فصل: تفسير الآيات (20- 24):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (20- 24):

{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}
{فإن حاجوك} أَيْ: جادلوك {فقل أسلمتُ وجهي لله} أَيْ: أخلصت عملي لله وانقدت له {ومن اتبعني} يعني: المهاجرين والأنصار {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين} يعني: العرب {أأسلمتم} استفهامٌ معناه الأمر: أَيْ: أسلموا، وقوله: {عليك البلاغ} أَي: التَّبليغ وليس عليك هداهم {والله بصيرٌ بالعباد} أيْ: بمَنْ آمن بك وصدَّقك، ومَنْ كفر بك وكذَّبك، وكان هذا قبل أنْ أُمر بالقتال.
{إنَّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق} قد مضى تفسيره في سورة البقرة، وقوله {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مائةٌ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فَقُتلوا جميعاً من آخر النَّهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية» وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانوا يتولَّونهم، فهم داخلون في جملتهم.
{أولئك الذين حبطت أعمالهم} بطلت أعمالهم التي يدَّعونها من التَّمسُّك بالتَّوراة، وإقامة شرع موسى عليه السَّلام {في الدنيا} لأنَّها لم تحقن دماءَهم وأموالهم {و} في {الآخرة} لأنَّهم لم يستحقوا بها ثواباً.
{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} يعني: اليهود {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} وذلك أنَّهم أنكروا آية الرَّجم من التَّوراة، «وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حدِّ المحصنين إذا زنيا، فحكم بالرَّجم فقالوا: جُرْتَ يا محمد، فقال: بيني وبينكم التَّوراة، ثمَّ أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التَّوراة، فلمَّا أتى على آية الرَّجم سترها بكفِّه، فقام ابن سلاَّم فرفع كفَه عنها، وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود، فغضبت اليهود لذلك غضباً شديداً وانصرفوا»، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {ثمَّ يتولى فريق منهم} يعني: العلماء والرؤساء {وهم معرضون}.
{ذلك} أَْيْ: ذلك الإِعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قالوا: {لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودات وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون} افتراؤهم، وهو قوله: {لن تمسنا النار} وقد مضى هذا في سورة البقرة.

.تفسير الآيات (25- 27):

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)}
{فكيف إذا جمعناهم} أَيْ: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم {ل} جزاء {يومٍ لا ريبَ فيه ووفيت كلُّ نفس} جزاء {ما كسبت وهم لا يظلمون} بنقصان حسناتهم أو زيادة سيئاتهم.
{قل اللهم مالك الملك...} الآية. «لمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، ووعد أُمَّته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، الفارس والروم أعزُّ وأمنع من أن يُغلَّب على بلادهم»، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: {تؤتي الملك مَنْ تشاء} محمداً وأصحابه {وتنزع الملك ممن تشاء} أبي جهلٍ وصناديد قريشٍ {وتعزُّ من تشاء} المهاجرين والأنصار {وتذلُّ مَنْ تشاء} أبا جهلٍ وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وأُلْقُوا في القليب {بيدك الخير} أَيْ: عزُّ الدُّنيا والآخرة، وأراد: الخير والشَّرَّ، فاكتفى بذكر الخير، لأنَّ الرغبة إليه في فعل الخير بالعبد دون الشَّر.
{تولج الليل في النهار} تُدخل اللَّيل في النَّهار، أَيْ: تجعل ما نقص من أحدهما زيادةً في الآخر {وتخرج الحيَّ من الميت وتخرج الميت من الحيِّ} تخرج الحيوان من النُّطفة، وتخرج النُّطفة من الحيوان، وتخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن {وترزق من تشاء بغير حساب} بغير تقتيرٍ وتضييقٍ.

