فصل: الجزء الأول

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ***


الجزء الأول

كتابُ الطَّهَارَةِ

الْكَلَامُ في هذا الْكِتَابِ في الْأَصْلِ في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا في تَفْسِيرِ الطَّهَارَةِ وَالثَّانِي في بَيَانِ أَنْوَاعِهَا أَمَّا تَفْسِيرُهَا فَالطَّهَارَةُ لُغَةً وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ‏.‏ وَالتَّطْهِيرُ التنظيف ‏[‏والتنظيف‏]‏ وهو إثْبَاتُ النَّظَافَةِ في الْمَحَلِّ وَأَنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا وهو الْقَذَرُ فإذا زَالَ الْقَذَرُ وَامْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ تَحْدُثُ النَّظَافَةُ فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ من باب زَوَالِ الْمَانِعِ من حُدُوثِ الطَّهَارَةِ لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ‏.‏

فصل بيان أنواع الطهارة

وَأَمَّا بَيَانُ أَنْوَاعِهَا فَالطَّهَارَةُ في الْأَصْلِ نَوْعَانِ طَهَارَةٌ عن الْحَدَثِ وَتُسَمَّى طَهَارَةً حُكْمِيَّةً وَطَهَارَةٌ عن ‏(‏الْخَبَثِ‏)‏ وَتُسَمَّى طَهَارَةً حَقِيقِيَّةً أَمَّا الطَّهَارَةُ عن الْحَدَثِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ أَمَّا الْوُضُوءُ فَالْكَلَامُ في الْوُضُوءِ في مَوَاضِعِ في تَفْسِيرِهِ وفي بَيَانِ أَرْكَانِهِ وفي بَيَانِ شَرَائِطِ الْأَرْكَانِ وفي بَيَانِ سُنَنِهِ وفي بَيَانِ آدَابِهِ وفي بَيَانِ ما يَنْقُضُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْوُضُوءُ اسْمٌ لِلْغَسْلِ وَالْمَسْحِ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ من حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا بُدَّ من مَعْرِفَةِ مَعْنَى الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فَالْغَسْلُ هو إسَالَةُ الْمَائِعِ على الْمَحَلِّ وَالْمَسْحُ هو الْإِصَابَةُ حتى لو غَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ ولم يُسِلْ الْمَاءَ بِأَنْ اسْتَعْمَلَهُ مِثْلَ الدُّهْنِ لم يَجُزْ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ‏.‏

وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ وَعَلَى هذا قالوا لو تَوَضَّأَ بِالثَّلْجِ ولم يَقْطُرْ منه شَيْءٌ لَا يَجُوزُ وَلَوْ قَطَرَ قَطْرَتَانِ أو ثَلَاثٌ جَازَ لِوُجُودِ الْإِسَالَةِ وَسُئِلَ الْفَقِيهُ أبو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ عن التَّوَضُّؤِ بِالثَّلْجِ فقال ذلك مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغَسْلٍ فَإِنْ عَالَجَهُ حتى يَسِيلَ يَجُوزُ‏.‏ وَعَنْ خَلَفِ بن أَيُّوبَ أَنَّهُ قال يَنْبَغِي للمتوضىء ‏[‏للمتوضئ‏]‏ في الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ ‏(‏بالماء‏)‏ شِبْهَ الدُّهْنِ ثُمَّ يُسِيلَ الْمَاءَ عليها لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عن الْأَعْضَاءِ في الشِّتَاءِ وأما أركان الوضوء فأربعة‏.‏

مبحث في غَسْلِ الْوَجْهِ

أَحَدُهَا غَسْلُ الْوَجْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏}‏ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ولم يذكر في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَدَّ الْوَجْهِ وَذَكَرَ في غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ من قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ وَهَذَا تَحْدِيدٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا ينبىء عنه اللَّفْظُ لُغَةً لِأَنَّ الْوَجْهَ اسْمٌ لِمَا يُوَاجِهُ الْإِنْسَانَ أو ما يُوَاجَهُ إلَيْهِ في الْعَادَةِ وَالْمُوَاجَهَةُ تَقَعُ بهذا الْمَحْدُودِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ قبل نَبَاتِ الشَّعْرِ فإذا نَبَتَ الشَّعْرُ يَسْقُطُ غَسْلُ ما تَحْتَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ‏.‏

وقال أبو عبد اللَّهِ الْبَلْخِيّ أنه لَا يَسْقُطُ غَسْلُهُ وقال الشَّافِعِيُّ إنْ كان الشَّعْرُ كَثِيفًا يَسْقُطُ وَإِنْ كان خَفِيفًا لَا يَسْقُطُ‏.‏وَجْهُ قَوْلِ أبي عبد اللَّهِ أَنَّ ما تَحْتَ الشَّعْرِ بَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ الْحَدِّ بَعْدَ نَبَاتِ الشَّعْرِ فَلَا يَسْقُطُ غَسْلُهُ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّقُوطَ لِمَكَانِ الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ في الْكَثِيفِ لَا في الْخَفِيفِ وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَلَمَّا نَبَتَ الشَّعْرُ خَرَجَ ما تَحْتَهُ من أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِأَنَّهُ لَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ فَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ وَخَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ أبو عبد اللَّهِ وَعَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا لِأَنَّ السُّقُوطَ في الْكَثِيفِ ليس لِمَكَانِ الْحَرَجِ بَلْ لِخُرُوجِهِ من أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِاسْتِتَارِهِ بِالشَّعْرِ وقد وُجِدَ ذلك في الْخَفِيفِ وَعَلَى هذا الْخِلَافِ غَسْلُ ما تَحْتَ الشَّارِبِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَأَمَّا الشَّعْرُ الذي يُلَاقِي الْخَدَّيْنِ وَظَاهِرَ الذَّقَنِ فَقَدْ رَوَى ابن شُجَاعٍ عن الْحَسَنِ عن أبي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ من لِحْيَتِهِ ثُلُثًا منها أو رُبُعًا جَازَ وَإِنْ مَسَحَ أَقَلَّ من ذلك لم يَجُزْ‏.‏

وقال أبو يُوسُفَ إنْ لم يَمْسَحْ شيئا منها جَازَ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَرْجُوعٌ عنها وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ خَرَجَتْ من أَنْ تَكُونَ وَجْهًا لِعَدَمِ مَعْنَى الْمُوَاجَهَةِ لِاسْتِتَارِهَا بِالشَّعْرِ فَصَارَ ظَاهِرُ الشَّعْرِ الْمُلَاقِي إياها ‏[‏لها‏]‏ هو الْوَجْهُ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ إلَيْهِ وَإِلَى هذا أَشَارَ أبو حَنِيفَةَ فقال وَإِنَّمَا مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ ما ظَهَرَ منها وَالظَّاهِرُ هو الشَّعْرُ لَا الْبَشَرَةُ فَيَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ من اللِّحْيَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ له أَنَّ الْمُسْتَرْسِلَ تَابِعٌ لِمَا اتَّصَلَ وَالتَّبَعُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَصْلِ ولنا أَنَّهُ إنَّمَا يُوَاجِهُ إلَى الْمُتَّصِلِ عَادَةً لَا إلَى الْمُسْتَرْسِلِ فلم يَكُنْ الْمُسْتَرْسِلُ وَجْهًا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَيَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الذي بين الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ ما تَحْتَ الْعِذَارِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مع أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْوَجْهِ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ غَسْلُ الْبَيَاضِ أَوْلَى وَلَهُمَا أَنَّ الْبَيَاضَ دَاخِلٌ في حَدِّ الْوَجْهِ ولم يُسْتَرْ بِالشَّعْرِ فَبَقِيَ وَاجِبَ الْغَسْلِ كما كان بِخِلَافِ الْعِذَارِ وَإِدْخَالُ الْمَاءِ في دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ ليس بِوَاجِبٍ لِأَنَّ دَاخِلَ العينين ‏[‏العين‏]‏ ليس بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ وَلِأَنَّ فيه حَرَجًا وَقِيلَ أن من تَكَلَّفَ لِذَلِكَ من الصَّحَابَةِ كُفَّ بَصَرُهُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ‏.‏

