فصل: تفسير الآيات (24- 26):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (24- 26):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)}
{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} أجيبوا لهما بالطَّاعة {إذا دعاكم لما يحييكم} يعني: الجهاد؛ لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى، ولأنَّه سبب الشَّهادة، والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم، ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنَّة {واعلموا أنَّ الله يحول بين المرءِ وقلبه} يحول بين الإِنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن إلاَّ بإذنه، ولا أن يكفر، فالقلوب بيد الله تعالى يُقلِّبها كيف يشاء {وأنَّه إليه تحشرون} للجزاء على الأعمال.
{واتقوا فتنة...} الآية. أمر الله تعالى المؤمنين ألا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب، والفتنة ها هنا: إقرار المنكر، وترك التَّغيير له، وقوله: {لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة} أَيْ: تصيب الظَّالم والمظلوم، ولا تكون للظَّلمة وحدهم خاصَّة، ولكنَّها عامَّة، والتَّقدير: واتَّقوا فتنةً، إن لا تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصَّة، أَيْ: لا تقع بالظَّالمين دون غيرهم، ولكنها تقع بالصَّالحين والطَّالحين {واعلموا أنَّ الله شديد العقاب} حثٌّ على لزوم الاستقامة خوفاً من الفتنة، ومن عقاب الله بالمعصية فيها.
{واذكروا} يعني: المهاجرين {إذ أنتم قليل} يعني: حين كانوا بمكَّة في عنفوان الإِسلام قبل أن يُكملوا أربعين {مستضعفون في الأرض} يعني: أرض مكَّة {تخافون أن يتخطفكم الناس} المشركون من العرب لو خرجتم منها {فآواكم} جعل لكم مأوىً ترجعون إليه، وضمَّكم إلى الأنصار {وأيَّدكم بنصره} يوم بدرٍ بالملائكة {ورزقكم من الطيبات} يعني: الغنائم أحلَّها لكم {لعلكم تشكرون} كي تطيعوا.

.تفسير الآيات (27- 29):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}
{يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} بترك فرائضه {والرسول} بترك سنَّته {وتخونوا} أَيْ: ولا تخونوا {أماناتكم} وهي كلُّ ما ائتمن الله عليها العباد، وكلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افترض الله عليه {وأنتم تعلمون} أنَّها أمانةٌ من غير شبهةٍ. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قُريظة لمَّا حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم، فقالوا له: ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعدٍ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أنَّه الذَّبح، فلا تفعلوا، وكانت منه خيانةً لله ورسوله.
{واعلموا أنَّما أموالكم وأولادكم فتنة} أَيْ: محنةٌ يظهر بها ما في النَّفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبه، ولذلك مال أبو لبابة إلى قُريظة في إطلاعهم على حكم سعد؛ لأنَّ ماله وولده كانت فيهم {وإنَّ الله عنده أجر عظيم} لمن أدى الأمانة ولم يخن.
{يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} باجتناب الخيانة فيما ذُكر {يجعل لكم فرقاناً} يفرق بينكم وبين ما تخافون، فتنجون {ويكفر عنكم سيئاتكم} يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم {والله ذو الفضل العظيم} لا يمنعكم ما وعدكم على طاعته.

.تفسير الآيات (30- 32):

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)}
{وإذ يمكر بك الذين كفروا} وذلك أنَّ مشركي قريش تآمروا في دارة النَّدوة في شأن محمَّد عليه السًّلام، فقال بعضهم: قيِّدوه نتربص به ريب المنون، وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه، وقال أبو جهل- لعنه الله-: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه، بأن يجتمع عليه من كلِّ بطنٍ رجلٌ، فيضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلِّها، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه بذلك، وأمره بالهجرة، فذلك قوله: {ليثبتوك} أَيْ: ليوثقوك ويشدُّوك {أو يقتلوك} بأجمعهم قتلةَ رجلٍ واحدٍ، كما قال اللَّعين أبو جهل، {أو يخرجوك} من مكَّة إلى طرفٍ من أطراف الأرض {ويمكرون ويمكر الله} أَيْ: يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم {والله خير الماكرين} أفضل المجازين بالسَّيئِة العقوبة، وذلك أنَّه أهلك هؤلاء الذين دبَّروا لنبيِّه الكيد، وخلَّصه منهم.
{وإذا تتلى عليهم آياتنا...} الآية. كان النَّضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، فكان يقعد به مع المستهزئين، فيقرأ عليهم، فلمَّا قصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية قال النَّضرُ بن الحارث: لو شئتُ لقلتُ مثل هذا، إنْ هذا إلاَّ ما سطَّر الأوَّلون في كتبهم، وقال النَّضر أيضاً: {اللهم إن كان هذا} الذي يقوله محمَّدٌ حقَّاً {من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} كما أمطرتها على قوم لوط {أو ائتنا بعذابٍ أليم} أَيْ: ببعض ما عذَّبت به الأمم. حمله شدَّة عداوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على إظهار مثل هذا القول، ليوهم أنَّه على بصيرةٍ من أمره، وغاية الثِّقة في أمر محمَّد، أنَّه ليس على حقٍّ.