.تفسير الآيات (28- 29):

{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}
{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} أَيْ: أنصاراً وأعواناً من غير المؤمنين وسواهم، نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا يُباطنون اليهود، أي: يألفونهم ويوالونهم. {ومَنْ يفعل ذلك} الاتخِّاذ {فليس من الله في شيء} أَيْ: من دين الله، أَيْ: قد برئ من الله وفارق دينه، ثمَّ استثنى فقال: {إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة} أَيْ: تقيَّة هذا في المؤمن إذا كان في قومٍ كفَّارٍ، وخافهم على ماله ونفسه، فله أن يُخالفهم ويُداريهم باللِّسان، وقلبُه مطمئنٌّ، بالإِيمان دفعاً عن نفسه. قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد مدارةً ظاهرةً {ويحذركم الله نفسه} أَيْ: يُخَوِّفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، يريد: عذابه، وخصَّصه بنفسه تعظيماً له فلمَّا نهى عن ذلك خوَّف وحذَّر عن إبطان موالاتهم، فقال: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} من ضمائركم في موالاتهم وتركها {يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض} إتمامٌ للتَّحذير؛ لأنَّه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما، فكيف يخفى عليه الضَّمير؟ {واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قدير} تحذيرٌ من عقاب مَنْ لا يعجزه شيء.

.تفسير الآيات (30- 33):

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)}
{يوم تجد كلُّ نفسٍ} أَيْ: ويحذّركم الله عذاب نفسه يوم تجد، أَيْ: في ذلك اليوم، وقوله: {ما عملت من خير محضراً} أَيْ: جزاء ما عملت بما ترى من الثَّواب {وما عملت من سوء تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً} غاية بعيدةً كما بين المشرق والمغرب.
{قل} أي: للكفَّار {إن كنتم تحبون الله}. وقف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على قريشٍ وهم يسجدون للأصنام، فقال: يا معشر قريش، واللَّهِ لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم، فقالت قريش: إنَّما نعبد هذه حبّاً لله ليقرِّبونا إلى الله، فأنزل الله تعالى: {قل} يا محمد {إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقرِّبكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} فأنا رسوله إليكم، وحجَّته عليكم، ومعنى محبَّة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره، ومعنى محبَّة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه.
{قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} عن الطَّاعة {فإنَّ الله لا يحب الكافرين} لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
{إنَّ الله اصطفى آدم} بالنُّبوَّة والرِّسالة {ونوحاً وآل إبراهيم} يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط {وآل عمران} موسى وهارون {على العالمين} على عالمي زمانهم.

.تفسير الآيات (34- 37):

{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)}
{ذريةً} أَي: اصطفى ذريَّةً {بعضها من بعض} أَيْ: من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع ذريَّة آدم، ثمَّ ذريَّة نوح {والله سميع} لما تقوله الذُّريَّة المصطفاة {عليمٌ} بما تضمره، فلذلك فضَّلها على غيرها.
{إذ قالت امرأة عمران} وهي حنَّة أمُّ مريم: {إني نذرت لك ما في بطني} أيْ: أوجبتُ على نفسي أن أجعل ما في بطني {محرَّراً} عتيقاً خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرَّغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكان على أولادهم فرضاً أن يُطيعوهم في نذرهم، فتصدَّقت بولدها على بيت المقدس.
{فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى} اعتذرت ممَّا فعلت من النَّذر لمَّا ولدت أنثى {وليس الذكر كالأنثى} في خدمة الكنيسة لما يلحقها من الحيض والنِّفاس {وإني أعيذها بك} أَيْ: أمنعها وأجيرها {من الشيطان الرجيم} الملعون المطرود.
{فتقبلها ربُّها بقبول حسن} أَيْ: رضيها مكان المحرَّر الذي نذرته {وأنبتها نباتاً حسناً} في صلاحٍ وعفَّةٍ ومعرفةٍ بالله وطاعةٍ له {وكفلها زكريا} ضمن القيام بأمرها، فبنى لها محراباً في المسجد لا يرتقى إليه إلاَّ بسلَّم، والمحراب: الغرفة، وهو قوله: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً} أَيْ: فاكهة الشِّتاء في الصَّيف، وفاكهة الصَّيف في الشِّتاء تأتيها به الملائكة من الجنَّة، فلمَّا رأى زكريا ما أُوتيت مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف مجرى العادة طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف العادة.

