فصل: الخبر عن دولة الإسماعيلية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن دولة الإسماعيلية

ونبدأ منهم بالعبيديين الخلفاء بالقيروان والقاهرة‏.‏ وما كان لهم من الدولة من المشرق والمغرب‏.‏ أصل هؤلاء العبيديين من الشيعة الإمامية وقد تقدم لنا حكاية مذهبهم والبراءة من الشيخين ومن سائر الصحابة لعدولهم عن بيعة علي إلى غيره مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم له بالإمامة بزعمهم وبهذا امتازوا عن سائر الشيعة‏.‏ وإلا فالشيعة كلهم مطبقون على تفضيل علـي ولـم يقـدح ذلك عند الزيدية في إمامة أبي بكر لقولهم بجواز إمامة المفضول مع الأفضل ولا عند الكيسانيـة لأنهـم لـم يدعـوا هـذه الوصيـة فلـم يكـن عندهـم قـادح فيمـن خالفهـا‏.‏ وهـذه الوصيـة لـم تعرف لأحد من أهل النقل‏.‏ وهي من موضوعات الإمامية وقد يسمون رافضة قالوا لأنه لما خرج زيد الشهيد بالكوفة واختلف عليه الشيعة ناظروه في أمر الشيخين وأنهم ظلموا علياً فنكر ذلك عليهم فقالوا له‏:‏ وأنت أيضا فلم يظلمك أحد ولا حق لك في الأمر وانصرفوا عنه ورفضوه فسموا رافضة وسمي أتباعه زيدية‏.‏ ثم صارت الإمامة من علي إلـى الحسـن ثـم الحسين ثم ابنه علي زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر ثم ابنـه جعفـر الصـادق كـل هـؤلاء ثم افترقـوا مـن ههنـا فرقتيـن‏:‏ وهـم الاثنـا عشريـة والإسماعيليـة‏.‏ واختـص الاثنـا عشريـة باسـم الإماميـة لهذا العهد ومذهبهم أن الإمامة انتقلت من جعفـر الصـادق إلـى ابنـه موسـى الكاظـم وخـرج دعاتـه بعـد مـوت أبيه فحمله هرون من المدينة وحبسه عند عيسى بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد وحبسه عنـد ابـن شاهـك‏.‏ ويقـال أن يحيـى بـن خالـد سمـه فـي رطـب فقتلـه وتوفي سنة ثلـاث وثمانيـن ومائـة وزعـم شيعتهـم أن الإمـام بعـده ابنـه علـي الرضـا وكان عظيما في بني هاشم وكانت لـه مـع المأمـون صحبـة وعهد له بالأمر من بعده سنة إحدى ومائتين عند ظهور الدعاة للطالبيين وخروجهـم فـي كـل ناحية‏.‏ وكان المأمون يومئذ بخراسان لم يدخل العراق بعد مقتل أخيه الأمين فنكر ذلك عليه شيعة العباسيين وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي ببغداد فارتحل المأمون إلى العـراق وعلـي الرضـا معـه فهلك علي في طريقه سنة ثلاث ومائتين ودفن بطوس ويقال إن المأمون سمه‏.‏ ويحكـى أنـه دخـل عليـه يعـوده فـي مرضـه فقـال لـه أوصنـي فقال له علي إياك أن تعطي شيئا وتندم عليه ولا يصح ذلك لنزاهة المأمون عن إراقة الدماء بالباطل سيما دماء أهل البيت‏.‏ ثم زعم شيعتهـم أن الأمرمـن بعـد علـي الرضـا لابنـه محمـد التقي وكان له من المأمون مكان وأصهر إليه في ابنتـه فأنكحـه المأمـون إياهـا سنـة خمـس ومائتيـن‏.‏ ثـم هلـك سنـة عشريـن ومائتين ودفن بمقابر قريش وتزعم الاثنا عشرية أن الإمام بعده ابنه علي ويلقبونه الهادي ويقال الجواد ومات سنـة أربـع وخمسين ومائتين وقبره بقم وزعم ابن سعيد أن المقتدر سمه‏.