والمعقول‏:‏ أمّا المنقول فما ورد عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنّه قال‏:‏ «كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم‏,‏ وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير‏,‏ آخذ هذه من هذه‏,‏ وأعطي هذه من هذه فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في بيت حفصة فقلت‏:‏ يا رسول اللّه‏,‏ رويدك أسألك إنّي أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه‏,‏ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»‏,‏ وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع الّذي في الذّمّة بغيره‏.‏

وأمّا المعقول‏:‏ فلأنّ قبض نفس الدّين لا يتصوّر‏,‏ لأنّه عبارة عن مالٍ حكميٍّ في الذّمّة‏,‏ أو عبارة عن الفعل‏,‏ وكل ذلك لا يتصوّر فيه قبضه حقيقةً‏,‏ فكان قبضه بقبض بدله وهو قبض الدّين‏,‏ فتصير العين المقبوضة مضمونةً على القابض وفي ذمّة المقبوض منه مثلها في الماليّة‏,‏ فيلتقيان قصاصاً‏,‏ هذا هو طريق قبض الديون‏,‏ وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما عليه‏,‏ أو من خلاف جنسه‏,‏ لأنّ المقاصّة إنّما تتحقّق بالمعنى وهو الماليّة‏,‏ والأموال كلها في معنى الماليّة جنس واحد‏.‏

أنواع المقاصّة

5 - المقاصّة نوعان‏:‏

أ - اختياريّة‏:‏ وهي الّتي تحصل بتراضي المتداينين‏.‏

ب - وجبريّة‏:‏ وهي الّتي تحصل بتقابل الدّينين بشروط معيّنةٍ‏.‏

ويشترط لحصول المقاصّة الجبريّة عند جمهور الفقهاء اتّحاد الدّينين جنساً ووصفاً‏,‏ وحلولاً‏,‏ وقوّةً وضعفاً‏,‏ ولا يشترط ذلك في المقاصّة الاختياريّة‏.‏

فإن كان الدّينان من جنسين مختلفين أو متفاوتين في الوصف أو مؤجّلين أو أحدهما حالاً والآخر مؤجّلاً‏,‏ أو أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً فلا يلتقيان قصاصاً إلا بتراضي المتداينين سواء اتّحد سببهما أو اختلف‏.‏

والمالكيّة لا يقولون بالمقاصّة الجبريّة الّتي تقع بنفسها إلا نادراً‏.‏

قال الدسوقيّ‏:‏ غالب أحوال المقاصّة الجواز‏,‏ أمّا وجوبها فهو قليل إذ هو في أحوالٍ ثلاثةٍ وهي‏:‏ إذا حلّ الدّينان‏,‏ أو اتّفقا أجلاً‏,‏ أو طلبها من حلّ دينه‏,‏ فالمذهب وجوب الحكم بالمقاصّة‏.‏

محل المقاصّة الجبريّة وشروطها

6 - محل المقاصّة الدّين فلا تقع بين عينين ولا بين عينٍ ودينٍ إلا إذا تحوّلت العين إلى دينٍ‏,‏ فإن تحوّلت جازت المقاصّة بالدّين الّذي تحوّلت العين إليه بشروطه‏.‏

7 - وقد ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو كان الدّينان من جنسين متفاوتين في الوصف أو الأجل أو كان أحدهما مكسوراً والآخر صحيحاً لا تقع المقاصّة الجبريّة بينهما ما لم يتقاصّ المتداينان باختيارهما‏.‏

وإذا أتلف الدّائن عيناً من مال المديون وكانت من جنس الدّين سقطت قصاصاً‏,‏ وإن كانت من خلافه فلا تقع المقاصّة بلا تراضيهما‏.‏

وطريقة المقاصّة مطلقاً أنّها تقع بقدر الأقلّ من الدّينين‏:‏ فإن كان لأحدهما مائة ريالٍ ديناً على الآخر‏,‏ وللمديون عليه مائة جنيهٍ مثلاً‏,‏ وتقاصّا يسقط من قيمة الجنيهات قصاصاً بقدر الرّيالات ويبقى لصاحب الجنيهات ما بقي منها‏.‏

وكذلك لو كان للدّائن على المديون مائة درهمٍ‏,‏ وللمديون على الدّائن مائة دينارٍ‏,‏ فإذا تقاصّا‏:‏ تصير الدّراهم قصاصاً بمائة من قيمة الدّنانير‏,‏ ويبقى لصاحب الدّراهم ما بقي منها‏.‏

8 - وقال المالكيّة‏:‏ المقاصّة في الديون منها ما يجوز‏,‏ ومنها ما لا يجوز‏,‏ والجواز نظير للمتاركة‏,‏ والمنع تغليب للمعاوضة أو الحوالة إذا لم تتمّ شروطها‏,‏ وإذا قويت التهمة وقع المنع‏,‏ وإن فقدت حصل الجواز‏,‏ وإن ضعفت حصل الخلاف‏.‏

فإذا كان لرجل على آخر دين وكان لذلك الآخر عليه دين فأراد اقتطاع أحد الدّينين من الآخر لتقع البراءة بذلك ففي ذلك تفصيل‏:‏ وذلك أنّه لا يخلو أن يتّفق جنس الدّينين أو يختلفا، فإن اختلفا جازت المقاصّة مثل أن يكون أحد الدّينين عيناً والآخر طعاماً أو عرضاً‏,‏ أو يكون أحدهما عرضاً والآخر طعاماً‏.‏

وإن اتّفق جنس الدّينين فلا يخلو‏:‏

9 - أ - أن يكون أصلهما عينين‏:‏ فتجوز المقاصّة في ديني العين مطلقاً أي سواء كانا من بيعٍ‏,‏ أو من قرضٍ‏,‏ أو أحدهما من بيعٍ والآخر من قرضٍ بشروط هي‏:‏

أن يتّحدا قدراً وصفةً حلّ الدّينان معاً أو حلّ أحدهما أم لا‏,‏ بأن كانا مؤجّلين اتّفق أجلهما أو اختلف‏.‏

وإنّما جازت المقاصّة في هذه الصور‏,‏ لأنّ المقصود المعاوضة والمبارأة وقد تحقّقت‏.‏

وأمّا إن اختلف دينا العين في الصّفة أي‏:‏ الجودة والرّداءة مع اتّحادهما في القدر أي الوزن والعدد سواء كان ذلك مع اتّحاد النّوع كدراهم محمّديّةٍ ويزيديّةٍ‏,‏ أو مع اختلافه كذهب وفضّةٍ‏,‏ فكذلك تجوز المقاصّة إن حلا معاً سواء كانا من بيعٍ أو من قرضٍ أو اختلفا بأن كان أحدهما من بيعٍ والآخر من قرضٍ‏,‏ إذ هي مع اتّحاد النّوع مبادلة ما في الذّمّة‏,‏ ومع اختلافه صرف ما في الذّمّة‏,‏ وهما جائزان بشرط التّعجيل في الأوّل والحلول في الثّاني‏.‏ وإن لم يحلا‏:‏ واتّفقا أجلاً أو اختلفا‏,‏ أو حلّ أحدهما دون الآخر فلا يجوز المقاصّة لأنّها مع اتّحاد النّوع بدل مؤخّر‏,‏ ومع اختلافه صرف مؤخّر وكلاهما ممنوع‏,‏ كأن اتّفقا نوعاً واختلفا زنةً حال كونهما من بيعٍ كدينار كاملٍ ودينارٍ ناقصٍ فتجوز المقاصّة فيهما إن حلا وإلا فلا‏,‏ وكذلك اختلافهما في العدد‏.‏

وإذا كان الدّينان من قرضٍ‏:‏ منعت المقاصّة سواء حلا‏,‏ أو حلّ أحدهما‏,‏ أو لم يحلا‏,‏ اتّفقا أجلاً أو اختلفا‏.‏

وإن كانا من بيعٍ وقرضٍ منعت إن لم يحلا‏,‏ سواء اتّفقا أجلاً أو اختلفا أو حلّ أحدهما‏,‏ فإذا حلا‏:‏ فإن كان الأكثر هو الّذي من بيعٍ منعت‏,‏ لأنّه قضاء عن قرضٍ بزيادة‏,‏ وإن كان من قرضٍ جازت‏,‏ لأنّه قضاء عن بيعٍ بزيادة وهي جائزة‏.‏

10 - ب - إذا كانا طعامين‏:‏ إذا كان الدّينان أصلهما طعامان فلا يخلو‏:‏

أ - أن يكونا من قرضٍ‏:‏ وفي هذه الحالة يكون حكم المقاصّة فيها كحكم ديني العين في صور الجواز والمنع‏.‏

فتجوز إن اتّفقا صفةً وقدراً سواء حلا أو حلّ أحدهما أو لم يحلا‏,‏ اتّفقا أجلاً أو اختلفا‏,‏ أو اختلفا صفةً مع اتّحاد النّوع أو اختلافه‏.‏

ولا تجوز إن لم يحلا أو حلّ أحدهما‏,‏ اتّفقا أجلاً أو اختلفا كأن اختلفا قدراً‏.‏

ب - أن يكونا من بيعٍ‏:‏ حيث تمنع المقاصّة في الطّعامين إذا كانا مرتّبين في الذّمّتين من بيعٍ‏,‏ سواء حلّ أجلهما أو أجل أحدهما أو لم يحلا‏,‏ اتّفق أجلهما أو اختلف‏,‏ ولو متّفقين قدراً وصفةً لأنّه من بيع الطّعام قبل قبضه‏.‏

وقال أشهب‏:‏ تجوز المقاصّة عند اتّفاق الطّعامين في القدر والصّفة‏,‏ والحلول بناءً على أنّها كالإقالة‏.‏

ج - إذا كان الطّعامان من بيعٍ وقرضٍ‏:‏ فإنّ ديني الطّعام إذا كان أحدهما من بيعٍ والآخر من قرضٍ تجوز المقاصّة فيهما بشرطين‏:‏

الأوّل‏:‏ أن يتّفقا في القدر والصّفة والجنس‏.‏

والثّاني‏:‏ أن يكونا حالّين‏.‏

ولا تجوز المقاصّة إن لم يحلا بأن كانا مؤجّلين‏,‏ أو حلّ أحدهما ولم يحلّ الآخر‏,‏ لاختلاف الأغراض باختلاف الأجل‏.‏

11 - ج - إذا كانا عرضين‏:‏ والمراد بالعرض هنا ما قابل العين والطّعام فيشمل الحيوان‏,‏ فتجوز المقاصّة في الدّينين إذا كانا عرضين مطلقاً عن التّقييد بكونهما من بيعٍ أو قرضٍ أو مختلفين وبكونهما حالّين أو مؤجّلين سواء تساويا أجلاً أو لا حلّ أجلهما أو حلّ أحدهما‏,‏ أو لم يحلا‏,‏ لبعد قصد المكايسة في العرض‏,‏ وهذا في الحقيقة بيع وإطلاق المقاصّة عليه مجاز‏,‏ وهذا إن اتّحدا جنساً وصفةً كثوبين هرويّين أو مرويّين‏,‏ أو ثوبين من القطن جيّدين أو رديئين‏.‏

وأمّا إن اختلفا أجلاً‏:‏ بأن أجّلا بأجلين مختلفين مع اختلاف الجنس كثوب وكساءٍ‏,‏ أو ثوبٍ وجوخةٍ منعت المقاصّة إن لم يحلا معاً‏,‏ أو لم يحلّ أحدهما‏,‏ وإلا جازت‏,‏ أي تجوز بحلول أحدهما على المذهب لانتفاء قصد المكايسة‏.‏

وإن اتّحدا جنساً كثوبي قطنٍ‏,‏ والصّفة متّفقة‏:‏ كهرويّين أو مرويّين‏,‏ أو مختلفة‏:‏ كأن كان أحدهما هروياً والآخر مروياً جازت المقاصّة إن اتّفق الأجل‏,‏ وأحرى إن حلا‏,‏ لبعد التهمة‏,‏ وإلا بأن اختلف الأجل مع اختلاف الصّفة فلا تجوز مطلقاً‏:‏ سواء كانا من بيعٍ أو قرضٍ أو مختلفين‏.‏

12 - وللمقاصّة عند الشّافعيّة شروط ذكرها الزّركشي على النّحو التّالي‏:‏

أ - أن يكون في الديون الثّابتة في الذّمّة‏,‏ فأمّا الأعيان فلا يصير بعضها قصاصاً عن بعضٍ لأنّه يكون كالمعاوضة فيفتقر إلى التّراضي‏.‏

ولأنّ الأغراض تختلف في الأعيان‏,‏ بخلاف الديون فإنّها في الذّمّة سواء فلا معنى لقبض أحدهما ثمّ ردّه إليه‏,‏ ومن أجل هذا الشّرط امتنع أخذ مال الغريم بغير إذنه إذا كان مقراً باذلاً للحقّ‏,‏ لأنّه مخيّر في الدّفع من أيّ جهةٍ شاء‏,‏ ولو أخذه ضمنه‏,‏ ولا يقال يصير قصاصاً عن حقّه‏,‏ لأنّ القصاص في الديون لا في الأعيان‏.‏

ب - أن يكون في الأثمان‏,‏ أمّا المثليّات كالطّعام والحبوب فلا تقاصّ فيها‏,‏ صرّح به العراقيون‏,‏ وعلّله الشّيخ أبو حامدٍ‏:‏ بأنّ ما عدا الأثمان يطلب فيها المعاينة‏.‏

وحكى الإمام في جريان المقاصّة في المثليّات وجهين وصحّح جريانه‏,‏ وقال ابن الرّفعة إنّه المنصوص كما حكاه البندنيجي‏.‏

ج - أن يكون الدّينان مستقرّين‏:‏ فإن لم يكن بأن كانا سلمين‏,‏ لم يجز قطعاً وإن تراضيا‏,‏ قاله القاضي والماوردي‏.‏

وكلام الرّافعيّ يقتضي الجواز‏,‏ لكن المنقول عن الأمّ منع التّقاصّ في السّلم‏.‏

د - أن يتّفقا في الجنس والنّوع والحلول والأجل‏,‏ فلو كان أحدهما دراهم والآخر دنانير لم يقع الموقع‏.‏

