فصل: تفسير الآيات (30- 35):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (30- 35):

{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)}
قوله عز وجل: {يَوْمَ نُقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنَ مَّزِيدٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هل يزاد إلى من ألقي غيرهم؟ فالاستخبار عمن بقي، قاله زيد بن أسلم.
الثاني: معناه إني قد امتلأت، ممن ألقي في، فهل أسع غيرهم؟ قاله مقاتل.
الثالث: معناه هل يزاد في سعتي؟ لإلقاء غير من ألقي في، قاله معاذ.
وفي قوله: {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} وجهان:
أحدهما: أن زبانية جهنم قالوا هذا.
الثاني: أن حالها كالمناطقة بهذا القول، كما قال الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني ** مهلاً رويداً قد ملأت بطني

قوله عز وجل: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} في الأواب الحفيظ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذاكر ذنبه في الخلاء، قاله الحكم.
الثاني: أنه الذي إذا ذكر ذنباً تاب واستغفر الله منه، قاله ابن مسعود ومجاهد والشعبي.
الثالث: أنه الذي لا يجلس مجلساً فيقوم حتى يستغفر الله فيه، قاله عبيد بن عمير.
وأما الحفيظ هنا ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه المطيع فيما أمر، وهو معنى قول السدي.
الثاني: الحافظ لوصية الله بالقبول، وهو معنى قول الضحاك.
الثالث: أنه الحافظ لحق الله بالاعتراف ولنعمه بالشكر، وهو معنى قول مجاهد. وروى مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَانَ أَوَّاباً حَفِيظاً».
قوله عز وجل: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه الذي يحفظ نفسه من الذنوب في السر كما يحفظها في الجهر.
الثاني: أنه التائب في السر من ذنوبه إذا ذكرها، كما فعلها سراً.
ويحتمل ثالثاً: أنه الذي يستتر بطاعته لئلا يداخلها في الظاهر رياء. ووجدت فيه لبعض المتكلمين.
رابعاً: أنه الذي أطاع الله بالأدلة ولم يره.
{وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه المنيب المخلص، قاله السدي.
الثاني: أنه المقبل على الله، قاله سفيان.
الثالث: أنه التائب، قاله قتادة.
{لَهُم مَّا يَشَاءُونَ} يعني ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم.
{وَلَدَينَا مَزِيدٍ} فيه وجهان:
أحدهما: أن المزيد من يزوج بهن من الحور العين، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً.
الثاني: أنها الزيادة التي ضاعفها الله من ثوابه بالحسنة عشر أمثالها.
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل أخبره: أن يوم الجمعة يدعى في الآخرة يوم المزيد. وفيه وجهان:
أحدهما: لزيادة ثواب العمل فيه.
الثاني: لما روي أن الله تعالى يقضي فيه بين خلقه يوم القيامة.

.تفسير الآيات (36- 40):

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)}
قوله عز وجل: {فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ} فيه أربعة أوجه:
احدها: أثروا في البلاد، قاله ابن عباس.
الثاني: أنهم ملكوا في البلاد، قاله الحسن.
الثالث: ساروا في البلاد وطافوا، قاله قتادة، ومنه قول امرئ القيس:
وقد نقبت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب

الرابع: أنهم اتخذوا فيها طرقاً ومسالك، قاله ابن جريج.
ويحتمل خامساً: أنه اتخاذ الحصون والقلاع.
{هَلْ مِن مَّحِيصٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هل من منجٍ من الموت، قاله ابن زيد.
الثاني: هل من مهرب، قال معمر عن قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله تعالى لهم مدركاً.
الثالث: هل من مانع؟ قال سعيد عن قتادة: حاص الفجرة، فوجدوا أمر الله منيعاً.
قوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فيه وجهان:
أحدهما: لمن كان له عقل، قاله مجاهد، لأن القلب محل العقل.
الثاني: لمن كانت له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها. كما قال امرؤ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي ** وأنك مهما تأمري القلب يفعل

{أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ألقى السمع فيما غاب عنه بالأخبار، وهو شهيد فيما عاينه بالحضور.
الثاني: معناه سمع ما أنزل الله من الكتب وهو شهيد بصحته.
الثالث: سمع ما أنذر به من ثواب وعقاب، وهو شهيد على نفسه بما عمل من طاعة أو معصية.
وفي الآية ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها في جميع أهل الكتب، قاله قتادة.
الثاني: أنها في اليهود والنصارى خاصة، قاله الحسن.
الثالث: أنها في أهل القرآن خاصة، قاله محمد بن كعب وأبو صالح.
قوله عز وجل: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} واللغوب التعب والنصب. قال الراجز:
إذا رقى الحادي المطي اللغبا ** وانتعل الظل فصار جوربا