.تفسير الآيات (33- 39):

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)}
{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} وما كان الله ليعذِّب المشركين وأنت مقيمٌ بين أظهرهم؛ لأنَّه لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبيُّ منها والذين آمنوا معه {وما كان الله} معذِّبَ هؤلاء الكفَّار وفيهم المؤمنون {يستغفرون} يعني: المسلمين، ثمَّ قال: {وما لهم ألا يعذِّبهم الله} أَيْ: ولمَ لا يعذِّبهم الله بالسَّيف بعد خروج مَنْ عنى بقوله: {وهم يستغفرون} من بينِهم {وهم يصدون} يمنعون النبيِّ والمؤمنين {عن المسجد الحرام} أن يطوفوا به {وما كانوا أولياءه} وذلك أنَّهم قالوا: نحن أولياء المسجد، فردَّ الله عليهم بقوله: {إن أولياؤه إلاَّ المتقون} يعني: المهاجرين والأنصار {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} غيبَ علمي وما سبق في قضائي.
{وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاءً وتصديةً} أَيْ: صفيراً وتصفيقاً، وكانت قريش يطوفون بالبيت عُراةً يُصفِّرون ويُصفِّقون، جعلوا ذلك صلاةً لهم، فكان تَقرُّبُهم إلى الله بالصَّفير والصَّفيق {فذوقوا العذاب} ببدرٍ {بما كنتم تكفرون} تجحدون توحيد الله تعالى.
{إنَّ الذين كفروا} نزلت في المُنفقين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيَّام بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلاً. قال تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} بذهاب الأموال، وفوات المراد.
{ليميز الله الخبيث من الطيب} أَيْ: إنما تحشرون إلى جهنَّم ليميِّز بين أهل الشَّقاوة، وأهل السَّعادة {ويجعل الخبيث} أَي: الكافر، وهو اسم الجنس {بعضه على بعض} يلحق بعضهم ببعض {فيركمه جميعاً} أَيْ: يجمعه حتى يصير كالسَّحاب المركوم ثمَّ {فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} لأنَّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
{قل للذين كفروا} أبي سفيان وأصحابه: {إن ينتهوا} عن الشِّرك وقتال المؤمنين {يغفر لهم ما قد سلف} تقدَّم من الزِّنا والشِّرك؛ لأنَّ الحربيَّ إذا أسلم عاد كَمِثْلِهِ يوم ولدته أمه {وإن يعودوا} للقتال {فقد مضت سنَّة الأولين} بنصر اللَّهِ رسلَه ومَنْ آمن على مَنْ كفر.
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} كفرٌ {ويكون الدين كله لله} لا يكون مع دينكم كفرٌ في جزيرة العرب {فإن انتهوا} عن الشِّرك {فإنَّ الله بما يعملون بصير} يُجازيهم مُجازاة البصير بهم وبأعمالهم.

.تفسير الآيات (40- 41):

{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)}
{وإن تولوا} أَبَوا أن يدعوا الشِّرك وقتال محمد {فاعلموا أنَّ الله مولاكم} ناصركم يا معشر المؤمنين.
{واعلموا أنما غنمتم من شيء} أخذتموه قسراً من الكفَّار {فَأَنَّ لله خمسه} هذا تزيينٌ لافتتاح الكلام، ومصرف الخمس إلى حيث ذَكر، وهو قوله: {وللرسول} كان له خمس الخمس يصنع فيه ما شاء، واليوم يُصرف إلى مصالح المسلمين {ولذي القربى} وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين حُرِّمت عليهم الصَّدقات المفروضة، لهم خمس الخمس من الغنيمة {واليتامى} وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم، يُنفق عليهم من خُمس الخمس {والمساكين} وهم أهل الحاجة والفاقة من المسلمين، لهم أيضاً خمس الخمس {وابن السبيل} المنقطع به في سفره، فخمس الغنيمة يقسم على خمسة أخماس كما ذكره الله تعالى، وأربعة أخماسها تكون للغانمين، وقوله: {إن كنتم آمنتم بالله} أَيْ: فافعلوا ما أُمرتم به في الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله {وما أنزلنا على عبدنا} يعني: هذه السُّورة {يوم الفرقان} اليوم الذي فرَّقت به بين الحقِّ والباطل {يوم التقى الجمعان} حزب الله، وحزب الشَّيطان {والله على كلِّ شيء قدير} إذ نصركم الله وأنتم أقلَّةٌ أذلَّةٌ.