مبحث في غَسْلِ الْيَدَيْنِ

وَالثَّانِي غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَأَيْدِيَكُمْ‏}‏ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالْمِرْفَقَانِ يَدْخُلَانِ في الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ من الْمِرْفَقِ يَجِبُ عليه غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ عِنْدَنَا خِلَافًا له‏.‏ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمِرْفَقَ غَايَةً فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ ما جُعِلَتْ له الْغَايَةُ كما لَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ تَحْتَ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ في قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ‏}‏ وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِغَسْلِ الْيَدِ وَالْيَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ من رؤوس الْأَصَابِعِ إلَى الْإِبِطِ وَلَوْلَا ذِكْرُ الْمِرْفَقِ لَوَجَبَ غَسْلُ الْيَدِ كُلِّهَا فَكَانَ ذِكْرُ الْمِرْفَقِ لِإِسْقَاطِ الْحُكْمِ عَمَّا وَرَاءَهُ لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الْيَدِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِاللَّفْظِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمِرْفَقَ لَا يَصْلُحُ غَايَةً لِحُكْمٍ ثَبَتَ في الْيَدِ لِكَوْنِهِ بَعْضَ الْيَدِ بِخِلَافِ اللَّيْلِ في باب الصَّوْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا ذِكْرُ اللَّيْلُ لَمَا اقْتَضَى الْأَمْرُ إلَّا وُجُوبَ صَوْمِ سَاعَةٍ فَكَانَ ذِكْرُ اللَّيْلِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهِ على أَنَّ الْغَايَاتِ مُنْقَسِمَةٌ منها ما لَا يَدْخُلُ تَحْتَ ما ضُرِبَتْ له الْغَايَةُ وَمِنْهَا ما يَدْخُلُ كَمَنْ قال رأيت فُلَانًا من رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ وَأَكَلْتُ السَّمَكَةَ من رَأْسِهَا إلَى ذَنَبِهَا دخل الْقَدَمُ وَالذَّنَبُ فَإِنْ كانت هذه الْغَايَةُ من الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا وَإِنْ كانت من الْقِسْمِ الثَّانِي يَجِبُ فَيُحْمَلُ على الثَّانِي احْتِيَاطًا على أَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ دُخُولَ الْمَرَافِقِ في الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ وَاحْتَمَلَ خُرُوجَهَا عنه صَارَ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلَى الْبَيَانِ وقد رَوَى جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان إذَا بَلَغَ الْمِرْفَقَيْنِ في الْوُضُوءِ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ وَالْمُجْمَلُ إذَا الْتَحَقَ بِهِ الْبَيَانُ يَصِيرُ مُفَسَّرًا من الْأَصْلِ‏.‏

مبحث في مَسْحِ الرَّأْسِ

وَالثَّالِثُ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏‏}‏ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِالْفِعْلِ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَاخْتُلِفَ في الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ مَسْحُهُ ذَكَرَهُ في الْأَصْلِ وَقَدَّرَهُ بِثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ وَرَوَى الْحَسَنُ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبْعِ وهو قَوْلُ زُفَرَ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ عن أَصْحَابِنَا مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ وقال مَالِكٌ لَا يَجُوزُ حتى يَمْسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ أو أَكَثْرَهُ‏.‏وقال الشَّافِعِيُّ إذَا مَسَحَ ما يُسَمَّى مَسْحًا يَجُوزُ وَإِنْ كان ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الرَّأْسَ وَالرَّأْسُ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَحَرْفُ الْبَاءِ لَا يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لُغَةً بَلْ هو حَرْفُ إلْصَاقٍ فَيَقْتَضِي إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ وهو الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ وَالرَّأْسُ اسْمٌ لِكُلِّهِ فَيَجِبُ مَسْحُ كُلِّهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا مَسَحَ الْأَكْثَرَ جَازَ لِقِيَامِ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِالْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْمَسْحُ بِالشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهُ في الْعُرْفِ يُقَالُ مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ وَإِنْ لم يَمْسَحْ بِكُلِّهِ وَيُقَالُ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَضَرَبْتُ بِالسَّيْفِ وَإِنْ لم يَكْتُبْ بِكُلِّ الْقَلَمِ ولم يَضْرِبْ بِكُلِّ السَّيْفِ فَيَتَنَاوَلُ أَدْنَى ما يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ‏.‏

وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ يَقْتَضِي آلَةً المسح إذْ الْمَسْحُ لَا يَكُونُ إلَّا بِآلَةٍ وَآلَةُ الْمَسْحِ هِيَ أَصَابِعُ الْيَدِ عَادَةً وَثَلَاثُ أَصَابِعِ الْيَدِ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ على الثَّلَاثِ وقال‏:‏ ‏{‏وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏‏}‏ بِثَلَاثِ أَصَابِعِ أَيْدِيكُمْ وَأَمَّا وَجْهُ التَّقْدِيرِ بِالنَّاصِيَةِ فَلِأَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ ليس بِمُرَادٍ من الْآيَةِ بِالْإِجْمَاعِ أَلَا تَرَى أن عِنْدَ مَالِكٍ إن مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا قَلِيلًا منه جَائِزٌ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ على جَمِيعِ الرَّأْسِ وَلَا على بَعْضٍ مُطْلَقٍ وهو أَدْنَى ما يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ كما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ مَاسِحَ شَعْرَةٍ أو ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ لَا يُسَمَّى مَاسِحًا في الْعُرْفِ فَلَا بُدَّ من الْحَمْلِ على مِقْدَارٍ يُسَمَّى الْمَسْحُ عليه مَسْحًا في الْمُتَعَارَفِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ‏.‏

وقد رَوَى الْمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ بَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ على نَاصِيَتِهِ فَصَارَ فِعْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ إذْ الْبَيَانُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ تَارَةً وَبِالْفِعْلِ أُخْرَى كَفِعْلِهِ في هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَفِعْلِهِ في مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِ ذلك فَكَانَ الْمُرَادُ من الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ بِبَيَانِ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وَوَجْهُ التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ أَنَّهُ قد ظَهَرَ اعْتِبَارُ الرُّبْعِ في كَثِيرٍ من الْأَحْكَامِ كما في حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ وَلَا يَحِلُّ بِدُونِهِ وَيَجِبُ الدَّمُ إذَا فَعَلَهُ في إحْرَامِهِ وَلَا يَجِبُ بِدُونِهِ وَكَمَا في انْكِشَافِ الرُّبْعِ من الْعَوْرَةِ في باب الصَّلَاةِ إنه يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وما دُونَهُ لَا يَمْنَعُ كَذَا هَهُنَا وَلَوْ وَضَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ وَضْعًا ولم يَمُدَّهَا جَازَ على قِيَاسِ رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَهِيَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لِأَنَّهُ أتى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ وَعَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ النَّاصِيَةِ وَالرُّبْعُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ ما اسْتَوْفَى في ذلك الْقَدْرَ وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ وَلَا مَمْدُودَةٍ لم يَجُزْ لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ وَلَوْ مَدَّهَا حتى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لم يَجُزْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَجُوزُ وَعَلَى هذا الْخِلَافِ إذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ أو بِأُصْبُعَيْنِ وَمَدَّهُمَا حتى بَلَغَ مِقْدَارَ الْفَرْضِ‏.‏

وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أن الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا حَالَةَ الْمَسْحِ كما لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا حَالَةَ الْغَسْلِ فإذا مَدَّ فَقَدْ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ فَجَازَ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ سُنَّةَ الِاسْتِيعَابِ تَحْصُلُ بِالْمَدِّ وَلَوْ كان مُسْتَعْمَلًا بِالْمَدِّ لَمَا حَصَلَتْ لِأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ مُلَاقَاتِهِ الْعُضْوَ لِوُجُودِ زَوَالِ الْحَدَثِ أو قَصْدِ الْقُرْبَةِ إلَّا أَنَّ في باب الْغَسْلِ لم يَظْهَرْ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ في تِلْكَ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّهُ لو أَعْطَى له حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ في تلك الحالة لَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَأْخُذَ لِكُلِّ جُزْءٍ من الْعُضْوِ مَاءً جَدِيدًا وَفِيهِ من الْحَرَجِ ما لَا يَخْفَى فلم يَظْهَرْ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ في الْمَسْحِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْسَحَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْمَدِّ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ فَظَهَرَ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ فيه وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى إقَامَةِ سُنَّةِ الِاسْتِيعَابِ فلم يَظْهَرْ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ فيه كما في الْغَسْلِ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَعَادَهَا إلَى الْمَاءِ في كل مَرَّةٍ جَازَ هَكَذَا رَوَى ابن رُسْتُمَ عن مُحَمَّدٍ في النَّوَادِرِ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هو الْمَسْحُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وقد وُجِدَ وَإِنْ لم يَكُنْ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ‏.‏أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو أَصَابَ رَأْسَهُ هذا الْقَدْرُ من مَاءِ الْمَطَرِ سَقَطَ عنه فَرْضُ الْمَسْحِ وَإِنْ لم يُوجَدْ منه فِعْلُ الْمَسْحِ رَأْسًا وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِبَطْنِهَا وَبِظَهْرِهَا وبجانبيها ‏[‏وبجانبها‏]‏ لم يُذْكَرْ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فقال بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وقال بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّ ذلك في مَعْنَى الْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ ليس بِفَرْضٍ لِأَنَّ فيه حَرَجًا فَأُقِيمَ الْمَسْحُ على الشَّعْرِ مَقَامَ الْمَسْحِ على أُصُولِهِ وَلَوْ مَسَحَ على شَعْرِهِ وكان شَعْرُهُ طَوِيلًا فَإِنْ مَسَحَ على ما تَحْتَ أُذُنِهِ لم يَجُزْ وَإِنْ مَسَحَ على ما فَوْقَهَا جَازَ لِأَنَّ الْمَسْحَ على الشَّعْرِ كَالْمَسْحِ على ما تَحْتَهُ وما تَحْتَ الْأُذُنِ عُنُقٌ وما فَوْقَهُ رَأْسٌ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ على الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ إصَابَةَ الْمَاءِ الشَّعْرَ وَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْمَرْأَةِ على خِمَارِهَا لِمَا رُوِيَ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أنها أَدْخَلَتْ يَدَهَا تَحْتَ الْخِمَارِ وَمَسَحَتْ بِرَأْسِهَا وَقَالَتْ بهذا أَمَرَنِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا إذَا كان الْخِمَارُ رَقِيقًا يُنْفِذُ الْمَاءَ إلَى شَعْرِهَا فَيَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِصَابَةِ وَلَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ الْمَطَرُ مِقْدَارَ الْمَفْرُوضِ أَجْزَأَهُ مَسَحَهُ بيده أو لم يَمْسَحْهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ ليس بِمَقْصُودٍ في الْمَسْحِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هو وُصُولُ الْمَاءِ إلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ وقد وُجِدَ وَالله الموفق‏.‏

