فصل: مقتل خالد بن عبد الله القسري

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  وفاة هشام بن عبد الملك وبيعة الوليد بن يزيد

توفـي هشـام بـن عبـد الملـك بالرصافـة فـي ربيـع الآخـر سنـة خمس وعشرين ومائة لعشرين سنة من خلافته وولى بعده الوليد ابن أخيه يزيد بعهد يزيد بذلك كما مر وكان الوليد متلاعباً وله مجون وشراب وندمان وأراد هشام خلعه فلم يمكنه‏.‏ وكان يضرب من يأخذه فـي صحبتـه فخرج الوليد في ناس من خاصته ومواليه وخلف كاتبه عياض بن مسلم ليكاتبه بالأحـوال فضربه هشام وحبسه‏.‏ ولم يزل الوليد مقيمًا بالبرية حتى مات هشام وجاءه مولى أبي محمد السفيانـي علـى البريـد بكتـاب سالـم بـن عبـد الرحمـن صاحـب ديـوان الرسائل بالخبر فسأل عن كاتبه عيـاض فقـال‏:‏ لـم يـزل محبوسًـا حتـى مـات هشـام فأرسـل إلـى الحـراق أن يحتفظـوا بمـا فـي أيديهـم حتى منعوا هشاماً من شيء طلبه‏.‏ ثم خرج بعد موته من الحبس وختم أبواب الخزائن‏.‏ ثم كتب الوليـد مـن وقتـه إلـى عمـه العبـاس بـن عبـد الملـك أن يأتـي الرصافـة فيحصـي مـا فيها من أموال هشام وولده وعماله وخدمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كان يراجع أباه بالرفق بالوليد فانتهى العباس لما أمـر بـه الوليـد‏.‏ ثـم استعمـل الوليـد العمـال وكتـب إلـى الآفـاق بأخذ البيعة‏.‏ فجاءته بيعتهم‏.‏ وكتب مروان ببيعتـه واستـأذن فـي القـدوم‏.‏ ثـم عقـد الوليـد مـن سنتـه لابنيـه‏:‏ الحكـم وعثمـان بعـده وجعلهمـا وليي عهده وكتب بذلك إلى العراق وخراسان‏.‏

  ولاية نصر للوليد علي خراسان

وكتـب الوليـد في سنته إلى نصر بن سيار بولاية خراسان وأفرده بها ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرًا وعماله فرد إليه الوليد خراسان‏.‏ وكتـب يوسـف إلـى نصـر بالقدوم ويحمل معه الهدايا والأموال وعياله جميعاً وكتب له الوليد بأن يتخذ له برابط وطنابير وأباريـق ذهـب وفضـة ويجمـع لـه البراذيـن الغرة ويجمع بذلك إليه في وجوه أهل خراسان واستحثه رسـول يوسـف فأجـازه‏.‏ ثـم سـار واستخلـف علـى خراسان عصمة بن عبد الله الأسدي وعلى شاس موسى بن ورقاء وعلى سمرقند حسان ابن من أهل الصغانيان وعلى آمد مقاتل بن علـي الصغـدي وأسـر إليهـم أن يداخلـوا التـرك في المسير إلى خراسان ليرجع إليهم‏.‏ وبينا هو في طريقـه إلـى العـراق ببيهـق لقيـه مولـى لبني ليث وأخبره بقتل الوليد والفتنة بالشام‏.‏ وأن منصور بن جمهور قدم العراق وهرب يوسف بن عمر فرجع الناس‏.‏

  مقتل يحيي بن زياد

كـان يحيـى بـن زيـاد سـار بعـد قتـل أبيـه وسكـون الطلب عنه كما مر فأقام عنه الحريش بن عمرو ومروان في بلخ‏.‏ ولما ولي الوليد كتب إلى نصر بأن يأخذه من عند الحريش فأحضر الحريش وطالبـه بيحيـى فأنكـر فضربـه ستمائة سوط فجاء ابنه قريش ودله على يحيى فحبسه‏.‏ وكتب إلى الوليد فأمره أن يخلي سبيله وسبيل أصحابه‏.‏ فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد فسار وأقام بسرخس فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عياد يخرجه عنها فأخرجه إلى بيهق وخـاف يحيـى بـن يوسـف بـن عمـر فسـار إلـى نيسابـور وبها عمر بن زرارة وكان مع يحيى سبعون رجلاً ولقوا دواب وأدركهم الإعياء فأخذوها بالثمن‏.‏ وكتب عمر بن زرارة بذلك إلى نصر فكتـب إليـه يأمـره بحربهـم‏.‏ فحاربهم في عشرة آلاف فهزموه وقتلوه ومروا بهراة فلم يعرضوا لها‏.‏ وسرح نصر بن سيار مسلم بن أحوز المازني إليهم فلحقهم بالجوزجان فقاتلهم قتالاً شديداً وأصيـب يحيـى بسهم في جبهته فمات‏.‏ وقتل أصحابه جميعاً وبعثوا برأسه إلى الوليد وصلب بالجـوزان‏.‏ وكتـب الوليـد إلـى يوسـف بـن عمـر بـأن يحـرق شلو زيد فأحرقه وذراه في الفرات‏.‏ ولم يزل يحيى مصلوباً بالجوزحان حتـى استولـى أبـو مسلـم علـى خراسـان فدفنـه ونظـر فـي الديـوان أسمـاء من حضر لقتله فمن كان حياً قتله ومن كان ميتاً خلفه في أهله بسوء‏.‏

  مقتل خالد بن عبد الله القسري

قد تقدم لنا ولاية يوسف بن عمر على العراق وأنه حبس خالداً أصحاب العراق وخراسان قبلـه فأقـام بحبسـه فـي الحيـرة ثمانيـة عشـر شهـراً مـع أخيـه إسماعيـل وابنه يزيد بن خالد والمنذر ابن أخيه أسد‏.‏ واستـأذن هشامـاً فـي عذابـه فـأذن لـه علـى أنـه إن هلـك قتـل يوسـف بـه فعذبـه‏.‏ ثـم أمـر هشام بإطلاقه سنة إحدى وعشرين فأتى إلى قرية بإزاء الرصافة فأقام بها حتى خرج زيد وقتل وانقضى أمره فسعى يوسف بخالد عند هشام بأنه الذي داخل زيداً في الخروج فرد هشـام سعايتـه ووبـخ رسولـه وقال‏:‏ لسنا نتهم خالداً في طاعة‏.‏ وسار خالد إلى الصائفة وأنزل أهله دمشق وعليها كلثوم بن عياض القشيري وكان يبغض خالدًا‏.‏ فظهـر فـي دمشـق حريـق فـي ليـال فكتـب كلثـوم إلـى هشـام بـأن موالـي خالـد يريـدون الوثـوب إلـى بيت المـال ويتطرقـون إلـى ذلـك بالحريـق كـل ليلـة فـي البلـد‏.‏ فكتـب إليـه هشـام بحبـس الكبيـر منهـم والصغيـر والموالي فحبسهم ثم على صاحب الحريق وأصحابه‏.‏ وكتب بهم الوليد بن عبد الرحمن عامل الخـراج ولـم يذكـر فيهم أحداً من آل خالد ومواليه فكتب هشام إلى كلثوم يوبخه ويأمره بإطلاق آل خالـد وتـرك الموالـي‏.‏ فشفـع فيهم خالد عند مقدمه من الصائفة فلما قدم دخل منزله وأذن للناس فاجتمعوا ببابه فوبخهم وقال‏:‏ إن هشاماً يسوقهن إلى الحبس كل يوم‏.‏ ثم قال‏:‏ خرجت غازياً سامعاً مطيعاً فحبس أهلي مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين‏.‏ ولم يغير ذلك أحد منكم أخفتم القتل أخافكم الله‏.‏ والله ليكفن عني هشام أن لأعودن إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأصل يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس‏.‏ وبلغ ذلك هشاماً فقال‏:‏ خرف أبو الهيثم‏.‏ ثم تتابعت كتب يوسف بن عمر إلى الشام بطلب يزيد بن خالد فأرسل إلى كلثوم بإنفاذه إليه فهرب يزيد فطلبه كلثوم من خالد وحبسه فيه ولما ولي الوليد بن يزيد استقدم خالداً وقال‏:‏ أين ابنك قال هرب من هشام وكنا نراه عندك حتـى استخلفـك اللـه فلم نره وطلبناه ببلاد قومه من الشراة فقال‏:‏ ولكن خلفته طلباً للفتنة فقال‏:‏ إنا أهل بيت طاعة‏.‏ فقال لتأتيني به أو لأرهقن نفسك‏.‏ فقال والله لوكان تحت قدمي ما رفعتهمـا عنـه‏.‏ فأمـر الوليـد بضربـه‏.‏ ولمـا قـدم يوسـف بـن عمـر مـن العـراق بالأموال اشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف‏.‏ فقال له الوليد إن يوسف يشتريك بكذا فاضمنها لي قبل أن أدفعك إليه‏.‏ فقـال مـا عهـدت العـرب تبـاع واللـه لو سألتني عوداً ما ضمنته‏.‏ فدفعه إلى يوسف فألبسه عباءة وحمله على غير وطاء وعذبه عذاباً شديداً وهو لا يكلمه‏.‏ ثم حمله إلى الكوفة فاشتد في عذابـه ثـم قتلـه ودفنـه فـي عبـاءة يقـال إنـه قتله بشيء وضعه على وجهه وقيل وضع على رجليه الأعواد وقام عليها الرجال حتى تكسرت قدماه‏.‏ وذلك في المحرم سنة ست وعشرين ومائة‏.‏