هـ - أن يكون بعد طلب أحدهما من الآخر‏,‏ فإن كانا مؤجّلين بأجل واحدٍ ولم يطلبه أحدهما من الآخر‏,‏ فقال القاضي حسين‏:‏ لا يجري بلا خلافٍ‏,‏ وقال الإمام فيه احتمال‏.‏

و - أن لا يكون ممّا ينبني على الاحتياط‏,‏ ولهذا قال ابن عبد السّلام‏:‏ ظفر المستحقّ بحقّه عند تعذر أخذه ممّن هو عليه جائز‏,‏ إلا في حقّ المجانين والأيتام والأموال العامّة لأهل الإسلام‏.‏

ز - أن لا يكون في قصاصٍ ولا حدٍّ‏,‏ فلو تقاذف شخصان لم يتقاصّا‏,‏ ولو تجارح رجلان وجب على كلٍّ منها دية الآخر‏.‏

13 - وعلى هذا لو ثبت لشخص على آخر دين‏,‏ وللآخر عليه مثله‏:‏ سواء كان من جهةٍ كسلم وقرضٍ‏,‏ أو من جهتين كقرض وثمنٍ‏,‏ وكان الدّينان متّفقين في الجنس والنّوع والصّفة والحلول‏,‏ وسواء اتّحد سبب وجوبهما كأرش الجناية أو اختلف كثمن المبيع والقرض‏,‏ قال الزّركشي‏:‏ ففيه أربعة أقوالٍ عند الشّافعيّة‏:‏

أصحهما‏:‏ عند النّوويّ وهو ما نصّ عليه في الأمّ أنّ التّقاصّ يحصل بنفس ثبوت الدّينين ولا حاجة إلى الرّضا‏,‏ لأنّ مطالبة أحدهما الآخر بمثل ماله عناد لا فائدة فيه‏.‏

قال الماورديّ وابن الصّبّاغ‏:‏ ولأنّ من مات وعليه دين لوارثه‏,‏ فإنّ ذمّته تبرأ بانتقال التّركة لوارث‏,‏ ولم يكن له بيعها في دينه‏,‏ لعدم الفائدة فيه‏,‏ لانتقال العين إليه‏.‏

والقول الثّاني‏:‏ يسقط أحدهما بالآخر إن تراضيا‏,‏ وإلا فلكلّ منهما مطالبة الآخر‏.‏

والقول الثّالث‏:‏ يسقط برضا أحدهما‏.‏

والقول الرّابع‏:‏ لا يسقط ولو تراضيا‏.‏

14 - وأمّا شروط المقاصّة عند الحنابلة من حيث جنس الدّينين والأجل والصّفة فإنّها تؤخذ ممّا ذكروه من أمثلةٍ في هذا الصّدد ومنها ما قاله ابن قدامة‏:‏ إن كان لكلّ واحدٍ منهما على صاحبه دين‏,‏ وكانا نقدين من جنسٍ واحدٍ حالّين أو مؤجّلين أجلاً واحداً تقاصّا وتساقطا‏,‏ ولا يجوز إن كانا نقدين من جنسين كدراهم ودنانير‏,‏ لأنّه بيع دينٍ بدين‏,‏ وقد «نهى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع الكالئ بالكالئ»‏,‏ فأمّا إن كانا عرضين‏,‏ أو عرضاً ونقداً لم تجز فيهما بغير تراضيهما بحال سواء كان العرض من جنس حقّه أو غير جنسه‏,‏ وإن تراضيا بذلك لم يجز أيضاً‏,‏ لأنّه بيع دينٍ بدين‏.‏

صور من المقاصّة

تجري المقاصّة في بعض المسائل الفقهيّة منها‏:‏

المقاصّة في الزّكاة

15 - نصّ الشّافعيّة على أنّه إذا كان لشخص على فقيرٍ دين‏,‏ فقال جعلته عن زكاتي‏,‏ لا يجزيه في الأصحّ حتّى يقبضه ثمّ يردّه إليه إن شاء‏.‏

وعلى الثّاني يجزيه كما لو كان له وديعة‏.‏

مقاصّة دين الزّوج بنفقة زوجته ومهرها

16 - نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كان للزّوج على الزّوجة دين لا يقع قصاصاً بدين النّفقة للزّوجة إلا بالتّراضي‏,‏ بخلاف سائر الديون‏,‏ لأنّ دين النّفقة أدنى‏,‏ ولكن لو قال الزّوج احسبوا لها نفقتها منه كان له ذلك لأنّ أكثر ما في الباب أن تكون النّفقة لها ديناً عليه‏,‏ فإذا التقى الدّينان تساويا قصاصاً ألا ترى أنّ له أن يقاصّ بمهرها‏,‏ فالنّفقة أولى‏.‏

وأمّا مقاصّة المهرين فجائز في الجملة كما نصّ عليه الشّافعيّة بقولهم‏:‏ لو جاءت الكفّار امرأة منّا مرتدّة‏,‏ وهاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة‏,‏ وطلبها زوجها‏,‏ فلا نغرم له المهر‏,‏ بل نقول هذه بهذه‏,‏ ونجعل المهرين قصاصاً‏,‏ ويدفع الإمام المهر إلى زوج المرتدّة‏,‏ ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة‏,‏ هذا إن تساوى القدران‏,‏ وأمّا إن كان مهر المهاجرة أكثر‏,‏ صرفنا مقدار مهر المرتدّة منه إلى زوجها‏,‏ والباقي إلى المهاجرة‏,‏ وإن كان مهر المرتدّة أكثر‏,‏ صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها‏,‏ والباقي إلى زوج المرتدّة‏,‏ وبهذه المقاصّة فسّر المفسّرون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا‏}‏‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّ من وجبت عليه نفقة امرأته وكان له عليها دين فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها‏,‏ فإن كانت موسرةً فللزّوج ذلك‏,‏ لأنّ من عليه حق فله أن يقضيه من أيّ أمواله شاء‏,‏ وهذا من ماله‏.‏

وإن كانت معسرةً لم يكن له ذلك‏,‏ لأنّ قضاء الدّين إنّما يجب في الفاضل من قوّته‏,‏ وهذا لا يفضل عنها‏.‏

المقاصّة في الغصب

17 - نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كان للغاصب دين على صاحب العين المغصوبة من جنسها فلا تصير العين قصاصاً في دينه إلا إذا تقاصّا‏,‏ وكانت العين مقبوضةً في يده‏,‏ فإن لم تكن في يده فلا تقع المقاصّة حتّى يذهب إلى مكان العين المغصوبة ويأخذها‏.‏

وأمّا مقاصّة نفقات المغصوب فقد نصّ المالكيّة على أنّه إذا أنفق الغاصب على الشّيء المغصوب كعلف الدّابّة‏,‏ ومؤنة العبد وكسوته وسقي الأرض وعلاجها‏,‏ وخدمة شجرٍ ونحوه يحسب له من الغلّة الّتي تكون لربّه كأجرة العبد والدّابّة والأرض ويقاصص ربّه من الغلّة‏,‏ وهذا مذهب ابن القاسم في الأظهر‏,‏ ويرجع الغاصب بالأقلّ ممّا أنفق والغلّة‏,‏ فإن كانت النّفقة أقلّ من الغلّة غرم الغاصب زائد الغلّة للمالك‏,‏ وإن كانت النّفقة أكثر فلا رجوع له بزائد النّفقة لظلمه‏,‏ وإن تساويا فلا يغرم أحدهما للآخر شيئاً‏.‏

قالوا‏:‏ وعلى هذا فالنّفقة محصورة في الغلّة‏,‏ أي‏:‏ لا تتعدّاها لذمّة المغصوب منه‏,‏ ولا لرقبة المغصوب‏,‏ وحينئذٍ فلا يرجع الغاصب بزائد النّفقة على ربّه ولا في رقبته‏,‏ وليست الغلّة محصورةً في النّفقة‏,‏ بل تتعدّاها للغاصب فيرجع المغصوب منه على الغاصب بما زادته الغلّة على النّفقة‏.‏

والمنقول عن ابن عرفة ترجيح القول بأنّه‏:‏ لا نفقة للغاصب لتعدّيه ولربّه أخذ الغلّة بتمامها مطلقاً أنفق أو لا‏.‏

المقاصّة في الوديعة

18 - نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كان لرجل عند رجلٍ آخر وديعة وللمودَع على صاحب الوديعة دين هو من جنس الوديعة لم تصر الوديعة قصاصاً بدين إلا إذا اجتمعا وتقاصّا حالة كون الوديعة موجودةً في يد الوديع حقيقةً‏,‏ فإن لم تكن في يده فلا تقع المقاصّة حتّى يذهب إلى مكان الوديعة ويأخذها‏.‏

ويقرب من هذا ما ذكره الزّركشي من الشّافعيّة بقوله‏:‏ إذا كان لشخص على الفقير دين‏,‏ فقال جعلته عن زكاتي لا يجزيه في الأصحّ حتّى يقبضه‏,‏ ثمّ يردّه إليه إن شاء كما لو كان له وديعة‏.‏

المقاصّة في الوكالة‏:‏

19 - نصّ الحنفيّة على أنّه لو كان للمشتري على الموكّل دين تقع المقاصّة‏,‏ ولو كان للمشتري على الوكيل والموكّل دين تقع المقاصّة بدين الموكّل أيضاً دون دين الوكيل‏,‏ حتّى لا يرجع الموكّل على الوكيل بشيء من الثّمن‏,‏ وهذا لأنّ المقاصّة إبراء بعوض فتعتبر بالإبراء بغير عوضٍ‏,‏ ولأنّا لو جعلناه قصاصاً بدين الوكيل احتجنا إلى قضاءٍ آخر‏,‏ فإنّ الوكيل يقضي للموكّل‏,‏ ولو جعلناه قصاصاً بدين الموكّل لم نحتج إلى قضاءٍ آخر فجعلناه قصاصاً بدين الموكّل قصراً للمسافة‏,‏ فقد أثبتنا حكماً مجمعاً عليه فإنّ الموكّل يملك إسقاط الثّمن عن المشتري بالإجماع‏,‏ ولو جعلناه قصاصاً بدين الوكيل لأثبتنا حكماً مختلفاً فيه لأنّ الوكيل يملك الإبراء عن المشتري عند أبي حنيفة ومحمّدٍ وليس عند أبي يوسف‏.‏

وتقع المقاصّة بدين الوكيل إذا كان للمشتري عليه دين وحده عند أبي حنيفة ومحمّدٍ‏,‏ لأنّ الوكيل يملك الإبراء بغير عوضٍ عن المشتري عندهما‏,‏ فيملك المقاصّة أيضاً‏,‏ لأنّها إبراء بعوض‏,‏ فتعتبر بالإبراء بغير عوضٍ‏,‏ ولكنّه يضمنه للموكّل في الإبراء والمقاصّة‏.‏

المقاصّة في السّلم

20 - اختلف الفقهاء في جواز المقاصّة في عقد السّلم على النّحو التّالي‏:‏

ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو وجب على المسلم إليه دين مثل رأس المال بعقد متقدّمٍ على السّلم‏,‏ بأن كان رب السّلم باع من المسلم إليه ثوباً بعشرة دراهم ولم يقبض العشرة حتّى أسلم إليه عشرة دراهم في حنطةٍ‏,‏ فإن جعل الدّينين قصاصاً أو تراضيا بالمقاصّة يصير قصاصاً‏,‏ وإن أبى أحدهما لا يصير قصاصاً‏,‏ وهذا استحسان‏.‏

وأمّا إن وجب الدّين على المسلم إليه بعقد متأخّرٍ عن السّلم لا يصير قصاصاً وإن جعلاه قصاصاً‏.‏

هذا إذا كان وجوب الدّين بالعقد‏,‏ وأمّا إذا وجب الدّين بالقبض كالغصب والقرض وكان الدّينان متساويين‏,‏ فإنّه يصير قصاصاً‏,‏ سواء جعلاه قصاصاً أم لا‏,‏ بعد أن كان وجوب الدّين الآخر متأخّراً عن عقد السّلم‏.‏

وأمّا إذا تفاضل الدّينان‏:‏ بأن كان أحدهما أفضل والآخر أدون‏,‏ فرضي أحدهما بالنقصان‏,‏ وأبى الآخر‏,‏ فإن أبى صاحب الأفضل لا يصير قصاصاً‏,‏ وإن أبى صاحب الأدون يصير قصاصاً‏.‏

وقال الكرابيسي من الحنفيّة‏:‏ لا تجوز المقاصّة في السّلم‏,‏ فإذا قال شخص لآخر أسلمت إليك عشرة دراهم فأراد أن يجعله قصاصاً بما له عليه من دينٍ لم يجز‏,‏ لأنّ عقد السّلم لا يجوز ابتداؤه بما في الذّمّة‏,‏ فلم يجز صرف العقد إليه وإذا لم يجز صرفه إليه فإذا لم ينقده في المجلس بطل كما لو لم يكن له عليه دين‏.‏

وعند الشّافعيّة قال الزّركشي‏:‏ المنقول عن الأمّ منع التّقاصّ في السّلم لأنّ من شروط جواز المقاصّة في الديون أن يكون الدّينان مستقرّين‏,‏ وهنا ليس كذلك‏.‏

وعدم الجواز مفهوم من عبارات الحنابلة حيث قالوا‏:‏ ولا يصح عقد السّلم بما في ذمّة المسلم إليه‏,‏ بأن يكون له عليه دين‏,‏ فيجعله رأس مال سلمٍ‏,‏ لأنّه بيع دينٍ بدين فهو داخل تحت النّهي‏.‏

المقاصّة في الكفالة

21 - نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كان لكفيل المديون دين على الدّائن المكفول له من جنس الدّين المكفول به‏,‏ فالدّينان يلتقيان قصاصاً من غير رضاهما‏.‏

وإن كان من غير جنس الدّين المكفول فلا يلتقيان قصاصاً إلا بتراضي الدّائن المكفول له مع كفيل المديون لا مع المديون‏.‏

المقاصّة في الوقف والوصيّة

22 - نصّ الحنفيّة على أنّه إذا آجر ناظر وقفٍ أهليٍّ - انحصر ريع الوقف المزبور فيه نظراً واستحقاقاً - أراضي الوقف المذكور مدّةً معلومةً بأجرة المثل إجارةً صحيحةً ممّن له عليه دين‏,‏ وقاصصه بذلك تجوز المقاصّة قياساً على الوصيّة كما أنّ الوصيّ لو باع مال الصّغير ممّن له عليه دين يصير قصاصاً‏,‏ إذ الوقف والوصيّة أخوان‏.‏