مبحث غَسْل الرِّجْلَيْنِ

وَالرَّابِعُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ‏}‏ بِنَصْبِ اللَّامِ من الْأَرْجُلِ مَعْطُوفًا على قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ‏}‏ كَأَنَّهُ قال فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَقَالَتْ الرَّافِضَةُ الْفَرْضُ هو الْمَسْحُ لَا غَيْرُ‏.‏

وقال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالتَّخْيِيرِ بين الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَأَصْلُ هذا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِقِرَاءَتَيْنِ بِالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ فَمَنْ قال بِالْمَسْحِ أَخَذَ بِقِرَاءَةِ الْخَفْضِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ الْأَرْجُلِ مَمْسُوحَةً لَا مَغْسُولَةً لِأَنَّهَا تَكُونُ مَعْطُوفَةً على الرَّأْسِ وَالْمَعْطُوفُ يُشَارِكُ الْمَعْطُوفَ عليه في الْحُكْمِ ثُمَّ وَظِيفَةُ الرَّأْسِ الْمَسْحُ فَكَذَا وَظِيفَةُ الرِّجْلِ وَمِصْدَاقُ هذه الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ في الْكَلَامِ عَامِلَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ تعالى‏:‏ ‏{‏فَاغْسِلُوا‏}‏ وَالثَّانِي حَرْفُ الْجَرِّ وهو الْبَاءُ في قَوْلِهِ تعالى ‏[‏برءوسكم‏]‏‏:‏ ‏{‏برؤوسكم‏}‏ وَالْبَاءُ أَقْرَبُ فَكَانَ الْخَفْضُ أَوْلَى‏.‏

وَمَنْ قال بِالتَّخْيِيرِ يقول إنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ قد ثَبَتَ كَوْنُ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُرْآنًا وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بين مُوجِبَيْهِمَا وهو وُجُوبُ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ إذْ لَا قَائِلَ بِهِ في السَّلَفِ فَيُخَيَّرُ الْمُكَلَّفُ إنْ شَاءَ عَمِلَ بِقِرَاءَةِ النَّصْبِ فَغَسَلَ وَإِنْ شَاءَ بِقِرَاءَةِ الْخَفْضِ فَمَسَحَ وَأَيُّهُمَا فَعَلَ يَكُونُ إتْيَانًا بِالْمَفْرُوضِ كما في الْأَمْرِ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَنْ قال بِالْجَمْعِ يقول الْقِرَاءَتَانِ في آيَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا جميعا ما أَمْكَنَ وَأَمْكَنَ هَهُنَا لِعَدَمِ التَّنَافِي إذْ لَا تَنَافِيَ بين الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَنَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ وَأَنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ وَظِيفَةِ الْأَرْجُلِ الْغَسْلَ لِأَنَّهَا تَكُونُ مَعْطُوفَةً على الْمَغْسُولَاتِ وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْمَعْطُوفُ على الْمَغْسُولِ يَكُونُ مَغْسُولًا تَحْقِيقًا لِمُقْتَضَى الْعَطْفِ

وَحُجَّةُ هذه الْقِرَاءَةِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا ما قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ مُحْكَمَةٌ في الدَّلَالَةِ على كَوْنِ الْأَرْجُلِ مَعْطُوفَةً على الْمَغْسُولَاتِ وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ مُحْتَمَلَةٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أنها مَعْطُوفَةٌ على الرؤوس حَقِيقَةً وَمَحَلُّهَا من الْإِعْرَابِ الْخَفْضُ وَيُحْتَمَلُ أنها مَعْطُوفَةٌ على الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ حَقِيقَةً وَمَحَلُّهَا من الْإِعْرَابِ النَّصْبُ إلَّا أَنَّ خَفْضَهَا لِلْمُجَاوَرَةِ وَإِعْطَاءُ الْإِعْرَابِ بِالْمُجَاوَرَةِ طَرِيقَةٌ شَائِعَةٌ في اللُّغَةِ بِغَيْرِ حَائِلٍ وَبِحَائِلٍ أَمَّا بِغَيْرِ الْحَائِلِ فَكَقَوْلِهِمْ جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ وَالْخَرِبُ نَعْتُ الْجُحْرِ لَا نَعْتُ الضَّبِّ وَالْبُرُودَةُ نَعْتُ الْمَاءِ لَا نَعْتُ الشَّنِّ ثُمَّ خُفِضَ لِمَكَانِ الْمُجَاوَرَةِ وَأَمَّا مع الْحَائِلِ فَكَمَا قال تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَطُوفُ عليهم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ‏}‏ إلَى قَوْلِهِ تعالى‏:‏ ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ‏}‏ لِأَنَّهُنَّ لَا يُطَافُ بِهِنَّ وَكَمَا قال الْفَرَزْدَقُ فَهَلْ أنت إنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَاكِبٌ إلَى آلِ بِسْطَامٍ بن قَيْسٍ فَخَاطِبُ فَثَبَتَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْخَفْضِ مُحْتَمَلَةٌ وَقِرَاءَةَ النَّصْبِ مُحْكَمَةٌ فَكَانَ الْعَمَلُ بِقِرَاءَةِ النَّصْبِ أَوْلَى إلَّا أَنَّ في هذا إشْكَالًا وهو أَنَّ هذا الْكَلَامَ في حَدِّ التَّعَارُضِ لِأَنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ مُحْتَمَلَةٌ أَيْضًا في الدَّلَالَةِ على كَوْنِ الْأَرْجُلِ مَعْطُوفَةً على الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أنها مَعْطُوفَةٌ على الرَّأْسِ وَالْمُرَادُ بها الْمَسْحُ حَقِيقَةً لَكِنَّهَا نُصِبَتْ على الْمَعْنَى لَا على اللَّفْظِ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ بِهِ مَفْعُولٌ بِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قال تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏‏}‏‏.‏وَالْإِعْرَابُ قد يَتْبَعُ اللَّفْظَ وقد يَتْبَعُ الْمَعْنَى كما قال الشَّاعِرُ معاوي ‏[‏معاوية‏]‏‏:‏

إنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا ***

نَصَبَ الْحَدِيدَ عَطْفًا على الْجِبَالِ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ مَعْنَاهُ فَلَسْنَا الْجِبَالَ وَلَا الْحَدِيدَ فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ من الْقِرَاءَتَيْنِ مُحْتَمَلَةً في الدَّلَالَةِ من الْوَجْهِ الذي ذَكَرْنَا فَوَقَعَ التَّعَارُضُ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ من جَانِبٍ آخَرَ وَذَلِكَ من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَّ الْحُكْمَ في الْأَرْجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَوُجُوبُ الْمَسْحِ لَا يَمْتَدُّ إلَيْهِمَا وَالثَّانِي أَنَّ الْغَسْلَ يَتَضَمَّنُ الْمَسْحَ إذْ الْغَسْلُ إسَالَةٌ وَالْمَسْحُ إصَابَةٌ وفي الْإِسَالَةِ إصَابَةٌ وَزِيَادَةٌ فَكَانَ ما قُلْنَاهُ عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ مَعًا فَكَانَ أَوْلَى وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قد رَوَى جَابِرٌ وأبو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بن عمرو ‏[‏عمر‏]‏ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى قَوْمًا تَلُوحُ أَعْقَابُهُمْ لم يُصِبْهَا الْمَاءُ فقال وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ وَرُوِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وقال هذا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ وَعِيدٌ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِتَرْكِ الْمَفْرُوضِ وَكَذَا نَفْيُ قَبُولِ صَلَاةِ من لَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ في وُضُوئِهِ فَدَلَّ أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ من فَرَائِضِ الْوُضُوءِ‏.‏