  مقتل الوليد وبيعة يزيد

ولما ولي الوليد لم يقلع عما كان عليه من الهوى والمجون حتى نسب إليه في ذلك كثير من الشنائع‏.‏ مثل رميه المصحف بالسهام حين استفتح فوقع على قوله‏:‏ وخاب كل جبار عنيد‏.‏ وينشدون له في ذلك بيتين تركتهما لشناعة مغزاهما‏.‏ ولقد ساءت القالة فيه كثيراً وكثير من النـاس نفـوا ذلـك عنـه وقالـوا‏:‏ إنهـا مـن شناعات الأعداء ألصقوها به‏.‏ قال المدائني دخل ابن الغمر بـن يزيـد علـى الرشيـد فسألـه‏:‏ ممـن أنـت‏.‏ فقـال‏:‏ من قريش‏.‏ قال‏:‏ من أيها فوجم‏.‏ فقال‏:‏ قل وأنت آمـن ولـو أنـك مـروان‏.‏ فقـال‏:‏ أنـا ابـن الغمـر بن يزيد‏.‏ فقال‏:‏ رحم الله الوليد ولعن يزيد الناقص فإنه قتل خليفةً مجمعاً عليه ارفع حوائجك فرفعها وقضاها‏.‏ وقال شبيب بن شبة كنا جلوساً عند المهدي فذكر الوليد فقال المهدي كان زنديقاً فقام ابن علانة الفقيه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقـاً لقـد أخبرني عنه من كان يشهده في ملاعبه وشربه ويراه في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المصببة المصبغة‏.‏ ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثيـاب بيـض نظيفـة فيلبسهـا ويشتغـل بربـه‏.‏ أتـرى هـذا فعـل مـن لا يؤمـن باللـه فقال المهدي‏:‏ بارك الله عليك يا ابن علانة وإنما كان الرجل محسوداً في خلاله ومزاحماً بكبار عشيرته بيته من بني عمومته مع لهو كان يصاحبه أوجد لهم به السبيل على نفسه‏.‏ وكـان مـن خلالـه قـرض الشعر الوثيق ونظم الكلام البليغ‏.‏ قال يوماً لهشام يعزيه في مسلمة أخيه‏:‏ إن عقبى من بقي لحوق من مضى وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فهوى‏.‏ وعلـى أثـر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى‏.‏ فأعرض هشام وسكت وأما حكاية مقتله فإنه لما تعرض له بنو عمه ونالوا من عرضه أخذ في مكافأتهم‏.‏ فضرب سليمان ابن عمه هشام مائة سوط وحلقه وغربه إلى معان من أرض الشام فحبسه إلى آخر دولته‏.‏ وحبس أخاه يزيد بن هشام وفرق بين ابن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الوليـد فرمـوه بالفسق والكفر واستباحة نساء أبيه‏.‏ وخوفوا بني أمية منه بأنة اتخذ ميتة جامعة لهـم وطعنـوا عليـه فـي توليـة ابنيـه الحكـم وعثمـان العهـد مـع صغرهمـا‏.‏ وكـان أشدهـم عليـه فـي ذلـك يزيد بن الوليد لأنه كان يتنسك فكان الناس إلى قوله أميل‏.‏ ثـم فسـدت اليمامـة عليـه بمـا كـان منه لخالد القسري‏.‏ وقالوا‏:‏ إنما حبسه ونكبه لامتناعه من بيعة ولديـه‏.‏ ثـم فسـدت عليـه قضاعـة وكـان اليمـن وقضاعة أكثر جند الشام‏.‏ واستعظموا منه ما كان من بيعة خالد ليوسف بن عمر وصنعوا على لسان الوليد قصيدة معيرة اليمنية بشأن خالد فـازداد واختفـى‏.‏ وأتـوا إلـى يزيـد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة‏.‏ وشاور عمر بن زيـد الحكمـي فقال‏:‏ شاور أخاك العباس وإلا فأظهر إنه قد يايعك فإن الناس له أطوع‏.‏ فشاور العباس فنهاه عن ذلك فلم ينته ودعا الناس سراً وكان بالبادية‏.‏ وبلغ الخبر مروان بأرمينية فكتـب إلـى سعيـد بـن عبـد الملـك يعظـم عليـه الأمر ويحذره الفتنة ويذكر له أمر يزيد فأعظم ذلك سعيد وبعث بالكتاب إلى العباس فتهدد أخاه يزيد فكتمه فصدقه‏.‏ دمشـق ليـلاً وقـد بايـع له أكثر أهلها سراً وأهل المزة‏.‏ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج فاستوياها فنزل قطنا واستخلف عليها ابنه محمداً‏.‏ وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي‏.‏ ونمي الخبر إليهما فكذباه وتواعد يزيد مـع أصحابـه بعـد المغـرب ببـاب الفراديس‏.‏ ثم دخلوا المسجد فصلوا العتمة ولما قضوا الصلاة جاء حرس المسجد لإخراجهم فوثبـوا عليهـم ومضـى يزيـد بـن عنبسـة إلـى يزيد بن الوليد فجاء به إلى المسجد في زهاء مائتين وخمسين وطرقوا باب المقصورة فأدخلهم الخادم فأخذوا أبا العاج وهو سكران وخزان بيت المال‏.‏ وبعـث عـن محمـد بن عبد الملك فأخذوه وأخذوا سلاحاً كثيراً كان بالمسجد وأصبح الناس من الغد من النواحي القريبة متسائلين للبيعة أهل المزة والسكاسك وأهل دارا‏.‏ وعيسى بن شيب الثعلبي في أهل درهة وحرستا وحميد بن حبيب اللخمي في أهل دمرعران وأهل حرش والحديثـة ودريركـا وربعـي بن هشام الحرشي في جماعة من عروسلامان‏.‏ ويعقوب بن عمير بن هانـىء العبسـي جهينـة ومواليهـم‏.‏ ثـم بعـث عبـد الرحمـن بن مصادي في مائتي فارس فجاء بعبد الملك بن محمد بن الحجاج من قصره على الأمان‏.‏ ثم جهز يزيد الجيش إلى الوليد بمكانه من البادية مع عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ومنصور بن جمهور‏.‏ وقد كان الوليد لما بلغه ثم بايع ليزيد وأشار على الوليد أصحابه أن يلحق بحمص فيتحصن بها‏.‏ قال له ذلك يزيد بن خالد بن يزيد وخالفه عبد الله بن عنبسة‏.‏ وقال‏:‏ ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره وحرمه قبـل أن يقاتل‏.‏ فسار إلى قصر النعمان بن بشير ومعه أربعون من ولد الضحاك وغيره‏.‏ وجاء كتـاب العبـاس بـن الوليد بأنه قادم عليه وقاتلهم عبد العزيز ومنصور بعد أن بعث إليهم زياد بن حصيـن الكلبي يدعوهم إلى الكتاب والسنة‏.‏ فقتله أصحاب الوليد واشتد القتال بينهم وبعث عبـد العزيـز بـن منصـور بـن جمهـور لاعتـراض العبـاس بـن الوليـد أن يأتـي بالوليـد‏.‏ فجاء به كرهاً إلى عبد العزيز وأرسل الوليد إلى عبد العزيز بخمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي على أن ينصرف عنه فأبى‏.‏ ثم قاتل قتالاً شديداً حتى سمع النداء بقتله وسبه من جوانب الحومة فدخل القصر فأغلق الباب وطلب الكلام من أعلى القصر فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي فذكره بحرمه وفعله فيهـم‏.‏ فقال ابن عنبسة‏:‏ إنا ما ننقم عليك في أنفسنا وإنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكـاح أمهـات أولـاد أبيـك واستخفافـك بأمـر اللـه‏.‏ قـال حسبـك اللـه يـا أخـا السكاسك فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت‏.‏ ثم رجع إلى الـدار فجلس يقرأ في المصحف وقال‏:‏ يوم كيوم عثمان‏:‏ فتسوروا عليه وأخذ يزيد بن عنبسة بيـده يقيـه لا يريـد قتلـه وإذا بمنصـور بن جمهور في جماعة معه ضربوه واجتزوا رأسه فساروا به إلى يزيد فأمر بنصبه‏.‏ فتلطف له يزيد بن فروة مولى بني مرة في المنع من ذلك وقال‏:‏ هذا ابن عمك وخليفة وإنما تنصب رؤوس الخوارج ولا آمن أن يتعصب له أهل بيته فلم يجبه وأطافه بدمشق على رمح ثـم دفـع إلـى أخيـه سليمان بن يزيد وكان معهم عليه‏.‏ وكان قتله آخر جمادى الآخرة سنة ست وعشريـن لسنتيـن وثلاثـة أشهـر مـن بيعتـه‏.‏ ولمـا قتـل خطـب النـاس يزيـد فذمـه وثلبـه وإنـه إنما قتله من أجل ذلك‏.‏ ثم وعدهم بحسن الظفر والاقتصار عن النفقة في غير حاجاتهم وسد الثغور والعدل في العطاء والأرزاق ورفع الحجاب ء وإلا فلكم ما شئتم مـن الخلـع‏.‏ وكـان يسمـى الناقـص لأنـه نقـص الزيادة التي زادها الوليد في أعطيات الناس وهي عشرة عشرة‏.‏ ورد العطاء كمـا كـان أيـام هشام وبايع لأخيه إبراهيم بالعهد ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض طرقه‏.‏ ولمـا قتـل الوليـد وكان قد حبس سليمان ابن عمه هشام بعمان خرج سليمان من الحبس وأخذ ما كان هناك من الأموال ونقله إلى دمشق‏.‏ ثم بلغ خبر مقتله إلى حمص وإن العباس بن الوليد أعان على قتله فانتقضوا وهدموا دار العباس وسبوها وطلبـوه فلحـق بأخيـه يزيـد‏.‏ وكاتبـوا الأجنـاد فـي الطلـب بـدم يزيـد وأمـروا عليهـم مـروان بـن عبـد الله بن عبد الملك ومعاوية بن يزيد بن حصيـن بـن نميـر وراسلهـم يزيـد فطـردوا رسولـه فبعـث أخـاه مسـروراً فـي الجيش فنزل حوارين‏.‏ ثم جاء سليمان به هشام من فرد عليه ما أخذ الوليد من أموالهم وبعث على الجيش وأمر أخاه مسرورًا بالطاعة‏.‏ واعتزم أهل حمص على المسير إلى دمشق فقال لهم مروان‏:‏ ليس من الرأي أن تتركوا خلفكم هـذا الجيـش وإنمـا نقاتله قبل فيكون ما بعده أهون علينا‏.‏ فقال لهم السميط بن ثابت إنما يريد خلافكم وإنما هواه مع يزيد والقدريـة فقتلـوه وولـوا عليهـم محمـداً السفيانـي وقصـدوا دمشـق فاعترضهـم ابن هشام بغدر فقاتلهم قتالاً شديداً‏.‏ وبعث يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملـك فـي ثلاثـة آلـاف إلـى ثنيـة العقـاب وهشـام بـن مضـاد فـي ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية‏.‏ وبينما سالم يقاتلهم إذ أقبلت عساكر من ثنية العقاب فانهزم أهل حمص ونادى يزيد بن خالد بـن عبـد اللـه القسـري‏:‏ اللـه اللـه على قومك يا سليمان‏.‏ فكف الناس عنهم وبايعوا ليزيد‏.‏ وأخذ أبا محمد السفياني ويزيد بن خالد بن يزيد وبعثهما إلى يزيد فحبسهما اه‏.‏ واستعمل على حمص معاوية بن يزيد بن الحصين وكان لما قتل الوليد وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه وتولى منهم سعيد وضبعان ابنا روح وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين فضروا يزيد بن سليمان وولوه عليهم وبلغ ذلك أهل الأردن فولوا عليهم محمد بن عبد الملك‏.‏ وبعث يزيد سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني على ثمانين ألفاً وبعث إلى ابني روح بالإحسان والولاية فرجعا بأهل فلسطين‏.‏ وقدم سليمان عسكراً من خمسة آلاف إلى طبرية فنهبوا القرى والضياع وخشي أهل طبرية على من وراءهم فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك ونزلوا بمنازلهم فافترقت جموع الأردن وفلسطين‏.‏ وسار سليمان بن هشام ولحقه أهل الأردن فبايعوا ليزيد وسار إلى طبرية والرملة وأخذ على أهلهما البيعة ليزيد وولى على فلسطين ضبعان بن روح وعلى الأردن إبراهيم بن الوليد‏.‏

  ولاية منصور بن جمهور على العراق

ثم ولاية عبد الله بن عمر لما ولي يزيد استعمل منصور بن جمهور على العراق وخراسان ولم يكن من أهل الدين وإنما صـار مـع يزيـد لرأيه في الغيلانية وحنقاً على يوسف بقتله خالداً القسري‏.‏ ولما بلغ يوسف قتل الوليد ارتاب في أمره وحبس اليمانية لما تجتمع المضرية عليه فلم ير عندهم ما يحب فأطلق اليمانية‏.‏ وأقبل المنصور وكتب من عين البقر إلى قواد الشام في الحيرة بأخذ يوسف وعماله فأظهـر يوسـف الطاعـة‏.‏ ولمـا قـرب منصور دخل دار عمر بن محمد بن سعيد بن العاصي ولحق منها بالشام سراً وبعث يزيد بن الوليد خمسين فارساً لتلقيه‏.‏ فلما أحس بهم هرب واختفى ووجـد بيـن النسـاء فأخـذوه وجـاؤوا بـه إلـى يزيـد فحبسـه مـع ابنـي الوليـد حتـى قتلهـم مولـى ليزيد بن خالد القسري‏.‏ ولما دخل منصور بن جمهور الكوفة لأيام خلت من رجب أفاض العطاء وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج واستعمل أخاه على الري وخراسان فسار لذلك فامتنع نصر بـن سيـار مـن تسليـم خراسـان لـه‏.‏ ثـم عزل يزيد منصور بن جمهور لشهرين من ولايته وولى على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال‏:‏ سر إلى أهل العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك فسار وانقاد له أهل الشام وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشام‏.‏ وبعث عبد الله العمال علـى الجهـات واستعمـل عمـر بـن الغضبـان بـن القبعثـرا علـى الشرطـة وخـراج السـواد والمحاسبات وكتب إلى نصر بن سيار بعهده على خراسان‏.‏