وإذا كان النّاظر مستحقاً للأجرة كلّها‏,‏ وتمّت المدّة‏,‏ والدّين من جنس الأجرة فلا خفاء في صحّة التّقاصّ بالاتّفاق‏,‏ وإن كان مستحقاً لبعضهما ووقع التّقاص بها فالتّقاص صحيح عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ويضمن النّاظر‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ لا يصح التّقاص‏.‏

مَقام إبراهيم

التّعريف

1 - المَقام بفتح الميم‏:‏ اسم مكانٍ‏,‏ من قام يقوم قوماً وقياماً أي انتصب‏,‏ وقد اختلف الفقهاء والمفسّرون في مقام إبراهيم‏,‏ فقال بعضهم‏:‏ إنّه الحجر الّذي تعرفه النّاس اليوم الّذي يصلون عنده ركعتي الطّواف‏.‏

وقال غيرهم‏:‏ إنّه الحجر الّذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السّلام حين ضعف عن رفع الحجارة الّتي كان إسماعيل يناولها إيّاه في بناء البيت وغرقت قدماه فيه‏.‏

وقال السدّي‏:‏ المقام‏:‏ الحجر الّذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السّلام حين غسلت رأسه‏,‏ وبه قال الحسن وقتادة والرّبيع بن أنسٍ‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ والصّحيح في تعيين المقام القول الأوّل‏.‏

الأحكام المتعلّقة بمقام إبراهيم

2 - قال الحنفيّة‏:‏ إذا فرغ الطّائف من الطّواف يأتي مقام إبراهيم عليه السّلام ويصلّي ركعتين‏,‏ وإن لم يقدر على الصّلاة في المقام بسبب المزاحمة يصلّي حيث لا يعسر عليه من المسجد‏,‏ وإن صلّى في غير المسجد جاز‏.‏

وهاتان الرّكعتان واجبتان عندنا‏,‏ يقرأ في الأولى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏ وفي الثّانية‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏‏,‏ ولا تجزيه المكتوبة عن ركعتي الطّواف‏.‏

ويستحب أن يدعو بعد صلاته خلف المقام بما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة‏,‏ ويصلّي ركعتي الطّواف في وقتٍ يباح له أداء التّطوع فيه‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إنّ ركعتي الطّواف واجبتان‏,‏ سواء كان الطّواف واجباً أو نفلاً‏,‏ وقيل‏:‏ إنّهما واجبتان في الطّواف الواجب‏,‏ وسنّتان في الطّواف غير الواجب‏.‏

ويندب إيقاعهما بمقام إبراهيم أي خلفه لا داخله وفي غيره من الأماكن في المسجد‏,‏ إلا أنّه يستحب أن تكون ركعتا الطّواف الواجب خلف المقام اقتداءً بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم‏.‏ وإن ترك حاج أو معتمر الرّكعتين أعاد الطّواف‏,‏ ثمّ أتى بهما عقب الطّواف‏,‏ وفي المدوّنة عن ابن القاسم‏:‏ يركعهما ولا يعيد الطّواف ولا شيء عليه‏,‏ ولو أعاد كان أحبّ‏.‏

فإن فات ذلك بالبعد عن مكّة ركعهما وأهدى‏,‏ وإن فاته ذلك أتى بهما على كلّ حالٍ‏,‏ لأنّهم لا يتعلّقان بوقت مخصوصٍ‏,‏ وكان عليه الهدي لنقص التّفريق بين الطّواف والرّكعتين الواجبتين‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ ويسن أن يصلّي ركعتي الطّواف - بعد الطّواف - وتجزئ عنهما الفريضة والرّاتبة كما في تحيّة المسجد‏,‏ وفعلهما خلف مقام إبراهيم عليه السّلام أفضل‏,‏ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاهما خلف المقام‏,‏ وقال‏:‏ «خذوا عنّي مناسككم»‏,‏ ثمّ في الحجر‏,‏ ثمّ في المسجد الحرام‏,‏ ثمّ في الحرم حيث شاء من الأمكنة‏,‏ متى شاء من الأزمنة‏,‏ ولا يفوتان إلا بموته‏.‏

ويسن أن يقرأ في الأولى منهما سورة ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏ وفي الثّانية سورة الإخلاص، لفعله صلّى اللّه عليه وسلّم‏,‏ ولما في قراءتهما من الإخلاص المناسب لما هاهنا‏,‏ لأنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام فيه‏.‏

ويجهر بالقراءة فيهما ليلاً قياساً على الكسوف وغيره‏,‏ ولما فيه من إظهار شعار النسك‏.‏ وفي قولٍ عند الشّافعيّة‏:‏ أنّ ركعتي الطّواف واجبتان لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاهما‏,‏ وقال‏:‏ «خذوا عنّي مناسككم» وعلى القول بوجوبهما يصح الطّواف بدونهما‏,‏ إذ ليسا بشرط ولا ركنٍ للطّواف‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ يصلّي الطّائف بعد تمام الطّواف ركعتين‏,‏ والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم‏,‏ لقول جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما في صفة حجّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن‏,‏ فرمل ثلاثاً‏,‏ ومشى أربعاً‏,‏ ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السّلام فقرأ‏:‏ ‏{‏وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً‏}‏ فجعل المقام بينه وبين البيت»‏.‏

وقالوا‏:‏ حيث ركعهما من المسجد أو غيره جاز‏,‏ لعموم حديث‏:‏ «جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً»‏,‏ وصلاهما عمر رضي اللّه عنه بذي طوىً‏.‏

ولا شيء عليه لترك صلاتهما خلف المقام‏.‏

وهما سنّة مؤكّدة يقرأ فيهما بعد الفاتحة ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏ و ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ لحديث جابرٍ رضي اللّه عنه أنّه قرأ في الرّكعتين‏:‏ «قل يا أيها الكافرون‏,‏ وقل هو اللّه أحد»‏.‏

ولا بأس أن يصلّيهما إلى غير سترةٍ‏,‏ ويمر بين يديه الطّائفون من الرّجال والنّساء‏,‏ فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلاهما والطوّاف بين يديه ليس بينه وبين الكعبة سترة‏,‏ ويكفي عنهما مكتوبة وسنّة راتبة‏.‏

وللطّائف جمع أسابيع من الطّواف‏,‏ فإذا أفرغ منها ركع لكلّ أسبوعٍ ركعتين‏,‏ والأولى أن يصلّي لكلّ أسبوعٍ عقبه‏.‏

ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه لعدم وروده‏.‏

مُقَايَضَة

التّعريف

1 - المقايضة لغةً‏:‏ مأخوذة من القيض‏,‏ وهو العوض‏.‏

وفي حديث ذي الجوشن‏:‏ «وإن شئت أن أقيضك به»‏,‏ أي‏:‏ أبدلك به وأعوّضك عنه‏.‏ ويقال‏:‏ قايضه مقايضةً‏,‏ إذا عاوضه‏,‏ وذلك إذا أعطاه سلعةً وأخذ عوضها سلعةً‏.‏ والمقايضة في اصطلاح الفقهاء‏:‏ هي بيع السّلعة بالسّلعة‏.‏

ونصّت المادّة 122 من مجلّة الأحكام العدليّة على أنّ بيع المقايضة هو‏:‏ بيع العين بالعين‏:‏ أي مبادلة مالٍ بمال غير النّقدين‏.‏

المقايضة والبيع

2 - لمّا كانت المقايضة من أنواع البيع‏,‏ فيجب أن تتوفّر فيها أركان عقد البيع وشروطه‏.‏ وشروط البيع هي شروط الانعقاد‏,‏ والصّحّة‏,‏ والنّفاذ‏,‏ واللزوم‏,‏ كما هو معلوم‏.‏

وأحكام البيع كلها تسري في عقد المقايضة‏,‏ إلا الأحكام المتعلّقة بالثّمن أو الالتزامات الرّاجعة إلى الثّمن‏,‏ إذ ليس لها محل في المقايضة‏,‏ لخلوّها من النّقد‏.‏

وتفصيل أحكام البيع في مصطلح‏:‏ ‏(‏بيع‏)‏‏.‏

شروط المقايضة الخاصّة

3 - يؤخذ من التّعريف المتقدّم للمقايضة أنّ شروطها الخاصّة هي‏:‏

أ - أن لا يكون البدلان فيها نقداً‏,‏ فإن كانا نقدين كان البيع صرفاً‏,‏ وإن كان أحدهما نقداً فالبيع مطلق أو سَلَم‏.‏

ب - أن يكون كل من البدلين في المقايضة عيناً معيّنةً، كمبادلة فرسٍ معيّنةٍ بفرس معيّنةٍ‏,‏ لأنّ بيع شيءٍ معيّنٍ بآخر غير معيّنٍ‏,‏ كأن يبيع شخص فرساً معيّنةً بخمسين كيلةً من الحنطة ديناً - أي غير معيّنةٍ يسلّمها بعد شهرٍ مثلاً -‏,‏ فذلك ليس مقايضةً‏,‏ بل هو من البيع المطلق - أي‏:‏ بيع العين بالثّمن -‏,‏ ولأنّ المبيع إذا كان ديناً والثّمن سلعةً فهو من باب السّلم‏.‏

ولذلك نصّ الفقهاء على لزوم تسليم البدلين معاً في المقايضة‏.‏

ج - التّقابض في المقايضة‏:‏ بيع السّلعة بالسّلعة يقتضي تسليمهما معاً‏,‏ فلا يؤمر أحد العاقدين بالتّسليم قبل صاحبه‏,‏ لأنّ كلاً من السّلعتين متعيّن‏.‏

ولأنّ البائع والمشتري مستويان في حقّ كلٍّ منهما قبل التّسليم‏,‏ فإيجاب تقديم دفع أحدهما بعينه على الآخر تحكم‏,‏ فيدفعان معاً‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏بيع ف 63‏)‏‏.‏

د - أن تكون المقايضة فيما لا يجري فيه ربا الفضل‏,‏ لأنّ ربا الفضل محرّم بأحاديث عديدةٍ منها‏:‏ حديث عبادة بن الصّامت رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال‏:‏ «الذّهب بالذّهب‏,‏ والفضّة بالفضّة‏,‏ والبر بالبرّ‏,‏ والشّعير بالشّعير‏,‏ والتّمر بالتّمر‏,‏ والملح بالملح، مثلاً بمثل‏,‏ سواءً بسواء‏,‏ يداً بيد‏,‏ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»‏.‏

العوضان في المقايضة

4 - كل من العوضين في المقايضة يكون ثمناً ومثمّناً وقد أخذ كل من العوضين حكم المبيع‏,‏ لأنّ كلاً منهما لا يتعيّن أن يكون المقصود بالبيع دون الآخر‏,‏ ولا يصلح أحدهما لأنّ يكون ثمناً ولعدم التّرجيح بدون وجود مرجّحٍ‏.‏

ومن هذا ذكر الحنفيّة المسائل الآتية‏:‏

أ - بيع الخمر والخنزير‏:‏ إن كان قوبل بالدّين كالدّراهم والدّنانير فالبيع باطل‏,‏ لا يفيد ملك الخمر ولا ما يقابلها‏.‏

وإن كان قوبل بعين بيع مقايضةً فالبيع فاسد في العرض‏,‏ باطل في الخمر والخنزير‏,‏ لا يفيد ملك الخمر والخنزير‏,‏ ويفيد ملك ما يقابلها من البدل بالقبض‏.‏

ب - إذا هلك أحد البدلين في بيع المقايضة صحّت الإقالة في الباقي منهما‏,‏ وعلى المشتري قيمة الهالك إن كان قيمياً‏,‏ ومثله إن كان مثلياً‏,‏ فيسلّمه إلى صاحبه ويسترد العين‏.‏

وإنّما لا تبطل بهلاك أحدهما بعد وجودهما‏,‏ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مبيع‏,‏ فكان البيع باقياً ببقاء العين القائمة منهما‏,‏ فأمكن الرّفع فيه‏.‏

بخلاف ما لو هلك البدلان جميعاً في المقايضة‏,‏ فالإقالة تبطل عندئذٍ‏,‏ لأنّ الإقالة في المقايضة تعلّقت بأعيانهما - أي البدلين - قائمين‏,‏ فمتى هلكا لم يبق شيء من المعقود عليه ترد الإقالة عليه‏.‏

ج - إذا تقايضا فتقايلا‏,‏ فاشترى أحدهما ما أقال‏,‏ صار قابضاً بنفس العقد‏,‏ لقيامهما - أي قيام كلٍّ من عوضي المقايضة - فكان كل واحدٍ مضموناً بقيمة نفسه كالمغصوب‏.‏

ولو هلك أحدهما فتقايلا‏,‏ ثمّ جدّد العقد في القائم‏,‏ لا يصير قابضاً بنفس العقد‏,‏ لأنّه يصير مضموناً بقيمة العرض الآخر‏,‏ فشابه المرهون‏.‏

مُقَايلة

انظر‏:‏ إقالة‏.‏

مَقْبَرة

التّعريف

1 - المقبرة في اللغة‏:‏ - بتثليث الباء - أو بضمّ الباء وفتحها لا غير موضع القبور‏,‏ والقبور جمع قبرٍ‏,‏ وهو المكان الّذي يدفن فيه الميّت‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

ما يتعلّق بالمقبرة من أحكامٍ

الصّلاة في المقبرة

2 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه تكره الصّلاة في المقبرة‏,‏ وبه قال الثّوري والأوزاعي‏,‏ لأنّها مظان النّجاسة‏,‏ ولأنّه تشبه باليهود‏,‏ إلا إذا كان في المقبرة موضع أعدّ للصّلاة ولا قبر ولا نجاسة فلا بأس‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ تجوز الصّلاة بمقبرة عامرةٍ كانت أو دارسةٍ‏,‏ منبوشةٍ أم لا‏,‏ لمسلم كانت أو لمشرك‏.‏

وفصّل الشّافعيّة الكلام فقالوا‏:‏ لا تصح الصّلاة في المقبرة الّتي تحقّق نبشها بلا خلافٍ في المذهب‏,‏ لأنّه قد اختلط بالأرض صديد الموتى‏,‏ هذا إذا لم يبسط تحته شيء‏,‏ وإن بسط تحته شيء تكره‏.‏