وقد ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم غَسَلَ رِجْلَيْهِ في الْوُضُوءِ لَا يَجْحَدُهُ مُسْلِمٌ فَكَانَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفصلةِ أَنَّ الْأَرْجُلَ في الْآيَةِ مَعْطُوفَةٌ على الْمَغْسُولِ لَا على الْمَمْسُوحِ فَكَانَ وَظِيفَتُهَا الْغَسْلَ لَا الْمَسْحَ على أَنَّهُ إنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الْقِرَاءَتَيْنِ فَالْحُكْمُ في تَعَارُضِ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالْحُكْمِ في تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ وهو أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا مُطْلَقًا يُعْمَلُ وَإِنْ لم يُمْكِنْ لِلتَّنَافِي يُعْمَلُ بِهِمَا بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَهَهُنَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بين الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ في عُضْوٍ وَاحِدٍ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ لم يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ من السَّلَفِ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الْمَسْحِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْغَسْلَ يَتَضَمَّنُ الْمَسْحَ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَيُعْمَلُ بِهِمَا في الْحَالَتَيْنِ فَتُحْمَلُ قِرَاءَةُ النَّصْبِ على ما إذَا كانت الرِّجْلَانِ بَادِيَتَيْنِ وَتُحْمَلُ قِرَاءَةُ الْخَفْضِ على ما إذَا كَانَتَا مَسْتُورَتَيْنِ بِالْخُفَّيْنِ تَوْفِيقًا بين الْقِرَاءَتَيْنِ وَعَمَلًا بِهِمَا بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا في الْجُمْلَةِ وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا بَلْ يَتَوَقَّف على ما عُرِفَ في أُصُولِ الْفِقْهِ‏.‏

ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ في الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ وَالْكَلَامُ في الْكَعْبَيْنِ على نَحْوِ الْكَلَامِ في الْمِرْفَقَيْنِ وقد ذَكَرْنَاهُ وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ في أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بين أصحابنا ‏[‏الأصحاب‏]‏ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً وَأَصْلُهُ من كَعْبِ الْقَنَاةِ وهو أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا وَكَذَا في الْعُرْفِ يُفْهَمُ منه الناتىء ‏[‏الناتئ‏]‏‏.‏

يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ‏.‏وفي الْخَبَرِ عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال في تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ في الصَّلَاةِ الصقوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ ولم يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا في الناتىء ‏[‏الناتئ‏]‏‏.‏ وما رَوَى هِشَامٌ عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفصل الذي مَعْقِدِ الشِّرَاكِ على ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وإنما ‏[‏إنما‏]‏ قال مُحَمَّدٌ في مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ فقال إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الذي في مِفصل الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذلك إلَى الطَّهَارَةِ والله أعلم‏.‏ وَهَذَا الذي ذَكَرْنَا من وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَتَا بَادِيَتَيْنِ لَا عُذْرَ بِهِمَا فَأَمَّا إذَا كَانَتَا مَسْتُورَتَيْنِ بِالْخُفِّ أو كان بِهِمَا عُذْرٌ من كَسْرٍ أو جُرْحٍ أو قُرْحٍ فَوَظِيفَتُهُمَا الْمَسْحُ فَيَقَعُ الْكَلَامُ في الْأَصْلِ في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ وَالثَّانِي في الْمَسْحِ على الْجَبَائِرِ‏.‏

مبحث في المسح على الخفين

أَمَّا الْمَسْحُ على الْخُفَّيْنِ فَالْكَلَامُ فيه في مَوَاضِعَ في بَيَانِ جَوَازِهِ وفي بَيَانِ مُدَّتِهِ وفي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِهِ وفي بَيَانِ مِقْدَارِهِ وفي بَيَانِ ما يَنْقُضُهُ وفي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا انْتَقَضَ

أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمَسْحُ على الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ إلَّا شيئا ‏(‏قَلِيلًا‏)‏ رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وهو قَوْلُ الرَّافِضَةِ وقال مَالِكٌ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُقِيمِ وَاحْتَجَّ من أَنْكَرَ الْمَسْحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا برؤوسكم ‏[‏برءوسكم‏]‏ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ من حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ فَقِرَاءَةُ النَّصْبِ تَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مُطْلَقًا عن الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَرْجُلَ مَعْطُوفَةً على الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَهِيَ مَغْسُولَةٌ فَكَذَا الْأَرْجُلُ وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ تَقْتَضِي وُجُوبَ الْمَسْحِ على الرِّجْلَيْنِ لَا على الْخُفَّيْنِ وَرُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما هل مَسَحَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على الْخُفَّيْنِ فقال وَاَللَّهِ ما مَسَحَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَلَأَنْ أَمْسَحَ على ظَهْرِ عِيرٍ في الْفَلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ من أَنْ أَمْسَحَ على الْخُفَّيْنِ وفي رواية‏:‏ قال لَأَنْ أَمْسَحَ على جِلْدِ حِمَارٍ إلَيَّ من أَنْ أَمْسَحَ على الْخُفَّيْن‏.‏ِ

وَلَنَا ما رُوِيَ عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال يَمْسَحُ الْمُقِيمُ على الْخُفَّيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ من الصَّحَابَةِ مِثْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَخُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَصَفْوَانَ بن عَسَّالٍ وَعَوْفِ بن مَالِكٍ وَأَبِي بن عُمَارَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ حتى قال أبو يُوسُفَ خَبَرُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بمثله وَرُوِيَ أَنَّهُ قال إنَّمَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إذَا وَرَدَتْ كَوُرُودِ الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ وَكَذَا الصَّحَابَةُ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا على جَوَازِ الْمَسْحِ قَوْلًا وَفِعْلًا حتى رُوِيَ عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قال أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا من الصَّحَابَةِ كلهم كَانُوا يَرَوْنَ الْمَسْحَ على الْخُفَّيْنِ وَلِهَذَا رَآهُ أبو حَنِيفَةَ من شَرَائِطِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فقال فيها أَنْ تُفَضِّلَ الشَّيْخَيْنِ وَتُحِبَّ الْخَتَنَيْنِ وَأَنْ تَرَى الْمَسْحَ على الْخُفَّيْنِ وَأَنْ لَا تُحَرِّمَ نَبِيذَ التَّمْرِ يَعْنِي الْمُثَلَّثَ‏.‏

وَرُوِيَ عنه أَنَّهُ قال ما قلت بِالْمَسْحِ حتى جَاءَنِي فيه مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ فَكَانَ الْجُحُودُ رَدًّا على كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَنِسْبَةَ إيَّاهُمْ إلَى الْخَطَأِ فَكَانَ بِدْعَةً فَلِهَذَا قال الْكَرْخِيُّ أَخَافُ الْكُفْرَ على من لَا يَرَى الْمَسْحَ على الْخُفَّيْنِ وَرُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال لَوْلَا أَنَّ الْمَسْحَ لَا خُلْفَ فيه ما مَسَحْنَا وَدَلَّ قَوْلُهُ هذا أَنَّ خِلَافَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ لم تَخْتَلِفْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا أَنَّهُ مَسَحَ قبل نُزُولِ الْمَائِدَةِ أو بَعْدَهَا وَلَنَا في رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حتى قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حدثني سَبْعُونَ رَجُلًا من أَصْحَابِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ وَرُوِيَ عن عَائِشَةَ وَالْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي اللَّهُ عنهما أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بَعْدَ الْمَائِدَةِ وَرُوِيَ عن جَرِيرِ بن عبد اللَّهِ الْبَجَلِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ على الْخُفَّيْنِ فَقِيلَ له في ذلك فقال رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ ومسح على الْخُفَّيْنِ فَقِيلَ له أَكَانَ ذلك بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ فقال وَهَلْ أَسْلَمْتُ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قُرِئَتْ بِقِرَاءَتَيْنِ فَنَعْمَلُ بِهِمَا في حالتين ‏[‏حالين‏]‏ فَنَقُولُ وَظِيفَتُهُمَا الْغَسْلُ إذَا كَانَتَا بَادِيَتَيْنِ وَالْمَسْحُ إذَا كَانَتَا مَسْتُورَتَيْنِ بِالْخُفِّ عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ مَسَحَ على خُفِّهِ أنه مَسَحَ على رِجْلِهِ كما يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ضَرَبَ على رِجْلِهِ وَإِنْ ضَرَبَ على خُفِّهِ وَالرِّوَايَةُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ لم تَصِحَّ لِمَا رَوَيْنَا عن أبي حَنِيفَةَ وَلِأَنَّ مَدَارَهُ على عِكْرِمَةَ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتْ رِوَايَتُهُ عَطَاءً قال كَذَبَ عِكْرِمَةُ وَرَوَى عنه عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ أَنَّهُ مَسَحَ على خُفَّيْهِ فَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ خِلَافَ ابْنِ عَبَّاسٍ لم يَثْبُتْ وَرُوِيَ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال كان ابن عَبَّاسٍ يُخَالِفُ الناس في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ فلم يَمُتْ حتى تَابَعَهُمْ وَأَمَّا الْكَلَامُ مع مَالِكٍ فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَسْحَ شُرِعَ تَرَفُّهًا وَدَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ فَيَخْتَصُّ شَرْعِيَّتُهُ بِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ وهو السَّفَرُ‏.‏