  انتقاض أهل اليمامة

ولما قتل الوليد كان علي بن المهاجر على اليمامة عاملاً ليوسف بن عمر فجمع له المهير بن سليمـان بـن هلال من بني الدول بن خولة‏.‏ وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر فالتقوا وانهزم علـي وقتـل نـاس من أصحابه وهرب إلى المدينة‏.‏ وملك المهير اليمامة ثم مات واستخلف عليها عبـد الله بن النعمان من بني قيس بن ثعلبة من الدول فبعث المندلب بن إدريس الحنفي على الفلـج قريـة مـن قرى بني عامر بن صعصعة فجمع له بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني عمير فقتلـوا المندلـب وأكثـر أصحابـه‏.‏ فجمـع عبـد اللـه بن النعمان جموعاً من حنيفة وغيرها وغزا الفلج وهزم بني عقيل وبني بشير وبني جعدة وقتل أكثرهم‏.‏ ثـم اجتمعـوا ومعهم نمير فلقوا بعض حنيفة بالصحراء فقتلوهم وسلبوا نساءهم ثم جمع عمر بن الوازع الحنفي الجموع وقال‏:‏ لست بدون عبد الله بن النعمان وهذه فترة من السلطان‏.‏ وأغار وامتلأت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه وأقبلت بنو عامـر والتقـوا فانهـزم بنـو حنيفـة ومـات أكثرهـم مـن العطـش‏.‏ ورجـع بنو عامر بالأسرى والنساء ولحق عمر بن الوازع باليمامة‏.‏ ثم جمع عبيـد اللـه بـن مسلـم الحنفـي جمعاً وأغار على قشير وعكل فقتل منهم عشرين وسمى المثنى بن يزيـد بـن عمـر بـن هبيـرة واليـاً علـى اليمامـة مـن قبـل أبيـه حتـى ولـي العـراق لمـروان فتعـرض المثنـى لبنـي عامـر وضـرب عـدة مـن بنـي حنيفـة وحلقهـم ثـم سكنـت البلـاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفياً حتى قدم كسرى بن عبيد الله الهاشمي والياً على العامة لبني العباس ودل عليه اختلاف أهل خراسان ولما قتل الوليد وقدم على نصر عهد خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز صاحب العـراق انتقـض عليـه جديـع بـن علـي الكرمانـي وهـو أزدي‏.‏ وإنمـا سمـي الكرمانـي لأنه ولد بكرمان وقال لأصحابه هذه فتنة فانظروا لأموركم رجلاً فقالوا له أنت وولوه‏.‏ وكان الكرماني قـد أحسـن إلـى نصـر فـي ولايـة أسـد بـن عبـد اللـه فلمـا ولـى نصـر عزلـه عـن الرياسـة بغيـره فتباعد ما بينهما‏.‏ وأكثر على نصر أصحابه في أمر الكرماني فاعتـزم علـى حبسـه وأرسـل صاحـب حرسه ليأتي به‏.‏ وأراد الأزد أن يخلصوه فأبى وجاء إلـى نصـر يعـدد عليـه أياديـه قبلـه مـن مراجعة يوسف بن عمر في قتله والغرامة عنه وتقديم ابنه للرياسة‏.‏ ثم قال‏:‏ فبدلت ذلك بالإجماع على الفتنة فأخذ يعتذر ويتنصل وأصحاب نصر يتحاملون عليه مثل مسلم بن أحور وعصمة بن عبد الله الأسدي‏.‏ ثم ضربه وحبسه آخر رمضان سنة ست وعشرين ثم نقب السجن واجتمع له ثلاثة آلاف وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على الكتاب والسنة‏.‏ ولما جاء الكرماني قدمه عبـد الملـك ثم عسكر نصر على باب مرو الروذ واجتمع إليه الناس وبعث سالم بن أحور في الجمـوع إلـى الكرمانـي وسفر الناس بينهما على أن يؤمنه نصر ولا يحبسه‏.‏ وأجاب نصر إلى ذلك وجـاء الكرمانـي إليـه وأمـره بلزوم بيته‏.‏ ثم بلغه عن نصر شيء فعاد إلى حاله وكلموه فيه فأمنه وجاء إليـه وأعطـى أصحابـه عشـرة عشـرة‏.‏ فلمـا عـزل جمهـور عـن العـراق وولـي عبـد اللـه بـن عمـر بـن عبد العزيز خطب نصر قدام بن جمهور وأثنى على عبد الله فغضب الكرماني لابن الجمهور وعـاد لجمـع المـال واتخـاذ السلـاح‏.‏ وكـان يحضـر الجمعـة فـي ألـف وخمسمائـة ويصلـي خـارج المقصـورة ويدخـل فيسلم ولا يحبس‏.‏ ثم أظهر الخلاف وبعث إليه نصر سالم بن أحور فأفحش فـي صرفـه وسفـر بينهمـا النـاس فـي الصلـح علـى أن يخـرج الكرمانـي مـن خراسان وتجهز للخروج إلى جرجان‏.‏ أمان الحارث بن شريح وخروجه من دار الحارث لما وقعت الفتنة بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر أن يستظهر الكرماني عليه بالحارث بـن شريـح وكـان مقيمـاً ببلـاد التـرك منـذ اثنتي عشرة سنة كما مر فأرسل مقاتل بن حيان النبطي يـراوده على الخروج من بلاد الترك بخلاف ما يقتضي له الأمان من يزيد بن الوليد‏.‏ وبعث خالد بن زياد البدي الترمذي وخالد بن عمرة مولى بني عامر لاقتضاء الأمان له من يزيد فكتب له الأمـان‏.‏ وأمـر نصـراً أن يرد عليه ما أخذ له وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة أن يكتب لهما بذلك أيضاً‏.‏ ولما وصل إلى نصر بعث إلى الحارث بذلك فلقيه الرسول راجعاً مع مقاتل بن حيان وأصحابه ووصل سنة سبع وعشرين في جمادى الأخيرة وأنزله نصر بمرو ورد عليـه مـا أخـذ له وأجرى عليه كل يوم خمسين درهماً وأطلق أهله وولده‏.‏ وعرض عليه أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل وقال‏:‏ لست من الدنيا واللذات في شيء وإنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنة وبذلك أساعدك على عدوك‏.‏ وإنما خرجت من البلاد منذ ثلاث عشره سنة إنكاراً للجور فكيف تزيدني عليه‏.‏ وبعث إلى الكرماني إن عمل نصر بالكتاب عضدتـه فـي أمـر اللـه ولا أعتبـك إن ضمنـت لـي القيـام بالعدل والسنة‏.‏ ثم دعا قبائل تميم فأجاب منهم ومن غيرهم كثير واجتمع إليه ثلاثة آلاف وأقام على ذلك‏.‏ انتقاض مروان لما قتل الوليد كـان مـروان بـن محمد بن مروان على أرمينية وكان على الجزيرة عبدة بن رياح العبادي‏.‏ وكان‏.‏ الوليد قد بعث بالصائفة أخاه فبعث معه مروان ابنه عبد الملك‏.‏ فلما انصرفوا من الصائفة لقيهم بجرزان حين مقتل الوليد وسار عبدة عن الجزيرة‏.‏ فوثب عبد الملك بالجزيرة وجرزان فضبطهمـا وكتـب إلـى أبيـه بأرمينيـة يستحثـه فسـار طلبـاً بدم الوليد بعد أن أرسل إلى الثغور من يضبطهـا‏.‏ وكـان معـه ثابـت بـن نعيـم الجذامي من أهل فلسطين وكان صاحب فتنة‏.‏ وكان هشام قد حبسه على إفساد الجند بأفريقية عند مقتل كلثوم بن عياض وشفع فيه مروان فأطلقاه وأتخنـه عنده يداً‏.‏ فلما سار من أرمينية داخل ثابت أهل الشام في العود إلى الشام من وجه الفـرات‏.‏ واجتمع له الكبير من جند مروان وناهضه القتال‏.‏ ثم غلبهم وانقادوا له وحبس ثابت بـن نعيـم وأولـاده ثـم أطلقهـم مـن حـران إلـى الشـام وجمع نيفاً وعشرين ألفاً من الجزيرة ليسير بهم إلى يزيد وكتب إليه يشترط ما كان عبد الملك ولى أباه محمداً من الجزيرة والموصل وأذربيجان فأعطاه يزيد ولاية‏.‏ ذلك وبايع له مروان وانصرف‏.‏ وفاة يزيد وبيعة أخيه إبراهيم ثم توفي يزيد آخر سنة ست وعشرين لخمسة أشهر من ولايته ويقال‏:‏ إنه كان قدرياً وبايعوا لأخيـه إبراهيـم مـن بعـده إلا أنـه انتقـض عليـه النـاس ولـم يتـم لـه الأمـر‏.‏ وكـان يسلـم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وأقام على ذلك نحواً من ثلاثة أشهر ثم خلعه مروان بن محمد على ما يذكر‏.‏ وهلك سنة اثنتين وثلاثين‏.‏ ولمـا توفـي يزيـد وولـى أخـوه إبراهيـم وكـان مضعفـاً انتقض عليه مروان لوقته وسار إلى دمشق‏.‏ فلما انتهى إلى قنسرين وكان عليها بشر بن الوليد عاملاً لأخيه يزيد ومعه أخوهما مسرور دعاهم مروان إلى بيعته‏.‏ ومال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة وخرج بشر للقاء مروان‏.‏ فلما تراءى الجمعان مال ابن هبيرة وقيس إلى مروان وأسلموا بشراً ومسروراً فأخذهما مروان وحبسهمـا وسـار بأهـل قنسريـن ومـن معـه إلى حمص وكانوا امتنعوا من بيعة إبراهيم‏.‏ فوجه إليهم عبـد العزيـز بـن الحجـاج بـن عبـد الملك في جند أهل دمشق فكان يحاصرهم‏.‏ فلما دخل مروان رحل عبد العزيز عنهم وبايعوا مروان وخرج للقائه سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفاً ومـروان فـي ثمانيـن فدعاهـم إلـى الصلـح وتـرك الطلـب بـدم الوليـد علـى أن يطلقـوا ابنيـه الحكـم وعثمـان ولبى عهده فأبوا وقاتلوه‏.‏ وسرب عسكراً جاؤوهـم مـن خلفهـم فانهزمـوا وأثخـن فيهـم أهـل حمص فقتلوا منهم نحواً من سبعة عشر ألفاً وأسروا مثلها‏.‏ ورجع مروان بالفل وأخذ عليهم البيعة للحكم وعثمان ابني الوليد وحبس يزيد بن العفار والوليد بن مصاد الكلبيين فهلكا في حبسه‏.‏ وكان ممن شهد قتل الوليد بن الحجاج وهرب يزيد بن خالد القسري إلى دمشق فاجتمع له مع إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج وتشاوروا في قتل الحكم وعثمان خشية أن يطلقهما مروان فيثـأرا بأبيهمـا‏.‏ وولـوا ذلـك يزيـد بن خالد فبعث مولاه أبا الأسد فقتلهما وأخرج يوسف بن عمر فقتله واعتصم أبو محمد السفياني ببيت في الحبس فلم يطيقوا فتحه وأعجلهم خيل مروان‏.‏ فدخـل دمشـق وأتـى بأبي الوليد ويوسف بن عمر مقتولين فدفتها وأتى بأبي عمر السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة وقال‏:‏ إن ولي العهد جعلها لك‏.‏ ثم بايعه وسمع الناس فبايعوه وكان أولهم بيعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وأهل حمص‏.‏ ثم رجع مروان إلى خراسان واستأمـن لـه إبراهيـم بـن الوليـد وسليمـان بن هشام وقدما عليه وكان قدوم سليمان من تدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا لمروان‏.‏

