فصل: تفسير الآيات (36- 37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (36- 37):

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)}
قوله عز وجل: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} قال ابن جريج: وهم يستغيثون فيها {رَبَّنَآ أخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} أي نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية.
{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أنه البلوغ، قاله الحسن لأنه أول زمان التذكر.
الثاني: ثماني عشرة سنة.
الثالث: أربعون سنة، قاله ابن عباس ومسروق.
الرابع: ستون سنة، قاله علي بن أبي طالب مرفوعاً.
الخامس: سبعون سنة لأنه آخر زمان التذكر، وما بعده هرم. روى أبو هريرة.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَى عَبدٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتّىَ بلَغَ سِتِيّنَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً».
قوله عز وجل: {وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد.
الثاني: الشيب، حكاه الفراء والطبري.
الثالث: الحمى.
الرابع: موت الأهل والأقارب.
ويحتمل خامساً: أنه كمال العقل.

.تفسير الآيات (38- 39):

{إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)}
{فَذُوقُواْ} يحتمل وجهين:
أحدهما: حسرة الندم.
الثاني: عذاب جهنم.
قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْض} قال قتادة خلفاً بعد خلف قرناً بعد قرن، والخلف هو الثاني للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر رضي الله عنه يا خليفة الله، فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راضٍ بذلك. وقال بعد السلف إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت.
{فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي فعليه عقاب كفره.
قوله عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دَونِ اللَّهِ} فيه وجهان:
أحدهما: شركاءكم في الأموال التي جعلتم لهم قسطاً منها الأوثان.
الثاني: الذين أشركتموهم في العبادة.

.تفسير الآيات (40- 41):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)}
{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ} قاله السدي يعني في الأرض.
{أَمْ لَهُمْ شرْكٌ فِي السَّموَاتِ} حتى صاروا شركاء في خلقها.
{أَمْ ءَآتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنهُ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أم أنزلنا عليهم كتاباً بأن لله تعالى شركاء من الملائكة والأصنام فيهم مستمسكون به، وهذا قول ابن زياد.
الثاني: أم أنزلنا عليهم كتاباً بأن الله لا يعذبهم على كفرهم فهم واثقون به، وهو معنى قول الكلبي.
{بَلْ إن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إلاَّ غُرُوراً} فيه وجهان:
أحدهما: وعدوهم بأن الملائكة يشفعون.
الثاني: وعدوهم بأنهم ينصرون عليهم.

.تفسير الآيات (42- 43):

{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)}
قوله عز وجل: {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله تعلى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وحلفوا بالله جل اسمه يميناً.
{لَئِن جَآءَهُم نَذِيرٌ} أي نبي.
{لَّيَكُوننَّ أَهْدَى مِنْ إحْدَى الأُمَمْ} يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب.
{فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
{مَّا زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً} فيه وجهان:
أحدهما: نفوراً عن الرسول.
الثاني: نفوراً عن الحق.
قوله عز وجل: {اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ} فيه وجهان:
أحدهما: استكباراً عن عبادة الله، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: استكباراً بمعاصي الله، وهذا قول متأخر.
{وَمَكْرَ السَّيِّئ} فيه وجهان:
أحدهما: الشرك بالله، قاله يحيى.
الثاني: أنه المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه كما قال تعالى: {وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} [الأنفال: 30] الآية.
{وَلاَ يَحِيقُ الْمُكْرُ السَّيِّئ إلاَّ بِأَهْلِهِ} فيه وجهان:
أحدهما: قاله الكلبي، يحيق بمعنى يحيط.
الثاني: قاله قطرب، يحيق بمعنى ينزل، وأنشد قول الشاعر:
وقد دفعوا المنية فاستقلت ** ذراعاً بعدما كادت تحيقُ

قال فعاد ذلك عليهم بقتلهم يوم بدر.
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ} يعني سنة الله في الأولين، وفيها وجهان:
أحدهما: نزول العذاب بهم عند إصرارهم في التكذيب.
الثاني: لا تقبل منهم التوبة عند نزول العذاب.

.تفسير الآيات (44- 45):

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)}
قوله عز وجل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ} يعني من الذنوب.
{مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} قال يحيى بن سلام بحبس المطر عنهم وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني جميع الحيوان مما دب ودرج، قاله ابن مسعود، قال قتادة: وقد فعل ذلك زمان نوح عليه السلام.
الثاني: من الإنس والجن دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل، قاله الكلبي.
الثالث: من الناس وحدهم، قاله ابن جريج.
{وَلكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه قولان:
أحدهما: الأجل المسمى الذي وعدهم في اللوح المحفوظ، قاله مقاتل.
الثاني: إلى يوم القيامة، قاله يحيى.
{فَإذَا جَآءَ أَجَلُهُم} فيه قولان:
أحدهما: نزول العذاب.
الثاني: البعث في القيامة.
{فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} يحتمل وجهين:
أحدهما: بصيراً بأجلهم.
الثاني: بصيراً بأعمالهم، والله أعلم.