وَلَنَا ما رَوَيْنَا من الحديث الْمَشْهُورِ وهو قَوْلُهُ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ على الْخُفَّيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وما ذُكِرَ من الِاعْتِبَارِ غَيْرُ ديد ‏[‏سديد‏]‏ لِأَنَّ الْمُقِيمَ يَحْتَاجُ إلَى التَّرَفُّهِ وَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ إلَّا أن حَاجَةَ الْمُسَافِرِ إلَى ذلك أَشَدُّ فَزِيدَتْ مُدَّتُهُ لِزِيَادَةِ التَّرْفِيهِ وَالله الموفق‏.‏

مبحث في بَيَانِ مُدَّةِ الْمَسْحِ

وَأَمَّا بَيَانُ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في أَنَّ الْمَسْحَ على الْخُفَّيْنِ هل هو مُقَدَّرٌ بِمُدَّةٍ قال عَامَّتُهُمْ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمُدَّةٍ في حَقِّ الْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وفي حَقِّ الْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وقال مَالِكٌ أنه غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كما ‏[‏كم‏]‏ شَاءَ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بين الصَّحَابَةِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ رُوِيَ عن عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعْدٍ بن أبي وَقَّاصٍ وَجَابِرِ بن سَمُرَةَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ‏.‏

وَعَنْ أبي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدٍ بن ثَابِتٍ وَسَعِيدٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ بَلَغَ بِالْمَسْحِ سَبْعًا، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه سَأَلَ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ وقد قَدِمَ من الشَّامِ مَتَى عَهْدُكَ بِالْمَسْحِ قال سَبْعًا فقال عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه أَصَبْتَ السُّنَّةَ‏.‏

ولنا الحديث المشهور وما روي أنه مسح وَبَلَغَ بِالْمَسْحِ سَبْعًا فَهُوَ غَرِيبٌ فَلَا يُتْرَكُ بِهِ الْمَشْهُورُ مع أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عليها أَنَّهُ بَلَغَ بِالْمَسْحِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ احْتَاجَ إلَى الْمَسْحِ سَبْعًا في مُدَّةِ الْمَسْحِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَقَدْ رَوَى جَابِرُ الْجُعْفِيُّ عن عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قال لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وهو مُوَافِقٌ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ من قَوْلِهِ مَتَى عَهْدُكَ بِلُبْسِ الْخُفِّ ابْتِدَاءَ اللُّبْسِ أَيْ مَتَى عَهْدُكَ بابتِدَاءِ اللُّبْسِ وَإِنْ كان تَخَلَّلَ بين ذلك نَزْعُ الْخُفِّ

ثُمَّ اُخْتُلِفَ في اعْتِبَارِ مُدَّةِ الْمَسْحِ أَنَّهُ من أَيِّ وَقْتٍ يُعْتَبَرُ فقال عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يُعْتَبَرُ من وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ فَيَمْسَحُ من وَقْتِ الْحَدَثِ إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ‏.‏

وقال بَعْضُهُمْ يُعْتَبَرُ من وَقْتِ اللُّبْسِ فَيَمْسَحُ من وَقْتِ اللُّبْسِ إلَى وَقْتِ اللُّبْسِ وقال بَعْضُهُمْ يُعْتَبَرُ من وَقْتِ الْمَسْحِ فَيَمْسَحُ من وَقْتِ الْمَسْحِ إلَى وَقْتِ الْمَسْحِ حتى ولو تَوَضَّأَ بعدما انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ على خُفَّيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَعَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ يَمْسَحُ إلَى ما بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ من الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كان مُقِيمًا وَإِنْ كان مُسَافِرًا يَمْسَحُ إلَى ما بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ من الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَعَلَى قَوْلِ من اعْتَبَرَ وَقْتَ اللُّبْسِ يَمْسَحُ إلَى ما بَعْدِ انْفِجَارِ الصُّبْحِ من الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كان مُقِيمًا وَإِنْ كان مُسَافِرًا إلَى ما بَعْدِ انْفِجَارِ الصُّبْحِ من الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَعَلَى قَوْلِ من اعْتَبَرَ وَقْتَ الْمَسْحِ يَمْسَحُ إلَى ما بَعْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ من الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كان مُقِيمًا وَإِنْ كان مُسَافِرًا يَمْسَحُ إلَى ما بَعْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ من الْيَوْمِ الرَّابِعِ‏.‏

وَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ لِأَنَّ الْخُفَّ جُعِلَ مَانِعًا من سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَعْنَى الْمَنْعِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ من هذا الْوَقْتِ لِأَنَّ هذه الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ تَوْسِعَةً وتيسير ‏[‏وتيسيرا‏]‏ لِتَعَذُّرِ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ في كل زَمَانٍ وَالْحَاجَةُ إلَى التَّوْسِعَةِ عِنْدَ الْحَدَثِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّزْعِ عِنْدَهُ، وَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وهو مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ لَا تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ مَسْحِ السَّفَرِ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ لَمَّا تَمَّتْ سَرَى الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ صَارَ الْخُفُّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ لَا مَانِعًا وَلَيْسَ هذا عَمَلَ الْخُفِّ في الشَّرْعِ وَإِنْ سَافَرَ قبل أَنْ يَسْتَكْمِلَ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فَإِنْ سَافَرَ قبل الْحَدَثِ أو بَعْدَ الْحَدَثِ قبل الْمَسْحِ تَحَوَّلَتْ مُدَّتُهُ مُدَّةِ السَّفَرِ من وَقْتِ الْحَدَثِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ الْمَسْحِ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَتَحَوَّلُ وَلَكِنَّهُ يَمْسَحُ تَمَامَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَيَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يبتدىء مُدَّةَ السَّفَرِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ولم يُفصل وَلَنَا قَوْلُهُ وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَهَذَا مُسَافِرٌ وَلَا حُجَّةَ له في صَدْرِ الحديث لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُقِيمَ وقد بَطَلَتْ الْإِقَامَةُ بِالسَّفَرِ هذا إذَا كان مُقِيمًا فَسَافَرَ وَأَمَّا إذَا كان مُسَافِرًا فَأَقَامَ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ السَّفَرِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَقَامَ قبل أَنْ يَسْتَكْمِلَ مُدَّةَ السَّفَرِ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أو أَكْثَرَ فَكَذَلِكَ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ لو مَسَحَ لَمَسَحَ وهو مُقِيمٌ أَكْثَرَ من يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَقَامَ قبل تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِأَنَّ أَكْثَرَ ما في الْباب أَنَّهُ مُقِيمٌ فَيُتِمُّ مُدَّةَ الْمُقِيمِ‏.‏

ما ذَكَرْنَا من تَقْدِيرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ في حَقِّ الْمُقِيمِ وَبِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا في حَقِّ الْمُسَافِرِ في حَقِّ الْأَصِحَّاءِ فَأَمَّا في حَقِّ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَصَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَمَنْ بِمِثْلِ حَالِهِمَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ زُفَرَ أما عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ فَيَخْتَلِفُ الْجَوَابُ إلَّا في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيَانُ ذلك أَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ إذَا تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَهَذَا على أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ كان الدَّمُ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ وَأَمَّا إنْ كان سَائِلًا في الْحَالَيْنِ جميعا وَأَمَّا إنْ كان مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْوُضُوءِ سَائِلًا وَقْتَ اللُّبْسِ وَأَمَّا إنْ كان سَائِلًا وَقْتَ الْوُضُوءِ مُنْقَطِعًا وَقْتَ اللُّبْسِ فَإِنْ كان مُنْقَطِعًا في الْحَالَيْنِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَصِحَّاءِ لِأَنَّ السَّيَلَانَ وُجِدَ عَقِيبَ اللُّبْسِ فَكَانَ اللُّبْسُ على طَهَارَةٍ املة ‏[‏كاملة‏]‏ فَمَنَعَ الْخُفُّ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمَيْنِ ما دَامَتْ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً وَأَمَّا في الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ فإنه يَمْسَحُ ما دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا فإذا خَرَجَ الْوَقْتُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَسْتَكْمِلُ مُدَّةَ الْمَسْحِ كَالصَّحِيحِ وَجْهُ قَوْلِهِ إن طَهَارَةَ صَاحِبِ الْعُذْرِ طَهَارَةٌ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا لِأَنَّ السَّيَلَانَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بها فَحَصَلَ اللُّبْسُ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَأُلْحِقَتْ بِطَهَارَةِ الْأَصِحَّاءِ وَلَنَا أَنَّ السَّيَلَانَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ في الْوَقْتِ بِدَلِيلِ أَنَّ طَهَارَتَهُ تُنْتَقَضُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَإِنْ لم يُوجَدْ الْحَدَثُ فإذا مَضَى الْوَقْتُ صَارَ مُحْدِثًا من وَقْتِ السَّيَلَانِ وَالسَّيَلَانُ كان سَابِقًا على لُبْسِ الْخُفِّ وَمُقَارِنًا له فَتَبَيَّنَ أَنَّ اللُّبْسَ حَصَلَ لَا على الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْفصل الْأَوَّلِ لِأَنَّ السَّيَلَانَ ثَمَّةَ وُجِدَ عَقِيبَ اللُّبْسِ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عن طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَأَمَّا شَرَائِطُ جَوَازِ الْمَسْحِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَاسِحِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَمْسُوحِ أَمَّا الذي يَرْجِعُ إلَى الْمَاسِحِ أَنْوَاعٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ لَابِسُ لخفين ‏[‏الخفين‏]‏ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ عِنْدَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ اللُّبْسِ وَلَا أَنْ يَكُونَ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَصْلًا وَرَأْسًا وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا‏.‏