  انتقاض الناس علي مروان

ولما رجع إلى خراسان راسل ثابت بن نعيم من فلسطين أهل حمص في الخلاف على مروان فأجابوه وبعثوا إلى من كان بتدمر ممن طلب وجاء الأصبغ بن دوالة الكلبي وأولاده ومعاوية السكسكي فارس أهل الشام وغيرها في ألف من فرسانهم ودخلوا حمص ليلة الفطر من سنة سبـع وعشرين‏.‏ وزحف مروان في العساكر من حران معه إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام ونزل عليهم ثالث يوم الفطر وقد سدوا أبوابهم فنادى مناديه‏:‏ ما دعاكم إلى النكث‏.‏ قالوا لم ننكث ونحن على الطاعة‏.‏ ودخل عمر بن الوضاح في ثلاثة آلاف فقاتله المحتشدون هنالك للخلاف وخرجوا من الباب الآخر وجفل مروان في اتباعهم وعلا البـاب‏.‏ فقتـل منهـم نحـو خمسمائة وصلبهم وهدم من سورها علوه وأفلت الأصبغ بن دوالة وابنه فرافصة‏.‏ ثـم بلـغ مـروان وهـو بحمـص خلـاف أهـل الغوطـة وأنهـم ولـوا عليهـم يزيـد بـن خالـد القسـري وحاصروا دمشق وأميرها زامل بن عمر فبعث مروان إليهم أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف فلما دنوا من دمشق حملوا عليهم وخرج إليهم من كـان بالمدينـة فهزموهـم وقتلـوا يزيـد بن خالد وبعثوا برأسه إلى مروان وأحرقوا المزة وقرى البرامة‏.‏ ثـم خـرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين وحاصر طبرية وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكـم‏.‏ فبعـث مـروان إليـه أبـا الـورد فلمـا قرب منه خرج أهل طبرية عليه فهزموه ولقيه أبو الورد منهزماً فهزمه أخرى وافترق أصحابه وأسر ثلاثة من ولده وبعث بهم إلى مروان‏.‏ وتغيب ثابت وولى مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكناني فظفر بثابت بعد شهرين وبعث به إلى مروان موثقاً فقطعه وأولاده الثلاثة وبعثهم إلى دمشق فصلبوا‏.‏ ثم بايع لابنيه عبد الله وعبيد الله وزوجهما بنتي هشام ثم سار إلى ترمذ من دير أيوب وكانوا قد غوروا المياه‏.‏ فاستعمل المزاد والقرب والإبل وبعث وزيره الأبرش الكلبي إليهم وأجابوا إلـى الطاعـة‏.‏ وهـرب نفـر منهـم إلـى البلـد وهـدم الأبـرش سورهـا ورجـع بمن أطاع إلى مروان‏.‏ ثم بعث مـروان يزيـد بـن عمـر بـن هبيـرة إلـى العـراق لقتال الضحاك الشيباني الخارجي بالكوفة وأمده ببعوث أهل الشام ونزل قرقيسيا ليقدم ابن هبيرة لقتال الضحاك‏.‏ وكـان سليمان بن هشام قد استأذنه بالمقام في الرصافة أياماً ويلحق به فرجعت طائفة عظيمة من أهل الشام الذين بعثهم مروان مع ابن هبيرة فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان بن هشام بالبيعة فأجاب وسار معهم إلى قنسرين فعسكر بها وكاتب أهل الشام فأتوه من كل وجه‏.‏ وبلغ الخبر مروان فكتب إلى ابن هبيرة بالمقام ورجع من قرقيسيا إلى سليمان فقاتله فهزمه واستبـاح معسكره وأثخن فيهم وقتل أسراهم وقتل إبراهيم أكبر ولد سليمان وخالد بن هشام المخزومـي جـا أبيه فيما ينيف على ثلاثين ألفاً وهرب سليمان إلى حمص في الفل فعسكر بها وبنى ما كان تهدم من سورها‏.‏ وسار مروان إليه فلما قرب منه بيته جماعة من أصحاب سليمان تبايعوا على الموت وكان على احتراس وتعبية فترك القتال بالليل وكمنوا له في طريقه من الغد فقاتلهم إلى آخر النهار وقتل منهم نحواً من ستمائة‏.‏ وجاؤوا إلى سليمان فلحق بتدمر وخلف أخاه سعيداً بحمص وحاصره مروان عشرة أشهر ونصب عليهم نيفاً وثمانين منجنيقاً حتى استأمنوا له وأمكنوه من ثم سار لقتال الضحاك الخارجي بالكوفة‏.‏ وقيل إن سليمان بن هشام لما انهزم بقسرين لحق بعبـد اللـه بـن عمـر بـن عبـد العزيـز بالعـراق وسار معه إلى الضحاك فبايعوه وكان النضر بن سعيد قد ولي العراق‏.‏ فلما اجتمعوا على قتاله سار نحو مروان فاعترضه بالقادسية جنود الضحاك من الكوفة مع ابن ملحان فقتله النضر‏.‏ وولى الضحاك مكانه بالكوفة المثنى بن عمران وسار الضحـاك إلـى الموصـل وأقبـل ابـن هبيـرة إلـى الكوفة فنزل بعيد التمر‏.‏ وسار إليه المثنى فهزمه ابن هبيرة وقتله وعدة من قواد الضحاك‏.‏ وانهزم الخوارج ومعهم منصور بن جمهور ثم جاؤوا إلى الكوفة واحتشدوا وساروا للقاء ابن هبيرة فهزمهم ثانية ودخل الكوفة وسار إلى واسـط‏.‏ وأرسل الضحاك عبيدة بن سوار الثعلبي لقتاله فنزل الصراة وقاتله ابن هبيرة هنالك فانهزمت الخوارج كما يأتي في أخبارهم‏.‏ ظهورعبد الله بن معاوية كـان عبـد اللـه بـن معاويـة بـن عبـد اللـه بـن جعفـر قـدم علـى عبـد اللـه بن عمر بن عبد العزيز الكوفة فـي إخوانـه وولـده فأكرمهـم عبـد اللـه وأجـرى عليهـم ثلاثمائة درهم في كل يوم وأقاموا كذلك‏.‏ ولما بويـع إبراهيـم بـن الوليد بعد أخيه واضطرب الشام وسار مروان إلى دمشق حبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده وزاد في رزقه بعده لمروان يبايعه ويقاتله‏.‏ فلما ظفر مروان بإبراهيم سار إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة وقاتله عبد الله بن عمر‏.‏ ثم خاف إسماعيـل أن يفتضـح فكفـوا خبرهـم فوقعت العصبية بين الناس من إيثار عبد الله بن عمر بعضاً من مضر وربيعة بالعطاء دون غيرهم فثـارت ربيعـة فبعـث إليهـم أخـاه عاصمـاً ملقيـاً بيـده فاستحيوا ورجعوا‏.‏ وأفاض في رؤوس الناس يستميلهم‏.‏ فاستنفـر النـاس واجتمعـت الشيعـة إلـى عبـد اللـه بـن معاويـة فبايعـوه وأدخلـوه قصـر الكوفة وأخرجـوا منـه عاصـم بـن عمـر‏.‏ فلحـق بأخيـه بالحيـرة وبايع الكوفيون ابن معاوية ومنهم منصور بن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وعمر بن العطاء وجاءته البيعة من المدائن وجمع الناس وخـرج إلـى عبـد اللـه بـن عمـر بالحيـرة فسـرح للقائـه مولـاه‏.‏ ثـم خـرج فـي أثـره وتلاقيـا ونزع منصور بن جمهـور وإسماعيـل أخـو خالـد القسـري وعمـر بـن العطـاء‏.‏ وجاءتـه البيعـة من ابن عمر ولحقوا بالحيرة وانهزم ابن معاوية إلى الكوفة‏.‏ وكان عمر بن الغضبان قد حمل على ميمنة ابن عمر فكشفهما وانهزم أصحابه من ورائه‏.‏ فرجع إلى الكوفة وأقام مع ابن معاوية في القصر ومعهم ربيعـة والزيدية على أفواه السكك يقاتلون ابن عمر‏.‏ ثم أخذ ربيعة الأمـان لابـن معاويـة ولأنفسهـم وللزيدية‏.‏ وسار ابن معاوية إلى المدائن وتبعه قوم من أهل الكوفة فتغلب بهم على حلوان غلبة الكرماني على مرو وقتله الحارث بن شريح لما ولي مروان وولى على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كتب يزيد إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فارتاب الحارث وقال‏:‏ ليس لي أمان من مروان وخرج فعسكـر وطلـب مـن نصـر أن يجعل الأمر شورى فأبى‏.‏ وقرأ جهم بن صفوان مولى راسب وهو رأس الجهميـة سيرته وما يدعو إليه على الناس فرضوا وكثر جمعه‏.‏ وأرسل إلى نصر في عزل سالـم بـن أحـور عـن الشرطـة وتغيـر العمـال فتقـرر الأمـر بينهمـا علـى أن يـردوا ذلـك إلـى رجال أربعة‏:‏ مقاتـل بـن سليمـان ومقاتـل بـن حيـان بتعييـن نصـر والمغيـرة بـن شعبـة الجهضي ومعاذ بن جبلة بتعيين الحارث‏.‏ وأمر نصر أن يكتب بولاية سمرقنذ وطخارستان لمن يرضاه هؤلاء الأربعة‏.‏ وكان الحارث يقول إنه صاحب السور وإنه يهدم سور دمشق ويزيل ملك بني أمية‏.‏ فأرسل إليه نصر‏:‏ إن كان ما تقوله حقاً فتعال نسير إلى دمشق وإلا فقد أهلكـت عشيرتـك‏.‏ فقـال الحارث هو حق لكن لا تبايعني عليه أصحابي‏.‏ قال فكيف تهلك عشرين ألفاً مـن ربيعـة واليمن‏.‏ ثم عرض عليه ولاية ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل‏.‏ فقال لـه فابـدأ بالكرمانـي فاقتله وأنا في طاعتك‏.‏ ثم اتفقا على تحكيم جهم ومقاتل فاحتكما بأن يعزله نصر ويكون الأمر شورى‏.‏ فأتى نصر فخالفه الحارث وقدم على نصر جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة‏:‏ منهم عاصم بن عمير الضريمي وأبو الديال الناجي ومسلم بـن عبـد الرحمـن وغيرهم‏.‏ فكانوا معه‏.‏ وأمر الحارث أن يقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وأتاه الناس وقرئت على باب نصر‏.‏ فضرب غلمان نصر قارئها فنادى بهم وتجهزوا للحرب‏.‏ ونقب الحارث سور مرو من الليـل ودخل بالنهار فاقتتلوا وقتل جهم بن مسعود الناجي وأعين مولى حيان ونهبوا منزل مسلم بن أحور فركب سالم حين أصبح فقاتل الحارث وهزمه وجاء إلى عسكره فقتل كاتبه‏.‏ وبعث نصر إلى الكرماني وكان في الأزد وربيعة وكان موافقًا للحارث لما قدمناه فجاءه نصر على الأمـان وحادثهـم وأغلظـوا لـه فـي القـول فارتـاب ومضـى وقتـل مـن أصحابـه جهـم بـن صفوان ثم بعث الحارث ابنه حاتماً إلى الكرماني يستجيشه فقال له أصحابه دع عدويك يضطربان ثم ضرب بعد يومين وناوش القتال أصحاب نصر فهزمهم وصرع تميم بن نصر ومسلم بن أحور‏.‏ وخرج نصر من مرو من الغـد فقاتلهـم ثلاثـة أيـام وانهـزم الكرمانـي وأصحابـه ونـادى منـاد يـا معشـر ربيعة واليمن إن أبا سيار قتل فانهزمت مضر ونصر وترجل ابنه تميم فقاتل وأرسل إليه الحارث أني كاف عنك فإن اليمانية يعيرونني بانهزامكم فاجعل أصحابك إزاء الكرماني‏.‏ ولما انهزم نصر غلب الكرماني على مرو ونهب الأموال فأنكر ذلك عليه الحارث ثـم اعتـزل عـن الحـارث بشـر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال‏:‏ إنما كنا نقاتل معك طلباً للعدل فأما إن اتبعت الكرماني للعصبية فنحن لا نقاتل‏.‏ فدعى الحارث الكرماني إلى الشورى فأبى فانتقل الحارث عنه وأقاموا أياماً‏.‏ ثم ثلم الحارث السور ودخل البلد وقاتله الكرماني قتالاً شديداً فهزمه وقتله وأخاه سوادة‏.‏ واستولى الكرماني على مرو وقيل إن الكرماني خرج مع الحارث لقتال بشر بن جرموز‏.‏ ثم ندم الحارث على اتباع الكرماني‏.‏ وأتى عسكر بشر فأقام معهم وبعث إلى مضر من عسكر الكرمانـي فسـاروا إليهـم وكانوا يقتتلون كل يوم ويرجعون إلى خنادقهم‏.‏ ثم نقب الحارث بعد أيام سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني واقتتلوا فقتل الحارث وأخاه وبشر بن جرموز وجماعة من بني تميم‏.‏ وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة فانهـزم الباقـون وصفـت مـرو لليمـن وهدمـوا دور المضرية‏.‏