وأمّا إن تحقّق عدم نبشها صحّت الصّلاة بلا خلافٍ لأنّ الجزء الّذي باشره بالصّلاة طاهر‏,‏ ولكنّها مكروهة كراهة تنزيهٍ لأنّها مدفن النّجاسة‏.‏

وأمّا إن شكّ في نبشها فقولان‏:‏ أصحهما‏:‏ تصح الصّلاة مع الكراهة‏,‏ لأنّ الأصل طهارة الأرض فلا يحكم بنجاستها بالشّكّ‏,‏ وفي مقابل الأصحّ‏:‏ لا تصح الصّلاة لأنّ الأصل بقاء الفرض في ذمّته‏,‏ وهو يشك في إسقاطه‏,‏ والفرض لا يسقط بالشّكّ‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ لا تصح الصّلاة في المقبرة قديمةً كانت أو حديثةً‏,‏ تكرّر نبشها أو لا‏,‏ ولا يمنع من الصّلاة قبر ولا قبران‏,‏ لأنّه لا يتناولها اسم المقبرة وإنّما المقبرة ثلاثة قبورٍ فصاعداً‏.‏

وروي عنهم أنّ كلّ ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يصلّى فيه‏.‏

ونصوا على أنّه لا يمنع من الصّلاة ما دفن بداره ولو زاد على ثلاثة قبورٍ‏,‏ لأنّه ليس بمقبرة‏.‏

الصّلاة على الجنازة في المقبرة

3 - اختلف الفقهاء في حكم الصّلاة على الجنازة في المقبرة‏:‏

فذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّه لا بأس بها‏,‏ وفعل ذلك ابن عمر رضي اللّه عنهما ونافع وعمر بن عبد العزيز‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة في قولٍ آخر إلى أنّه يكره ذلك‏,‏ قال النّووي وبه قال جمهور العلماء‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏جنائز ف 39‏)‏‏.‏

القراءة في المقابر

4 - ذهب جمهور الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تكره قراءة القرآن في المقابر بل تستحب‏.‏

ونصّ بعض الحنفيّة على أنّه لا تكره قراءة القرآن في المقابر إذا أخفى ولم يجهر وإن ختم‏,‏ وإنّما تكره قراءة القرآن فيها جهراً‏.‏

وذهب جمهور المالكيّة إلى الكراهة مطلقاً‏,‏ وقيّدها بعضهم بما إذا كانت بالأصوات المرتفعة واتّخاذ ذلك عادةً‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قراءة ف 17‏,‏ قبر ف 22‏)‏‏.‏

المشي في المقبرة

5 - اختلف الفقهاء في حكم المشي في المقابر على أقوالٍ‏:‏

ذهب جمهور الحنفيّة والمالكيّة وهو المشهور عند الشّافعيّة إلى أنّه لا يكره المشي في المقابر بنعلين‏,‏ وزاد الشّافعيّة‏:‏ أنّه يحرم المشي إن حصل به تنجيس كمنبوشة مع المشي حافياً مع رطوبة أحد الجانبين‏.‏

وذهب الحنابلة وهو قول بعض الشّافعيّة إلى أنّه يكره المشي بين المقبرة بنعل‏,‏ لأنّ خلع النّعلين أقرب إلى الخشوع وزي أهل التّواضع‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏مشي ف 12‏,‏ وقبر ف 2 وما بعدها‏)‏‏.‏

المشاحّة في المقبرة

6 - نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه لو سبق اثنان إلى مقبرةٍ مسبّلةٍ وتشاحّا في مكانٍ قدّم للدّفن فيه الأسبق عند التّزاحم وضيق المحلّ‏,‏ فإن استويا في السّبق قدّم بالقرعة كما لو تنازعا في رحاب المسجد‏,‏ ومقاعد الأسواق‏,‏ لأنّ القرعة لتمييز ما أبهم‏.‏

المبيت في المقبرة والنّوم فيها

7 - نصّ الشّافعيّة على أنّه يكره المبيت في المقبرة من غير ضرورةٍ‏,‏ لما فيها من الوحشة‏,‏ فإن لم تكن وحشةً كأن كانوا جماعةً‏,‏ أو كانت المقبرة مسكونةً فلا كراهة‏.‏

وقال الحنفيّة‏:‏ يكره النّوم عند القبر‏.‏

درس المقبرة والاستفادة منها ونبشها

8 - قال الحنفيّة‏:‏ لو بلي الميّت وصار تراباً دفن غيره في قبره‏,‏ ويجوز زرعه‏,‏ والبناء عليه‏.‏

وروي عن مالكٍ‏:‏ بأنّه سئل عن فناء قومٍ كانوا يرمون فيه‏,‏ ثمّ إنّهم غابوا عن ذلك‏,‏ فاتخذ مقبرةً‏,‏ ثمّ جاءوا فقالوا‏:‏ نريد أن نسوّي هذه المقابر‏,‏ ونرمي على حال ما كنّا نرمي‏,‏ فقال مالك‏:‏ أمّا ما قدم منها فأرى ذلك لهم‏,‏ وأمّا كل شيءٍ جديدٍ فلا أحب لهم درس ذلك‏.‏ وقال الصّاوي‏:‏ قال بعض العلماء لا يجوز أخذ أحجار المقابر العافية لبناء قنطرةٍ أو دارٍ‏,‏ ولا حرثها للزّراعة‏,‏ لكن لو حرثت جعل كراؤها في مؤن دفن الفقراء‏.‏

وقال الحنابلة‏:‏ إذا صار الميّت رميماً جازت الزّراعة والحراثة وغير ذلك‏,‏ كالبناء في موضع الدّفن‏,‏ وإن لم يصر رميماً فلا يجوز‏.‏

هذا إذا لم يخالف شرط الواقف‏,‏ فإن خالف كتعيينه الأرض للدّفن فلا يجوز حرثها ولا غرسها‏.‏

وأمّا نبش المقبرة فتفصيله في‏:‏ ‏(‏قبر ف 21‏)‏‏.‏

قطع النّبات والحشيش من المقبرة

9 - نصّ الحنفيّة على أنّه يكره قطع النّبات الرّطب والحشيش من المقبرة‏,‏ فإن كان يابساً لا بأس به‏,‏ لأنّه يسبّح اللّه تعالى ما دام رطباً‏,‏ فيؤنس الميّت وتنزل بذكره الرّحمة‏,‏ ولأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم وضع الجريدة الخضراء بعد شقّها نصفين على القبرين اللّذين يعذّبان‏,‏ وتعليله صلّى اللّه عليه وسلّم بالتّخفيف عنهما ما لم ييبسا أي‏:‏ يخفّف عنها ببركة تسبيحهما‏,‏ لأنّ تسبيح الرّطب أكمل من تسبيح اليابس لما في الأخضر من نوع حياةٍ‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ وعليه فكراهة قلع ذلك وإن نبت بنفسه ولم يملك‏,‏ لأنّ فيه تفويت حقّ الميّت‏.‏

ملكيّة أشجار المقبرة

10 - نصّ الحنفيّة على أنّ الشّجرة إن كانت نابتةً في الأرض قبل أن يجعلها مقبرةً فمالك الأرض أحق بها يصنع بها ما شاء‏.‏

وأمّا إن كانت الأرض مواتاً فجعلها أهل تلك القرية أو المحلّة مقبرةً‏,‏ فإنّ الشّجرة وموضعها من الأرض على ما كان حكمها في القديم‏.‏

وإن نبتت الشّجرة بعدما جعلت مقبرةً وكان الغارس معلوماً كانت له وينبغي أن يتصدّق بثمرها‏,‏ وإن لم يعلم الغارس أو كانت الشّجرة نبتت بنفسها فحكمها يكون للقاضي‏:‏ إن رأى قلعها وبيعها وإنفاقها على المقبرة جاز له ذلك‏,‏ وهي في الحكم كأنّها وقف‏.‏

وسئل نجم الدّين في مقبرةٍ فيها أشجار هل يجوز صرفها إلى عمارة المسجد‏,‏ قال‏:‏ نعم إن لم تكن وقفاً على وجهٍ آخر‏,‏ قيل له‏:‏ فإن تداعت حيطان المقبرة إلى الخراب هل يصرف إليها أو إلى المسجد‏؟‏ قال إلى ما هي وقف عليه إن عرف‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن نبتت شجرة في المقبرة فالمختار جواز الأكل للنّاس من ثمرها كما قال النّووي‏.‏

وقال الحنّاطي‏:‏ الأولى عندي أن تصرف في مصالح المقبرة‏.‏

ذكر حدود المقبرة وذكرها حداً

11 - نصّ الحنفيّة على أنّ المقبرة تصلح حداً لو كانت ربوةً وإلا فلا‏.‏

وأمّا من اشترى قريةً خالصةً واستثنى المقبرة فهل يشترط ذكر حدود المقبرة المستثناة أم لا‏؟‏ اختلف مشائخ الحنفيّة على أقوالٍ‏:‏

فذهب الجمهور إلى أنّه لا بدّ من تحديد المقبرة المستثناة بحيث يقع به الامتياز‏.‏

وقال المرغيناني‏:‏ إذا كانت المقبرة تلاً لا يحتاج إلى ذكر حدودها‏,‏ وإن لم تكن تلاً يحتاج إليه‏.‏

وقال أبو شجاعٍ‏:‏ لا يشترط ذكر الحدود للمقبرة قال‏:‏ ونفتي بهذا تسهيلاً للأمر على المسلمين‏.‏

توسيع المقبرة

12 - نصّ المالكيّة على أنّه يجوز بيع العقار الحبس ولو كانت غير خربةٍ لتوسيع المسجد والطّريق والمقبرة‏,‏ وكذلك يجوز توسيع هذه الثّلاثة ببعض منها عند الضّرورة‏,‏ لأنّ ما كان للّه لا بأس أن يستعان ببعضه في بعضٍ‏.‏

وذكر بعضهم أنّ المسجد لا يهدم لضيق مقبرةٍ أو طريقٍ ويدفن فيه إن أحتيج لذلك مع بقائه على حاله‏.‏

وقف المقبرة

13 - ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا جعل شخص أرضه مقبرةً فلكلّ أحدٍ أن يدفن فيها‏,‏ سواء الواقف أو غيره‏,‏ ولا فرق في الانتفاع بين الغنيّ والفقير حتّى جاز للكلّ الدّفن فيها‏.‏

وأمّا لو شرط في وقف المقبرة اختصاصها بطائفة اقتصر عليهم في الأصحّ عند الشّافعيّة‏,‏ ويمنع غيرهم من الدّفن فيها رعايةً لغرض الواقف‏,‏ وإن كان ذلك الشّرط مكروهاً‏.‏

وفي مقابل الأصحّ لا تختص بهم ويلغو الشّرط‏,‏ وهناك قول ثالث وهو أنّه‏:‏ يفسد الوقف لفساد الشّرط‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب الوفاء بشرط الواقف في الوقف مطلقاً إن جاز الشّرط‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏وقف‏)‏‏.‏

قضاء الحاجة في المقبرة

14 - اختلف الفقهاء في حكم قضاء الحاجة في المقابر‏:‏

فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يحرم قضاء الحاجة في المقابر‏,‏ وقال الحنفيّة بكراهة قضاء الحاجة فيها‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ والظّاهر أنّها تحريميّة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قضاء الحاجة ف 24‏)‏‏.‏

مَقْبُوض

التّعريف

1 - المقبوض اسم مفعولٍ‏:‏ للفعل قبض‏.‏

وأكثر ما يطلق عليه من معانٍ في اللغة‏:‏ ما أخذ من المال باليد أو حيز فصار في حيازة شخصٍ وتحت تصرفه‏.‏

وقال ابن العربيّ‏:‏ يطلق القبض على قبولك الشّيء وإن لم تحوّله عن مكانه‏,‏ وعلى تحويلك إلى حيزك‏,‏ وعلى التّناول باليد وفي كلّ هذه المعاني يسمّى الشّيء مقبوضاً‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

ما يتعلّق بالمقبوض من أحكامٍ

يتعلّق بالمقبوض أحكام منها‏:‏

اختلاف القبض باختلاف المقبوض

2 - إذا كان المقبوض ممّا يكال أو يوزن أو يعد فإنّه يصير مقبوضاً بالكيل أو الوزن‏,‏ أو العدّ‏.‏

وإن كان ممّا ينقل كالثّياب وجميع المنقولات فإنّه يصير مقبوضاً بالنّقل‏.‏

وإن كان حيواناً فقبضه بتمشيته من مكان العقد‏,‏ وإن كان ممّا يتناول باليد كالجواهر والأثمان فقبضه بتناوله باليد‏.‏

وما عدا ذلك ممّا لا ينقل عادةً كالعقار والبناء والغراس ونحوه كالثّمر على الشّجر قبل جذاذه فقبضه بتخليته مع عدم مانعٍ‏,‏ مع تسليم مفتاح الدّار ونحوها ممّا له مفتاح‏,‏ وتفريغها من متاعٍ‏,‏ وإلا لم يصر مقبوضاً‏,‏ لكون المشتري لم يتمكّن من الانتفاع به‏.‏ وإتلاف المشتري المعقود عليه يجعله مقبوضاً حكماً‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قبض ف 5‏)‏‏.‏

حكم التّصرف في المعقود عليه

3 - اختلف الفقهاء في صحّة التّصرف في المعقود عليه قبل أن يكون مقبوضاً‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏بيع ما لم يقبض ف 2‏)‏‏.‏

ملك المقبوض في مدّة الخيار

4 - اختلف الفقهاء في ملك المقبوض في مدّة الخيار‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏خيار الشّرط ف 28 - 30‏)‏‏.‏

المقبوض للعارية

5 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المقبوض عارية مضمونة إن تلفت بتعدٍّ‏.‏

واختلفوا فيما إذا تلفت بلا تعدٍّ من المستعير‏.‏

وتفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏إعارة ف 15‏)‏‏.‏

المقبوض على سوم الشّراء

6 - المقبوض على السّوم مضمون وإن تلف بلا تعدٍّ من القابض لخبر‏:‏ «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏ضمان ف 40‏)‏‏.‏