.تفسير الآيات (42- 44):

{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)}
{إذ أنتم بالعدوة الدنيا} نزولٌ بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكَّة {والركب} أبو سفيان وأصحابه، وهم أصحاب الإِبل. يعني: العير {أسفل منكم} إلى ساحل البحر {ولو تواعدتم} للقتال {لاختلفتم في الميعاد} لتأخَّرتم فنقضتم الميعاد لكثرتهم وقلَّتكم {ولكن} جمعكم الله من غير ميعاد {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه وحكمه من نصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بيِّنة} أَيْ: فعل ذلك ليضلَّ ويكفر مَنْ كفر من بعد حجَّةٍ قامت عليه، وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، وأراد بالبيِّنة نصرة المؤمنين مع قلَّتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم {وإنَّ الله لسميع} لدعائكم {عليمٌ} بنيَّاتكم.
{إذ يريكهم الله في منامك} عينك، وهو موضع النَّوم {قليلاً} لتحتقروهم وتجترؤوا عليهم {ولو أراكهم كثيراً لفشلتهم} لجّبُنْتُم ولَتأخَّرتم عن حربهم {ولتنازعتم في الأمر} واختلفت كلمتكم {ولكنَّ الله سلَّم} عصمكم وسلَّمكم من المخالفة فيما بينكم {إنه عليم بذات الصدور} علم ما في صدوركم من اليقين ثمَّ خاطب المؤمنين جميعأً بهذا المعنى فقال: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً} قال ابن مسعودٍ: لقد قُلَّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، وأسرنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً. {ويقللكم في أعينهم} ليجترئوا عليكم ولا يراجعوا عن قتالكم {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه بنصر الإسلام وأهله، وذلِّ الشِّرك وأهله {وإلى الله ترجع الأمور} وبعد هذا إليَّ مصيركم، فأكرم أوليائي، وأعاقب أَعدائي.

.تفسير الآيات (45- 48):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)}
{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} جماعةً كافرةً {فاثبتوا} لقتالهم ولا تنهزموا {واذكروا الله كثيراً} ادعوه بالنَّصر عليهم {لعلكم تفلحون} كي تسعدوا وتبقوا في الجنة، فإنَّهما خصلتان؛ إمَّا الغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة.
{وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} ولا تختلفوا {فتفشلوا} تجبنوا {وتذهب ريحكم} جَلَدكم وجرأتكم ودولتكم.
{ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} يعني: النَّفير {بطراً} طُغياناً في النِّعمة، للجميل مع إبطان القبيح {ويصدون عن سبيل الله} لمعاداة المؤمنين وقتالهم {والله بما يعملون محيط} عالم فيجازيهم به.
{وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم...} الآية. وذلك أنَّ قريشاً لمَّا أجمعت المسير خافت كنانة وبني مدلج لطوائلَ كانت بينهم، فتبدَّى لهم إبليس في جنده على صورة سُراقة بن مالك بن جعشم الكنانيِّ ثمَّ المدلجيِّ، فقالوا له: نحنُ نريد قتال هذا الرَّجل، ونخاف من قومك، فقال لهم: أنا جارٌ لكم، أَيْ: حافظٌ من قومي، فلا غالب لكم اليوم من النَّاس {فلما تراءت الفئتان} التقى الجمعان {نكص على عقبيه} رجع مولياً، فقيل له: يا سراقة، أفراراً من غير قتال؟! فقال: {إني أرى ما لا ترون} وذلك أنَّه رأى جبريل مع الملائكة جاؤوا لنصر المؤمنين {إني أخاف الله} أن يهلكني فيمن يهلك {والله شديد العقاب}.