.تفسير الآيات (38- 44):

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)}
{هنالك} أَيْ: عند ذلك {دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك} أَيْ: من عندك {ذريةً طيبةً} أَيْ: نسلاً مباركاً تقيّاً، فأجاب الله دعوته وبعث إليه الملائكة مبشرين، وهو قوله: {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله} أَيْ: مُصدِّقاً بعيسى أنَّه روح الله وكلمته، وسُمِّي عيسى كلمة الله؛ لأنَّه حدث عند قوله: {كُنْ} فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنَّه بها كان {وسيداً} وكريماً على ربِّه {وحصوراً} وهو الذي لا يأتي النِّساء ولا أرب له فيهنَّ.
{قال} زكريا لمَّا بُشِّر بالولد: {ربِّ أنى يكون لي غلامٌ} أَيْ: على أيِّ حالٍ يكون ذلك؟ أَتردُّني إلى حال الشَّباب وامرأتي أَمْ مع حال الكبر؟ {وقد بلغني الكبر} أَيْ: بَلغْتُه؛ لأنَّه كان ذلك اليوم ابن عشرين ومائة سنةٍ {وامرأتي عاقر} لا تلد، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً. قيل له: {كذلك} أَيْ: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على الكبر يفعل الله ما يشاء، فسبحان مَنْ لا يعجزه شيء، فلمَّا بُشِّر بالولد سأل الله علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته، وذلك قوله: {قال رب اجعل لي آية} فقال الله تعالى: {آيتك ألاَّ تكلم الناس ثلاثة أيام} جعل الله تعالى علامة حمل امرأته أَنْ يُمسك لسانه فلا يقدر أنْ يُكلِّم النَّاس ثلاثة أيَّامٍ {إلاَّ رمزاً} أَيْ: إيماءً بالشَّفتين والحاجبين والعينين، وكان مع ذلك يقدر على التَّسبيح وذكر الله، وهو قوله: {واذكر ربك كثيراً وسبِّح} أَيْ: وصَلِّ {بالعشي} وهو آخر النَّهار {والإِبكار} ما بين طلوع الفجر إلى الضُّحى.
{وإذ قالت الملائكة} أَيْ: جبريل عليه السَّلام وحده: {يا مريم إنّ الله اصطفاك} أَيْ: بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته {وطهرك} من ملامسة الرِّجال والحيض {واصطفاك على نساء العالمين} على عالمي زمانك.
{يا مريم اقنتي لربك} قومي للصَّلاة بين يدي ربكِّ، فقامت حتى سالت قدماها قيحاً {واسجدي واركعي} أَي: ائتي بالرُّكوع والسُّجود، والواو لا تقتضي الترتيب {مع الراكعين} أَي: افعلي كفعلهم، وقال: {مع الراكعين} ولم يقل: مع الرَّاكعات؛ لأنَّه أعمُّ.
{ذلك} أَيْ: ما قصصنا عليك من حديث زكريا ومريم {من أنباء الغيب} أَيْ: من أخباره {نوحيه إليك} أَيْ: نلقيه {وما كنت لديهم} فتعرف ذلك {إذ يلقون أقلامهم} وذلك أنَّ حنَّة لمَّا ولدت مريم أتت بها سدنة بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النَّذيرة، فتنافس فيها الأحبار حتى اقترعوا عليها، فخرجت القرعة لزكريا، فذلك قوله: {إذ يلقون أقلامهم} أَيْ: قداحهم التي كانوا يقترعون بها لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم.

.تفسير الآيات (45- 48):

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)}
{إذ قالت الملائكة} يعني: جبريل عليه السَّلام: {يا مريم إنَّ الله يبشرك بكلمة منه} يعني: عيسى عليه السَّلام؛ لأنَّه في ابتداء أمره كان كلمة من الله، وكُوِّن بكلمة منه، أَيْ: من الله {اسمه المسيح} وهو معرَّب من مشيحا بالسِّريانية، لقبٌ لعيسى ثمَّ فَسَّر وبيَّن من هو فقال: {عيسى ابن مريم وجيهاً} أَيْ: ذا جاهٍ وشرفٍ وقدرٍ {في الدنيا والآخرة ومن المقربين} إلى ثواب الله وكرامته.
{ويكلم الناس في المهد} صغيراً {وكهلاً} أَيْ: يتكلَّم بالنُّبوَّة كهلاً. وقيل: بعد نزوله من السَّماء {ومن الصالحين} يريد: مثل موسى ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السِّلام.
{قالت} مريم مُتعجِّبةً: {أنى يكون لي ولد} من غير مسيس بشرٍ؟ {قال كذلك الله يخلق ما يشاء} مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس بشرٍ، أَي: الأمر كما تقولين، ولكنَّ الله {إذا قضى أمراً} ذُكر في سورة البقرة إلى آخرها.
{ويعلمه الكتاب} أراد: الكتابة والخطَّ.