المقبوض على سوم الرّهن

7 - المقبوض على سوم الرّهن إذا لم يبيّن مقدار ما يريد أخذه من الدّين ليس بمضمون في الأصحّ عند الحنفيّة‏.‏

أمّا إن بيّن فيكون مضموناً وصورته‏:‏ أخذ الرّهن بشرط أن يقرضه مبلغاً من النقود‏,‏ فهلك في يده قبل أن يقرضه‏,‏ ضمن الأقلّ من قيمته وممّا سمّى من القرض‏,‏ لأنّه قبضه بسوم الرّهن‏,‏ والمقبوض بسوم الرّهن كالمقبوض بسوم الشّراء إذا هلك في المساومة ضمن قيمته‏.‏

فإن هلك وساوت قيمته الدّين صار مستوفياً دينه حكماً‏,‏ وإن زادت كان الفضل أمانةً فيضمن بالتّعدّي‏.‏

وإن نقصت سقط بقدره ورجع المرتهن بالفضل‏,‏ لأنّ الاستيفاء بقدر الماليّة‏,‏ وضمن المرتهن المرهون المقبوض بدعوى الهلاك بلا برهانٍ ويضمن قيمته بالغة ما بلغت ولا يصدّق دعوى الهلاك بلا حجّةٍ شرعيّةٍ‏.‏

المقبوض للرّهن

8 - المقبوض للرّهن مضمون عند الحنفيّة‏,‏ فيده يد ضمانٍ فيضمن المرتهن بالأقلّ من قيمته ومن الدّين‏,‏ والمعتبر قيمته يوم القبض لا يوم الهلاك‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّها يد أمانةٍ لخبر‏:‏ «لا يغلق الرّهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه» وإليه ذهب الحنابلة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏رهن ف 18‏)‏‏.‏

المقبوض على سوم القرض

9 - المقبوض على سوم القرض مضمون بما ساوم‏,‏ كمقبوض على حقيقته‏,‏ بمنزلة مقبوضٍ على سوم البيع إلا أنّ في البيع يضمن القيمة وهنا يهلك الرّهن بما ساومه من القرض‏.‏

مُقتضِي

التّعريف

1 - المقتضي - بكسر الضّاد - اسم فاعلٍ من الاقتضاء‏,‏ وبفتح الضّاد اسم مفعولٍ منه‏.‏ ومن معاني الاقتضاء في اللغة‏:‏ الدّلالة‏,‏ يقال‏:‏ اقتضى الأمر الوجوب‏:‏ دلّ عليه‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ هو اللّفظ الطّالب للإضمار‏,‏ بمعنى أنّ اللّفظ لا يستقيم إلا بإضمار شيءٍ‏.‏ وقيل‏:‏ هو ما لا يستقيم الكلام إلا بتقدير أمورٍ تسمّى مقتضَى بفتح الضّاد‏.‏

والمقتضَى بفتح الضّاد‏:‏ هو ما أضمر في الكلام ضرورة صدق المتكلّم‏,‏ وقيل‏:‏ هو ما لا يدل عليه اللّفظ ولا يكون ملفوظاً‏,‏ لكنّه من ضرورة اللّفظ‏:‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ‏}‏‏,‏ أي أهل القرية‏.‏

المراد من المقتضى

2 - اختلف الأصوليون في لفظ المقتضي هل هو بكسر الضّاد أو بفتحها‏:‏

فذهب جمع من أصوليّ الشّافعيّة‏,‏ منهم‏:‏ أبو إسحاق والسّمعاني‏,‏ والغزالي‏,‏ وجمهور أصوليّ الحنفيّة‏,‏ منهم‏:‏ شمس الأئمّة السّرخسي‏,‏ وأبو زيدٍ الدّبوسي‏,‏ وصاحب اللباب‏:‏ إلى أنّ موضع النّزاع إنّما هو المضمر‏:‏ وهو المقتضَى بفتح الضّاد‏,‏ لا المضمر له وهو المقتضِي بكسر الضّاد‏:‏ وهو اللّفظ الطّالب للإضمار‏.‏

وقال ابن السبكيّ‏:‏ المراد منه المقتضِي بكسر الضّاد‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - المنطوق‏:‏

3 - المنطوق‏:‏ ما دلّ عليه اللّفظ في محلّ النطق‏,‏ أي يكون حكماً للمذكور‏,‏ وحالاً من أحواله‏.‏

والصّلة بين المقتضى والمنطوق أنّهما من أنواع الدّلالة‏.‏

ب - المفهوم‏:‏

4 - المفهوم‏:‏ ما دلّ عليه اللّفظ لا في محلّ النطق‏,‏ أي يكون حكماً لغير المذكور وحالاً من أحواله‏.‏

وقيل‏:‏ هو الاستدلال بتخصيص الشّيء بالذّكر على نفي الحكم عمّا سواه‏.‏

والصّلة بين المقتضى والمفهوم أنّهما من أنواع الدّلالة‏.‏

عموم المقتضى

5 - ذهب جمهور الأصوليّين إلى أنّه لا عموم للمقتضَى - بفتح الضّاد - لأنّ العموم من صفات النطق‏,‏ فلا يجوز دعواه في المعاني‏,‏ ولأنّ ثبوت المقتضى للحاجة والضّرورة‏,‏ لتصحيح معنى النّصّ‏,‏ حتّى إذا كان المنصوص مفيداً للحكم بدون الحاجة إلى إضمارٍ لا يثبت المقتضى لغةً ولا شرعاً‏,‏ والثّابت للحاجة يتقدّر بقدرها‏,‏ ولا حاجة إلى إثبات صيغة العموم للمقتضى‏,‏ لأنّ الكلام مفيد بدونه‏,‏ وهو نظير الميتة لمّا أبيحت للضّرورة فتقدّر بقدرها‏.‏

وقال الشّافعي وجمهور الحنابلة‏,‏ وآخرون‏:‏ إنّ للمقتضى عموماً‏,‏ لأنّه بمنزلة المنصوص في ثبوت الحكم به‏,‏ فكان الثّابت به كالثّابت بالنّصّ‏,‏ فكذلك في إثبات صفة العموم فيه فيجعل كالمنصوص‏,‏ فيحتمل العموم‏.‏

والتّفصيل في الملحق الأصوليّ‏.‏

مُقَدِّمات

التّعريف

1 - المقدّمات لغةً‏:‏ جمع مقدّمةٍ‏,‏ والمقدِّمة بكسر الدّال المشدّدة من كلّ شيءٍ أوّله وما يتوقّف عليه‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمقدّمات

تتعلّق بالمقدّمات أحكام فقهيّة وأصوليّة‏,‏ لكن الفقهاء فصّلوا أحكام مقدّمات الجماع لما يترتّب عليها في العبادات وغيرها‏,‏ وعني الأصوليون بجانب آخر من المقدّمات‏.‏

مقدّمة الواجب المطلق

2 - مقدّمة الواجب المطلق أي الواجب الّذي وجوبه غير متوقّفٍ على المقدّمة واجب مطلقاً أي سبباً كان أو شرطاً كالوضوء أو عقلاً كترك الضّدّ وعادةً كغسل جزءٍ من الرّأس لغسل الوجه‏,‏ وقيل الوجوب في السّبب فقط دون غيره من المقدّمات وقيل في الشّرط الشّرعيّ فقط‏,‏ وقيل لا وجوب لشيء من المقدّمات مطلقاً‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ‏.‏

مقدّمات الجماع في الحجّ

3 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب الدّم على من فعل شيئاً من مقدّمات الجماع كاللّمس بشهوة والتّقبيل والمباشرة بغير جماعٍ سواء أنزل منياً أو لم ينزل ولا يفسد حجه اتّفاقاً‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّه إن أنزل بمقدّمات الجماع منياً فحكمه حكم الجماع في إفساد الحجّ‏,‏ وعليه ما على المجامع‏,‏ وإن لم ينزل فليهد بدنةً‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إحرام ف 176‏)‏‏.‏

مقدّمات الجماع في الصّيام

4 - ذهب الفقهاء إلى أنّ مقدّمات الجماع من تقبيلٍ ولمسٍ - ولو كان بقصد اللّذّة - لا يفطّر الصّائم ما لم تسبّب الإنزال‏.‏

أمّا إذا قبّل وأنزل بطل صومه اتّفاقاً بين الفقهاء‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏صوم ف 83‏,‏ وتقبيل ف 17‏)‏‏.‏

مقدّمات الجماع في الرّجعة

5 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ مقدّمات الجماع من اللّمس والتّقبيل بغير شهوةٍ وبغير نيّة الرّجعة لا يعتبر رجعةً‏.‏

ولكنّهم اختلفوا فيما إذا كان اللّمس والتّقبيل والنّظر بشهوة‏:‏

فمذهب الحنفيّة والمالكيّة أنّ الجماع ومقدّماته تصح بهما الرّجعة‏,‏ فلو وطئها أو لمسها بشهوة‏,‏ أو نظر إلى فرجها بشهوة‏,‏ أو قبّلها تصح الرّجعة‏,‏ واشترط المالكيّة لصحّة الرّجعة النّيّة‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى عدم صحّة الرّجعة مطلقاً‏,‏ سواء كان بوطء أو مقدّماته‏,‏ وسواء نوى الزّوج الرّجعة أو لم ينوها‏.‏

وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة الرّجعة بمقدّمات الجماع‏,‏ وقالوا تصح الرّجعة بالوطء مطلقاً‏,‏ سواء نوى الزّوج الرّجعة أو لم ينوها‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏رجعة ف 13 وما بعدها‏,‏ ومصطلح تقبيل ف 20‏,‏ ولمس ف 12‏)‏‏.‏

مقدّمات الجماع في الظّهار

6 - ذهب الحنفيّة وأكثر المالكيّة وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه إلى حرمة مقدّمات الجماع ودواعيه من تقبيلٍ أو لمسٍ أو مباشرةٍ فيما دون الفرج قبل التّكفير‏.‏

وذهب الشّافعيّة في الأظهر وبعض المالكيّة وأحمد في الرّواية الثّانية إلى إباحة الدّواعي في الوطء‏,‏ لأنّ المراد بالمسّ في الآية‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا‏}‏ الجماع‏,‏ فلا يحرم ما عداه من مقدّمات الوطء من التّقبيل والمسّ بشهوة والمباشرة فيما دون الفرج‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏ظهار ف 22‏,‏ لمس ف 13‏)‏‏.‏

مقدّمات الجماع في حرمة المصاهرة

7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ مقدّمات الجماع من المسّ والتّقبيل إذا لم يكن بشهوة لا يؤثّر في حرمة المصاهرة‏.‏

أمّا إذا كانت مقدّمات الجماع من المسّ والتّقبيل بشهوة فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المباشرة في غير الفرج والتّقبيل ولو بشهوة لا يوجب حرمة المصاهرة‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ مقدّمات الجماع من اللّمس والتّقبيل بشهوة يوجب حرمة المصاهرة‏.‏ وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تقبيل ف 23 ومصاهرة‏)‏‏.‏

حكم مقدّمات الجماع

8 - يسن للزّوج إذا أراد جماع زوجته أن يلاعبها قبل الجماع لتنهض شهوتها فتنال من لذّة الجماع مثل ما يناله‏,‏ وروي عن عمر بن عبد العزيز عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال‏:‏ «لا يواقعها إلا وقد أتاها من الشّهوة مثل ما أتى له لا ليسبقها بالفراغ»‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏وطء‏)‏‏.‏

مُقَوّم

انظر‏:‏ تقوم‏,‏ تقويم‏.‏

مُكَابرة

التّعريف

1 - المكابرة لغةً‏:‏ مصدر كابر يقال‏:‏ كابره مكابرةً‏:‏ غالبه وعانده‏.‏

وكابر فلان فلاناً‏:‏ طاوله بالكبر‏,‏ وكابر فلاناً على حقّه‏:‏ جاحده وغالبه عليه وعاند فيه‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

حرابة‏:‏

2 - الحرابة من الحرب الّتي هي نقيض السّلم يقال حاربه محاربةً وحراباً أو من الحرب وهو السّلب‏,‏ يقال‏:‏ حرب فلاناً ماله أي سلبه فهو محروب‏.‏

والحرابة في الاصطلاح - وتسمّى قطع الطّريق عند أكثر الفقهاء - هي البروز لأخذ مالٍ أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرةً اعتماداً على القوّة مع البعد عن الغوث‏.‏ والصّلة بين المكابرة والحرابة أنّ المكابرة وصف من أوصاف أفعال الحرابة‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمكابرة

يتعلّق بالمكابرة أحكام منها‏:‏

أ - اعتبارها من الحرابة‏:‏

3 - تأخذ المكابرة حكم الحرابة باعتبارها وصفاً من أوصاف الحرابة وذلك في الجملة‏.‏ جاء في المدوّنة‏:‏ من كابر رجلاً على ماله بسلاح أو غيره في زقاقٍ أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة‏.‏

وفي الدرّ المختار‏:‏ المكابر بالظلم وقاطع الطّريق وصاحب المكس وجميع الظّلمة يباح قتل الكلّ ويثاب قاتلهم‏.‏

والقتل هنا على سبيل التّعزير‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرابة ف 7‏)‏‏.‏

ب - المكابرة وحد السّرقة‏:‏

4 - اختلف الفقهاء في حدّ السّارق على سبيل المكابرة‏:‏

فقال الحنفيّة‏:‏ لو كابر إنساناً ليلاً حتّى سرق متاعه ليلاً فعليه القطع لأنّ سرقته قد تمّت حين كابره ليلاً فإنّ الغوث باللّيل قلّ ما يلحق صاحب البيت وهو عاجز عن دفعه بنفسه فيكون تمكنه من ذلك بالنّاس والسّارق قد استخفى فعله من النّاس بخلاف ما إذا كابره في المصر نهاراً حتّى أخذ منه مالاً فإنّه لا يلزمه القطع استحساناً لأنّ الغوث في المصر بالنّهار يلحقه عادةً فالآخذ مجاهر بفعله غير مستخفٍ له‏,‏ وذلك يمكن نقصاناً في السّرقة‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ المكابر هو الآخذ للمال من صاحبه بقوّة من غير حرابة سواء ادّعى أنّه ملكه أو اعترف بأنّه غاصب فلا قطع لأنّه غاصب والغاصب لا قطع عليه‏,‏ وأمّا لو كابر وادّعى أنّه ملكه بعد ثبوت أخذه له من الحرز فإنّه يقطع‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ ولو دخل جماعة باللّيل داراً وكابروا ومنعوا صاحب الدّار من الاستغاثة مع قوّة السلطان وحضوره فالأصح أنّهم قطّاع وبه قطع القفّال والبغوي‏,‏ ومذهب الحنابلة كمذهب الشّافعيّة في الجملة‏.‏

