فصل: تفسير الآيات (87- 95):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (87- 95):

{إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)}
{إلاَّ رحمة من ربك} لكنَّ الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين {إن فضله كان عليك كبيراً} حيث جعلك سيِّد وَلدِ آدم، وأعطاك المقام المحمود.
{قل لئن اجتمعت الإِنس والجن...} الآية. لمَّا تحدَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وعجزوا عن معارضته أنزل الله: {قل لِئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} في نظمه وبلاغته {لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} مُعيناً مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعرٍ فيقيمونه.
{ولقد صرَّفنا} بَيَّنّا {للناس في هذا القرآن} لأهل مكَّة {من كلِّ مثل} من الأمثال التي يجب بها الاعتبار {فأبى أكثر الناس} أكثر أهل مكَّة {إلاَّ كفوراً} جحوداً للحقِّ، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك} لن نصدِّقك {حتى تفجر} تشقق {لنا من الأرض ينبوعاً} عيناً من الماء، وذلك أنَّهم سألوه أَن يجريَ لهم نهراً كأنهار الشَّام والعراق.
{أو تكون لك جنَّة...} الآية. هذا أيضاً كان فيما اقترحوه عليه.
{أو تسقط السماء كما زعمت} أنَّ ربَّك إن شاء فعل ذلك {كسفاً} أَيْ: قطعاً {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} تأتي بهم حتى نراهم مقابلةً وعياناً.
{أو يكون لك بيتٌ من زخرف} من ذهبٍ، فكان فيما اقترحوا عليه أن يكون له جنَّاتٌ وكنوزٌ وقصورٌ من ذهبٍ {أو ترقى في السماء} وذلك أنَّ عبد الله بن أبي أُميَّة قال: لا أؤمن بك يا محمَّد أبداً حتى تتَّخذ سلماً إلى السماء، ثمَّ ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخةٍ منشورةٍ معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنَّك كما تقول، فقال الله سبحانه: {قل سبحان ربي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً} أَيْ: إنَّ هذه الأشياء ليس في قوى البشر.
{وما منع الناس} يعني: أهل مكَّة {أن يؤمنوا} أَيْ: الإِيمان {إذ جاءهم الهدى} البيان، وهو القرآن {إلاَّ أن قالوا} إلاَّ قولهم في التَّعجب والإِنكار: {أبعث الله بشراً رسولاً} أَيْ: هلاَّ بعث مَلَكاً، فقال الله تعالى: {قل لو كان في الأرض} بدل الآدميين {ملائكة يمشون مطمئنين} مستوطنين الأرض {لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} يريد: إنَّ الأبلغ في الأداء إليهم بشرٌ مثلهم.

.تفسير الآية رقم (97):

{وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)}
{ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً} يمشيهم الله سبحانه على وجوههم عُمياً لا يرون شيئاً يسرُّهم {وبكماً} لا ينطقون بحجَّةٍ {وصماً} لا يسمعون شيئاً يسرُّهم {كلما خبت} أَيْ: سكن لهبها {زدناهم سعيراً} ناراً تتسعر.

.تفسير الآيات (98- 108):

