فصل: الفصل الثامن والعشرون

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بحر الدموع **


الفصل الخامس والعشرون

يا أخي، أفنيت عمرك في اللعب، وغيرك فاز بالمقصود وأنت منه بعيد، غيرك على الجادة، وأنت من الشهوات في أوجال وتنكيد، ترى متى يقال‏:‏ فلان استقال ورجع‏.‏ يا له من وقت سعيد، متى تخرج من الهوى وترجع إلى مولاك العزيز الحميد، يا مسكين، لو عاينت قلق التائبين، وتململ الخائفين من أهوال الوعيد، جعلوا قرّة أعينهم في الصلاة، والزكاة، والتزهيد، وأهل الحرمان ضيعوا الشباب في الغفلة، والشيب في الحرص والأمل المديد، لا بالشباب انتفعت، ولا عند تمشيب ارتجعت، يا ضيعة الشباب والمشيب‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏ ‏[‏سبأ 51‏]‏‏.‏

وأنشدوا‏:‏

عملت على القبائح في شبابي *** فلما شبت عدت إلى الرياء

فلا حين الشباب حفظت ديني *** ولا حين المشيب طببت دائي

فشاب عنده مصغر غويّ *** وشيخ عند مكبره مرائي

قضاء سابق في علم غيب *** فيا لله من سوء القضاء

يروى في بعض الأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي حذيفة بن اليمان وهو يومئذ أمير المؤمنين، فقال لحذيفة‏:‏ كيف أصبحت يا حذيفة‏؟‏ قال‏:‏ أصبحت يا أمير المؤمنين أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول بما لم يخلق، وأشهد بما لم أر، وأصلي بلا وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء‏.‏

فغضب عمر لذلك غضبًا شديدًا، وهمّ أن يبطش به، ثم تذكر صحبته مع النبي، فأمسك، فهو كذلك إذ مرّ به عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه، فرأى الغضب في وجهه، فقال‏:‏ ما أغضبك يا أمير المؤمنين، فقصّ عليه القصّة‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لا يغضبك ما قال لك، أما قوله‏:‏ إنه يحب الفتنة، فهو تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ‏}‏ ‏[‏التغابن 15‏]‏‏.‏

أما قوله‏:‏ يكره الحق، فالحق هو الموت الذي لا بدّ منه ولا محيص عنه‏.‏

وأما قوله‏:‏ يقول بما لم يخلق‏:‏ القرآن، فهو يقرأ القرآن وهو غير مخلوق‏.‏

وأما قوله‏:‏ يشهد بما لم ير، فإنه يصدق بالله ولم يره‏.‏

واما قوله‏:‏ يصلي بغير وضوء، فإنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير وضوء‏.‏

وأما قوله‏:‏ إن له في الأرض ما ليس لله في السماء، فإن له زوجة وبنين، وليس لله شيء من ذلك‏.‏

فقال عمر‏:‏ لله درّك‏:‏ يا أبا الحسن، لقد كشفت عني همًا عظيمًا‏.‏

ويروى أن رجلًا من أهل دمشق يسمى بأبي عبد ربه، وكان أكثر أهل دمشق مالًا، وأنه خرج مسافرًا، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل فيه، فسمع صوتًا يكثر حمدًا لله في ناحية المرج‏.‏ قال‏:‏ فاتبعته، فوجدته رجلًا ملفوفًا في حصير، قال‏:‏ فسلمت عليه، وقلت له‏:‏ من أنت يا عبد الله‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ رجل من المسلمين‏.‏

فقلت له‏:‏ فما هذه الحالة‏؟‏

قال‏:‏ نعمة يجب عليّ شكرها‏.‏

فقلت‏:‏ كيف وأنت ملفوف في حصير وأي نعمة عليك‏؟‏‏!‏‏.‏

قال‏:‏ إن الله خلقني، فأحسن خلقي، وجعل منشأي ومولدي في الإسلام، وألبسني العافية في أركاني، وستر عليّ ما أكره ذكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه‏؟‏‏.‏

فقلت‏:‏ رحمك الله، لعلك أن تقوم معي إلى منزلي، فأنا نزول على النهر هاهنا بإزائك‏.‏

قال‏:‏ ولم‏؟‏‏.‏

قلت‏:‏ لتصيب شيئًا من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير‏.‏

قال‏:‏ ما لي في ذلك من حاجة‏.‏

فأبى أن يسير معي، فانصرفت وقد تقاصرت عندي نفسي ومقتها، وقلت‏:‏ لم أخلّف بدمشق رجلًا أكثر مني مالًا، وأنا ألتمس الزيادة‏.‏

فقلت‏:‏ اللهم إني أتوب إليك مما أنا فيه، فتبت ولم يعلم أحد بما اجتمعت عليه، فلما كان في السحر، رحل الناس، وقدّموا إليّ دابتي، فصرفتها إلى دمشق، وقلت‏:‏ ما أنا بصادق في التوبة إن أنا مضيت إلى متجري، فسألني القوم فأخبرتهم، فعاتبوني على المشي معهم فأبيت‏.‏

فلما قدم على دمشق قال ناقل الحديث‏:‏ فوضع يده في ماله وتصدق به، وفرّقه في سبيل الله، ولزم العبادة حتى توفي رضي الله عنه، فلما توفي لم يوجد عنده إلا قدر حق الكفن‏.‏