مُكَاتَب

انظر‏:‏ مكاتبة‏.‏

مُكاتَبة

التّعريف

1 - المكاتبة في اللغة‏:‏ مصدر كاتب وهي مفاعلة‏,‏ والأصل في باب المفاعلة أن يكون من اثنين فصاعداً‏.‏

يقال‏:‏ كاتب يكاتب كتاباً ومكاتبةً‏,‏ وهي معاقدة بين العبد وسيّده‏,‏ يكاتب الرّجل عبده أو أمته على مالٍ منجّمٍ‏,‏ ويكتب العبد عليه أنّه معتق إذا أدّى النجوم‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

قال ابن حجرٍ المكاتبة تعليق عتقٍ بصفة على معاوضةٍ مخصوصةٍ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العتق‏:‏

2 - العتق في اللغة‏:‏ خلاف الرّقّ‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ هو تحرير الرّقبة وتخليصها من الرّقّ‏.‏

والصّلة بينهما أنّ المكاتبة سبب من أسباب العتق‏.‏

أصل المكاتبة ومشروعيتها

أصلها‏:‏

3 - كانت المكاتبة معروفة في الجاهليّة‏,‏ فأقرّها الإسلام‏.‏

وأوّل من كوتب في الإسلام أبو المؤمّل‏,‏ وقد حثّ الرّسول صلى الله عليه وسلم على إعانته في نجوم الكتابة‏,‏ فقال‏:‏ «أعينوا أبا المؤمّل»‏,‏ فأعين‏,‏ فقضى كتابته‏,‏ وفضلت عنده فضلة‏,‏ فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «أنفقها في سبيل اللّه»‏,‏ وقيل غير ذلك‏.‏

والأصل فيها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً‏}‏‏.‏

وما روي عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال‏:‏ «إذا كان لإحداكنّ مكاتب‏,‏ فكان عنده ما يؤدّي فلتحتجب منه»‏.‏

وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ثلاثة حق على اللّه عونهم‏:‏ المجاهد في سبيل اللّه‏,‏ والمكاتب الّذي يريد الأداء‏,‏ والنّاكح الّذي يريد العفاف»‏.‏

وأجمعت الأمّة على مشروعيّة المكاتبة فلا خلاف أنّها جائزة بين العبد وسيّده‏,‏ إذا كانت على شروطها‏.‏

الحكم التّكليفي

4 - المكاتبة مندوبة عند جمهور الفقهاء‏.‏

قال مالك‏:‏ الأمر عندنا أنّه ليس على سيّد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك‏,‏ فلا يكره أحد على مكاتبة عبده‏,‏ وإنّما يستحب‏.‏

واستحبّت لأنّ العبد قد يقصد بها الاستقلال والاكتساب والتّزوج‏,‏ فيكون أعفّ له‏.‏

وذهب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينارٍ إلى أنّها واجبة إذا طلبها العبد‏,‏ محتجّين بظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً‏}‏‏,‏ فالأمر عندهم للوجوب‏.‏

وهناك رواية عن الإمام أحمد بن حنبلٍ بوجوب الكتابة إذا دعا إليها العبد المكتسب الصّدوق‏.‏

وحجّة الجمهور‏:‏ أنّ الأصل أن لا يحمل أحد على عتق مملوكه‏,‏ لذا تحمل الآية على النّدب‏,‏ لئلا تعارض هذا الأصل‏.‏

حكمة مشروعيّة المكاتبة

5 - إنّ حكمة تشريع المكاتبة مصلحة السّيّد والعبد‏,‏ فالسّيّد فعل معروفاً من أعمال البرّ المندوبة‏,‏ والعبد تؤوّل كتابته غالباً إلى رفع الرّقّ عنه وتمتعه بحرّيّته‏.‏

أركان المكاتبة

6 - أركان المكاتبة هي‏:‏ المولى‏,‏ العبد‏,‏ الصّيغة‏,‏ العوض‏.‏

ولكلّ ركنٍ شروط وأحكام تتعلّق به وتفصيلها فيما يلي‏:‏

أ - المولى‏:‏

7 - هو كل مكلّفٍ أهلٍ للتّصرف تصح منه المكاتبة‏,‏ ولا يشترط فيه أن يكون أهلاً للتّبرع‏.‏ ب - العبد المكاتب‏:‏

8 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في العبد المكاتب العقل‏.‏

واختلفوا في اشتراط البلوغ‏:‏

فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز مكاتبة الصّغير المميّز‏,‏ ووافقهم ابن القاسم من المالكيّة في الجملة‏,‏ فقال‏:‏ تجوز مكاتبة صغيرٍ ذكرٍ أو أنثى وإن لم يبلغ عشر سنين‏.‏ وذهب الشّافعيّة إلى اشتراط البلوغ‏,‏ وقال أشهب من المالكيّة‏:‏ يمنع مكاتبة ابن عشر سنين‏.‏

ج - الصّيغة‏:‏

9 - الصّيغة هي اللّفظ أو ما يقوم مقامه ممّا يدل على العتق على مالٍ منجّمٍ‏,‏ مثل‏:‏ كاتبتك على كذا في نجمٍ أو نجمين فصاعداً ولا يفتقر إلى قوله‏:‏ إن أدّيت فأنت حر‏,‏ لأنّ لفظ الكتابة يقتضي الحرّيّة‏.‏

وهذا مذهب أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يُعتق حتّى يقول ذلك أو ينوي بالكتابة الحرّيّة‏.‏

د - العوض‏:‏

10 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ العوض في المكاتبة يجوز أن يكون حالاً أو مؤجّلاً‏,‏ وإن كان مؤجّلاً فيجوز أن يكون على نجمٍ واحدٍ‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى اشتراط أن يكون العوض في الكتابة ديناً مؤجّلاً ومنجّماً بنجمين معلومين فأكثر‏.‏

ويشترط في عوض المكاتبة ما يشترط في العوض في سائر العقود‏.‏

وللتّفصيل انظر مصطلح‏:‏ ‏(‏عوض ف 4 وما بعدها‏)‏‏.‏

صفة المكاتبة

11 - المكاتبة عقد لازم فلا خيار لأحد المتعاقدين في فسخه إذا أبى الآخر‏,‏ وهذا عند المالكيّة والحنابلة‏.‏

وعند الحنفيّة والشّافعيّة هي عقد لازم من جانب المولى إذا كانت المكاتبة صحيحةً‏,‏ غير لازمٍ في جانب المكاتب‏.‏

أمّا إذا كانت فاسدةً فلا تلزم من الجانبين عند الحنفيّة‏,‏ وهو الأصح عند الشّافعيّة‏.‏

عتق المكاتب بالأداء

12 - إذا أدّى المكاتب نجوم الكتابة عتق‏,‏ ويعان المكاتب على الأداء من الزّكاة والصّدقات وما يعينه به سيّده‏.‏

تصرفات المكاتب

13 - بعد التزام العبد بالمكاتبة يصبح كالحرّ في بعض التّصرفات‏,‏ فله أن يبيع ويشتري ويقاسم شركاءه‏,‏ ويقرّ بالدّين لمن لا يتّهم عليه‏,‏ وبالحدّ والقطع الرّاجعين لرقبته‏,‏ ويضارب ويعير ويودع ويؤجّر ويقاصّ‏,‏ ويتصرّف في مكاسبه‏,‏ وينفق على نفسه دون تبذيرٍ‏,‏ ودون إخراج المال بغير عوضٍ‏.‏

وليس للسّيّد منعه من كلّ تصرفٍ فيه صلاح المال واكتساب المنافع‏.‏

ولاء المكاتب

14 - إذا أدّى المكاتب لمولاه ما عليه من المال وعتق‏,‏ فإنّ ولاءه يكون لمولاه‏,‏ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الولاء لمن أعتق»‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏ولاء‏)‏‏.‏

مكارِي

انظر‏:‏ إجارة‏.‏

مُكَافأة

التّعريف

1 - المكافأة في اللغة‏:‏ مصدر كافأ‏,‏ يقال‏:‏ كافأه مكافأةً وكفاءً‏:‏ جازاه‏,‏ وكافأ فلاناً‏:‏ ماثله‏,‏ وكل شيءٍ ساوى شيئاً حتّى صار مثله فهو مكافئ له‏,‏ والمكافأة بين النّاس من هذا‏,‏ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «المسلمون تتكافأ دماؤهم»‏,‏ أي تتساوى في الدّية والقصاص‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

العوض‏:‏

2 - العوض‏:‏ البدل‏,‏ وعوّضته‏:‏ إذا أعطيته بدل ما ذهب منه‏,‏ ومن إطلاقات العوض‏:‏ ثواب الآخرة‏,‏ والثّواب يقع على جهة المكافأة‏.‏

والعوض في الاصطلاح‏:‏ ما يبذل في مقابلة غيره‏,‏ وهو أخص من المكافأة‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمكافأة

المكافأة على الهديّة

3 - ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبل الهديّة ويثيب عليها»‏,‏ ومعنى يثيب عليها أي يكافئ عليها‏.‏

وقد عنون البخاري لهذا الحديث‏:‏ المكافأة في الهبة‏.‏

واستدلّ بعض المالكيّة بهذا الحديث على وجوب الثّواب والمكافأة على الهديّة‏,‏ إذا أطلق الواهب وكان ممّن يطلب مثله الثّواب كالفقير للغنيّ‏,‏ بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى‏,‏ ووجه الدّلالة منه مواظبته صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومن حيث المعنى‏:‏ أنّ الّذي أهدى قصد أن يعطي أكثر ممّا أهدي‏,‏ فلا أقلّ أن يعوّض بنظير هديّته‏.‏

وقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ إذا كانت الهبة بعوض معلومٍ جازت وكانت بيعاً‏,‏ أو مجهولٍ فهي باطلة على تفصيلٍ في بعض جزئيّاتها ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏هبة وهديّة‏)‏‏.‏ وممّا يدل على المكافأة على الهديّة قول الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتّى تروا أنّكم قد كافأتموه»‏.‏

المكافأة بين القاتل والقتيل

4 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من شروط القصاص في القتل المكافأة بين القاتل والقتيل في أوصافٍ اعتبروها‏,‏ فلا يقتل الأعلى بالأدنى‏,‏ ولكن يقتل الأدنى بالأعلى‏,‏ وبالمساوي‏.‏

وخالف الحنفيّة فقالوا‏:‏ لا يشترط في القصاص في النّفس المساواة بين القاتل والقتيل‏.‏

إلا أنّ جمهور الفقهاء اختلفوا في الأوصاف الّتي اعتبروها للمكافأة‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏قصاص ف 13‏)‏‏.‏

المكافأة في النّكاح

5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط المكافأة بين الزّوجين في النّكاح وهي مساواة الرّجل للمرأة في الأمور المعتبرة في النّكاح‏.‏

وتعتبر المكافأة في جانب الرّجال للنّساء ولا تعتبر في جانب النّساء للرّجال‏.‏

وروي عن الإمام أحمد رحمه الله أنّه قال‏:‏ إنّ المكافأة شرط لصحّة النّكاح‏.‏

وذهب بعض الحنفيّة إلى عدم اشتراط المكافأة بين الزّوجين‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تكافؤ ف 3‏)‏‏.‏

المكافأة بالطّلاق

6 - قال النّووي رحمه الله‏:‏ في مسائل تجري في مخاصمة الزّوجين ومشاتمتهما‏,‏ وأغلب ما تقع إذا واجهت زوجها بمكروه‏,‏ فيقول على سبيل المكافأة‏:‏ إن كنت كذلك فأنت طالق‏,‏ يريد أن يغيظها بالطّلاق كما غاظته بالمشاتمة أو بالشّتم‏,‏ فكأنّه يقول‏:‏ تزعمين أنّي كذا فأنت طالق‏,‏ فإذا قالت له‏:‏ يا سفيه فقال‏:‏ إن كنت كذلك فأنت طالق‏,‏ نظر إن أراد المكافأة كما ذكرنا طلقت‏,‏ وإن قصد التّعليق لم تطلق‏,‏ وإن أطلق اللّفظ ولم يقصد المكافأة ولا حقيقة اللّفظ فهو للتّعليق‏,‏ فإن عمّ العرف بالمكافأة فيراعي الوضع أو العرف‏.‏

وأنّه لو قال لها في الخصومة‏:‏ إيش تكونين أنت‏,‏ فقالت وإيش تكون أنت‏,‏ فقال‏:‏ إن لم أكن منك بسبيل فأنت طالق‏.‏

قال القاضي حسين‏:‏ إن قصد التّعليق لم تطلق لأنّها زوجته فهو منها بسبيل‏,‏ وإن قصد المغايظة والمكافأة طلقت‏,‏ والمقصود إيقاع الفرقة وقطع ما بينهما‏,‏ فإذا حمل على المكافأة فيقع الطّلاق في الحال‏.‏

مكافأة العامل

7 - قال الدسوقيّ‏:‏ يرخّص لعامل القراض أن يأتي بطعام كغيره‏,‏ أي كما يأتي غيره بطعام يشتركون في أكله‏,‏ إن لم يقصد التّفضل على غيره بأن لا يزيد على غيره زيادةً لها بال‏,‏ وإلا بأن قصد التّفضل فليتحلّله‏,‏ أي يتحلّل ربّ المال‏,‏ بأن يطلب منه المسامحة‏,‏ فإن أبى من مسامحته فليكافئه‏,‏ أي يعوّضه بقدر ما يخصه أي فيما زاده من الطّعام على غيره‏.‏

المكافأة في المبارزة

8 - أوضح الفقهاء في باب الجهاد حكم المبارزة وأنّ المكافأة في المبارزة هي مناط الحكم بالجواز أو الاستحباب أو الكراهة‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تكافؤ ف 5‏)‏‏.‏