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ اللُّبْسِ وَبَيَانُ ذلك أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَتَمَّ الْوُضُوءَ قبل أَنْ يُحْدِثَ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ له أَنْ يَمْسَحَ على الْخُفَّيْنِ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ هو لُبْسُ الْخُفَّيْنِ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ وَقْتَ اللُّبْسِ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فَكَانَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مُقَدَّمًا على الْأَعْضَاءِ الْأُخَرِ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فلم تُوجَدْ الطَّهَارَةُ وَقْتَ اللُّبْسِ وَكَذَلِكَ لو تَوَضَّأَ فَرَتَّبَ لَكِنَّهُ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ الْخُفَّ قِيلَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ وَإِنْ وُجِدَ التَّرْتِيبُ في هذه الصُّورَةِ لَكِنَّهُ لم يُوجَدْ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ لُبْسِهِمَا حتى لو نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ لَبِسَهُ جَازَ الْمَسْحُ لِحُصُولِ اللُّبْسِ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ‏.‏

وَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ شُرِعَ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ وَالْحَاجَةُ إلَى الْمَسْحِ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ وَقْتَ لحدث ‏[‏الحدث‏]‏ بَعْدَ اللُّبْسِ أما عِنْدَ الْحَدَثِ قبل اللُّبْسِ فَلَا حَاجَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْغَسْلُ وَكَذَا لَا حَاجَةَ عد اللُّبْسِ قبل الْحَدَثِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فَكَانَ الشَّرْطُ كَمَالَ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وقد وُجِدَ وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وهو مُحْدِثٌ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَخَاضَ الْمَاءَ حتى أَصَابَ الْمَاءُ رِجْلَيْهِ في دَاخِلِ الْخُفِّ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ له الْمَسْحُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ وهو كَمَالُ الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وهو كَمَالُ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ‏.‏

وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وهو مُحْدِثٌ ثُمَّ أَحْدَثَ قبل أَنْ يُتِمَّ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَمَّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَنَا فَلِانْعِدَامِ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِانْعِدَامِهَا عِنْدَ اللُّبْسِ وَلَوْ أَرَادَ الطَّاهِرُ أَنْ يَبُولَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَالَ جَازَ له الْمَسْحُ لِأَنَّهُ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَسُئِلَ أبو حَنِيفَةَ عن هذا فقال لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فَقِيهٌ وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ على طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ نَزَعَ خُفَّيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ على التَّيَمُّمِ إذْ رُؤْيَةُ الْمَاءِ لَا تُعْقَلُ حَدَثًا إلا أنه امْتَنَعَ ظُهُورُ حُكْمِهِ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ فَعِنْدَ وُجُودِهِ ظَهَرَ حُكْمُهُ في الْقَدَمَيْنِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ لَجَعَلْنَا الْخُفَّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ‏.‏

وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ على طَهَارَةِ نَبِيذِ التَّمْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنْ لم يَجِدْ مَاءً مُطْلَقًا تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمَسَحَ على خُفَّيْهِ لِأَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَإِنْ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا نَزَعَ خُفَّيْهِ وَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ ليس بِطَهُورٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَكَذَلِكَ لو تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمَّمَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ولم يَتَيَمَّمْ حتى أَحْدَثَ جَازَ له أَنْ يَتَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَيَمْسَحُ على خُفَّيْهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي لِأَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ إنْ كان طَهُورًا فَالتَّيَمُّمُ فضل ‏[‏أفضل‏]‏ وَإِنْ كان الطَّهُورُ هو التُّرَابُ فَالْقَدَمُ لَا حَظَّ لها من التَّيَمُّمِ‏.‏

وَلَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ على جَبَائِرِ قَدَمَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ أو كانت إحْدَى رِجْلَيْهِ صَحِيحَةً فَغَسَلَهَا وَمَسَحَ على جَبَائِرِ الْأُخْرَى وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنْ لم يَكُنْ بَرَأَ الْجُرْحُ مَسَحَ على الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ على الْجَبَائِرِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا فَحَصَلَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ كما لو أَدْخَلَهُمَا مَغْسُولَتَيْنِ حَقِيقَةً في الْخُفِّ وَإِنْ كان بَرَأَ الْجُرْحُ نَزَعَ خُفَّيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَظَهَرَ أَنَّ اللُّبْسَ حَصَلَ لَا على طَهَارَةٍ وَعَلَى هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ في الزِّيَادَاتِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ خَفِيفًا فَإِنْ كان غَلِيظًا وهو الْجَنَابَةُ فَلَا يَجُوزُ فيها الْمَسْحُ لِمَا رُوِيَ عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ أَنَّهُ قال كان يَأْمُرُنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا كنا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا لَا عن جَنَابَةٍ لَكِنْ من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ وَلِأَنَّ الْجَوَازَ في الْحَدَثِ الْخَفِيفِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَيَغْلِبُ وُجُودُهُ فَيَلْحَقُهُ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ في نَزْعِ الْخُفِّ وَالْجَنَابَةُ لَا يَغْلِبُ وُجُودُهَا فَلَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ في النَّزْعِ وأما الذي يَرْجِعُ إلَى الْمَمْسُوحِ فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ خُفًّا يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ وما يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ يَنْطَلِقُ عليه اسْمُ الْخُفِّ وَكَذَا ما يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ من الْجِلْدِ مِمَّا سِوَى الْخُفِّ كَالْمُكَعَّبِ الْكَبِيرِ وَالْمِيثَمِ لِأَنَّهُ في مَعْنَى الْخُفِّ‏.‏

مبحث الْمَسْحِ على الْجَوَارِبِ

وَأَمَّا الْمَسْحُ على الْجَوْرَبَيْنِ فَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ أو مُنَعَّلَيْنِ يُجْزِيهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَإِنْ لم يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ وَلَا مُنَعَّلَيْنِ فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ يَشِفَّانِ الْمَاءَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ‏.‏

وَرُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا في آخِرِ عُمُرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ على جَوْرَبَيْهِ في مَرَضِهِ ثُمَّ قال لِعُوَّادِهِ فَعَلْتُ ما كُنْت أَمْنَعُ الناس عنه فَاسْتَدَلُّوا بِهِ على رُجُوعِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ على الْجَوَارِبِ وَإِنْ كانت مُنَعَّلَةً إلَّا إذَا كانت مُجَلَّدَةً إلَى الْكَعْبَيْنِ احْتَجَّ أبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ على الْجَوْرَبَيْنِ وَلِأَنَّ الْجَوَازَ في الْخُفِّ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لِمَا يَلْحَقُهُ من الْمَشَقَّةِ بِالنَّزْعِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ في الْجَوْرَبِ بِخِلَافِ اللِّفَافَةِ وَالْمُكَعَّبِ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ في نَزْعِهِمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَكُلُّ ما كان في مَعْنَى الْخُفِّ في إدْمَانِ الْمَشْيِ عليه وَإِمْكَانِ قَطْعِ السَّفَرِ بِهِ يَلْحَقُ بِهِ وما لَا فَلَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ غير الْمُجَلَّدِ وَالْمُنَعَّلِ من الْجَوَارِبِ لَا يُشَارِكُ الْخُفَّ في هذا الْمَعْنَى فَتَعَذَّرَ الْإِلْحَاقُ على أَنَّ شَرْعَ الْمَسْحِ أن ثَبَتَ لِلتَّرْفِيهِ لَكِنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّرْفِيهِ فِيمَا يَغْلِبُ لُبْسُهُ وَلُبْسُ الْجَوَارِبِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ فَلَا حَاجَةَ فيها إلَى التَّرْفِيهِ فَبَقِيَ أَصْلُ الْوَاجِبِ بِالْكِتَابِ وهو غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا كَانَا مُجَلَّدَيْنِ أو مُنَعَّلَيْنِ وَبِهِ نَقُولُ وَلَا عُمُومَ له لِأَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لم يَتَنَاوَلْ الرَّقِيقَ من الْجَوَارِبِ وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُتَّخَذُ من اللَّبَدِ فلم يَذْكُرُهُ في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ إنَّهُ على التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ الذي ذَكَرْنَا وَقِيلَ إنْ كان يُطِيقُ السَّفَرَ جَازَ الْمَسْحُ عليه وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هو الْأَصَحُّ وَأَمَّا الْمَسْحُ على الْجُرْمُوقَيْنِ من الْجِلْدِ فَإِنْ لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفَّيْنِ جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ وَحْدَهُ قِيلَ إنَّهُ على هذا الْخِلَافِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه بِالْإِجْمَاعِ وَجْهُ قَوْلِهِ إن الْمَسْحَ على الْخُفِّ بَدَلٌ عن الْغَسْلِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ على الجرموقن ‏[‏الجرموقين‏]‏ لَجَعَلْنَا لِلْبَدَلِ بَدَلًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ‏.‏