وأنشدوا‏:‏

ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع *** وجفا الرّقاد فبان عنه المضجع

متفرّدًا بغليله يشكو الذي *** منه الجوانح والحشا يتوجع

لما تيقّن صدق ما جاءت به الـ *** آيات صار إلى الإنابة يسرع

فجفا الأحبّة في محبّة ربّه *** وسما إليه بهمّة ما يقلع

وتمتعت بوداده أعضاؤه *** إذ خصّها منه بودّ ينفع

كم في الظلام له إذا نام الورى *** من زفرة في إثرها يتوجّع

ويقول في دعواته يا سيدي *** العين يسعدها دموع رجع

إني فزعت إليك فارحم عبرتي *** وإليك من ذلّ الخطيئة أفزع

من ذا سواك يجيرني من ذلتي *** يا من لعزته أذلّ وأخضع

فامنن عليّ بتوبة أحيا بها *** إني بما اجترمت يداي مروّع

قل التصبّر عنك يا من حبّه *** في الجارحات سقامه يتسرّع

كيف اصطبار متيّم في حبّه *** قدما لكاسات الهوى يتجرّع

لاحت وعن صدق المحبة ما بدت *** للناظرين نجوم ليل تطلع

ما الفوز إلا في محبّة سيده *** فيها المحبّ إذا تواضع يرفع

يروى أن قتادة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه كان من الرماة المذكورين، شهد بدرًا وأحدًا، ورميت يومئذ عينه، فسالت على خدّه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهي في يده، فقال‏:‏ ما هذه يا قتادة‏؟‏ قال‏:‏ هذا ما ترى يا رسول الله، فقال له رسول الله‏:‏ ‏(‏إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها لك ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئًا‏)‏، فقال‏:‏ والله يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، ولكني مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن‏:‏ أعور فيردنني، ولكن أحبّ أن تردّها إليّ وتسأل الله لي الجنة، فقال‏:‏ ‏(‏أفعل ذلك يا قتادة‏)‏ ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأعادها إلى موضعها، فعادت أحسن ما كانت ، إلى إن مات ودعا الله له بالجنة‏.‏

قال‏:‏ فدخل ابنه على عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، وهو خليفة فقال له عمر‏:‏ من أنت يا فتى‏؟‏ فقال‏:‏

أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه *** فردّت بكف المصطفى أحسن ردا

فعادت كما كانت بأحسن حالها *** فيا حسن ما عين ويا حسن من ردّ

فقال عمر‏:‏ بمثل هذا فليتوسل إليه المتوسلون، رضي الله عنه‏.‏

الفصل السادس والعشرون

يا هذا، لا يزال التائبون يهربون إلى دير الخلوة هروب الخائف إلى دار الأمان، لهم في سحر الليل تأنس بمدامع الأجفان، كتب السجود في ألواح جباههم خطوط العرفان، كم لأقدامهم في الدجى من جولان وكم لهم في وادي السحر من عيون تجري كالطوفان، فإذا لاحت أعلام الفجر كبّروا عند مشاهدة العيان، فديت طراق الدجى، فديت أرباب العزائم، فديت الفتيان‏.‏

بادروا رواهب الخلوة، نحن لكم جيران، تركنا الأسباب والأهل والأوطان، فرقنا شهوات النفوس والأبدان، وخرّبنا ديار اللهو، فأقفرت منذ زمان، طلقنا الدنيا بتاتا، وهجرنا الدار والسكان، سقينا من شراب الأنس شربة ولو كان ما كان، لبسوا حلة الجوع بالنهار، وتركوا خدمة من جلّ وهان، عمروا القلوب بالتقوى، وبالذكر اللسان، لهم نزاحم على باب الدجى، فمنهم من صاح ومنهم نشوان، ومنهم من خامره بالشوق، فهو من الحب ولهان، ومنهم من غلبه الوجد، فهو هائم سكران، أفناهم الخوف وأذبلهم الأرق وهم من القلق كل يوم في شأن‏.‏ سيّرهم ذكر الحبيب ولهم في التلاوة ألحان، نالوا منازل التوكل، وأصبحوا فيها قطان، باعوا شهوات النفوس بأبخس الأثمان، سجلوا على أنفسهم سجل الرضا بالقضاء، فأهلا بالرجال الشجعان، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ولهم تلحين بالقرآن، خامرهم الخوف فسكروا من شرابه مخافة النيران، منهم من سقي شراب المحبة صرفا، وتزايدت لهم الأحزان، ومنهم من مزج له بالأشواق، فعاين منه ألوان، كم خرّبوا في حبه منازل، وكم أيتموا فيه من ولدان‏.‏ تراهم أبدًا سكارى عرايا في القفار وفي البلدان‏.‏ قلوبهم مملوءة بالخوف، وظاهرهم مضمّخ بالأحزان، ينادي لسان شوقهم‏:‏ لا كان من ألم السلوى ولا كان، خرق لهم حجاب العادات وعقد على رؤوسهم للولاية تيجان، مجلس أنسهم مضمخ بالمشاهدة شديدة الأركان‏.‏

يا معشر الفقراء، طوفوا بهذا الدير، وزاحموا على بابه، وباكروا هذه الدنّات، طيبوا على هذا السماع، وتواجدوا على هذه الألحان، معكم جمال المحبوب، في الكون والحال‏.‏