  ظهور الدعوة العباسية بخراسان

قـد ذكرنـا أن أبـا مسلـم كـان يتـرد إلـى الإمام من خراسان ثم استدعاه سنة تسعة وعشرين ليسأله عـن النـاس فسـار فـي سبعين من النقباء مؤدين بالحج‏.‏ ومر بنسا فاستدعى أسيداً فأخبره بأن كتـب الإمـام جـاءت إليـه مـع الأزهـر بـن شعيـب وعبد الملك بن سعيد ودفع إليه الكتب‏.‏ ثم لقيه بقومـس كتـاب الإمـام إليـه وإلـى سليمـان بـن كثيـر أنـي قـد بعثـت إليك براية النصر فارجع من حيث يلقاك كتابي ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض‏.‏ وجاء أبو مسلم إلى مرو وأعطـى كتاب الإمام لسليمان بن كثير وفيه الأمر بإظهار الدعوة فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل مـن أهـل البيت ودعوا إلى طاعة بني العباس‏.‏ وكتبوا إلى الدعاة بإظهار الأمر وترك أبو مسلم بقرية من قرى مرو في شعبان من سنة تسع وعشرين‏.‏ ثـم بثـوا الدعـاة في طخارستان ومرو الروذ والطالقان وخوارزم وأنهم إن أعجلهم عدوهم‏.‏ دون الوقت عاجلوه وجردوا السيوف للجهاد ومن شغله العدو عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعد الوقت‏.‏ ثم سار أبو مسلم فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي آخر رمضان ونصر بن سيار يقاتل الكرماني وشيبان‏.‏ فعقد للواء الذي بعث به الإمام إليه وكان يدعى الظل على رمـح طولـه أربعـة عشـر ذراعـاً‏.‏ ثـم عقـد الرايـة التـي بعثهـا معه وتسمى السحاب وهو يتلو‏:‏ ‏"‏ أذن للذين يقاتلون ‏"‏ الآية‏.‏ ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه سليمان ومواليه ومن أجاب الدعوة من أهل تلك القـرى وأوقـدوا النيـران ليلتهـم لشيعتهـم فـي خرقـان فأصبحـوا عنـده‏.‏ ثـم قـدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح في سبعمائة راجـل وقـدم مـن الدعـاة أبـو العبـاس المـروزي وحصـن أبـو مسلـم بسفيدنج ورمها وحضر عيد الفطر فصلى سليمان بن كثير وخطب على المنبر في العسكر وبـدأ بالصلـاة قبـل الخطبـة بلا أذان ولا إقامة‏.‏ وكبر في الأولى ست تكبيرات وفي الثانية خمسًا خلاف ما كانوا بنو أمية يفعلون‏.‏ وكل ذلك مما سنه لهم الإمام وأبوه‏.‏ ثم انصرفوا من الصلاة مع الشيعة فطمعوا وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب نصر بن سيـار يبـدأ باسمـه فلمـا قوي بمن اجتمع إليه كتب إلى نصر وبدأ بنفسه وقال‏:‏ أما بعد فإن الله تياركـت أسمـاؤه عيـر قومـاً فـي القـرآن فقال‏:‏ ‏"‏ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ‏"‏ إلى‏:‏ ‏"‏ ولـن تجـد لسنـة اللـه تحويـلاً ‏"‏‏.‏ فاستعظـم الكتـاب وبعـث مولـاه يزيـد لمحاربـة أبـي مسلـم لثمانيـة عشر شهـراً مـن ظهوره فبعث إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي فدعاه إلى الرضا من آل رسول اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـم فاستكبـروا فقاتلهـم مالـك وهـو فـي مائتيـن يوماً بكماله‏.‏ وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فسرحهم إلى مالك فقوي مالك بهم وقاتلوا القوم فحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه وأرسله الطائي إلى أبي مسلم ومعه رؤوس القتلى فأحسن أبو مسلم إلى يزيد وعالجه ولما اندملت جراحة قال إن شئت أقمت عندنا وإلا رجعت إلى مولاك سالماً بعد أن تعاهدنا على وتفرس نصر أنه عاهدهم فقال‏:‏ والله هو ما ظننت وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم وأنهم والله يصلون الصلاة لوقتها بأذان وإقامة ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرًا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحسب أمرهم إلا سيعلو‏.‏ ولولا أنـك مولـاي لأقمـت عندهم وكان الناس يرجفون عنهم بعبادة الأوثان واستحلال الحرام‏.‏ ثـم غلـب حـازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بها‏.‏ وكان من بني تميم من الشيعة وأراد بنو تميم منعه‏.‏ فقال أنا منكم فإن ظفرت فهي لكم وإن قتلت كفيتم أمري فنزل قرية زاها‏.‏ ثم تغلب على أهلها فقتل بشر بن جعفر السغدي عامل نصر عليها أوائل في القعدة وبعـث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن حازم‏.‏ وقيل في أمر أبي مسلم غير هذا وإن إبراهيم الإمام أزوج أبا مسلم لما بعثه إلى خراسان بابنة أبي النجم وكتب إلى النقباء بطاعته‏.‏ وكان أبو مسلم من سواد الكوفة فهزما فانتهى لإدريس بن معقل العجلي‏.‏ ثم سار إلى ولاية محمـد بن علي ثم ابنه إبراهيم ثم للأئمة من ولاية من ولمه‏.‏ وقدم خراسان وهو حديث السن واستصغـره سليمـان بـن كثيـر فرده‏.‏ وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائباً وراء النهر‏.‏ فلما جاء إلـى مـرو أقـرأه كتـاب الإمـام وسألهم عن أبي مسلم فأخبروه أن سليمان بن كثير رده لحداثة سنة وأنـه لا يقـدر علـى الأمـر فنخـاف على أنفسنا وعلى من يدعوه‏.‏ فقال لهم أبو داود‏:‏ إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع خلقه وأنزل عليه كتابه بشرائعه وأنبأه بما كان وما يكون وخلـف علمـه رحمـة لأمتـه وعلمـه إنمـا هو عند عترته وأهل بيته وهم معدن العلم وورثة الرسول فيمـا علمـه اللـه‏.‏ أتشكـون فـي شـيء مـن ذلـك‏.‏ قالـوا لا‏.‏ قـال فقـد شككتـم والرجـل لـم يبعثه إليكم حتـى علـم أهليتـه لمـا يقـوم بـه فبعثوا عن أبي مسلم وردوه من قومس بقول أبي داود وولوه أمرهم وأطاعـوه‏.‏ ولـم نـزل فـي نفـس أبـي مسلـم من سليمان بن كثير‏.‏ ثم بعث الدعاة ودخل الناس في الدعوة أفواجاً واستدعاه الإمام سنة تسع وعشرين أن يوافيه بالمرسوم ليأمره بأمره في إظهار الدعـوة وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويحمل ما اجتمع عنده من الأموال‏.‏ فسار في جماعة من النقباء والشيعة فلقيه كتاب الإمام بقومس يأمره بالرجوع وإظهار الدعوة بخراسان وبعث قحطبة بالمال وأن قحطبة سار إلى جرجان‏.‏ واستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما بما عندهما من مال الشيعة فسار به نحو الإمام‏.‏

  قتل الكرماني

قـد ذكرنا من قبل أن الكرماني قتل الحارث بن شريح فخلصت له مرو وتنحى نصر عنها‏.‏ ثم بعـث نصـر سالـم بـن أحـور فـي رابطتـه وفرسانـه إلـى مـرو فوجـد يحيى بن نعيم الشيباني في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من الأزد وأبو الحسن بن الشيخ في ألف منهم والحربـي السغدي في ألف من اليمن‏.‏ فتلاحى سالم وابن المثنى وشتم سالم الكرماني فقاتلوه فهزمـوه وقتـل مـن أصحابـه نحـو مائة‏.‏ فبعث نصر بعده عصمة بن عبد الله الأسدي فكان بينهم مثل ما كان أولاً‏.‏ فقاتلهم محمد السغدي فانهزم السغدي وقتل من أصحابه أربعمائة ورجـع إلـى نصـر‏.‏ فبعـث مالـك بن عمر التميمي فاقتتلوا كذلك وانهزم مالك وقتل من أصحابه سبعمائة ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة‏.‏ ولما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب إلـى شيبـان الخارجـي يـذم اليمانيـة تـارة ومضر أخرى ويوصي الرسول بكتاب مضر أن يتعرض لليمانية ليقـرؤوا ذم مضـر والرسـول بكتـاب اليمانيـة أن يتعـرض لمضـر ليقـرؤوا ذم اليمانية حتى صار هـوى الفريقيـن معـه‏.‏ ثـم كتـب إلـى نصـر بـن سيـار والكرماني أن الإمام أوصاني بكم ولا أعدو رأيه فيكم‏.‏ ثم كتب يستدعي الشيعة‏:‏ أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا ومقاتل بن حكيم بن غزوان وكانوا أول من سود ونادوا يا محمد يا منصور ثم سود أهل أبي ورد ومرو الروذ وقرى مرو فاستدعاهم أبو مسلم وأقبل فنزل بين خندق الكرمانـي وخنـدق نصـر وهابـه الفريقـان وبعث إلى الكرماني أني معك وقبل فانضم أبو مسلم إليه وكتب نصر بن سيار إلى الكرماني يحذره منه ويشير عليه بدخول مرو ليصالحه‏.‏ فدخل ثم خرج من الغد وأرسل إلى نصر في إتمـام الصلـح فـي مائتـي فـارس فـرأى نصـر فيـه غـرة فبعـث إليـه ثلاثمائة فارس فقتلوه وسار ابنه إلى أبي مسلم وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة إلى بعض الدور‏.‏ ودخل أبو مسلـم مـرو فبايعـه علـي بـن الكرمانـي وقـال لـه أبـو مسلـم أقـم علـى ما أنت عليه حتى آمرك بأمري‏.‏ وكـان نصـر حيـن نـزل أبـو مسلـم بيـن خندقـه وخنـدق الكرمانـي ورأى قوتـه كتـب إلـى مروان بن محمد يعلمه بخروجه وكثرة من معه ودعائه لإبراهيم بن محمد‏:‏ أرى خلل الرمـاد وميـض جمـر ويوشك أن يكون لهـا ضـرام‏.‏ فإن النار بالعوديـن تذكـو وإن الحـرب أولهـا الكلـام‏.‏ فإن لم تطفئوها يخرجوها مسجرةً يشيب لها الغلام‏.‏ أقول من التعجب ليت شعري أأيقـاظ أمية أم نيام‏.‏ فـإن يـك قومنـا أضحـوا نياماً فقل قومـوا فقـد حـان القيـام‏.‏ تعـزي عـن رجالـك ثم قولي على الإسلام والعرب السلام‏.‏ فوجده مشتغلاً بحرب الضحاك بن قيس فكتب إليه‏:‏ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فأحثهم التلـول قبلـك‏.‏ فقال نصر‏:‏ أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده‏.‏ وصادف وصول كتاب نصر إلى مـروان عثورهـم علـى كتـاب مـن إبراهيـم الإمـام لأبـي مسلـم يوبخـه حيـث لـم ينتهـز الفرصـة مـن نصر والكرماني إذ أمكنته ويأمره أن لا يدع بخراسان متكلماً بالعربية‏.‏ فلما قرأ الكتاب بعث إلى عامله بالبلقاء أن يسير إلى الحيسة فيبعث إليه إبراهيم بن محمد مشدوداً لوثاق فحبسه مروان‏.‏