المكافأة بين الخيل في السّبق

9 - اشترط الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أن يكون فرس المحلّل مكافئاً لفرسي المتسابقين أو بعيره مكافئاً لبعيرهما‏,‏ فإن لم يكن مكافئاً‏:‏ مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيئاً فهو قمار‏,‏ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من أدخل فرساً بين فرسين - وهو لا يؤمن أن يسبق - فليس بقمار‏,‏ ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار»‏,‏ ولأنّه مأمون سبقه فوجوده كعدمه‏,‏ وإن كان مكافئاً لهما جاز‏.‏

وانظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تكافؤ ف 6‏)‏‏.‏

مَكان

التّعريف

1 - المكان في اللغة‏:‏ الموضع‏,‏ وما يعتمد عليه كالأرض للسّرير‏,‏ والجمع أمكنة‏,‏ وأماكن جمع الجمع‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمكان

تتعلّق بالمكان أحكام فقهيّة منها‏:‏

الأماكن الّتي نهي عن الصّلاة فيها

2 - اختلف الفقهاء في صحّة الصّلاة في المجزرة والمقبرة والحمّام ونحوها‏:‏

فقال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في روايةٍ إنّ الصّلاة تصح مع الكراهة في الحمّام والمزبلة والمجزرة ومعاطن الإبل وقارعة الطّريق والمقبرة وفوق ظهر بيت اللّه والمغتسل والكنائس والموضع المغصوب‏,‏ وبه قال علي وابن عبّاسٍ وابن عمر رضي اللّه عنهم وعطاء والنّخعيّ وابن المنذر لقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»‏.‏

وقولـه صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «أينما أدركتك الصّلاة فصلّ فهو مسجد»‏,‏ ولأنّه موضع طاهر فصحّت الصّلاة فيه كالصّحراء‏,‏ وقال ابن المنذر‏:‏ ذكر نافع أنّه صلّى على عائشة وأمّ سلمة وسط قبور البقيع‏,‏ ومحل كراهة الصّلاة في هذه الأماكن عند الشّافعيّة إن بسط طاهراً وصلّى عليه وإلا فصلاته باطلة لأنّه صلّى على نجاسةٍ‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ تجوز الصّلاة في مربض الغنم والبقر وكذا في المقبرة والحمّام والمزبلة وقارعة الطّريق والمجزرة إن أمنت النّجاسة وإن لم تؤمن النّجاسة وصلّى أعاد الصّلاة في الوقت‏,‏ وإن تحقّقت النّجاسة أعاد الصّلاة أبداً‏.‏

وتكره الصّلاة بمعاطن الإبل وبالكنائس‏.‏

وقال الحنابلة في المعتمد إنّ الصّلاة في هذه المواضع لا تصح بأيّ حالٍ من الأحوال لما روى جابر بن سمرة رضي اللّه عنه‏:‏ «أنّ رجلاً سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنصلّي في مبارك الإبل‏؟‏ قال‏:‏ لا»‏.‏

ولقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «الأرض كلها مسجد إلا الحمّام والمقبرة»‏.‏

وقال بعض الحنابلة‏:‏ إن كان المصلّي عالماً بالنّهي في هذه المواضع لم تصحّ صلاته فيها‏,‏ لأنّه عاصٍ بصلاته فيها والمعصية لا تكون قربةً ولا طاعةً‏,‏ وإن لم يكن عالماً فعن أحمد روايتان‏:‏

إحداهما‏:‏ لا تصح لأنّه صلّى فيما لا تصح فيه مع العلم فلا تصح مع الجهل كالصّلاة في محلٍّ نجسٍ‏.‏

والثّانية‏:‏ تصح الصّلاة فيه لأنّه معذور‏.‏

قال البهوتي‏:‏ المنع من الصّلاة في هذه المواضع تعبد ليس معلّلاً بوهم النّجاسة ولا غيره لنهي الشّارع عنها ولم يعقل معناه‏.‏

وانظر مصطلح‏:‏ ‏(‏حمّام ف 14‏,‏ صلاة ف 105‏)‏‏.‏

مكان وضع اليدين في الصّلاة

3 - ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من سنن الصّلاة القبض وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى وخالفهم في ذلك المالكيّة فقالوا‏:‏ يندب الإرسال ويكره القبض في صلاة الفرض وجوّزوه في النّفل وهذا في الجملة‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏إرسال ف 4‏)‏‏.‏

ومكان وضع اليدين بهذه الكيفيّة هو تحت الصّدر وفوق السرّة‏,‏ وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة ورواية عند الحنابلة‏,‏ وهو قول سعيد بن جبيرٍ لما روى وائل بن حجرٍ قال‏:‏ «صلّيت مع رسول اللّه‏,‏ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره»‏.‏

وعند الحنفيّة وفي الرّواية الأخرى عند الحنابلة أنّه يضع يديه تحت سرّته وروي ذلك عن عليٍّ وأبي هريرة وأبي مجلزٍ والنّخعيّ والثّوريّ وإسحاق لما روي عن عليٍّ أنّه قال‏:‏ «من السنّة وضع الكفّ على الكفّ في الصّلاة تحت السرّة»‏.‏

وأمّا المرأة فقد قال الحنفيّة تضع يديها على ثدييها‏.‏

مكان دفن الميّت

4 - اتّفق الفقهاء على أنّ المقبرة أفضل مكانٍ للدّفن وذلك للاتّباع ولنيل دعاء الطّارقين‏,‏ ويكره دفنه في المسجد الّذي بني للصّلاة فيه‏.‏

على تفصيلٍ ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏دفن ف 3 وما بعدها‏)‏‏.‏

مكان تسليم المبيع

5 - مطلق عقد البيع يقتضي تسليم المبيع في المكان الّذي هو موجود فيه حينئذٍ‏,‏ فمثلاً لو باع رجل وهو في إسلامبول حنطته الّتي في دمشق يلزم عليه تسليم الحنطة المرقومة في دمشق وليس عليه أن يسلّمها في إسلامبول‏,‏ أي لا يشترط في عقد البيع بيان المكان الّذي يسلّم فيه المبيع فعقد البيع المطلق الّذي لا يبيّن فيه مكان تسليم المبيع يسلّم فيه المبيع إلى المشتري في المكان الّذي كان فيه المبيع حين العقد لا في مكان عقد البيع حتّى إذا نقل البائع المبيع بلا إذن المشتري من المحلّ الّذي كان فيه حين العقد إلى مكانٍ آخر وجب عليه إعادته إلى حيث كان‏.‏

أمّا ثمن المبيع فإن كان محتاجاً إلى الحمل والمئونة فيجب بيان مكان تسليمه في بيان العقد‏.‏

ويعتبر في تسليم المبيع مكان البيع فإذا لم يبيّن البائع مكان المبيع ولم يكن المشتري يعلم وكان ظاهراً أنّه لم يكن في مكان العقد ثمّ اطّلع المشتري على مكانه فالبيع صحيح إلا أنّ المشتري يكون مخيّراً خيار كشف الحال فله فسخ البيع وترك المبيع وله قبضه من حيث كان حين العقد بكلّ الثّمن المسمّى‏.‏

وإذا بيع مال على أن يسلّم في مكان كذا لزم تسليمه في المكان المذكور‏,‏ مثل ذلك أن يبيع شخص حنطةً من مزرعةٍ له على أن يسلّمها إلى المشتري في داره فيجب عليه تسليمها إلى المشتري في داره وكذلك إذا شرط تسليم المبيع الّذي يحتاج إلى مئونةٍ في نقله إلى محلٍّ معيّنٍ فيجب تسليمه هناك وإن كان يصح البيع بشرط تسليم المبيع في محلٍّ معيّنٍ‏.‏

إعارة الدّابّة إلى مكانٍ معيّنٍ

6 - يرى جمهور الفقهاء أنّ من استعار حصاناً من آخر إلى مكانٍ معيّنٍ ليركبه فركب إلى مكانٍ معيّنٍ وتجاوز إلى مكانٍ آخر بعيدٍ ثمّ رجع فقال إنّ الحصان قد هلك في مكانٍ آخر يضمن لأنّ عارية الحصان مقيّد بزمان ومكانٍ وتجاوز المكان المعيّن فيضمن قيمة الحصان لصاحبه‏.‏

ومن استعار من آخر دابّةً ليركبها إلى مكانٍ معيّنٍ ومعلومٍ فركبها وقبل وصوله إلى المكان صادفه متغلّب وأخذها منه بالقهر والغلبة ولم يمكنه منعه بوجه وخاف من ضرره لا يضمن‏,‏ لأنّ العارية عند بعض الفقهاء أمانة والمستعير أمين والأمين إنّما يضمن بترك الحفظ إذا ترك بغير عذرٍ‏.‏

فضل الأمكنة

7 - اتّفق الفقهاء على فضل بعض الأمكنة على بعضٍ‏.‏

فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة هما أفضل بقاع الأرض‏.‏

ثمّ اختلفوا‏:‏ فقال الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة وبعض المالكيّة إنّ مكّة المكرّمة أفضل من المدينة المنوّرة‏.‏

وقال المالكيّة في المعتمد وبعض الشّافعيّة إنّ المدينة المنوّرة أفضل من مكّة المكرّمة‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏فضائل ف 7 - 9‏)‏

مُكْره

انظر‏:‏ إكراه‏.‏

مَكْروه

التّعريف

1 - المكروه في اللغة‏:‏ ضد المحبوب‏,‏ وما نفر منه الطّبع والشّرع ويطلق - أيضاً - على الشّدّة والمشقّة‏.‏

قال الفيروز آبادي‏:‏ الكره ويضم الإباء والمشقّة‏,‏ أو بالضّمّ ما أكرهت نفسك عليه‏,‏ وبالفتح ما أكرهك غيرك عليه‏,‏ كرهه كسمعه كرهاً ويضم وكراهةً وكراهيةً بالتّخفيف‏.‏ وقال الفيومي‏:‏ كره الأمر والمنظر كراهةً فهو كريه‏,‏ مثل‏:‏ قبح قباحةً فهو قبيح وزناً ومعنى‏,‏ والكريهة الشّدّة في الحرب‏.‏

وقال الطوفي في ذلك‏:‏ فيجوز اشتقاق المكروه من ذلك - أي المعاني المتقدّمة - لأنّ الطّبع والشّرع لا ينفران إلا عن شدّةٍ ومشقّةٍ‏,‏ بحسب حالهما‏.‏

وعرّف الأصوليون المكروه بتعريفات منها‏:‏ ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

1 - الواجب‏:‏

2 - الواجب في اللغة‏:‏ الثّابت أو اللازم‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ ما يذم شرعاً تاركه قصداً مطلقاً‏.‏

والصّلة بين المكروه والواجب هي التّضاد‏.‏

ب - المندوب‏:‏

3 - المندوب‏:‏ اسم مفعولٍ من النّدب وهو‏:‏ الدّعوة والحث والتّوجيه‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ ما يمدح فاعله‏,‏ ولا يذم تاركه‏.‏

والصّلة بين المكروه والمندوب التّضاد‏.‏

ج - الحرام‏:‏

4 - الحرام في اللغة‏:‏ الممنوع‏,‏ ويطلق على نقيض الواجب‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ ما يذم شرعاً فاعله‏.‏

والصّلة بين المكروه والحرام أنّ المكروه مطلوب شرعاً تركه مع عدم الذّمّ على فعله‏,‏ والحرام مطلوب شرعاً تركه مع الذّمّ على فعله‏.‏

إطلاقات المكروه

5 - تعدّدت إطلاقات المكروه عند الأصوليّين‏,‏ فذهب بعضهم إلى أنّه يطلق على أربعة معانٍ‏:‏ الحرام‏,‏ وترك الأولى‏,‏ وما نهي عنه تنزيهاً‏,‏ وما وقعت الشبهة في تحريمه‏,‏ وهو قول الغزاليّ والآمديّ والزّركشيّ وابن قاضي الجبل‏.‏

قال الغزالي‏:‏ وأمّا المكروه فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين هذه المعاني الأربعة‏.‏

أقسام المكروه

6 - اختلف الفقهاء في تقسيم المكروه‏:‏

فقسّم الحنفيّة المكروه إلى قسمين‏:‏

القسم الأوّل‏:‏ المكروه كراهة تنزيهٍ، وهو ما كان إلى الحلّ أقرب‏,‏ بمعنى أنّه لا يعاقب فاعله أصلاً‏,‏ لكن يثاب تاركه أدنى ثوابٍ‏.‏

القسم الثّاني‏:‏ المكروه كراهة تحريمٍ، وهو إلى الحرمة أقرب بمعنى‏:‏ أنّه يتعلّق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنّار‏:‏ كحرمان الشّفاعة‏,‏ لقوله عليه السلام‏:‏ «من ترك سنّتي لم ينل شفاعتي»‏.‏

وعند محمّدٍ المكروه كراهة تحريمٍ حرام ثبتت حرمته بدليل ظنّيٍّ‏,‏ لأنّه يرى أنّ ما لزم تركه إن ثبت ذلك بدليل قطعيٍّ يسمّى حراماً‏,‏ وإلا يسمّى مكروهاً كراهة التّحريم‏,‏ كما أنّ ما لزم الإتيان به إن ثبت ذلك فيه بدليل قطعيٍّ يسمّى فرضاً‏,‏ وإلا يسمّى واجباً‏.‏

حكم المكروه

7 - اختلف الأصوليون في حكم المكروه كما اختلفوا في كونه مكلّفاً بتركه أم لا ومنهياً عنه أم لا‏,‏ واختلفوا كذلك في الأمر المطلق هل يتناول المكروه أم لا‏,‏ والتّفصيل في الملحق الأصوليّ‏.‏

مَكْس

انظر‏:‏ مكوس‏.‏

مَكّة المكرّمة

التّعريف

1 - مكّة‏:‏ علم على البلد المعروف الّذي فيه بيت اللّه الحرام‏.‏

واختلف في سبب تسميتها مكّة بالميم فقيل‏:‏ لأنّها تمك الجبّارين أي تذهب نخوتهم‏,‏ وقيل‏:‏ لأنّها تمك الفاجر عنها أي تخرجه‏,‏ وقيل‏:‏ كأنّها تجهد أهلها من قوله تمكّكت العظم إذا أخرجت مخّه‏,‏ وقيل‏:‏ لأنّها تجذب النّاس إليها من قوله‏:‏ امتكّ الفصيل ما في ضرع أمّه إذا لم يبق فيه شيئاً‏,‏ وقيل لقلّة مائها‏.‏