{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)}
{ذلك جزاؤهم} هذه الآية مفسَّرة في هذه السُّورة.
{أَوَلَمْ يروا} أَوَلَمْ يعلموا {أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على أن يخلق مثلهم} أَيْ: يخلقهم ثانياً، وأراد ب {مثلهم} إيَّاهم، وتمَّ الكلام، ثمَّ قال: {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} يعني: أجل الموت وأجل القيامة {فأبى الظالمون} المشركون {إلاَّ كفوراً} جحوداً بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة.
{قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} خزائن الرِّزق {إذاً لأمسكتم} لبخلتم {خشية الإِنفاق} أن تنفقوا فتفتقروا {وكان الإِنسان قتوراً} بخيلاً، ثمَّ ذكر قصَّة موسى عليه السَّلام وما آتاه من الآيات وإنكار فرعون ذلك، فقال: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} وهي العصا واليد، وفلق البحر، والطمسة، وهي قوله: {ربَّنا اطمسْ على أموالِهم} والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم {فاسأل} يا محمد {بني إسرائيل} المؤمنين من قريظة والنَّضير {إذ جاءهم} يعني: جاء آباءَهم، وهذا سؤال استشهاد ليعرف اليهود صحَّة ما يقول محمَّد عليه السَّلام بقول علمائهم {فقال له فرعون إني لأظنُّك يا موسى مسحوراً} ساحراً فقال موسى عليه السَّلام: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء} الآيات {إلاَّ رب السموات والأرض بصائر} عبراً ودلائل {وإني لأظنك} لأعلمك {يا فرعون مثبوراً} ملعوناً مطروداً.
{فأراد} فرعون {أن يستفزهم} يخرجهم، يعني: موسى وقومه {من الأرض} أرض مصر. وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} يريد: يوم القيامة. {جئنا بكم لفيفاً} مُجتمعين مُختلطين.
{وبالحق أنزلناه} أَيْ: أنزلنا القرآن بالدِّين القائم، والأمر الثَّابت {وبالحق نزل} وبمحمَّد نزل القرآن، أَيْ: عليه نزل، كما تقول: نزلتُ بزيدٍ.
{وقرآناً فرقناه} قطعناه آيةً آيةً، وسورةً سورةً في عشرين سنة {لتقرأه على الناس على مكث} تُؤَدةٍ وَتَرسُّلٍ ليفهموه {ونَزَّلْناهُ تنزيلاً} نجوماً بعد نجومٍ وشيئاً بعد شيءٍ.
{قل} لأهل مكَّة: {آمنوا} بالقرآن {أو لا تؤمنوا} به، وهذا تهديد، أَيْ: فقد أنذر الله، وبلَّغ رسوله {إنَّ الذين أوتوا العلم من قبله} من قبل القرآن. يعني: ناساً من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم خرُّوا سُجَّداً. وقوله: {إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أَيْ: وعده بإنزال القرآن وبعث محمِّد عليه السَّلام لمفعولاً.

.تفسير الآيات (109- 111):

{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)}
{ويخرون للأذقان يبكون} كرَّر القول لتكرُّر الفعل منهم {ويزيدهم} القرآن {خشوعاً}.
{قل ادعوا الله...} الآية. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا الله، يا رحمان، فسمع ذلك أبو جهل فقال: إنَّ محمداً ينهاناً أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلهاً آخر مع الله يقال له: الرَّحمن، فأنزل الله سبحانه: {قل} يا محمد {ادعوا الله} يا معشر المؤمنين {أو ادعوا الرحمن} إن شئتم قولوا: يا الله وإن شئتم قولوا: يا رحمان {أياً ما تدعوا} أَيَّ أسماءِ اللَّهِ تدعوا {فله الأسماء الحسنى}. {ولا تجهر بصلاتك} بقراءتك فيسمعها المشركون فيسبُّوا القرآن {ولا تخافت بها} ولا تُخفها عن أصحابك فلا تسمعهم {وابتغِ بين ذلك سبيلاً} اسلك طريقاً بين الجهر والمخافتة، وقوله: {ولم يكن له وليٌّ من الذل} لم يكن له وليٌّ ينصره ممَّن استّذلَّه من البشر {وكبره تكبيراً} عظمه عظمةً تامَّةً.

.سورة الكهف:

.تفسير الآيات (1- 2):

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)}
{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً} اختلافاً والتباساً.
{قيماً} مستقيماً. يريد: أنزل على عبده الكتاب قيِّماً، ولم يجعل له عوجاً {لينذر} الكافرين {بأساً} عذاباً {شديداً من لدنه} من قِبَلِه، وقوله: {أجراً حسناً} يعني: الجنَّة.

.تفسير الآيات (4- 5):

{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)}
{وينذر} بعذابِ الله {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} وهم اليهود والنَّصارى.
{ما لهم به} بذلك القول {من علمٍ} لأنَّهم قالوه جهلاً وافتراءً على الله {ولا لآبائهم} الذين قالوا ذلك. {كبرت كلمة} مقالتهم تلك كلمةً.