  اجتماع أهل خراسان علي قتل أبي مسلم

لما أظهر أبو مسلم أمره سارع إليه الناس وكان أهل مرو يأتونه ولا يمنعهم نصر وكان الكرماني وشيبـان الخارجـي لا يكرهـان أمـر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان‏.‏ وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك فكان الناس يأنسون بـه لذلـك وأرسـل نصـر إلـى شيبـان الخارجـي فـي الصلـح ليتفـرغ لقتـال أبي مسلم أما أن يكون معه أو يكف عنه ثم نعود إلى ما كنا فيه‏.‏ فهم شيبان بذلك وكتب أبو مسلم إلى الكرماني فحرضه على منع شيبان من ذلك فدخـل عليـه وثنـاه عنـه‏.‏ ثـم بعـث أبـو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة فملكها وطرد عنها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي عامل نصر‏.‏ فجـاء يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني إلى الكرماني وشيبان وأغراهما بمصالحة نصر‏.‏ وقال‏:‏ إن صالحتم نصراً قاتله أبو مسلم وترككم لأن أمر خراسان لمضر‏.‏ وإن لـم تصالحـوه صالحـه وقاتلكم فقدموا نصراً قبلكم‏.‏ فأرسل شيبان إلى نصر في الموادعة فأجاب وجاء مسلم بن أحـور بكتـب الموادعـة فكتبوهـا‏.‏ وبعـث أبـو مسلـم إلـى شيبـان في موادعة ثلاثة أشهر‏.‏ فقال ابن الكرماني‏:‏ إذا ما صالحت نصراً إنما صالحه شبيان وأنا موتور بأبي‏.‏ ثم عاود القتال وقعد شيبان عن نصره وقال‏:‏ لا يحل الغدر فاستنصر ابن الكرماني‏.‏ بأبي مسلم فأقبل حتى نزل الماخران لاثنتين وأربعين يوماً من نزوله بسفيدنج وخندق على معسكره وجعل له بابين وعلى شرطتـه مالـك بـن الهيثـم وعلى الحرس أبا إسحق خالد بن عثمان وعلى ديوان الجند أبا صالح كامل بن المظفر وعلى الرسائل أسلم بن صبيح وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب‏.‏ وكـان القاسـم يصلـي بأبـي مسلم ويقرأ القصص بعد العصر فيذكر فضل بني هاشم وسالفه بني أمية‏.‏ فلما نزل أبو مسلم الماخران أرسل إلى ابن الكرماني بأنه معه فطلب لقاءه فجاءه أبو مسلـم وأقام عنده يومين ثم رجع وذلك أول المحرم سنة ثلاثين‏.‏ ثم عرض الجند وأمر كامل بن المظفر بكتب أسمائهم وأنسابهم في دفتر فبلغت عدته سبعة آلاف‏.‏ ثم إن القبائل من ربيعة ومضـر واليمـن توادعـوا علـى وضـع الحـرب والاجتمـاع علـى قتـال أبي مسلم فعظم ذلك عليه وتحول عـن الماخـران لأربعـة أشهـر مـن نزولهـا لأنهـا كانـت تحـت الماء‏.‏ وخشي أن يقطع فتحول إلى طبسين وخندق بها وخندق نصر بن سيار على نهر عياض وأنزل عماله بالبلاد‏.‏ فأنزل أبا الدبال في جنـده لطوسـان فـآذوا أهلهـا وعسفوهـم وكـان أكثرهـم مع أبي مسلم في خندق فسير إليهم جنداً فقاتلـوه فهزمـوه وأسـروا مـن أصحابـه ثلاثيـن فأطلقهـم أبو مسلم ثم بعث محرز بن إبراهيم في جمع مـن الشيعـة ليقطـع مـادة نصـر مـن مرو الروذ وبلخ وطخارستان فخندق بين نصر وبين هذه البلاد واجتمع إليه ألف رجل وقطع المادة عن نصر‏.‏