.سورة يس:

.تفسير الآيات (1- 7):

{يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)}
قوله عز وجل: {يس} فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة.
الثاني: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه فواتح من كلام الله تعالى افتتح به كلامه، قاله مجاهد.
الرابع: أنه: يا محمد، قاله محمد بن الحنفية، وروى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّانِي في القُرآنِ بِسَبْعَةِ أَسْمَاءَ: مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَطه وَيس وَالمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ وَعَبدَ اللَّهِ».
الخامس: أنه يا إنسان: قاله الحسن، وعكرمة، والضحاك، وسعيد ابن جبير. ثم اختلفوا فيه فقال سعيد بن جبير وعكرمة هي بلغة الحبشة. وحكى الكلبي أنه بالسريانية وقال الشعبي: هو بلغة طيئ. وقال آخرون: هي بلغة كلب.
ويحتمل سادساً: يئس من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مؤمناً بالله، نفياً للإيمان أن يكون إلا بالشهادتين، واليأس أبلغ في النفي من جميع ألفاظه، ثم أثبت رسالته بقسَمه فقال:
{وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يحتمل وجهين:
أحدهما: على شريعة واضحة.
الثاني: على حجة بينة.
قوله عز وجل: {لِّتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ} فيه وجهان:
أحدهما: أنهم قريش أنذروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينذر آباؤهم من قبلهم، قاله قتادة.
الثاني: أنه عام ومعناه لتنذر قوماً كما أنذر آباؤهم، قاله السدي. {فَهُمْ غَافِلُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: عن قبول الإِنذار. الثاني: عن استحقاق العذاب.
قوله عز وجل: {لَقَدْ حَقَّ الْقَولُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} فيه وجهان:
أحدهما: معناه لقد وجب العذاب على أكثرهم، قاله السدي.
الثاني: لقد سبق علم الله في أكثرهم، قاله الضحاك.
وفي هذا القول الذي حق عليهم وجهان:
أحدهما: أنه الوعيد الذي أوجبه الله تعالى عليهم من العذاب.
الثاني: أنه الإِخبار عنهم بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم.
{فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يعني الأكثرية الذين حق القول عليهم، وهم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفار قريش، وأكثرهم لم يؤمنوا فكان المخبر كالخبر.

.تفسير الآيات (8- 12):

{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}
قوله عز وجل: {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِِهِمْ أَغْلاَلاً} فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول من التصرف، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: ما حكاه السدي أن ناساً من قريش ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءوا يريدون ذلك فجعلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يداً.
الثالث: أن المراد به جعل الله سبحانه لهم في النار من الأغلال في أعناقهم ويكون الجعل ها هنا مأخوذاً من الجُعالة التي هي الأجرة كأن جعالتهم في النار الأغلال، حكاه ابن بحر.
وفي قوله: {فِي أَعْنَاقِهِمْ} قولان:
أحدهما: في أيديهم، فكنى بالأعناق عن الأيدي لأن الغُل يكون في الأيدي، قاله الكلبي، وحكى قطرب أنها في قراءة ابن عباس: {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِم أَغْلاَلاً}
الثاني: أنها في الأعناق حقيقة، لأن الأيدي تجمع في الغل إلى الأعناق، قاله ابن عباس {فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ} فيه وجهان:
أحدهما: إلى الوجوه فكنى عنها بالأذقان لأنها منها، قاله قتادة، أي قد غلت يده عند وجهه.
الثاني: أنها الأذقان المنحدرة عن الشفة في أسفل الوجه لأن أيديهم تماسها إذا علت.
{فَهُم مُّقْمَحُونَ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: رفع رؤوسهم ووضع أيديهم على أفواههم، قاله مجاهد.
الثاني: هو الطامح ببصره إلى موطئ قدمه، قاله الحسن. الثالث: هو غض الطرف ورفع الرأس مأخوذ من البعير المقمح وهو أن يرفع رأسه ويطبق أجفانه في الشتاء إذا ورد ماء كريهاً، حكاه النقاش. وقال المبرد، وأنشد قول الشاعر:
ونحن على جوانبها قعود ** نغض الطرف كالإبل القماح

الرابع: هو أن يجذب ذقنه إلى صدره ثم يرفعه مأخوذ من القمح وهو رفع الشيء إلى الفم، حكاه عليّ بن عيسى وقاله أبو عبيدة.
قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني ضلالاً، قاله قتادة.
الثاني: سداً عن الحق، قاله مجاهد.
الثالث: ظلمة سدت قريشاً عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا لقتله قاله السدي. قال عكرمة: ما صنع الله تعالى فهو السُدُّ بالضم، وما صنع الإنسان فهو السد بالفتح.
{فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: فأغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى، قاله يحيى بن سلام، ومعنى قول مجاهد.
الثاني: فأغشيناهم بظلمة الليل فهم لا يبصرون محمداً صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا على قتله، قاله السدي، ومحمد بن كعب.
قوله عز وجل: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكرَ} يعني القرآن. {وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ} فيه وجهان:
أحدهما: ما يغيب به عن الناس من شر عمله، قاله السدي.
الثاني: ما غاب من عذاب الله وناره، قاله قتادة.
{فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} لذنبه.
{وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لطاعته، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه الكثير.
الثاني: الذي تنال معه الكرامة.
قوله عز وجل: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} فيه وجهان:
أحدهما: نحييهم بالإيمان بعد الكفر، قاله الضحاك.
الثاني: بالبعث للجزاء، قاله يحيى بن سلام.
{ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ما قدموا هو ما عملوا من خير أو شر، وآثارهم ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، قاله سعيد بن جبير.
الثاني: ما قدموا: أعمالهم، وآثارهم: خطاهم إلى المساجد، قاله مجاهد.
روى سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: {إنَّا نَحْنُ نُحِيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ} وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلَمْ يَنتَقِلُوا».
ويحتمل إن لم يثبت نقل هذا السبب تأويلاً ثالثاً أن آثارهم هو أن يصلح من صاحبهم بصلاحهم، أو يفسد بفسادهم.
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} فيه وجهان:
أحدهما: علمناه.
الثاني: حفظناه.
{في إمَامٍ مُّبِينٍ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدهما: اللوح المحفوظ، قاله السدي. الثاني: أم الكتاب قاله مجاهد.
الثالث: معناه طريق مستقيم، قاله الضحاك.