يا معشر الفتيان، ما أطيب عيش الصدّيقين، شربوا هذا الشراب وباحوا بالكتمان، فما تراهم إلا بين واجد وهائم وخائف وراج وولهان‏.‏

فعندما تجلى لهم محبوبهم في قلوبهم، أغناهم عن مشاهدة العيان‏.‏ لا طفهم بملاطفة‏:‏ يا عبادي لا خوف عليكم، اليوم لكم الأمان‏.‏ بعيني ما تحملتم من أجلي، فكم من جفن ساهر، وكم من كبد من الشوق ملآن، سأكشف لكم الحجاب عن وجهي فتتنعمون بما لم يخطر على قلب إنسان‏.‏ ألبسكم حلل الرضا، وأبسط مجالسكم بالرضوان، أسقيكم شراب التوحيد صرفًا خالصًا، وأنا الحنّان المنّان‏.‏

يا أهل السماع تواجدوا، ويا معشر الإخوان، أين المشتاق‏؟‏ هذا الشراب، هذا كأس المتاب ملآن‏.‏

أين أنت من أهل الصفا يا مضيّعا عمره في العصيان‏؟‏ بادر قبل تغيّر الحال، فتعود بالخيبة والخسران، واعص من لامك وخالف من عدلك، وأطع من نصحك ودع قالا وقيلا‏.‏

‏{‏فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء 71ـ 72‏]‏‏.‏

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فقام في الركعة الأولى، حتى ظننا أنه لا يرفع رأسه، فرفع رأسه، ورفعنا بعده، فلما قضيت الصلاة، انفتل من محرابه صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏أين أخي وابن عمي علي ابن أبي طالب‏؟‏‏)‏ فأجابه علي رضي الله عنه من آخر الصفوف، وهو يقول لبيك يا رسول الله‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أدن مني يا أبا الحسن‏)‏، فدنا منه، فلم يزل يدنيه حتى جلس بين يديه‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا الحسن، أما سمعت ما أنزل الله عليّ في فضل الصف الأول، والتكبيرة الأولى‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فما الذي أبطأك عن الصف الأول والتكبيرة الأولى، فهل شغلك حب الحسن والحسين عن ذلك‏؟‏‏)‏ فقال له علي رضي الله عنه‏:‏ وهل يشغلني حبهما عن حب الله تعالى‏؟‏‏!‏ قال له‏:‏ ‏(‏فما الذي شغلك عن ذلك يا عليّ‏)‏ قال‏:‏ يا رسول الله، أذن بلال وأنا في المسجد، فركعت ركعتين، وأقام بلال الصلاة فكبّرت معك التكبيرة الأولى، فوسوسني شيء من أمر الوضوء، فخرجت من المسجد إلى منول فاطمة رضي الله عنها، فناديت، يا حسن، يا حسين، فلم يجيبني أحد، فبينما أنا كالمرأة الثكلى، أو كالحبة في المقلى، وأنا أطلب ماء لوضوئي، إذ هتف بي هاتف عن يميني، فإذا أنا بقدح من الذهب الأحمر، وعليه منديل أخضر، فكشفت المنديل، فإذا هو ماء أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من الشهد، وألين من الزبد، فتطهرت للصلاة، تمندلت بالمنديل، ورددته على القدح، والتفت فلم أره، ولم أر من وضعه ولا من رفعه‏.‏

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ ‏(‏بخ بخ، هل تعلم من أتاك بالمنديل والقدح يا أبا الحسن‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أتاك بالقدح جبريل عليه السلام، والماء من حظيرة القدس، والذي مندلك بالمنديل ميكائيل عليه السلام، والذي أمسك يدي على ركبتي حتى أدركت الركعة الأولى اسرافيل عليه السلام‏.‏ يا أبا الحسن من أحبّك، أحبّه الله، ومن أبغضك أبغضه الله‏)‏‏.‏

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم مع أصحابه، فإذا بيهودية قد أقبلت تبكي، حتى وقفت بين يديه، وجعلت تقول هذه الأبيات، وهي تبكي‏:‏

بأبي أفديك يا نور الفلك *** ليت شعري إن شيء قتلك

غبت عني غيبة موحشة *** أترى ذئب يهودي أكلك

إن تكن ميتًا فما أسرع ما *** كان من أمر الليالي من أجلك

أو تكن حيًا فلا بدّ لمن *** عاش أن يرجع من حيث سلك

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مالك أيتها المرأة‏؟‏‏)‏

قالت‏:‏ يا محمد بينما أنا وولدي يلعب بين يدي، إذ خطف، وبقي المكان منه بقعة‏.‏

قال لها‏:‏ ‏(‏يا هذه إن ردّ الله ولدك على يدي، أتؤمنين بي‏؟‏‏)‏

قالت‏:‏ نعم وحق الأنبياء الكرام، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام‏.‏

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين، ثم دعا بدعوات، فما استكملها حتى وضع الطفل بين يديه صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أين كنت أيها الطفل‏؟‏‏)‏

قال‏:‏ بينما كنت ألعب بين أمي، إذا أقبل عليّ عفريت كافر، فاختطفني وذهب بي من وراء البحر، فلما دعوت الله عز وجل، سلط الله عليه جنًا مؤمنًا أشد منه بطشًا، وأعظم خلقًا فانتزعني منه، وساقني إليك، فها أنا بين يديك صلى الله عليك‏.‏