وَلَنَا ما رُوِيَ عن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال رَأَيْت النبي صلى الله عليه وسلم مَسَحَ على لْجُرْمُوقَيْنِ وَلِأَنَّ الْجُرْمُوقَ يُشَارِكُ الْخُفَّ في إمْكَانِ قَطْعِ السَّفَرِ بِهِ فَيُشَارِكُهُ في جَوَازِ الْمَسْحِ عليه وَلِهَذَا شَارَكَهُ في حَالَةِ الِانْفِرَادِ وَلِأَنَّ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ بِمَنْزِلَةِ خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَذَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه فَكَذَا هذا وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ عليه بَدَلٌ عن الْمَسْحِ على الْخُفِّ مَمْنُوعٌ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ عن الْغَسْلِ قَائِمٌ مَقَامَهُ إلَّا أنه إذَا نَزَعَ الجرموقي ‏[‏الجرموق‏]‏ لَا يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لِوُجُودِ شَيْءٍ آخَرَ هو بَدَلٌ عن الْغَسْلِ قَائِمٌ مَقَامَهُ وهو الْخُفُّ ثُمَّ إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ على الْجُرْمُوقَيْنِ عِنْدَنَا إذَا لَبِسَهُمَا على الْخُفَّيْنِ قبل أَنْ يُحْدِثَ فَإِنْ أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ مَسَحَ على الْخُفَّيْنِ أو لَا أَمَّا إذَا مَسَحَ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ اسْتَقَرَّ على الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا إذَا لم يَمْسَحْ فَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ من وَقْتِ الْحَدَثِ وقد انْعَقَدَ في الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذلك وَلِأَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ على الْجُرْمُوقِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ لِتَعَذُّرِ النَّزْعِ وَهُنَا لَا حَاجَةَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عليه الْمَسْحُ على الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لُبْسُ الْجُرْمُوقِ فلم يَجُزْ وَلِهَذَا لم يَجُزْ الْمَسْحُ على الْخُفَّيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا على الْحَدَثِ كَذَا هذا وَلَوْ مَسَحَ على الْجُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا مَسَحَ على الْخُفِّ الْبَادِي وَأَعَادَ الْمَسْحَ على الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي في ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ‏.‏

وقال الْحَسَنُ بن زِيَادٍ وَزُفَرُ يَمْسَحُ على الْخُفِّ الْبَادِي وَلَا يُعِيدُ الْمَسْحَ على الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْزِعُ الْجُرْمُوقَ الْبَاقِي وَيَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ أبو يُوسُفَ اعْتَبَرَ الْجُرْمُوقَ بِالْخُفِّ وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ يَنْزِعُ الْآخَرَ وَيَغْسِلُ الْقَدَمَيْنِ كَذَا هذا وَجْهُ قَوْلِ الْحَسَنِ وَزُفَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بين الْمَسْحِ على الْجُرْمُوقِ وَبَيْنَ الْمَسْحِ على الْخُفِّ ابْتِدَاءً بِأَنْ كان على أَحَدِ الْخُفَّيْنِ جُرْمُوقٌ دُونَ الْآخَرِ فَكَذَا بَقَاءٌ وإذا بَقِيَ الْمَسْحُ على الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ في حُكْمِ الطَّهَارَةِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ لَا يَحْتَمِلُ التجزىء ‏[‏التجزيء‏]‏ فإذا اُنْتُقِضَتْ الطَّهَارَةُ في إحْدَاهُمَا بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ تُنْتَقَضُ في الْأُخْرَى ضَرُورَةً كما إذَا نَزَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ على الْقُفَّازَيْنِ وَهُمَا لِبَاسَا الْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ شُرِعَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ لِتَعَذُّرِ النَّزْعِ وَلَا حَرَجَ في نَزْعِ الْقُفَّازَيْنِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ بِالْخُفِّ خَرْقٌ كَثِيرٌ فَأَمَّا الْيَسِيرُ فَلَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وهو اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وهو قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ‏.‏

وقال مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْخَرْقُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْمَسْحِ قَلَّ أو كَثُرَ بَعْدَ أَنْ كان يَنْطَلِقُ عليه اسْمُ الْخُفِّ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ فما دَامَ اسْمُ الْخُفِّ له بَاقِيًا يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ شَيْءٌ من الْقَدَمِ وَإِنْ قَلَّ وَجَبَ غَسْلُهُ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِتَارِ بِالْخُفِّ وَالرِّجْلُ في حَقِّ الْغَسْلِ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ فإذا وَجَبَ غَسْلُ بَعْضِهَا وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ بِالْمَسْحِ مع عِلْمِهِ بِأَنَّ خِفَافَهُمْ لَا تَخْلُو عن قَلِيلِ الْخُرُوقِ فَكَانَ هذا منه بَيَانًا أَنَّ الْقَلِيلَ من الْخُرُوقِ لَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْلِ تَرَفُّهًا فَلَوْ مَنَعَ قَلِيلَ الِانْكِشَافِ لم يَحْصُلْ التَّرْفِيهُ لِوُجُودِهِ في أَغْلَبِ الْخِفَافِ وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بين الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ هو قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَإِنْ كان الْخَرْقُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنَعَ وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ أَصَابِعُ الْيَدِ أو ‏[‏وأصابع‏]‏ أصابع الرِّجْلِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ في الزِّيَادَاتِ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ من أَصْغَرِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَرَوَى الْحَسَنُ عن أبي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ من أَصَابِعِ الْيَدِ وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالثَّلَاثِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هذا الْقَدْرَ إذَا انْكَشَفَ مَنَعَ من قَطْعِ الْأَسْفَارِ وَالثَّانِي أَنَّ الثَّلَاثَ أَصَابِعَ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ ثُمَّ الْخَرْقُ الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَتِحًا بِحَيْثُ يَظْهَرُ ما تَحْتَهُ من الْقَدَمِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أو يَكُونَ مُنْضَمًّا لَكِنَّهُ يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ فَأَمَّا إذَا كان مُنْضَمًّا لَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ فإنه لَا يَمْنَعُ وَإِنْ كان أَكْثَرَ من ثَلَاثِ أَصَابِع‏.‏

كَذَا رَوَى الْمُعَلَّى عن أبي يُوسُفَ عن أبي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا كان كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كان مُنْفَتِحًا أو يَنْفَتِحُ عِنْدَ الْمَشْيِ لَا يُمْكِنُ قَطْعُ السَّفَرِ بِهِ وإذا لم يُمْكِنْ يَمْنَعُ وَسَوَاءٌ كان الْخَرْقُ في ظَاهِرِ الْخُفِّ أو في بَاطِنِهِ أو من نَاحِيَةِ الْعَقِبِ بَعْدَ أَنْ كان أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ بَدَا ثَلَاثٌ من أَنَامِلِهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فيه قال بَعْضُهُمْ لَا يَمْنَعُ وقال بَعْضُهُمْ يَمْنَعُ وهو الصَّحِيحُ وَلَوْ انكشف ‏[‏انكشفت‏]‏ الظِّهَارَةُ وفي دَاخِلِهِ بِطَانَةٌ من جِلْدٍ ولم يَظْهَرْ الْقَدَمُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه هذا إذَا كان الْخَرْقُ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كان في مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ يُنْظَرُ إنْ كان في خُفٍّ وَاحِدٍ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَإِنْ بَلَغَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ يَمْنَعُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كان في خُفَّيْنِ لَا يُجْمَعُ وَقَالُوا في النَّجَاسَةِ إنْ كانت على الْخُفَّيْنِ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فإذا زَادَتْ على قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَتْ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَرْقَ إنَّمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْمَسْحَ لِظُهُورِ مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ فإذا كان مُتَفَرِّقًا فلم يَظْهَرْ مِقْدَارُ فَرْضِ الْمَسْحِ من كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْمَانِعُ من جَوَازِ الصَّلَاةِ في النَّجَاسَةِ هو كَوْنُهُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَمَعْنَى الْحَمْلِ مُتَحَقِّقٌ سَوَاءٌ كان في خُفٍّ وَاحِدٍ أو في خُفَّيْنِ وَمِنْهَا أَنْ يَمْسَحَ على ظَاهِرِ الْخُفِّ حتى لو مَسَحَ على بَاطِنِهِ لَا يَجُوزُ وهو قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَنَسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَنْهُ أَنَّهُ لو اقْتَصَرَ على الْبَاطِنِ لَا يَجُوزُ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا الْجَمْعُ بين الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ في الْمَسْحِ إلَّا إذَا كان على بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ وَحَكَى إبْرَاهِيمُ بن جَابِرٍ في كِتَابِ الِاخْتِلَافِ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الِاقْتِصَارَ على أَسْفَلِ الْخُفِّ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لو مَسَحَ على الْعَقِبِ أو على جَانِبِيِّ الْخُفِّ أو على السَّاقِ لَا يَجُوزُ وَالْأَصْلُ فيه ما رُوِيَ عن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ على ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ‏.‏