‏ ويزعمون أن الإمام بعده ابنه الحسن ويلقب العسكري لأنه ولد بسر مـن رأى وكانـت تسمـى العسكـر وحبـس بهـا بعـد أبيـه إلـي أن هلـك سنة ستين ومائتين ودفن إلى جنب أبيه في المشهد وترك حملا ولد منه ابنه محمد فاعتقل ويقال دخل مع أمه في السـرداب بـدار أبيـه وفقـد فزعمت شيعتهم أنه الإمام بعد أبيه ولقبوه المهدي والحجة‏.‏ زعموا أنه حي لم يمت وهم الآن ينتظرونه ووقفوا عند هذا الانتظار وهو الثاني عشر من ولد علي ولذلـك سميـت شيعتـه الاثنـي عشريـة‏.‏ وهـذا المذهـب فـي المدينـة والكرخ الشام والحلة والعراق وهم حتى الان على ما بلغنا يصلون المغرب فإذا قضوا الصلاة قدموا مركبا إلى دار السرداب بجهازه وحليته ونـادوا بأصوات متوسطة أيهـا الإمـام أخـرج إلينـا فـإن النـاس منتظـرون والخلـق حائـرون والظلـم عـام والحق مفقود فاخرج إلينا فتقرب الرحمة من الله آثارك ويكررون ذلك إلى أن تبدو النجوم ثم ينصرفـون إلـى الليلـة القابلـة هكـذا دأبهـم‏.‏ وهـؤلاء مـن الجهـل بحيـث ينتظـرون من يقطع بموته مع طول الآمد لكن التعصب حملهم على ذلك وربما يحتجون لذلك بقصة الخضر والأخرى أيضاً باطلة والصحيح أن الخضر قد مات‏.‏ وأمـا الإسماعيليـة فزعموا أن الإمام بعد جعفر الصادق ابنه إسماعيل وتوفي قبل أبيه‏.‏ وكان أبو جعفـر المنصـور طلبـه فشهد له عامل المدينة بأنه مات‏.‏ وفائدة النص عندهم على إسماعيل وإن كـان مـات قبـل أبيـه بقـاء الإمامـة فـي ولده كما نص موسى على هارون صلوات الله عليهما ومات قبلـه‏.‏ والنـص عندهـم لا مرجـع وراءه لـأن البـداء علـى اللـه محـال‏.‏ ويقولـون في ابنه محمد أنه السابع التام من الأئمة الظاهرين وهو أول الأئمـة المستوريـن عندهـم الذيـن يستتـرون ويظهـرون الدعـاة وعددهم ثلاثة ولن تخلو الأرض منهم عن إمام إما ظاهر بذاته أو مستور فر بد من ظهور حجته ودعاته‏.‏ والأئمة يدور عددها عندهم على سبعة عدد الاسبوع والسماوات والكواكـب والنقبـاء تدور عندهم على اثني عشر‏.‏ هم يغلطون الأئمة المستورين عندهم محمد بـن إسماعيل وهو محمد المكتوم ثم ابنه جعفر المصدق ثم ابنه محمد الحبيب ثم ابنه عبد الله مهدي صاحب الدولة بإفريقية والمغرب التي قام بها أبو عبد الله الشيعي بكتامة‏.‏ وكـان مـن هـؤلاء الإسماعيليـة القرامطـة واستقرت لهم دولة بالبحرين في أبي سعيد الجنابي وبنيه أبـي القاسم الحسين بن فروخ بن حوشب الكوفي داعي اليمن لمحمد الحبيب ثم ابنه عبد الله ويسمـى بالمنصـور وكـان مـن الاثنـي عشريـة أولا فلمـا بطـل ما في أيديهم رجع إلى رأي الإسماعيلية وبعـث محمـد الحبيـب أبـو عبـد اللـه إلـى اليمـن داعيـة لـه فلمـا بلغـه عن محمد بن يعفرملك صنعاء أنه أظهـر التوبـة والنسـك وتخلـى عـن الملـك فقـدم اليمـن ووجـد بهـا شيعـة يعرفـون ببنـي موسى في عدن لاعة‏.‏ وكان علي بن الفضل من أهل اليمن ومن كبار الشيعة وطاهر بن حوشب على أمره وكتب له الإمام محمد بالعهد لعبد الله ابنه وأذن له في الحرب فقام بدعوته وبثها في اليمن وجيش الجيوش وفتح المدائن وملك صنعاء وأخرج منها بني يبعن وفرق الدعـاة فـي اليمـن واليمامة‏.