فقالت المرأة‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

الفصل السابع والعشرون

اعلم أن الزمنى من أكبر الكابائر، وهو شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة، ووبال على صاحبه‏.‏

وقد نهى الله تعالى عنه في مواضع من كتابه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء 32‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون 5، 7‏]‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن‏)‏ ‏[‏أخرجه مسلم 58‏]‏، أراد بذلك أن الزاني مبعد عن الله تعالى، مستوجب المقت من الله عز وجل‏.‏

وفي الخبر أن شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، أتأذن لي في الزنى، فصاح الناس به، فقال‏:‏ ‏(‏اتركوه، أدن مني‏)‏، فقال‏:‏ ‏(‏أتحبه لأمك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا، جعلني الله فداك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، ثم قال له أتحبه لأبنتك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم‏)‏‏.‏ حتى ذكر الأخت، والخالات والعمات وهو يقول‏:‏ لا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏كذلك الناس لا يحبونه‏)‏، ثم وضع يده الكريمة على صدره، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه‏)‏، فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنى‏.‏ ‏[‏رواه أحمد وإسناده صحيح‏]‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لما خلقت المرأة، قال لها إبليس‏:‏ أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ‏)‏ فتحفظ رحمك الله من سهام الشيطان‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الزنى من أكبر الكبائر، والزاني عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم القيامة، فإن تاب، تاب الله عليه‏)‏ ‏[‏أبو داود 4690‏]‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من علامة المؤمن أن يجعل الله شهوته في الصلاة والصيام، وعلامة المنافق أن يجعل الله شهوته في بطنه وفرجه‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الزنى يورث الفقر، ويذهب بهاء الوجه‏)‏ يقول تعالى‏:‏ ‏(‏آليت على نفسي أن أفقر الزاني ولو بعد حين‏)‏‏.‏ والزنى يذهب بالمال، وبنور الوجه، ويخلد صاحبه في النار‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏ما لقي الله العبد بذنب بعد الشرك بالله أعظم من الزنى، ومن امرئ يضع نطفته في رحم حرام، وأن الزاني يسيل من فرجه يوم القيامة صديدًا لو وضعت منه قطرة على وجه الأرض، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم نتنا‏)‏‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إياكم والزنى فإنه ذهاب البهاء، وطول الفقر، وقصار العمر، وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار‏)‏‏.‏

يا من عصى الله في الشباب وقد *** أدركه الشيب راقب الله

صحفك بالسيئات قد ملئت *** بأي وجه تراك تقراها

أعدد جوابًا إذا سئلت غدًا *** وقرّب النار منك مولاها

يا معشر المسلمين كم رجل *** تلومه النار حين يصلاها

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من أحد أغير من الله تعالى أن يرى عبده أو أمته يزني، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ألا وإن في النار لتوابيت من نار، فيها أقوام محبوسون في تلك التوابيت، فإذا سألوا الراحة، فتحت لهم تلك التوابيت فإذا فتحت بلغ شررها أهل جهنم، فيستغيث أهل جهنم بصوت واحد، ويقولون‏:‏ اللهم العن أهل التوابيت، وهم الذين يغتصبون فروج النساء حرامًا‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله لما خلق الجنة، قال لها‏:‏ تكلمي‏.‏ قالت‏:‏ سعد من دخلني، فقال الجبار جل جلاله‏:‏ وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، مدمن خمر، ولا مصرّ على الزنى، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطيّ، ولا مخنّث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول‏:‏ عليّ عهد الله أن أفعل كذا وكذا ولا يفعله‏)‏‏.‏

فليس المصر على الزنى هو المداوم عليه، ولا مدمن الخمر هو الملازم لشربه، ولكنه هو الذي إذا وجد الخمر شربها، ولم يمنعه منها خوف الله تعالى، ومتى تهيأ له الزنى، ولم يتب من ذلك، ومن لم ينه النفس عن الهوى فإن الجحيم هي المأوى‏.‏

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لغلمانه‏:‏ إن أردتم النكاح نكحتم، أي تزوّجتم، فإن العبد إذا زنى، خرج الإيمان من قلبه فلا يبقى للعبد إيمان‏.‏

وقال لقمان لابنه‏:‏ إياك والزنى، فإن أوله مخافة وآخره ندامة، ومن بعد تلقى آثامه‏.‏

وأنشدوا‏:‏

يا من خلا بمعاصي الله في الظلم *** في اللوح يكتب فعل السوء بالقلم

بها خلوت وعين الله ناظرة *** وأنت بالإثم منه غير مكتتم

فهل أمنت المولى من عقوبته *** يا من عصى الله بعد الشيب والهرم

واعلم أن من غلبه هواه افتضح، فما نال الكرامات من نالها إلا بقلبة الهوى‏.‏

كما روي أنه في بني إسرائيل رجل تزوج امرأة من بلد آخر، فأرسل بثقته إليها ليسوقها إليه، فراودته نفسه، وطالبته بها، فزجرها، واستعصم بالله، قال‏:‏ فنبأه الله تعالى بترك هواه، وكان نبيًا من بني اسرائيل‏.‏