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال لو كان الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ من ظَاهِرِهِ وَلَكِنِّي رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ على ظَاهِرِ خُفَّيْهِ دُونَ بَاطِنِهِمَا وَلِأَنَّ بَاطِنَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو عن لَوْثٍ عَادَةً فَالْمَسْحُ عليه يَكُونُ تَلْوِيثًا لِلْيَدِ وَلِأَنَّ فيه بَعْضَ الْحَرَجِ وما شُرِعَ الْمَسْحُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ كما لَا تُشْتَرَطُ في مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ليس بِبَدَلٍ عن الْغَسْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ مع الْقُدْرَةِ على الْغَسْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَكَذَا فِعْلُ الْمَسْحِ ليس بِشَرْطٍ أيضا لِجَوَازِهِ بِدُونِهِ أَيْضًا بَلْ الشَّرْطُ إصَابَةُ الْمَاءِ حتى لو خَاضَ الْمَاءَ أو أَصَابَهُ الْمَطَرُ جَازَ عن الْمَسْحِ وَلَوْ مَرَّ بِحَشِيشٍ مُبْتَلٍّ فَأَصَابَ الْبَلَلُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ إنْ كان بَلَلَ الْمَاءِ أو الْمَطَرِ جَازَ وَإِنْ كان بَلَلَ الطَّلِّ قِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الطَّلَّ ليس بِمَاءٍ‏.‏

مبحث مقدار المسح

وَأَمَّا مِقْدَارُ الْمَسْحِ فَالْمِقْدَارُ الْمَفْرُوضُ هو مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ طُولًا وَعَرْضًا مَمْدُودًا أو مَوْضُوعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمَفْرُوضُ هو أَدْنَى ما يَنْطَلِقُ عليه اسْمُ الْمَسْحِ كما قال في مَسْحِ الرَّأْسِ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَيْنِ وَمَدَّهُمَا حتى بَلَغَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كما في مَسْحِ الرَّأْسِ وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ وَلَا مَمْدُودَةٍ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بين أَصْحَابِنَا وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَعَادَهَا في كل مَرَّةٍ إلَى الْمَاءِ يَجُوزُ كما في مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ الْكَرْخِيُّ اعْتَبَرَ التَّقْدِيرَ فيه بِأَصَابِعِ الرِّجْلِ فإنه ذَكَرَ في مُخْتَصَرِهِ إذَا مَسَحَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ من أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَجْزَأَهُ فَاعْتُبِرَ الْمَمْسُوحُ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عليه وَذَكَرَ ابن رُسْتُمَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لو وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَضْعًا أَجْزَأَهُ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ التَّقْدِيرَ فيه بِأَصَابِعِ الْيَدِ وهو الصَّحِيحُ لِمَا رُوِيَ في حديث عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال في آخِرِهِ لَكِنِّي رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ على ظَاهِرِ خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْمَسْحِ أَنَّهُ الْخُطُوطُ بِالْأَصَابِعِ وَالْأَصَابِعُ اسْمُ جَمْعٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ فَكَانَ هذا تَقْدِيرًا لِلْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِهِ بِيَقِينٍ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مَحْسُوسٌ فَأَمَّا أَصَابِعُ الرِّجْلِ فَمُسْتَتِرَةٌ بِالْخُفِّ فَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهَا إلَّا بالحزر ‏[‏بالحرز‏]‏ وَالظَّنِّ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِأَصَابِعِ الْيَدِ أَوْلَى‏.‏

مبحث نَوَاقِضِ الْمَسْحِ

وَأَمَّا بَيَانُ ما يَنْقُضُ الْمَسْحَ وَبَيَانُ حُكْمِهِ إذَا انْتَقَضَ فَالْمَسْحُ يُنْتَقَضُ بِأَشْيَاءَ منها انْقِضَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ في حَقِّ الْمُقِيمِ وفي حَقِّ الْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُوَقَّتَ إلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي عِنْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ فإذا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي إنْ كان مُحْدِثًا وَإِنْ لم يَكُنْ مُحْدِثًا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ لَا غَيْرُ وَيُصَلِّي وَمِنْهَا نَزْعُ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّهُ إذَا نَزَعَهُمَا فَقَدْ سَرَى الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ إنْ كان مُحْدِثًا يَتَوَضَّأُ بِكَمَالِهِ وَيُصَلِّي وَإِنْ لم يَكُنْ مُحْدِثًا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ لَا غَيْرُ وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ في قَوْلٍ مِثْلُ قَوْلِنَا وفي قَوْلٍ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ وَجْهُهُ أَنَّ الْحَدَثَ قد حَلَّ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ وَالْحَدَثُ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَتَعَدَّى إلَى الْبَاقِي‏.‏

وَلَنَا أَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ هو الذي حَلَّ بِقَدَمَيْهِ وقد غَسَلَ بَعْدَهُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَبَقِيَتْ الْقَدَمَانِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ عليه إلَّا غَسْلُهُمَا وهو مَذْهَبُ عبد اللَّهِ بن عُمَرَ وَكَذَلِكَ إذَا نَزَعَ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ يُنْتَقَضُ مَسْحُهُ في الْخُفَّيْنِ وَعَلَيْهِ نَزْعُ الْبَاقِي وَغَسْلُهُمَا لَا غَيْرُ إنْ لم يَكُنْ مُحْدِثًا وَالْوُضُوءُ بِكَمَالِهِ إنْ كان مُحْدِثًا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ في قَوْلٍ مِثْلُ قَوْلِنَا وفي قَوْلٍ لَا شَيْءَ عليه إذْ لَا يُعْقَلُ حَدَثًا وفي قَوْلٍ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ وَجْهُ هذا الْقَوْلِ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ فَحُلُولُهُ بِالْبَعْضِ كَحُلُولِهِ بِالْكُلِّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الطَّهَارَةَ إذَا تَمَّتْ لَا تُنْتَقَضُ إلَّا بِالْحَدَثِ وَنَزْعُ الْخُفِّ لَا يُعْقَلُ حَدَثًا وَلَنَا أَنَّ الْمَانِعَ من سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ اسْتِتَارُهَا بِالْخُفِّ وقد زَالَ بِالنَّزْعِ فَسَرَى الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ جميعا لِأَنَّهُمَا في حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فإذا وَجَبَ غَسْلُ إحْدَاهُمَا وَجَبَ الْأُخْرَى وَلَوْ أَخْرَجَ الْقَدَمَ إلَى السَّاقِ اُنْتُقِضَ مَسْحُهُ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ إخْرَاجٌ لها من الْخُفِّ وَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ قَدَمِهِ أو خَرَجَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ رَوَى الْحَسَنُ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ الْعَقِبِ من الْخُفِّ اُنْتُقِضَ مَسْحُهُ وَإِلَّا فَلَا وَرُوِيَ عن أبي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ الْقَدَمِ من الْخُفِّ اُنْتُقِضَ وَإِلَّا فَلَا وَرُوِيَ عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ في الْخُفِّ مِقْدَارُ ما يَجُوزُ عليه الْمَسْحُ بَقِيَ الْمَسْحُ وَإِلَّا اُنْتُقِضَ وقال بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّهُ يَسْتَمْشِي فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ بَقِيَ الْمَسْحُ وَإِلَّا فَيُنْتَقَضُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أبي يُوسُفَ وهو اعْتِبَارُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ لِأَنَّ الْمَشْيَ يَتَعَذَّرُ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِمَادِ عليه لِأَنَّ الْمَقْصِدَ من لُبْسِ الْخُفِّ هو الْمَشْيُ فإذا تَعَذَّرَ الْمَشْيُ انْعَدَمَ اللُّبْسُ فِيمَا قُصِدَ له وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ‏.‏