‏ والبحرين والسنـد والهنـد ومصـر والمغـرب وكـان يظهـر الدعـوة للرضـا مـن آل محمـد وكان من دعاته أبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة‏.‏ ومن عنده سار إلى إفريقية فوجد في كتامة من الباطنية خلقا كثيراً وكان هذا المذهب هنالك من لدن الدعاة الذين بعثهم جعفر الصادق إلى المغرب‏.‏ أقاموا بإفريقية وبثوا فيها الدعوة وتناقله من البرابرة أمم وكان أكثرهم من كتامة فلما جاء أبو عبد الله الشيعي داعية المهدي ووجد هذا المذهب في كتامة فقام على تعليمه وبثه وإحيائه حتى تم الأمر وبويع لعبد الله كما نذكر الآن في أخبارهم‏.‏

  دولة العبيديين

ابتداء دولة العبيديين وأولهـم عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفرالصادق بن محمد المكتوم بن جعفر الصادق ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان وغيرهم وبالمحضرالذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعـن فـي نسبهـم وشهـد فيـه أعلـام الأئمـة‏.‏ وقـد مر ذكرهم فإن كتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة يغريهم بالقبض عليه لما سار إلى المغـرب شاهـد بصحـة نسبهم‏.‏ وشعر الشريف الرضي مسجل بذلك‏.‏ والذين شهدوا في المحضـر فشهادتهـم علـى السمـاع وهي ما علمت‏.‏ وقد كان نسبهم ببغداد منكرا عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائـة سنـة فتلـون الناس بمذهب أهل الدولة وجاءت شهادة عليه مع أنها شهادة على النفي عليه مع أن طبيعة الوجود في الانقياد إليهم وظهور كلمتهم حتى في مكة والمدينة أدل شيء على صحة نسبهم‏.‏ وأما من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمون القدح وغيره فكفاه ذلك إثما وسفسفة‏.‏ وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وإفريقية‏.‏ وكان أصل ظهورهم بأفريقيـة دخـول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها أنفذهما جعفر الصادق وقال لهما بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر فنزل أحدهما ببلد مراغة والآخر ببلد سوف جمار وكلاهما من أرض كتامة ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص وكان شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لإقامة دعوته باليمن وأن المهدي خـارج فـي هـذا الوقـت فسـار وأظهـر الدعـوة للمهدي مـن آل محمـد بنعوتـه المعروفـة عندهـم واستولـى علـى أكثـر اليمـن وتسمـى بالمنصـور وابتنى حصنا بجبل لاعة‏.‏وملك صنعاء من بني يعفر وفرق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب‏.‏ وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسـب وكـان محتسبـاً بالبصـرة وقيـل أنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله هذا يعرف بالمعلم لأنه كان يعلـم مذهـب الإماميـة فاتصـل أبـو عبـد اللـه بمحمـد الحبيب ورأى ما فيه من‏.‏ الأهلية فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه ثم يذهب إلى المغرب يقصد بلد كتامة فيظهر بينهم الدعوة‏.