وأنشدوا‏:‏

توق نفسك لا تأمن غوائلها *** فالنفس أخبث من سبعين شيطانا

وحكى ابن عباس عن كعب الأحبار رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ كان في بني إسرائيل صدّيق منفرد للعبادة، فأقام في صومعته دهرًا طويلًا، وكان يأتيه ملك في كل غدوّة وعشيّة، فيقول له الملك‏:‏ ألك حاجة‏؟‏ فيقول‏:‏ الله أعلم بحاجتي‏.‏

وأنبت الله له فوق الصومعة كرمة، تحمل في كل يوم بالعنب، وكان إذا عطش مد يده، فينبع منها الماء، فيشرب منه‏.‏

فلما كان بعد مدة مرت به امرأة لها حسن وجمال، عند المغرب، فنادته‏:‏ يا عبد الله‏.‏ فقال لها‏:‏ لبيك‏.‏ فقالت له‏:‏ أيراك ربك‏؟‏ قال لها‏:‏ هو الله الواحد القهار، الحيّ القيّوم، العالم بما في الصدور وباعث من في القبور‏.‏ قالت له‏:‏ البلد مني بعيد‏.‏ قال لها‏:‏ اصعدي‏.‏

فلما صارت في صومعته، رمت بثيابها، وقامت عريانة، تجلو نفسها عليه، فغضّ بصره عنها‏.‏ وقال لها‏:‏ ويلك، استري نفسك‏.‏ قالت له‏:‏ ما يضرّك إذا تمتعت بي في هذه الليلة‏؟‏‏.‏

فقال لنفسه‏:‏ يا نفس، وما تقولين‏؟‏ قالت‏:‏ والله إني أتمتع بها‏.‏

قال لها‏:‏ ويحك‏:‏ أتريدين سرابيل القطران، مقطعات وتذهبين بعبادتي هذه المدة، وليس كل من زنى عفي عنه، وأن الزاني يكبّ على وجهه في النار، وهي نار لا تطفأ، وعذابها لا يفنى، وأخاف أن يغضب الله عليك، ولا يرضى أبدًا عنك‏.‏

فراودته نفسه على ذلك، فقال‏:‏ أعرض عليك نارًا صغيرة، فإن صبرت عليها، متعتك بهذه الجارية الليلة‏.‏

قال‏:‏ فملأ السراج دهنًا، وأغلظ الفتيلة، والمرأة تسمع وتبصر، ثم ألقى يده إلى الفتيلة، وهي تتقد، فصاح بالفتيلة‏:‏ ما لك‏؟‏ أحرقي، فأكلت إبهامه، ثم أكلت أصابعه، ثم أكلت يده، فصاحت الجارية صيحة عظيمة، فارقت الدنيا، فسترها بثوبها‏.‏

فلما أصبح صرخ إبليس لعنه الله‏:‏ أيها الناس إن العابد قد زنى بفلانة بنت فلان، وقتلها‏.‏

فركب الملك في جنده وأهل مملكته، فلما انتهى إلى الصومعة، صاح، فأجابه العابد، فقال له‏:‏ أين فلانة بنت فلان‏؟‏ قال له‏:‏ عندي ها هنا‏.‏ قال له‏:‏ قل لها أن تنزل‏.‏ قال له‏:‏ إنها قد ماتت‏.‏

قال له الملك‏:‏ ما رضيت بالزنى حتى قتلت النفس التي حرّم الله‏؟‏ فهدم الصومعة، وجعل في عنق العابد سلسلة، فجرّه بها، وحملت المرأة، وجيء بالعابد ملفوفة في كمه وهو لا يعلمهم بقصته‏.‏

فوضع المنشار على رأسه، وقيل لأصحاب العذاب‏:‏ جرّوا، فجرّوا‏.‏

فلما بلغ المنشار إلى دماغه، تأوّه، فأوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام‏:‏ قل له‏:‏ لا ينطق بشيء، وها أنا أنظر إليك، وقد أبكى حملة عرشي، وسكان سماواتي، فوعزتي وجلالي لئن تأوّه الثانية، لأهدمنّ السماوات على الأرض، فما تأوه ولا تكلم حتى مات رحمه الله‏.‏

فلما مات، ردّ الله الروح على المرأة، وقالت‏:‏ مات والله مظلومًا، ما زنى وما أنا إلا بخاتمي بكر‏.‏

ثم قصت عليهم القصة، فأخرجوا يده، فإذا هي محروقة كما قالت الجارية‏.‏ فقالوا‏:‏ لو علمنا ما نشرناه، وخرّ العابد نصفين على الأرض، وعادت الجارية كما كانت، فحفروا لهما قبرًا واحدًا، فوجدوا في القبر مسكًا وعنبرًا وكافورًا‏.‏ ثم أتوا بهما ليصلوا عليهما، فناداهم مناد من السماء‏:‏ اصبروا حتى تصلي عليهما الملائكة، ثم صلى عليهما الناس ودفنوهما، فأنبت الله على قبرهما الياسمين، ووجدوا على قبرهما رق مكتوب فيه‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، من الله عز وجل إلى عبدي ووليي، إني نصبت المنبر تحت عرشي، وجمعت ملائكتي، وخطب جبريل عليه السلام، وأشهدت الملائكة أني زوّجتك خمسين ألف عروس من الفردوس، وهكذا أفعل بأهل طاعتي وأهل مراقبتي‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره، أذاقه الله تعالى عبادة يجد حلاوة تلك العبادة في قلبه‏)‏‏.‏ ‏[‏رواه الحاكم‏]‏‏.‏