قال قتادة والكلبي: نزلت هذه الآية في يهود المدينة، زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح في يوم السبت، ولذلك جعلوه يوم راحة، فأكذبهم الله في ذلك.
قوله عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر فيه بالصبر على ما يقوله المشركون، إما من تكذيب أو وعيد.
{وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} الآية. وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو عام له ولأمته.
وفي هذا التسبيح وجهان:
أحدهما: أنه تسبيحه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، قاله أبو الأحوص.
الثاني: أنها الصلاة ومعناه فصلِّ بأمر ربك قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب، يعني صلاة العصر، قاله أبو صالح ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً.
قوله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه تسبيح الله تعالى قولاً في الليل، قاله أبو الأحوص.
الثاني: أنها صلاة الليل، قاله مجاهد.
الثالث: أنها ركعتا الفجر، قاله ابن عباس.
الرابع: أنها صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن زيد.
ثم قال {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه التسبيح في أدبار الصلوات، قاله أبو الأحوص.
الثاني: أنها النوافل بعد المفروضات، قاله ابن زيد.
الثالث: أنها ركعتان بعد المغرب، قاله علي رضي الله عنه وأبو هريرة.
وروى ابن عباس قال: بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: «يا ابن عباس رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَدْبَارَ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمِغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ».

.تفسير الآيات (41- 45):

{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)}
قوله عز وجل: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنَادِ} هذه الصيحة التي ينادي بها المنادي من مكان قريب هي النفخة الثانية التي للبعث إلى أرض المحشر.
ويحتمل وجهاً آخر، أنه نداؤه في المحشر للعرض والحساب.
وفي قوله: {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} وجهان:
أحدهما: أنه يسمعها كل قريب وبعيد، قاله ابن جريج.
الثاني: أن الصيحة من مكان قريب. قال قتادة: كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض: يا أيتها العظام البالية، قومي لفصل القضاء وما أعد من الجزاء. وحدثنا، أن كعباً قال: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
قوله عز وجل: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ} فيه وجهان:
أحدهما: يعني بقول الحق.
الثاني: بالبعث الذي هو حق.
{ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} فيه وجهان:
أحدهما: الخروج من القبور.
الثاني: أن الخروج من أسماء القيامة. قال العجاج:
وليس يوم سمي الخروجا ** أعظم يوم رجه رجوجا

قوله عز وجل: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: نحن أعلم بما يجيبونك من تصديق أو تكذيب.
الثاني: بما يسرونه من إيمان أو نفاق.
{وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني برب، قاله الضحاك، لأن الجبار هو الله تعالى سلطانه.
الثاني: متجبر عليهم متسلط، قاله مجاهد. ولذلك قيل لكل متسلط جبار. قال الشاعر:
وكنا إذا الجبار صعر خده ** أقمنا له من صعره فتقوما

وهو من صفات المخلوقين ذم.
الثالث: أنك لا تجبرهم على الإسلام من قولهم قد جبرته على الأمر إذا قهرته على أمر، قاله الكلبي.
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} الوعيد العذاب، والوعد الثواب. قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

قال قتادة: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك. وروي أنه قيل: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت {فَذَكِّرْ بِالْقُرءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}.

.سورة الذاريات:

.تفسير الآيات (1- 14):

{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)}
قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} الذاريات: الرياح، واحدتها ذارية لأنها تذرو التراب والتبن أي تفرقه في الهواء، كما قال تعالى: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} وفي قوله {ذَرْواً} وجهان:
أحدهما: مصدر.
الثاني: أنه بمعنى ما ذرت، قاله الكلبي. فكأنما أقسم بالرياح وما ذرت الرياح.
ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الذاريات النساء الولودات لأن في ترائبهن ذرو الخلق، لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات، وأقسم بهن لما في ترائبهن من خيرة عباده الصالحين، وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذارياً لأمرين.
أحدهما: لأنهن اوعية دون الرجال فلاجتماع الذروين خصصن بالذكر.
الثاني: أن الذرو فيهن أطول زماناً وهن بالمباشرة أقرب عهداً.
{فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً} فيها قولان:
أحدهما: أنها السحب يحملن (وِقْراً) بالمطر.
الثاني أنها الرياح يحملن (وِقْراً) بالسحاب، فتكون الريح الأولى مقدمة السحاب لأن أمام كل سحابة ريحاً، والريح الثانية حاملة السحاب. لأن السحاب لا يستقل ولا يسير إلا بريح. وتكون الريح الثانية تابعة للريح الأولى من غير توسط، قاله ابن بحر.
ويجري فيه احتمال قول:
ثالث: أنهن الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل، والوقر ثقل الحمل على ظهر أو في بطن، وبالفتح ثقل الأذن.
{فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً} فيها قولان:
أحدهما: السفن تجري بالريح يسراً إلى حيث سيرت.
الثاني: أنه السحاب، وفي جريها يسراً على هذا القول وجهان:
أحدهما: إلى حيث يسيرها الله تعالى من البقاع والبلاد.
الثاني: هو سهولة تسييرها، وذلك معروف عند العرب كما قال الأعشى:
كأن مشيتها من بيت جارتها ** مشي السحابة ولا ريث لا عجل

{فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} فيه قولان:
أحدهما: أنه السحاب يقسم الله به الحظوظ بين الناس.
الثاني: الملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه، قاله الكلبي. وهم: جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة، وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح، وعزرائيل وهو ملك الموت وقابض الأرواح، عليهم السلام.
والواو التي فيها واو القسم، أقسم الله بها لما فيها من الآيات والمنافع.
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} فيه وجهان:
أحدهما: إن يوم القيامة لكائن، قاله مجاهد.
الثاني: ما توعدون من الجزاء بالثواب والعقاب حق، وهذا جواب القسم. {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} فيه وجهان:
أحدهما: إن الحساب لواجب، قاله مجاهد.
الثاني: أن الدين الجزاء ومعناه أن جزاء أعمالكم بالثواب والعقاب لكائن، وهو معنى قول قتادة، ومنه قول لبيد.
قوم يدينون بالنوعين مثلهما ** بالسوء سوء وبالإحسان إحسانا

{وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} في السماء ها هنا وجهان:
أحدهما: أنها السحاب الذي يظل الأرض.
الثاني: وهو المشهور أنها السماء المرفوعة، قال عبد الله بن عمر: هي السماء السابعة.
وفي {الْحُبُكِ} سبعة أقاويل:
أحدها: أن الحبك الاستواء، وهو مروي عن ابن عباس على اختلاف.
الثاني: أنها الشدة، وهو قول أبي صالح.
الثالث: الصفاقة، قاله خصيف.
الرابع: أنها الطرق، مأخوذ من حبك الحمام طرائق على جناحه، قاله الأخفش، وأبو عبيدة.
الخامس: أنه الحسن والزينة، قاله علي وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير ومنه قول الراجز:
كأنما جللها الحواك ** كنقشة في وشيها حباك

السادس: أنه مثل حبك الماء إذا ضربته الريح، قاله الضحاك. قال زهير:
مكلل بأصول النجم تنسجه ** ريح الشمال لضاحي مائة حبك

السابع: لأنها حبكت بالنجوم، قاله الحسن. وهذا قسم ثان.
{إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يعني في أمر مختلف، فمطيع وعاص، ومؤمن وكافر، قاله السدي.
الثاني: أنه القرآن فمصدق له ومكذب به، قاله قتادة.
الثالث: انهم أهل الشرك مختلف عليهم بالباطل، قاله ابن جريج.
ويحتمل رابعاً: أنهم عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. وهذا جواب القسم الثاني.
{يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} فيه ستة تأويلات:
أحدها: يضل عنه من ضل، قاله ابن عباس.
الثاني: يصرف عنه من صرف، قاله الحسن.
الثالث: يؤفن عنه من أفن، قاله مجاهد، والأفن فساد العقل.
الرابع: يخدع عنه من خدع، قاله قطرب.
الخامس: يكذب فيه من كذب، قاله مقاتل.
السادس: يدفع عنه من دفع، قاله اليزيدي.
{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: لعن المرتابون، قاله ابن عباس.
الثاني: لعن الكذابون، قاله الحسن.
الثالث: أنهم أهل الظنون والفرية، قاله قتادة.
الرابع: أنهم المنهمكون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقوله: {قُتِلَ} ها هنا، بمعنى لعن، والقتل اللعن. وأما الخراصون فهو جمع خارص. وفي الخرص ها هنا وجهان:
أحدهما: أنه تعمد الكذب، قاله الأصم.
الثاني: ظن الكذب، لأن الخرص حزر وظن، ومنه أخذ خرص الثمار.
وفيما يخرصونه وجهان:
أحدهما: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثاني: التكذيب بالبعث. وفي معنى الأربع تأويلات وقد تقدم ذكرها في أولها {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: في غفلة لاهون، قاله ابن عباس.
الثاني: في ضلالاتهم متمادون، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
الثالث: في عمى وشبهة يترددون، قاله قتادة.
ويحتمل رابعاً: الذين هم في مأثم المعاصي ساهون عن أداء الفرائض.
{يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} أي متى يوم الجزاء. وقيل: إن أيان كلمة مركبة من أي وآن.
{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} في {يُفْتَنُونَ} ثلاثة أوجه:
أحدها: أي يعذبون، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر:
كل امرئ من عباد الله مضطهد ** ببطن مكة مقهور مفتون

الثاني: يطبخون ويحرقون، كما يفتن الذهب بالنار، وهو معنى قول عكرمة والضحاك.
الثالث: يكذبون توبيخاً وتقريعاً زيادة في عذابهم.
{ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} الآية. فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معنى فتنتكم أي عذابكم، قاله ابن زيد.
الثاني: حريقكم، قاله مجاهد.
الثالث: تكذبيكم، قاله ابن عباس.