  مقتل عبد الله بن معاوية

قـد تقـدم لنـا أن عبـد اللـه بـن معاويـة بـن عبـد اللـه بن جعفر بويع بالكوفة وغلبه عليها عبد الله بن عمـر بـن عبـد العزيـز ولحـق بالمدائـن‏.‏ وجـاءه نـاس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليهـا وعلـى حلـوان وقومـس وأصبهـان والـري وأقام بأصبهان‏.‏ وكان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس فجاء إلى دار الإمارة بإصطخر وطرد عامل عبد الله عنها وبايع النـاس لعبد الله بن معاوية‏.‏ ثم سار إلى كرمان فأغار عليها وانضم إليه قواد من أهل الشام‏.‏ فسـار إلـى سالـم بـن المسيـب عامـل عبـد اللـه بن عمر على شيراز فقتله سنة ثمان وعشرين‏.‏ ثم سـار محـارب إلـى أصبهان وحول عبد الله بن معاوية إلى اصطخر بعد أن استعمل على الجبال أخـاه الحسـن بـن معاويـة وأتـى إلى اصطخر فنزل بها وأتاه بنو هاشم وغيرهم وجبى المال وبعث العمـال‏.‏ وكـان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي ولمـا قدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي على الأهواز وأن يقاتـل عبـد اللـه بـن معاويـة وبلغ سليمان بن حبيب وهو بالأهواز فسرح داود بن حاتم للقاء نباتة وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور وقد غلب الأكراد عليها فطردهم عنها وبايع لابن معاوية فبعث أخاه يزيد بن معاوية عليها‏.‏ ثم إن محارب بن موسى فارق عبد الله بن معاوية وجمع وقصد نيسابور‏.‏ فقاتله يزيد بن معاوية وهزمه فأتى كرمان‏.‏ وأقام بها حتى قدم محمد بـن الأشعـث فصـار معـه ثـم نافـره‏.‏ فقتلـه ابـن الأشعـث وأربعة وعشرين ابناً له‏.‏ ثم بعث يزيد بن هبيـرة بعـد نباتـة بـن حنظلـة ابنـه داود بـن يزيـد فـي العساكر إلى عبد الله بن معاوية وعلى مقدمته داود بن ضبارة‏.‏ وبعث معن بن زائدة من وجه آخر فقاتلوا عبد الله بن معاوية وهزموه وأسروا وقتلوا وهرب منصـور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر وبعثوا بالأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم مضى ابن معاوية عن فارس إلى خراسـان‏.‏ وسـار معـن بن زائدة في طلب منصور بن جمهور وكان فيمن أسر مع عبد الله بن معاويـة عبـد اللـه بـن علي بن عبد الله بن عباس شفع فيه حرب بن قطن من أخواله بني هلال فوهبـه لـه ضبـارة وغـاب عبـد اللـه بـن معاويـة عـن ابـن ضبـارة‏.‏ ورمـى أصحابه باللواطة فبعث إلى ابـن هبيـرة ليخبـره وسـار ابـن ضبـارة فـي طلـب عبـد اللـه بـن معاويـة إلى شيراز فحاصره بها حتى خرج منها هارباً ومعه أخوه الحسن ويزيد وجماعة من أصحابه فسلك المفازة على كرمان إلى خراسـان طمعـاً فـي أبـي فسلـم لأنـه كـان يدعـو إلـى الرضـا مـن آل محمـد وقد استولى على خراسان فوصـل إلى نواحي هراة وعليها مالك فقال له‏:‏ انتسب نعرفك‏.‏ فانتسب له فقال‏:‏ أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل الرسول وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم‏.‏ قال إن جدي كان عنـد معاويـة حيـن ولـد أبـي فبعـث إليـه مائـة ألـف علـى أن يسمـي ابنه باسمه‏.‏ فقال لقد اشتريتم الأسماء الخبيثة بالثمن اليسير فلا نرى لك حقاً فيما تدعو إليه‏.‏ ثم بعث يخبره إلى أبي مسلم فأمره بالقبـض عليـه وعلـى مـن معـه فحبسهـم‏.‏ ثم كتب إليه بإطلاق أخويه الحسن ويزيد وقتل عبد الله فوضـع الفـراش علـى وجهـه فمـات‏.‏ لمـا تعاقـد نصـر وابن الكرماني وقبائل ربيعة واليمن ومضر على قتال أبي مسلم عظم على الشيعة وجمع أبو مسلم أصحابه ودس سليمان بن كثير إلى ابن الكرمانـي يذكـره بثـأر أبيه من نصر فانتقضوا فبعث نصر إلى أبي مسلم بموافقة مضر وبعث إليه أصحـاب ابـن الكرمانـي وهـم ربيعـة واليمـن بمثـل ذلـك‏.‏ واستدعـى وفـد الفريقين ليختار الركون إلى أحدهما وأحضر الشيعة لذلك وأخبرهم أن مضر أصحاب مروان وعماله وشيعته وقبله يحيى بـن يزيـد‏.‏ فلمـا حضـر الوفـد تكلـم سليمان بن كثير ويزيد بن شقيق السلمي بمثل ذلك وبأن نصر بـن سيـار عامـل مـروان ويسميـه أمير المؤمنين وينفذ أوامره فليس على هدى وإنما يختار علي بن الكرماني‏.‏ وأصحابه ووافق السبعون من الشيعة على ذلك وانصرف الوفد‏.‏ ورجع أبو مسلم من أبين إلى الماخران وأمر الشيعة ببناء المساكن وأمن من فتنة العرب‏.‏ ثم أرسل إليه علي بن الكرماني أن يدخل مرو من ناحيته ليدخل هو وقومه من الناحية الأخرى فلـم يطمئـن لذلك أبو مسلم وقال‏:‏ ناشبهم الحرب من قبل فناشب ابن الكرماني نصر بن سيار الحرب ودخل مرو من ناحيته وبعث أبو مسلم بعض النقباء‏.‏ فدخل معه ثم سـار وعلـى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي وعلى ميمنته مالك بن الهيثم وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع‏.‏ فدخل مرو والفريقان يقتتلان ومضى إلى قصر الإمارة وهو يتلو‏:‏ ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها‏.‏ وأمر الفريقين بالانصراف فانصرفوا إلى معسكرهم وصغت له مرو وأمر بأخذ البيعة من الجند وتولى أخذها أبو منصور طلحة بن زريق أحد النقباء الذين اختارهم محمد بن علي من الشيعة حين بعث دعاته إلى خراسان سنة ثلاث وأربع وكانوا اثني عشر رجلاً‏.‏ فمـن خزاعـة سليمـان بـن كثيـر ومالـك بـن الهيثـم وزيـاد بـن صالـح وطلحـة بـن زريـق وعمر بن أعين‏.‏ ومـن طـيء قحطبـة بـن شبيـب بـن خالد بن سعدان ومن تميم أبو عيينة موسى بن كعب ولاهز بن قريط والقاسم بن مجاشع وأسلم بن سلام‏.‏ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم الشيبانـي وأبـو علـي الهروي ويقال شبل بن طهمان‏.‏ وكان عمر بن أعين مكان موسى بن كعب وأبـو النجـم إسماعيـل بـن عمـران مكـان أبـي علـي الهـروي وهـو ختـن أبي مسلم‏.‏ ولم يكن أحد من النقباء غير أبي منصور طلحة بن زريق بن سعد وهو أبو زينب الخزاعي وقد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب غزا معه وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور‏.‏ وكان نص البيعة‏:‏ أبايعكـم علـى كتـاب اللـه وسنـة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام وعلى أن لا تسألوا رزقاً ولا طمعاً حتى تبدأكم به ولاتكم وذلك سنة ثلاثين ومائة‏.‏ ثـم أرسـل أبـو مسلـم لاهـز بـن قريـط فـي جماعـة إلـى نصـر بـن سيار يدعو إلى البيعة وعلم نصر أن أمره قد استقام ولا طاقة لـه بأصحابـه فوعـده بأنـه يأتيـه يبايعـه مـن الغـد وأرسـل أصحابـه بالحـروج مـن ليلتهـم إلـى مكـان يأمنـون فيـه‏.‏ فقـال أسلم بن أحوز لا يتهيأ لنا اليلة‏.‏ فلما أصبح أبو مسلـم كتابـه وأعـاد لاهز بن قريط إلى نصر يستحثه فأجاب وأقام لوضوئه‏.‏ فقال لاهز‏:‏ إن الملأ يأتمـرون بـك ليقتلـوك‏.‏ فخـرج نصـر عنـد المسـاء مـن خلف حجرته ومعه ابنه تميم والحكم بن غيلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هراباً‏.‏ واستبطأه لاهز فدخل المنزل فلم يجده وبلغ أبا مسلم هربه فجاء إلى معسكره وقبض على أصحابه منهم سالم بن أحوز صاحب شرطته والبختري كاتبه وابنان له ويونس بن عبد ربه ومحمد بن قطن وغيرهم‏.‏ وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلبه ليلتهما فأدركا امرأته قد خلفهـا وسـار فرجعـوا إلـى مـرو‏.‏ وبلـغ نصـر من سرخس فأقام بطوس خمس عشرة ليلة‏.‏ ثم جاء نيسابـور فأقام بها وتعاقد ابن الكرماني مع أبي مسلم على رأيه ثم بعث إلى شيبان الحروري يدعوه إلى البيعة فقال شيبان‏:‏ بل أنت تبايعني واستنصر بابن الكرماني فأبى عليه وسار شيبـان إلى سرخس واجتمع له جمع من بكر بن وائل وبعث إليه أبو مسلم في الكف فسجن الرسـل‏.‏ فكتـب إلـى بسـام بـن إبراهيـم مولـى بنـي ليـث المكنى بأبي ورد أن يسير إليه فقاتله وقتله وقتل بكر بن وائل الرسل الذين كانوا عنده‏.‏ وقيل إن أبا مسلم إنما وجه إلى شيبان عسكراً من عنده عليهم خزيمة بن حازم وبسام بن إبراهيم‏.‏ ثـم بعـث أبـو مسلـم كعبـاً مـن النقبـاء إلـى أبيـورد فافتتحهـا ثـم أبـا داود خالـد بـن إبراهيـم مـن النقبـاء إلـى بلـخ وبهـا زيـاد بـن عبـد الرحمن القشيري فجمع له أهل بلخ وترمذ وجند طخارستان ونـزل الجوزجـان ولقيهـم أبـو داود فهزمهـم وملـك مدينـة بلـخ‏.‏ وسـاروا إلـى ترمـذ فكتـب أبـو مسلـم إلى أبـي داود يستقدمـه وبعـث مكانـه على بلخ يحيى بن نعيم أبا الميلا فداخله زياد بن عبد الرحمن في الخلاف على أبي مسلم واجتمع لذلك زياد ومسلم بن عبد الرحمن الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر‏.‏ ونزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه‏.‏ واتفقت كلمة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة وولوا عليهم مقاتل بن حيان النبطي مخافة أن يتنافسوا‏.‏ وبعث أبو مسلم أبا داود إليهـم فأقبـل بعساكـره حتـى اجتمعوا على نهر السرخسان واقتتلوا‏.‏ وكان زياد وأصحابه قد خلفوا أبا سعيـد القرشـي مسلحةً وراءهم خشية أن يؤتوا من خلفهم وكانت راياته سـوداً وأغفلـوا ذلـك‏.‏ فلمـا اشتـد القتال زحف أبو سعيد في أصحابه لمددهم فظنوه كميناً للمسودة فانهزموا وسقطوا في النهر وحوى أبو داود معسكرهم بما فيه وملك بلخ‏.‏ ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ وكتب أبو مسلم يستقدم أبا داود‏.‏ وبعث النضر بن صبيـح المزنـي علـى بلـخ‏.‏ ولمـا قـدم أبـو داود أشـار علـى أبـي مسلـم بالتفرقـة بين علي وعثمان ابني الكرماني‏.‏ فبعث عثمان على بلخ وقدمها فاستخلف الفرافصة بن ظهير العبسي وسار هو والنضر بن صبيح إلى مرو الروذ‏.‏ وجاء مسلم بن عبد الرحمن الباهلي من ترمذ في المضرية فاستولـى علـى بلـخ‏.‏ ورجـع إليـه عثمـان والنضـر فهربـوا مـن ليلتهـم ولـم يعـن النضـر فـي طلبهـم وقاتلهم عثمـان ناحيـة عنـه فانهـزم ورجـع أبو داود إلى بلخ‏.‏ وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه علي بن الكرماني وقد اتفق مع أبي داود على قتال ابني الكرماني فقتل أبو داود عثمان في بلخ وقتل أبو مسلم علياً في طريقه إلى نيسابور‏.‏ مسير قحطبة للفتح وفـي سنـة ثلاثيـن قـدم قحطبـة بن شبيب على أبي مسلم من عند الإمام إبراهيم وقد عقد له لواء على محاربة العدو فبعثه أبو مسلم في مقدمته وضم إليه العساكر وجعل إليـه التوليـة والعـزل وأمـر الجنـود بطاعتـه‏.‏ وقـد كان حين غلب على خراسان بعث العمال على البلاد فبعث ساعـي بـن النعمـان الـأزدي علـى سمرقنـد وأبـا داود خالـد بـن إبراهيم على طخارستان ومحمد بن الأشعـث الخزاعـي علـى طبسيـن وجعـل مالـك بـن الهيثـم على شرطته‏.‏ وبعث قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد‏:‏ أبو عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك وعثمان بن نهيك وحازم بن خزيمة وغيرهم فهزم أهل طوس وأفحش في قتلهم‏.‏ ثـم بعث أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق الحجة وكتب إلى قحطبة بقتال تميم بن نصر بالسودقان ومعه الثاني ابن سويد وأصحاب شيبان وأمده بعشرة آلاف مع علي بن معقل‏.‏ فزحف إليهم ودعاهم بدعوته وقاتلهم فقتل تميـم بـن نصـر وجماعـة عظيمـة مـن أصحابه يقال بلغوا ثلاثين ألفاً واستبيح معسكرهم وتحصن الباقي بالمدينة فاقتحمهـا عليهـم وخلـف خالـد بـن برمك على قبض الغنائم وسار إلى نيسابور‏.‏ فهرب منها نصر بن سيار إلى قومـس ثـم تفـرق عنـه أصحابـه فسـار إلـى نباتـة بـن حنظلـة بجرجـان وكان يزيد بن هبيرة بعثه مدداً لنصر فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري ثم إلى جرجان‏.‏ وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها رمضان وشوال وارتحل إلى جرجان وجعل ابنه الحسن على مقدمته وانتهى إلى جرجان وأهل الشام بها مع نباتة فهابهم أهل خراسان فخطبهم قحطبة وأخبرهم أن الإمام أخبره أنهم يلقونه مثل هذه العدد فينصرونه عليهم‏.‏ ثم تقدم للقتال وعلى ميمنته ابنه الحسن فانهزم أهل الشام وقتل نباتة في عشرة آلاف منهم وبعث برأسه إلى أبي مسلـم وذلك في ذي الحجة من السنة وملك قحطبة جرجان‏.‏ ثم بلغه أن أهل جرجان يرومون الخـروج عليـه فاستعرضهـم وقتـل منهـم نحـواً من ثلاثين ألفاً وسار نصر من قومس إلى خوار الري وعليهـا أبـو بكـر العقيلـي وكتـب إلـى ابـن هبيـرة بواسط يستمده فحبس رسله‏.‏ فكتب مروان إلى ابن هبيرة فجهز ابن هبيرة جيشاً كثيفاً إلى نصر وعليهم ابن عطيف‏.‏ ثم بعث قحطبة ابنـه الحسـن إلـى محاصـرة نصـر فـي جـوار الـري فـي محـرم سنـة إحـدى وثلاثيـن وبعـث إليـه المـدد مـع أبـي كامـل وأبـي القاسـم محـرز بـن إبراهيـم وأبـي العباس المروزي‏.‏ ولما تقاربوا نزع أبو كامـل إلـى نصـر فكـان معـه وهـرب جند قحطبة وأصحاب نصر أصابهم شيء من متاعهم فبعثه نصـر إلـى ابـن هبيـرة فاعترضه ابن عطيف بالري فأخذه فغاضبه نصر فأقام ابن عطيف بالري‏.‏ وسـار نصـر إلـى الـري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي فلما قدمها سار ابن عطيف إلى همذان وكان فيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلي فعدل بن عطيف عنها إلى أصبهان وبها عامر بن ضبارة وقدم نصر الري فأقام بها يومين ومرض وارتحل‏.‏ فلما بلغ نهاوند مات لاثني عشر من ربيع الأول من السنة ودخل أصحابه همذان‏.‏ استيلاء قحطبة علي الري ولمـا مـات نصـر بـن سيـار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن حازم إلى سمنان وأقبل قحطبة من جرجان وقدم زياد بن زرارة القشيري وقد كان قدم على طاعة أبي مسلـم واعتـزم علـى اللحـاق بابن ضبارة فبعث قحطبة في أثره المسيب بن زهير الضبي فهزمه وقتل عامة من مع ابـن معاويـة ورجـع‏.‏ ولحـق قحطبـة ابنـه الحسـن إلـى الـري فخـرج عنهـا حبيـب بـن يزيـد النهشلي وأهل وقـد أكثـر أهـل الـري إلـى بنـي أميـة فأخـذ أبـو مسلـم أملاكهـم ولـم يردهـا عليهـم إلا السفـاح بعـد حيـن‏.‏ فأقام قحطبة بالري وكتب أبو مسلم إلـى أصبهبـذ طبرستـان بالطاعـة وأداء الخـراج فأجـاب وكتـب إلـى المصمغـان صاحـب دنباونـد وكبيـر الديلـم بمثـل ذلـك فأفحـش فـي الـرد‏.‏ فكتـب أبو مسلم إلى موسى بن كعب أن يسير إليه من الري فسار ولم يتمكن منه لضيق بلاده‏.‏ وكان الديلم يقاتلونه كل يوم فكثر فيهم الجراح والقتل ومنعهم الميرة فأصابهم الجوع فرجع موسى إلى الري ولـم يـزل المصمغـان متمنعـاً إلـى أيـام المنصـور فأغـزاه حمـاد بـن عمـر في جيش كثيف ففتح دنباوند‏.‏ ولما ورد كتاب قحطبة على أبي مسلم ارتحل عن مرو ونزل نيسابور ثم سير قحطبة ابنه الحسـن بعـد نزوله الري بثلاث ليال فسار عنها مالك بن أدهم وأهل الشام وخراسان إلى نهاوند ونـزل علـى أربعـة فراسـخ مـن المدينـة وأمـده قحطبـة بأبـي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة وأقام محاصرًا لها‏.‏

  استيلاء قحطبة على أصبهان

ومقتل ابن ضبارة وفتح نهاوند وشهرزور قد تقدم لنا أن ابن هبيرة بعث ابنه داود بن يزيد لقتال عبد الله بن معاوية باصطخر وبعث معـه عامـر بـن ضبـارة فهزمـوه واتبعـوه إلـى كرمان سنة تسع وعشرين فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان سنة ثلاثين كتب إلى ابنه داود بن ضبارة بالمسير إلى قحطبة فسار من كرمان في خمسيـن ألفـاً ونزلـوا أصبهـان‏.‏ وبعـث إليهـم قحطبـة جماعـة مـن القـواد عليهـم مقاتل بن حكيم الكعبي فنزلوا قم وسار قحطبة إلى نهاوند مدداً لولده الحسن الذي حاصرهم فبعث مقاتلاً بذلك قحطبة فسار حتى لحقه وزحفوا للقاء داود بن ضبارة وهم فـي مائـة ألـف وقحطبـة فـي عشرين ألفاً‏.‏ وحمل قحطبة وأصحابه فانهزم ابن ضبـارة وقتـل واحتـووا علـى مـا كـان فـي معسكرهم مما لا يعبر عنه من الأصناف وذلك في رجب‏.‏ وطيـر قحطبـة بالخبر إلى ابنه الحسن وسار إلى أصبهان فأقام بها عشرين ليلة وقدم على ابنه فحاصـروا نهاونـد ثلاثـة أشهـر إلـى آخـر شـوال ونصبـوا عليهـا المجانيـق وبعـث بالأمان إلى من كان في نهاوند من أهل خراسان فلم يقبلوا فبعث إلى أهل الشام فقالوا اشغل عنا أهل المدينة بالقتال نفتح لك المدينة من ناحيتنا ففعلوا وخرجوا إليه جميعاً فقتلوا أهل خراسان فيهم أبو كامـل وحاتـم بـن شريـح وابـن نصـر بـن سيـار وعاصـم بـن عميـر وعلـي بـن عقيـل وبيهـس‏.‏ وكـان قحطبـة لما جاء إلى نهاوند بعث ابنه الحسن إلى جهات حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندي فتركها وهـرب‏.‏ ثـم بعـث قحطبـة عبـد الملـك بـن يزيـد ومالـك بن طرا في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمته عبد الله بن محمد فقاتلوا عثمان آخر ذي الحجة فانهزم وقتل وملك أبو عوف بلاد الموصل‏.‏ وقيل إن عثمان هرب إلى عبد الله بن مروان وغنم أبو عون عسكـره وقتـل أصحابـه وبعث إليه قحطبة بالمدد‏.‏ وكان مروان بن محمد بحران فسار في أهل الشام والجزيرة والموصل ونزل الزاب الأكبر وأتوا شهرزور إلى المحرم سنة اثنتين وثلاثين‏.‏