وفي المناجاة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام‏:‏ يا موسى، حرمت على النار ثلاثة أعين‏:‏ عين سهرت في سبيل الله، وعين غضّت عن محارم الله، وعين بكت من خشيتي، ولكل شيء جزاء، إلا الدمعة، فلا جزاء لها إلا الرحمة والمغفرة ودخول الجنة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الفصل الثامن والعشرون

وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كعبًا فسأل عنه، فقيل إنه مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال‏:‏ أبشر يا كعب، فقالت له أمه‏:‏ هنيئًا لك الجنة يا كعب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من هذه المتألية على الله‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ أمي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏وما يدريك يا أم كعب، لعل كعبًا قال ما لا يعنيه أو سمع ما لا يعنيه‏؟‏‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏العبادة تسعة أجزاء في الصمت، وجزء في الفرار من الناس‏)‏‏.‏

وفي الحكمة‏:‏ تسعة أعشار العبادة في الصمت‏.‏

وحكي أن مريم لما نذرت ألا تتكلم، وحبست لسانها لأجل الله تعالى، أطلق الله سبحانه وتعالى لسان صبي لا يعرف الخطاب، أنطقه الله لأجلها‏.‏

فمن حفظ لسانه لأجل الله تعالى في الدنيا، أطلق الله لسانه بالشهادة عند الموت ولقاء الله تعالى‏.‏ ومن سرّح لسانه في أعراض المسلمين، واتبع عوراتهم أمسك الله لسانه عن الشهادة عند الموت‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت النار أولى به‏)‏‏.‏

فلذلك كان الصّدّيق رضي الله عنه يضع فيه حجرًا ليمنع نفسه عن الكلام‏.‏

وسأل معاذ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ الأعمال أفضل، فأخرج لسانه، ووضع يده عليه‏.‏

وأوصى عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه ولده الحسن، فقال له‏:‏ أمسك عليك لسانك، فإن تلاف المرء في منطقه‏.‏

وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يومًا، فقال‏:‏ إن ربكم تعالى يقول‏:‏ يا ابن آدم، لم تحرّض الناس على الخير، وتدع ذلك من نفسك‏؟‏ يا ابن آدم، لم تذكّر الناس وتنسى نفسك‏؟‏ يا ابن آدم، لم تدعوني وتفرّ مني‏؟‏ إن كان كما تقول، فاحبس لسانك، واذكر خطيئتك، واقعد في بيتك‏.‏

وفي صحائف إبراهيم عليه السلام‏:‏ على العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه‏.‏

وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال‏:‏ إذا رأيت قساوة في قلبك، أو وهنا في بدنك، أو حرمانًا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك‏.‏

وقال لقمان الحكيم لابنه‏:‏ يا بنيّ، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم‏.‏

وأنشدوا‏:‏

احفظ لسانك أيها الإنسان *** لا يقتلنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشجعان

ويقال‏:‏ إن جميع الأعضاء تبكّر كل يوم للسان، وتقول له‏:‏ ناشدتك الله تعالى أن تستقيم، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ احبس لسانك قبل أن يطول حبسك، وتتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من اللسان ليقصر على الصواب ويسرع إلى الجواب‏.‏

قال بعض الحكماء‏:‏ ترك فضول الكلام يثمر النطق بالحكمة، وترك فضول النظر يثمر الخشوع والخشية، وترك فضول الطعام يثمر حلاوة العبادة، وترك الضحك يثمر حلاوة الهيبة، وترك الرغبة في الحرام يثمر المحبة، وترك التجسس عن عيوب الناس يثمر صلاح العيوب، وترك التوهم في الله ينفي الشك والشرك والنفاق‏.‏

وأنشدوا‏:‏

الصمت نفع والكلام مضرة *** فلربّ صمت في الكلام شفاء

فاذا أردت من الكلام شفاء *** لسقام قلبك فالقرآن دواء

واعلم أن التجسس عن عيوب الناس، وتطلب مساوئهم، يبدي العورات، ويكشف المخبّآت‏.‏

وقد نهى الله عز وجل عن ذلك في كتابه العزيز بقوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا‏}‏ ‏[‏الحجرات 12‏]‏‏.‏

فاتق الله واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح فيدميها‏.‏

فمن بحث عن مساوئ الناس واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط الله تعالى عليه من يبحث في عيبه ومساوئه ليشهّرها، ويتبع عورته ويبديها وينشرها‏.‏

فالعاقل السعيد من نظر في عيبه، وشغل بذلك عن عيوب غيره، وعن كل شيء سوى الله تعالى‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى، أنه قال‏:‏ يا موسى خمس كلمات ختمت بهن التوراة، فإن عملت بهن، نفعك علم التوراة، وإن لم تعمل بهنّ، لم ينفعك علم التوراة‏:‏

أولهنّ‏:‏ يا موسى، كن واثقًا برزقي المضمون لك ما لم تر خزائني نفدت‏.‏

الثانية‏:‏ يا موسى، لا تخافنّ سلطان الأرض ما لم تر سلطاني زائلًا‏.‏

والثالثة‏:‏ يا موسى، لا تجسس عن عيب أحد ما لم تخل من العيوب‏.‏

الرابعة‏:‏ يا موسى، لا تدعنّ محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك‏.‏