ولها أسماء كثيرة منها‏:‏ بكّة‏,‏ وأم القرى‏,‏ والبلد الأمين‏,‏ وأسماء أخرى‏.‏

ومكّة كلها حرم وكذلك ما حولها‏,‏ وقد بيّن الفقهاء حدود حرم مكّة وسبب تحريمه‏,‏ وما يتعلّق به من الأحكام‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرم ف 1 - 3‏)‏‏.‏

الأحكام المتعلّقة بمكّة

تتعلّق بمكّة أحكام منها‏:‏

وجوب تعظيم مكّة

2 - يجب تعظيم مكّة‏,‏ لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم‏:‏ «إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس‏,‏ فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضّد بها شجرةً‏,‏ فإن أحد ترخّص لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقولوا له‏:‏ إنّ اللّه أذن لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يأذن لكم‏,‏ وإنّما أذن لي ساعةً من نهارٍ‏,‏ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس‏,‏ وليبلّغ الشّاهد الغائب»‏.‏

وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرم ف 2‏)‏‏.‏

الغسل لدخول مكّة

3 - ذهب الفقهاء إلى أنّه يستحب الغسل لدخول مكّة لفعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم‏,‏ فعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما‏:‏ «أنّه كان لا يقدم مكّة إلا بات بذي طوىً حتّى يصبح ويغتسل ثمّ يدخل مكّة نهاراً ويذكر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه فعله»‏.‏ وصرّح الشّافعيّة بأنّه يسن الغسل لدخول مكّة ولو حلالاً للاتّباع رواه الشّيخان في المحرم والشّافعي في الحلال‏.‏

الإحرام لدخول مكّة

4 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من أراد دخول مكّة للحجّ أو العمرة فعليه أن يحرم من المواقيت أو من قبلها‏.‏

أمّا إذا أراد دخول مكّة لغير الحجّ أو العمرة فقد اختلف الفقهاء في حكم إحرامه‏.‏

والتّفصيل في‏:‏ ‏(‏حرم ف 4 - 6‏)‏‏.‏

المجاورة بمكّة

5 - اختلف الفقهاء في حكم المجاورة بمكّة‏,‏ فذهب جمهورهم إلى استحباب المجاورة بمكّة وذهب غيرهم إلى كراهة المجاورة بها‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرم ف 22‏)‏‏.‏

دخول الكفّار مكّة

6 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز لغير المسلم السكنى والإقامة في مكّة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا‏}‏‏.‏ واختلفوا في اجتياز الكافر مكّة بصفة مؤقّتةٍ فذهب بعضهم إلى منعه مطلقاً وأجازه آخرون‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرم ف 3‏)‏‏.‏

بيع دور مكّة وكراؤها

7 - اختلف الفقهاء في حكم بيع رباع مكّة وكرائها‏:‏

فذهب بعضهم إلى أنّه لا يجوز ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مكّة حرام‏,‏ حرّمها اللّه ولا تحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها»‏.‏

وذهب غيرهم إلى جواز بيع دور مكّة وإجارتها لأنّها على ملك أربابها‏.‏

والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏حرم ف 17‏,‏ ورباع ف 5‏)‏‏.‏

تضاعف السّيّئات بمكّة

8 - ذهب جماعة من العلماء إلى أنّ السّيّئات تضاعف بمكّة كما تضاعف الحسنات‏,‏ وممّن قال ذلك ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ وأحمد بن حنبلٍ ومجاهد رضي اللّه عنهم‏,‏ وغيرهم‏,‏ لتعظيم البلد‏.‏

وسئل ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما عن مقامه بغير مكّة فقال‏:‏ ما لي ولبلد تضاعف فيه السّيّئات كما تضاعف الحسنات‏.‏

فحمل ذلك منه على مضاعفة السّيّئات بالحرم‏,‏ ثمّ قيل‏:‏ تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل‏:‏ بل كخارجه‏.‏

ومن أخذ بالعمومات لم يحكم بالمضاعفة قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا‏}‏‏.‏

وقال النّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من همّ بسيّئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنةً كاملةً‏,‏ فإن هو همّ بها فعملها كتبها اللّه له سيّئةً واحدةً»‏.‏

وقال بعض السّلف لابنه‏:‏ يا بنيّ إيّاك والمعصية فإن عصيت ولا بدّ‏,‏ فلتكن في مواضع الفجور‏,‏ لا في مواضع الأجور‏,‏ لئلا يضاعف عليك الوزر‏,‏ أو تعجّل العقوبة‏.‏

وحرّر بعض المتأخّرين النّزاع في هذه المسألة فقال‏:‏ القائل بالمضاعفة أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كمّيّتها في العدد‏,‏ فإنّ السّيّئة جزاؤها سيّئة‏,‏ لكن السّيّئات تتفاوت‏,‏ فالسّيّئة في حرم اللّه وبلاده على بساطٍ أكبر وأعظم منها في طرفٍ من أطراف البلاد‏,‏ ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في موضعٍ بعيدٍ عنه‏.‏

ويعاقب على الهمّ فيها بالسّيّئات‏,‏ وإن لم يفعلها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏، ولهذا عدّي فعل الإرادة بالباء، ولا يقال‏:‏ أردت بكذا‏,‏ لمّا ضمّنه معنى يهم‏,‏ فإنّه يقال‏:‏ هممت بكذا‏.‏ وهذا مستثنىً من قاعدة الهمّ بالسّيّئة وعدم فعلها‏.‏

كل ذلك تعظيماً لحرمته‏,‏ وكذلك فعل اللّه سبحانه وتعالى بأصحاب الفيل، أهلكهم قبل الوصول إلى بيته‏.‏

وقال أحمد بن حنبلٍ‏:‏ لو أنّ رجلاً همّ أن يقتل في الحرم أذاقه اللّه من العذاب الأليم ثمّ قرأ الآية‏.‏

وقال ابن مسعودٍ‏:‏ ما من بلدٍ يؤاخذ العبد فيه بالهمّ قبل الفعل إلا مكّة وتلا هذه الآية‏.‏

مُكَلَّف

انظر‏:‏ تكليف‏.‏

مُكُوس

التّعريف

1 - المكوس‏:‏ جمع مكسٍ، وأصل المكس - في اللغة‏:‏ النّقص والظلم‏,‏ ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السّلع في الأسواق في الجاهليّة‏,‏ أو درهم كان يأخذه المصدّق بعد فراغه من الصّدقة‏.‏

ويطلق المكس - كذلك - على الضّريبة يأخذها المكّاس ممّن يدخل البلد من التجّار‏.‏

وقال ابن عابدين‏:‏ المكس ما يأخذه العشّار‏.‏

والماكس‏:‏ هو الّذي يأخذ من أموال النّاس شيئاً مرتّباً في الغالب‏,‏ ويقال له العشّار لأنّه يأخذ العشور في كثيرٍ من البلاد‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العشور‏:‏

2 - العشور‏:‏ جمع عشرٍ‏,‏ وهو لغةً الجزء من عشرة أجزاء‏.‏

وفي الاصطلاح يطلق على معنيين‏:‏

الأوّل‏:‏ عشر التّجارات والبياعات‏.‏

والآخر‏:‏ عشر الصّدقات أو زكاة الخارج من الأرض‏.‏

ب - الجباية‏:‏

3 - الجباية في اللغة‏:‏ الجمع يقال جبا المال والخراج‏:‏ جمعه‏.‏

والجباية في الاصطلاح‏:‏ جمع الخراج والمال‏.‏

والصّلة بين المكوس والجباية هي أنّ الجباية أعم لأنّ الجباية تشمل جمع المال من زكاةٍ أو صدقاتٍ أو غير ذلك‏.‏

ج - الضّرائب‏:‏

4 - الضّرائب جمع ضريبةٍ‏,‏ وهي الّتي تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها‏.‏

وهي أيضاً‏:‏ ما يأخذه الماكس‏.‏

والصّلة بينهما أنّ الضّريبة أعم‏.‏

5 - الخراج‏:‏

5 - الخراج هو‏:‏ ما يحصل من غلّة الأرض‏.‏

أمّا في الاصطلاح فهو كما قال الماورديّ ما وضع على رقاب الأرضين من حقوقٍ تؤدّى عنها‏.‏

والصّلة بين الخراج والمكوس أنّ كلاً منهما يوضع في بيت المال للإنفاق على مصالح المسلمين‏,‏ ويفترقان في أنّ الخراج يوضع على رقاب الأرض‏,‏ أمّا المكس فيوضع على السّلع المعدّة للتّجارة‏.‏

الحكم التّكليفي

6 - من المكوس ما هو مذموم ومنهي عنه ومنها ما هو غير ذلك‏.‏

فالمكوس المذمومة والمنهي عنها هي غير نصف العشر الّذي فرضه عمر رضي اللّه عنه على تجارة أهل الذّمّة‏,‏ وكذلك هي غير العشر الّذي ضربه على أموال أهل الحرب بمحضر من الصّحابة رضوان اللّه تعالى عليهم ولم ينكره عليه أحد منهم فكان إجماعاً سكوتياً‏.‏

وقد وردت في المكوس المذمومة والمنهيّ عنها - وهي غير ما سبق ذكره - نصوص تحرّمها وتغلّظ أمرها منها ما روي عن عقبة بن عامرٍ رضي اللّه عنه أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول‏:‏ «لا يدخل الجنّة صاحب مكسٍ»‏.‏

قال البغويّ‏:‏ يريد بصاحب المكس الّذي يأخذ من التجّار إذا مروا عليه مكساً باسم العشر أي الزّكاة‏,‏ وقال الحافظ المنذري‏:‏ أمّا الآن فإنّهم يأخذون مكساً باسم العشر‏,‏ ومكساً آخر ليس له اسم‏,‏ بل شيء يأخذونه حراماً وسحتاً‏,‏ ويأكلونه في بطونهم ناراً‏,‏ حجّتهم فيه داحضة عند ربّهم‏,‏ وعليهم غضب ولهم عذاب شديد‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالمكوس

احتساب المكس من الزّكاة

7 - ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز احتساب المدفوع مكساً من الزّكاة‏.‏

وذهب آخرون إلى جواز احتسابه من الزّكاة‏.‏

وللتّفصيل‏:‏ ‏(‏ر‏:‏ زكاة ف 132‏)‏‏.‏

أخذ الفقراء للمكوس

8 - المكوس بمعنى المال المأخوذ من صاحبه ظلماً‏,‏ نصّ الرّحيباني على حكمه بقوله‏:‏ يتّجه أنّ المال الحرام الّذي جهل أربابه وصار مرجعه لبيت المال كالمكوس والغصوب والخيانات والسّرقات المجهول أربابها يجوز للفقراء أخذها صدقةً‏,‏ ويجوز أخذها لهم ولغيرهم هبةً وشراءً ووفاءً عن أجرةٍ سيّما إن أعطاها الغاصب لمن لا يعلم حالها كأن قبضه لها بحقّ لأنّ اللّه لم يكلّفه ما لم يعلم‏,‏ قاله الشّيخ تقي الدّين وهو متّجه‏,‏ وعقّب الشّطّي على الرّحيبانيّ بتعقيب جاء فيه‏:‏ وقال الشّيخ تقي الدّين إنّ المكوس إذا أقطعها الإمام الجند فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها‏,‏ وكذا إذا رتّبها للفقراء وأهل العلم‏.‏

أثر أخذ المكوس في سقوط وجوب الحجّ

4 - عند الحنفيّة في اعتبار ما يؤخذ في طريق الحجّ من المكس والخفارة عذراً قولان‏,‏ والمعتمد عندهم عدم اعتباره عذراً‏.‏

وعند المالكيّة يعتبر الأمن على المال في الحجّ فإن كان في الطّريق مكّاس يأخذ من المال شيئاً قليلاً ولا ينكث بعد أخذه لذلك القليل ففيه قولان أظهرهما عدم سقوط الحجّ‏,‏ والثّاني سقوطه‏.‏

قال في التّوضيح إن كان ما يأخذه المكّاس غير معيّنٍ أو معيّناً مجحفاً سقط الوجوب وفي غير المجحف قولان أظهرهما عدم السقوط وهو قول الأبهريّ واختاره ابن العربيّ وغيره‏.‏ ولم يعبّر الشّافعيّة والحنابلة بالمكس أو المكّاس وإنّما عبّروا بالرّصديّ أو العدوّ الّذي يطلب خفارةً‏.‏

الشّهادة على المكوس

10 - تجوز الشّهادة على المكوس لأجل ردّ الحقوق إلى أربابها، كما يجوز كتابتها حتّى لا يتكرّر أخذها‏:‏ يقول أبو يوسف‏:‏ حدّثني يحيى بن سعيدٍ عن زريق بن حبّان وكان على مكس مصر فذكر أنّ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه كتب إليه‏:‏ أن انظر من مرّ عليك من المسلمين فخذ ممّا ظهر من أموالهم العين‏,‏ وممّا ظهر من التّجارات من كلّ أربعين ديناراً ديناراً وما نقص فبحساب ذلك حتّى يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت تلك الدّنانير فدعها ولا تأخذ منها شيئاً‏,‏ وإذا مرّ عليك أهل الذّمّة فخذ ممّا يديرون من تجاراتهم من كلّ عشرين ديناراً ديناراً فما نقص فبحساب ذلك حتّى تبلغ عشرة دنانير ثمّ دعها فلا تأخذ منها شيئاً‏,‏ واكتب لهم كتاباً بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول‏.‏

معاملة من غالب أمواله حرام

11 - سئل ابن تيميّة عن حكم معاملة من غالب أموالهم حرام مثل المكّاسين وأكلة الرّبا وأشباههم فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة أم لا‏؟‏ فأجاب‏:‏ إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة‏,‏ لا يحكم بالتّحريم إلا إذا عرف أنّه يعطيه ما يحرم إعطاؤه‏,‏ ولا يحكم بالتّحليل إلا إذا عرف أنّه أعطاه من الحلال‏,‏ فإن كان الحلال هو الأغلب قيل بحلّ المعاملة‏,‏ وقيل بل هي محرّمة‏.‏

الموسوعة الفقهية / نهاية الجزء الثامن والثلاثين