  حرب السفاح ابن هبيرة مع قحطبة ومقتلهما

وفتح الكوفة ولما قدم على يزيد بن هبيرة ابنه داود منهزماً من حلوان خرج يزيد للقاء قحطبة في مدد لا يحصى وكان مروان أمده بحوثرة بن سهيل الباهلي فسار معه حتى نزل حلوان واحتفر الخندق الذي كانت فارس احتفرته أيام الواقعة‏.‏ وأقام وأقبل قحطبة إلى حلوان ثم عبر دجلة إلى الأنبـار فرجـع ابـن هبيـرة مبـادراً إلـى الكوفـة‏.‏ وقـدم إليهـا حوثـرة فـي خمسـة عشـرة ألفاً وعبر قحطبة الفـرات مـن الأنبـار لثمـان مـن المحـرم سنـة اثنتين وثلاثين وابن هبيرة معسكر على فم الفرات وعلى ثلاثة وعشرين فرسخاً من الكوفة ومعه حوثرة وفل ابن ضبارة‏.‏ وأشار عليه أصحابه أن يدع الكوفة ويقصد هو خراسان فيتبعه قحطبة فأبى إلا البدار إلى الكوفة وعبر إليها دجلة من المدائن وعلى مقدمته حوثرة والفريقان يسيران على جانب الفرات‏.‏ وقال قحطبة لأصحابه إن الإمام أخبرني بأن وقعة تكون بهذا المكان والنصر لنا ثم دلوه على مخاضة فعبر منها وقاتل حوثرة وابن نباتة فانهزم أهل الشام وقعد قحطبة وشهد مقاتل العللي بـأن قحطبـة عهـد لابنـه الحسـن بعده فبايع جميع الناس لأخيه الحسن وكان في سرية فبعثوا عنه وولـوه‏.‏ ووجـد قحطبـة فـي جـدول هـو وحـرب بن كم بن أحوز وقيل‏:‏ إن قحطبة لما عبر الفرات وقاتـل ضربـه معـن بن زائدة فسقط وأوصى إذا مات أن يلقى في الماء‏.‏ ثم انهزم ابن نباتة وأهل الشام ومات قحطبة وأوصى بأمر الشيعة إلى أبي مسلمة الخلال بالكوفة وزير آل محمد‏.‏ ولما انهـزم ابـن نباتـة وحوثـرة لحقـوا بابـن هبيـرة فانهـزم إلـى واسـط واستولـى الحسـن بـن قحطبـة علـى مـا في معسكرهم‏.‏ وبلغ الخبر إلى الكوفة فثار بها محمد بن خالد القسري بدعوة الشيعة خرج ليلة عاشوراء وعلـى الكوفة زياد بن صالح الحارثي وعلى شرطته عبد الرحمن بن بشير العجلي وسار إلى فهرب زياد ومن معه من أهل الشام ودخل القصر ورجع إليه حوثرة وعن محمد عامة من معه ولـزم القصـر‏.‏ ثـم جـاء قـوم مـن بجيلـة مـن أصحـاب حوثـرة فدخلـوا في الدعوة‏.‏ ثم آخرون من كنانة ثـم آخـرون مـن بحـدل فارتحـل حوثـرة نحـوه وكتـب محمـد إلـى قحطبـة وهـو لـم يعلـم بهلاكـه فقرأه الحسن على الناس‏.‏ وارتحل نحو الكوفة فصبحها الرابعة من مسيره وقيل إن الحسن بن قحطبة سار إلـى الكوفـة بعـد قتـل ابـن هبيـرة وعليهـا عبـد الرحمـن بـن بشيـر العجلـي فهـرب عنها وسبق محمد بن خالـد وخرج في أحد عشر رجلاً فلقي الحسن ودخل معه وأتوا إلى أبي مسلمة فاستخرجوه من بني مسلمة وعسكر بالنخيلة ثم نزل حمام أعين‏.‏ وبعـث الحسـن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وبايع الناس أبا مسلمة حفص بن سليمان الخلال وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد القسري على الكوفة وكان يسمى الأمير حتى ظهـر أبـو العبـاس السفـاح وبعـث حميـد بـن قحطبة إلى المدائن في قواد والمسيب بن هبيرة وخالد بن مرمل إلى ديـر فنـاء وشراحيـل إلـى عيـر وبسـام بـن إبراهيـم بـن بسـام إلـى الأهـواز وبهـا عبـد الرحمـن بـن عمـر بن هبيرة فقاتله بسام وانهزم إلى البصرة وعليها مسلم بن قتيبة الباهلي عاملاً لأخيه‏.‏ وبعـث بسـام في أثره سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب والياً على البصرة فجمع سالم قيساً ومضـر وبنـي أميـة‏.‏ وجـاء قائـد مـن قـواد ابـن هبيـرة فـي ألفـي رجـل وجمـع سفيان اليمانية وحلفاءهم مـن ربيعـة واقتتلوا في صفر‏.‏ وقتل ابن سفيان واسمه معاوية فانهزم لذلك‏.‏ ثم جاء إلى سالم أربعـة آلـاف مـدداً من عند مروان فقاتل الأزد واستباحهم ولم يزل بالبصرة حتى قتل ابن هبيرة فهـرب عنهـا‏.‏ واجتمـع ولـد الحـارث بـن عبـد المطلـب إلـى محمد بن جعفر فولوه أياماً حتى قدم أبو مالـك عبـد اللـه بـن أسيـد الخزاعـي مـن قبـل أبـي مسلـم‏.‏ فلمـا بويـع أبو العباس السفاح ولاها سفيان بن معاوية‏.‏ قد كنا قدمنا خبر الدعاة وقبض مروان على إبراهيم بن محمد وأنه حبسه بحران وكان نعى نفسـه إلـى أهـل بيتـه وأمرهـم باللحـاق بالكوفـة وأوصـى علـى أخيـه أبـي العبـاس عبـد اللـه بـن الحرثيـة‏.‏ فسـار أبـو العبـاس ومعـه أهـل بيته ومن أخوته أبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابن أخيه إبراهيـم وعيسـى ابـن أخيه موسى ومن أعمامه داود وعيسى صالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد وبنو علي بن عبد الله بن عباس وموسى ابن عمه داود ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبـاس‏.‏ فقدمـوا الكوفـة فـي صفـر وأبـو سلمـة والشيعـة على حمام أعين بظاهر الكوفة وأنزلهم أبو سلمـة دار الوليـد بـن سعد مولى بني هاشم في بني أود وكتم أمرهم عن جميع القواد والشيعة أربعيـن ليلـة وأراد فيمـا زعمـوا أن يحـول الأمـر إلـى أبي طالب‏.‏ وسأله أبو الجهم من الشيعة وغيره فيقول‏:‏ لا تعجلوا ليس هذا وقته‏.‏ ولقـي أبـو حميـد محمـد بـن إبراهيم ذات يوم خادم إبراهيم الإمام وهو سابق الخورزمي فسأله عن الإمـام فقـال‏:‏ قتـل إبراهيـم وأوصـى إلـى أخيـه أبـي العبـاس وهـا هو بالكوفة ومعه أهل بيته‏.‏ فسأله فـي اللقـاء فقـال‏:‏ حتـى استـأذن‏:‏ وواعـده مـن الغـد فـي ذلـك المكان وجاء أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبـره وكـان فـي عسكـر أبـي سلمة فقال له تلطف في لقائهم‏.‏ فجاء إلى موعد سابق ومضى معـه ودخـل عليهم فسأل عن الخليفة فقال داود بن علي‏:‏ هذا إمامكم وخليفتكم يشير إلى أبي العباس‏.‏ فسلم عليه بالخلافة وعزاه بإبراهيم الإمام ورجع ومعه خادم من خدمهم إلى أبي الجهـم فأخبره عن منزنهم وأن أبا العباس أرسل إلى أبي سلمة أن يبعث إليه كراء الرواحل التي جـاؤوا إليهـا فلم يبعث إليهم شيئاً‏.‏ فمشى أبو الجهم وأبو الحميد والخادم إلى موسى بن كعب وأخبروه بالأمر وبعثوا إلى الإمام مائتي دينار مع خادمه‏.‏ واتفق رأي القواد على لقاء الإمام فنهض موسى بن كعب وأبو الجهم عبد الحميد بن ربعي وسلمـة بـن محمـد وعبـد اللـه الطائـي وإسحـق بـن إبراهيـم وشراحيـل وأبو حميد وعبد الله بن بسام ومحمـد بـن إبراهيـم ومحمـد بـن حصيـن وسليمـان بـن الأسـود فدخلـوا على أبي العباس فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم‏.‏ ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم وخلفوا الباقين عند الإمام وأوصوهم إن جاء أبو سلمة لا يدخلن إلا وحده‏.‏ وبلغه الخبر فجاء ودخل وحده كما حددوا له وسلم على أبي العباس بالخلافة وأمره بالعود إلى معسكره وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشـرة خلـت مـن ربيـع الـأول فلبسـوا الصفاح واصطفوا للخروج إلى أبي العباس وأتوه بالدواب وله ولمن معه من أهل بيته وأركبوهم إلى دار الإمارة‏.‏ ثم رجع إلى المسجد فخطب وصلى بالناس وبايعوه ثم صعد المنبر ثانيـة فقـام فـي أعلـاه وصعـد عمـه داود فقـام دونـه وخطـب خطبته البليغة المشهورة وذكر حقهم في الأمر وميراثهم له‏.‏ وزاد النـاس فـي أعطياتهـم وكـان موعوكـاً فاشتـد عليـه الوعك فحبس على المنبر‏.‏ وقام عمه داود على أعلى المراقي فخطب مثله وذم سيرة بني أمية وعاهد الناس على إقامة الكتاب والسنة وسيرة النبي ثم اعتذر عن عود السفاح بعد الصلاة على المنبر وأنـه أراد أن لا يخلـط كلـام الجمعة بغيرها وإنما قطعه عن إتمام الكلام شدة الوعك فادعوا الله له بالعافية‏.‏ ثم بالـغ ذم مروان وشكر شيعتهم من أهل خراسان وأن الكوفة منزلهم لا يتخلون عنهـا وأنـه مـا صعـد هـذا المنبـر خليفـة بعـد رسـول اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـم إلا علـي بـن أبـي طالـب أميـر المؤمنيـن وأمير المؤمنيـن عبـد اللـه بـن محمـد وأشـار إلـى السفـاح‏.‏ وأن هـذا الأمـر فينـا ليـس بخارج عنا حتى نسلمه لعيسى بن مريم‏.‏ ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر في المسجد يأخذ البيعـة علـى النـاس حتـى جـن الليـل وخـرج أبـو العبـاس إلـى عسكـر أبـي سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر‏.‏ وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام‏.‏ واستخلف على الكوفة عمه داود وبعث عمه عبد الله إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور وبعث ابن أخيه موسى إلى الحسن بن قحطبـة وهـو يحاصر ابن هبيرة بواسط وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى أحمد بن قحطبـة بالمدائـن‏.‏ وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيـم بـن بسـام بالأهواز وبعث سلمة بن عمر بن عثمان بن مالك بن الطواف‏.‏ وأقام السفاح بالعسكر شهراً ثم ارتحل فنزل قصر الإمارة من المدينة الهاشمية وقد قيل إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بني العباس إلى الكوفة وإنهما لقياهم بدومة الجندل فعرفـا خبرهـم‏.‏ وقـال لهـم داود‏:‏ كيـف تأتـون الكوفـة‏.‏ ومروان بن محمد في حران في أهل الشام والجزيـرة فطـل علـى العـراق ويزيد بن هبيرة بالعراق‏.‏ فقال يا عم‏:‏ من أحب الحياة ذل فرجع داود وابنه معه‏.‏