‏ فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه وشهد مجالسه وأفاد علمه‏.‏ ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة فلقي بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم وفيهم من لقـي الحلواني وابن بكار وأخذوا عنهما فقصدهم أبو عبد الله في رحالهم وكان منهم موسى بن حريـث كبيـر بنـي سكـان مـن جملـة أحـد شعوبهـم وأبو القاسم الورنجومي من أحلافهم ومسعود بن عيسى بن ملال المساكتي وموسى بن تكاد فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم ورأوا ما هو عليـه مـن العبـادة والزهد فعلق ببقلوبهم وصار يتعهدهم في رحالهم فاغتبطوا به واغتبط بهم‏.‏ ولما أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوافقهم طاوياً وجه مذهبه عنهم بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم فكشفوا له علم ذلك وأنهم أنما يعطون السلطـان طاعـة معروفـة فاستيقـن تمـام أمـره فيهـم وخـرج معهـم إلـى المغـرب وسلكـوا طريـق الصحراء وعدلوا عن القيروان إلى أن وصلوا بلد سوماثة وبها محمد بن حمـدون بـن سمـاك الأندلسي من بجاية الأندلس نزيلا عندهم وكان قد أدرك الحلواني وأخذ عنه‏.‏ فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه فأكرمه وفاوضه وتفرس ابن حمدون فيه أنه صاحب الدولة‏.‏ ثـم ارتحلـوا وصحبهـم ابـن حمـدون ودخلـوا بلـد كتامـة منتصـف ربيـع سنة ثمان وثمانين ومائتين فنزل علـى موسـى بـن حريـث ببلـده انكجـان فـي‏.‏ بلـد بنـي سكتـان مـن جبيلـة وعيـن له مكان منزله بفج الأخيـار وأن النـص عنـده مـن المهدي بذلك وبهجرة المهدي وأن أنصار الأخيار من أهل زمانه وأن اسمهم مشتـق مـن الكتمـان‏.‏ واجتمـع إليـه الكثيـر مـن أهـل كتامـة ولقـي علماءهـم واشتمل عليه الكثير من أهوائهم فجاهر بمذهبه وأعلن بإمامة أهل البيت دعا للرضا من آل محمـد‏.‏ واتبعـه أكثر كتامة وكانوا يسمونه بأبي عبد الله الشيعي والمشرقي‏.‏ وبلغ خبره إلى أمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب فبعث إليه بالتهديد والوعيد فأساء الرد عليه وخاف رؤساء كتامة عادية ابن الأغلـب وأغراهـم عمـال بلادهـم بالشيعـي مثـل موسـى بـن عيـاش صاحب مسيلة وعلي بن حفص بن عسلوجة صاحب سريف‏.‏ وجاء ابن تميم صاحب يلزمة فاجتمعـوا وتفاوضـوا في شأنه وحضر يحيى المساكتي وكان يدعى الأمير ومهدي بن أبي كمارة رئيس لهيعة وفرج بن جمران رئيس أجانة وثمل بـن بحـل رئيـس لطانـة‏.‏ وراسلـوا بيـان بـن صفلـان رئيـس بني سكتان وأبو عبد الله الشيعي عندهم بجبل ايكجان في أن يسلمه إليهم أو يخرجه من بلدهم وحذروه عاقبة أمره فرد أمره إلى أهل العلم فجاؤوا بالعلماء وهموا باغتياله فلم يتم لهم ذلك وأطبقت بجيلة على مظاهرته فهزموا هؤلاء المثيرين عليه وردوهم خائبين‏.‏ ثم راجعوا بيات بن صقلاب في أمره ولاطفوه حتى صفا إليهم وشعر بذلك أبو عبد الله الشيعي وأصحابه فبعثوا إلى الحسن بن هارون الغساني يسألونه الهجرة إليهم فأجابهم ولحق ببلـدة تـازروت مـن بلادهم واجتمعت غسان لنصرته مع بطون كتامة الذين بايعوه من قبل فاعتز وامتنـع وعظـم أمـره‏.