الخامسة‏:‏ يا موسى، لا تأمن عقابي ولو رأيت نفسك في الجنة‏.‏

وقال‏:‏ يا أخي، إياك أن تعيّر أحدًا بما فيه، فإني أخشى أن يبتليك الله ويعافيه، ولا تستر على الفاجر الظاهر فجوره، ولا على من لا يستتر بالمعصية ويعلن بها‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يرى امرؤ من أخيه عورة، فيسترها عليه إلا أدخله الله الجنة‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أقال مسلمًا عثرته، أقال الله عثرته يوم القيامة‏)‏ ‏[‏أبو داود 3460، ابن ماجه 2199‏]‏‏.‏

ويقال إن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يسكن بجواره شاب مولّع بشرب الخمر، فكان أبو حنيفة يسهر الليل على النظر في الكتب والقراءة، وكان بينه وبين الشاب جدار، فكان يشرب ويتمثل‏:‏

سأنشدهم إذا ما هم جفوني *** أضاعوني وأي فتى أضاعوا

ويكثر التردد بهذا البيت، فكان أبو حنيفة يستأنس بكلامه‏.‏

فلما كان ذات ليلة، لم يسمع له أبو حنيفة حسًا، فلما خرج لصلاة الصبح سأل عنه فقيل له‏:‏ إن صاحب الشرطة لقاه مخمورًا، فحمله إلى السجن، فلما صلى أبو حنيفة، مضى إلى منزل صاحب الشرطة، واستأذن عليه، واعلمه بنفسه، فخرج إليه صاحب الشرطة حافي القدمين، عاري الرأس، وقبّل يده، وقال‏:‏ يا سيدي، وما بلغ من قدري حتى تأتيني إلى منزلي‏؟‏ فقال أبو حنيفة‏:‏ إني جئتك في قضية جار لي سجن الليلة، فقال‏:‏ أشهدك يا سيدي أني أطلقته وجميع من سجن في تلك الليلة‏.‏

قال‏:‏ وانصرف أبو حنيفة والرجل معه‏.‏ ثم التفت إليه، وقال‏:‏ هل ضيّعناك يا أخي، أم قمنا بحقك رعيًا لقولك‏:‏ أضاعوني وأي فتى أضاعوا‏؟‏ فقال‏:‏ لا والله لم تضيّعني، بل رعيتني، جزاك الله عن الجوار خيرًا، وأشهدك أني تائب لوجه الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ فلزم الإمام، وعبد الله تعالى حتى أتاه اليقين‏.‏

الفصل التاسع والعشرون

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة‏:‏ ‏(‏يا أبا هريرة، إن أحببت أن يفشي الله لك الثناء الحسن الجميل في الدنيا والآخرة، فكف لسانك عن المسلمين‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما صام من ظل يأكل لحوم الناس‏)‏‏.‏

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ أبغض عباد الله إلى الله كل طعّان لعّان‏.‏

وقال سعيد بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن العبد يعطى كتابه يوم القيامة، فيرى فيه حسنات لم يكن عملها قط، فيقول‏:‏ يا رب، من أين هذه الحسنات‏؟‏ فيقول‏:‏ باغتياب الناس فيك وأنت لا تعلم‏)‏‏.‏

وقال حاتم الأصمّ‏:‏ ثلاثة إذا منّ في مجلس فالرحمة مصروفة عنه‏:‏ ذكر الدنيا، والضحك، والوقيعة في الناس‏.‏

واعلم رحمك الله، أن النميمة تفسد الدين والدنيا، وتغيّر القلوب، وتولّد البغضاء، وسفك الدماء، والشتات‏.‏ قال الله العظيم‏:‏ ‏{‏وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم 10-13‏]‏‏.‏

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال‏:‏ ‏(‏أن تذكر أخاك بما هو فيه غائب عنك، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏شرّ عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يدخل الجنة قتات‏)‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من مشى بين اثنين بالنميمة، سلط الله عليه نارًا في قبره تحرقه إلى يوم القيامة‏.‏ وحيّة تنهشه حتى يدخل النار‏)‏‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من ألقى بين اثنين عداوة، فليتبوأ مقعده من النار، ومن أصلح بينهما، فقد وجبت له على الله الجنة‏)‏‏.‏

قال بعض الحكماء‏:‏ النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك فقد نقل عنك، والسّاعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به‏.‏

قال الشاعر‏:‏

احفظ لسانك لا تؤذي به أحدًا *** من قال في الناس عيبًا قيل فيه بمثله

قال الأصمعي‏:‏ شاهدت أعرابية وهي توصي ابنها، فقالت‏:‏ يا بنيّ، أمنحك وصيّتي وبالله التوفيق، فإياك والنميمة، فإنها تورث العداوة بين الأهلين، وتفرّق بين المحبين، وإياك والتعرّض للعيوب، فتصير لها أهلًا، وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك، ومثل لنفسك مثالًا من غيرك، فما استحسنته من الناس فافعله، وما استقبحته منهم فاجتنبه، فإن المرء لا يرى عيب نفسه‏.‏