.تفسير الآيات (6- 12):

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)}
{فلعلك باخع نفسك} قاتلها {على آثارهم} على أثر تولِّيهم وإعراضهم عنك لشدَّة حرصك على إيمانهم {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفاً} غيظاً وحزناً.
{إنا جعلنا ما على الأرض} يعني: ما خلق في الدُّنيا من الأشجار والنَّبات ولاماء وكلِّ ذي روح على الأرض {زينة لها} زيَّناها بما خلقنا فيها {لنبلوهم أيهم أحسن عملاَ} أزهد فيها، وأترك لها، ثمَّ أعلم أنَّه يُفني ذلك كلَّه، فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} بلاقع ليس فيها نبات.
{أم حسبت} بل أحسبت {أنَّ أصحاب الكهف} وهو المغارة في الجبل {والرقيم} وهو اللَّوح الذي كُتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم {كانوا من آياتنا عجباً} أَيْ: لم يكونوا بأعجب آياتنا، ولم يكونوا العجب من آياتنا فقط؛ فإنَّ آياتنا كلَّها عجب، وكانت قريش سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن خبر فتيةٍ فُقدوا في الزمان الأوَّل بتلقين اليهود قريشاً ذلك، فأنزل الله سبحانه على نبيِّه عليه السَّلام خبرهم، فقال: {إذ أوى} اذكر إذ أوى {الفتية إلى الكهف} هربوا إليه ممَّن يطلبهم، فاشتغلوا بالدُّعاء، والتَّضرُّع {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أعطنا من عندك مغفرةً ورزقاً {وهيِّئ} أصلح {لنا من أمرنا رشداً} أَيْ: أرشدنا إلى ما يُقرِّب منك.
{فضربنا على آذانهم} سددنا آذانهم بالنَّوم {في الكهف سنين عدداً} معدودةً.
{ثم بعثناهم} ايقظناهم من نومهم {لنعلم} لنرى {أيّ الحزبين} من المؤمنين والكافرين {أحصى} أعدُّ {لما لبثوا} للبثهم في الكهف نائمين {أمداً} غايةً، وكان وقع اختلافٌ بين فريقين من المؤمنين والكافرين في قدر مدَّة فقدهم، ومنذ كم فقدوهم، فبعثهم الله سبحانه من نومهم ليتبيَّن ذلك.

.تفسير الآيات (13- 18):

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)}
{نحن نقصُّ عليك نبأهم} خبرهم {بالحق} بالصِّدق {إنهم فتية} شُبَّانٌ وأحداثٌ {آمنوا بربهم وزدناهم هدى} ثبَّتناهم على ذلك.
{وربطنا على قلوبهم} ثبتناها بالصَّبر واليقين {إذ قاموا} بين يديّ ملكهم الذي كان يفتن أهل الأديان عن دينهم {فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً} كذباً وجوراً إنْ دعونا غيره.
{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} يعنون: الذين عبدوا الأصنام في زمانهم {لولا} هلاَّ {يأتون عليهم} على عبادتهم {بسلطانٍ بيِّن} بحجَّةٍ بيِّنةٍ {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} فزعم أنَّ معه إلهاً، فقال لهم تمليخا- وهو رئيسهم-: {وإذ اعتزلتموهم} فارقتموهم {وما يعبدون} من الأصنام {إلاَّ الله} فإنكم لن تتركوا عبادته {فأووا إلى الكهف} صيروا إليه {ينشر لكم ربكم من رحمته} يبسطها عليكم {ويهيَّئ لكم من أمركم مرفقاً} يُسهَّل لكم غذاءً تأكلونه.
{وترى الشمس إذا طلعت تزاور} تميل عن كهفهم {ذات اليمين} في ناحية اليمين {وإذا غربت تقرضهم} تتركهم وتتجاوز عنهم {ذات الشمال} في ناحية الشِّمال، فلا تصيبهم الشَّمس ألبتةَ؛ لأنَّها تميل عنهم طالعةَ غاربةً، فتكون صورهم محفوظة، {وهم في فجوة منه} مُتَّسعٍ من الكهف ينالهم برد الرِّيح ونسيم الهواء. {ذلك} التَّزوار والقرض {من آيات الله} دلائل قدرته ولطفه بأصحاب الكهف. {من يهد الله فهو المهتد} أشار إلى أنَّه هو الذي تولَّى هدايتهم، ولولا ذلك لم يهتدوا.
{وتحسبهم أيقاظاً} لأنَّ أعينهم مُفتَّحة {وهم رقود} نيامٌ {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} لئلا تأكل الأرض لحومهم {وكلبهم باسط ذراعيه} يديه {بالوصيد} بفناء الكهف {لو اطلعت} أشرفت {عليهم لوليت} أعرضت {منهم فراراً ولملئت منهم رعباً} خوفاً وذلك أنَّ الله تعالى منعهم بالرُّعب لئلا يراهم أحد.