ثم أمسكت، فقلت‏:‏ يا أعرابية، بالله إلا زدتيه، فقالت‏:‏ يا حضريّ، أعجبك كلام العرب‏؟‏ فقلت‏:‏ إى والله‏.‏

فقالت‏:‏ يا بني، إياك والغدر فإنه أقبح ما تعامل به الناس، واجمع بين السخاء والعلم، والتواضع والحياء، وأستودعك الله، وعليكم السلام‏.‏

واعلم رحمك الله أن الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام‏.‏

وقال بعض أهل العلم‏:‏ الغيبة تنقض الوضوء، وتفطّر الصائم‏.‏

وكان بعض الفقهاء يعيد الوضوء من الغيبة‏.‏

وقيل‏:‏ مثل صاحب الغيبة كمثل من نصب منجنيقًا، فهو يرمي به حسناته يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا‏.‏

وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام‏:‏ أتحب أن أنصرك على عدوّك‏؟‏ قال‏:‏ بم‏؟‏ قال‏:‏ بردّك الغيبة عن المسلمين‏.‏

ومن مات تائبًا عن الغيبة والنميمة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات وهو مصر عليهما، فهو أول من يدخل النار‏.‏

وقال سليمان عليه السلام‏:‏ يا رب، أي الأعمال أفضل وأحب إليك‏؟‏ فقال تعالى عشر خصال يا سليمان، أولها أن لا تذكر أحدًا من عبادي إلا بخير، ولا تغتب أحدًا ولا تجسسّه‏.‏

فقال‏:‏ ربّ، احبس عني السبعة فقد كربني هؤلاء‏.‏

وقال عطاء السليمي‏:‏ عذاب القبر ثلاث أثلاث‏:‏ ثلث من البول وثلث من الغيبة، وثلث من النميمة‏.‏

فإياك يا أخي والتعرّض للأقدار، وأن تغتاب أحدًا بما أودع فيه الجبار، فإن المولى جل جلاله أعلم به، وأحكم ولو شاء لأهلكه وانتقم‏.‏

يروى أن عيسى عليه السلام مرّ ببعض الأنهار، فإذا بصبيان يلعبون في ذلك النهر، ومعهم صبي أعمى قد كف بصره، وهم يغمسونه في الماء، ويفرّون منه يمينًا وشمالًا، وهو يطلبهم ولا يظفر بهم‏.‏

ففكر عيسى عليه السلام في أمره، ودعا ربه أن يردّ عليه بصره، وأن يساوي بينه وبين أصحابه‏.‏

فردّ عليه بصره، فلما فتح عينيه ورآهم وثب على واحد منهم، فتعلق به ولم يزل يغمسه في الماء حتى قتله، وطلب آخر فتعلق به كذلك حتى مات، وهرب الباقون‏.‏

فرأى عيسى عليه السلام ذلك، فتعجب، وقال‏:‏ يا إلهي، وسيدي ومولاي، أنت بخلقك أعلم، فدعا ربه أن يردّه كما كان ويكفيهم أمره‏.‏

فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام‏:‏ قد كنت أعلمتك وتعرّضت إليّ في حكمي وتدبيري، فخرّ عيسى عليه السلام ساجدًا‏.‏

واعلم أنه لا يجري في هذا العالم أمر إلا وللمولى فيه حكم وتدبير‏.‏

عن بعض السلف أنه قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة، اجتمع القوم الذين كان يتجالسون على غير طاعة الله تعالى، ويتعاونون على المعاصي، فيجثون على الرّكب، ويعض بعضهم بعضًا، وينهش بعضهم بعضًا، كالكلاب، وهم الذين خرجوا من الدنيا على غير توبة‏.‏

قال الفقيه أبو الحسن علي بن فرحون القرطبي رحمه الله في كتابه المعروف بالزاهر، كان لي عمّ، وتوفى في مدينة فاس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فرأيته بعد ذلك في المنام وهو داخل عليّ في داري، فقمت إليه ولاقيته بقرب الباب، وسلمت عليه، ودخلت خلفه، فلما توسّط في البيت، قعد واستند بظهره إلى الجدار، فقعدت بين يديه، فرأيته شاحب اللون متغيّرًا، فقلت له‏:‏ يا عمّاه، ماذا لقيت من ربك‏؟‏ قال‏:‏ ما يلقى من الكريم يا بنيّ، سمح لي في كل شيء إلا في الغيبة، فإني منذ فارقت الدنيا إلى الآن محبوس فيها، ما سمح لي بعد فيها، فأنا أوصيك يا بنيّ‏:‏ إياك والغيبة والنميمة، فما رأيت في هذه الدار شيئًا أشد بطشًا وطلبًا من الغيبة‏.‏ وتركني وانصرف‏.‏

وأنشدوا‏:‏

يموت كل الأنام طرّا *** من صالح كان أو خبيث

فمستريح ومستراح *** منه كما جاء في الحديث

وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع له كتابه، فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه، ويرى أعماله الصالحة، فيقول يا رب، هذا كتاب غيري، كانت لي حسنات ليس في هذا الكتاب، فيقال له‏:‏ إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتيابك الناس‏.‏

فإياك يا أخي والغيبة والنميمة، فإنهما يضرّان بالدين، ويحبطان عمل العاملين، وتورث العداوة بين المسلمين، أعاذنا الله منهم‏.‏