‏ ثـم انتفض على الحسن بن هارون أخوه محمد منافسة له في الرياسة وكان صديقـا لمهـدي بن أبي كمارة فداخله في التثريب على أبي عبد الله وعظمت الفتنة بين لهيعة وغسان وولى أبو عبد الله الشيعي الحسن بن هارون على حروبه وظهر بعد أن كان مختفياً‏.‏ وكـان لمهـدي بـن أبـي كمـارة شيخ لهيعة أخ اسمه أبو مديني وكان من أحباب أبي عبد الله فقتل أخاه مهدياً ورأس على لهيعة مكانه فصاروا جميعـاً إلـى ولايـة أبـي عبـد اللـه وأبـي مدينـي ثم تجمعت كتامة لحرب الشيعي وأصحابه ونازلوه بمكانه من تازروت‏.‏ وبعث الشيعي سهل بـن فوكـاش إلـى فحـل بـن نـوح رئيـس لطانـة وكـان صهـره لينجـد لـه عـن حربهم في السلم فمشى إلى كتامة وأبوا إلا أن يناجزوهم الحرب فغلبهم أبو عبد الله وأصحابه وانهزمت كتامة وأبلى عروبة بـن يوسف الملوشي في ذلك اليوم بلاء حسناً واجتمعت إلى أبي عبد الله غسان كلها ويلزمة ولهيعة وعامة بجاية ورئيسهم يومئذ ماكنون بن ضبارة وأبو زاكي تمام بن معارك‏.‏ ولحق بجيلة من بجاية فرج بن خيران ويوسف بن محمد مـن لطانـة وفحـل بـن نـوح واستقـام أمـر الباقـي للشيعي وجمع فتح بن يحيى من أطاعه من قومه مسالمة لحرب الشيعي فسار إليهم وأوقع بهم ولحق فلهم بسطيف‏.‏ ثـم استأمنـوا إليـه فأمنهـم ودخلـوا فـي أمـره وولـى منهـم هـارون بـن يونـس علـى حروبـه‏.‏ ولحـق رئيسهـم فتـح بـن يحيـى بعجيسـة وجمـع ثانية لحربه الشيعي فسار إليه ومعه جموع كتامة وتحصن منه فتح ببعض قلاعهم فحاصره الشيعي وفتحها واجتمعت إليه عجيسة وزواوة وجميع قبائـل كتامـة ورجع إلـى تـازروت وبـث دعاتـه فـي كـل ناحيـة فدخـل النـاس قـي أمـره طوعـاً وكرهـاً‏.‏ ولحـق فتـح بـن يحيـى بالأميـر إبراهيم بن أحمد بتونس واستحثه حرب الشيعي‏.‏ ثم فتح أبو عبد الله مساكتة بمداخلـة بعـض أهلهـا وقتـل صاحبهـا موسى بن عياش وولي عليها ماكنون بن ضبارة الجايي وهو أبـو يوسـف ولحـق إبراهيـم بـن موسـى بـن عيـاش بأبـي العبـاس إبراهيـم بـن الأغلـب بتونـس بعـد خـروج أبيـه إلـى صقليـة‏.‏ وكـان فتـح بـن يحيـى المساكتي قد نزع إليه من قبل ذلك ووعده المظاهرة فجهز العساكر وعقد عليها لابنه أبي خوال وزحف من تونس سنة تسع وثمانين فدوخ كتامة ثم صمد إلى تازروت فلقيه أبو عبد الله الشيعي في جموعه ببلد ملوسة فهزمهم أبو خوال وفر الشيعي من قصر تازروت إلى ايكجان فامتنع بها فهدم أبو خوال القصر واتبعه‏.‏ وتوغل أبو خوال في بلاد كتامة فاضطرب أمره وتوقع البيات‏.‏ وسـار إبراهيـم بـن موسى بن عياش من عسكر أبي خوال إلى نواحي مسيلة يتجسس الأخبار فتواقع مع طائفة من أصحاب الشيعي فهزموه واتبعوه إلى المعسكر فاضطرب وأجفل أبو خوال وخرج من بلاد كتامة واستوطن أبو عبد الله ايكجان وبنى بها بلداً وسماهـا دار الهجـرة‏.‏ واستبصر الناس في أمره ودخلوا في دعوته‏.‏ ثم هلك الحسن بن هارون وجهز أبو العباس العساكر ثانية مع ابنه أبي خوال ورده لحرب الشيعي وكتامة فسار في بلادهم ورجع منهزماً وأقـام قريبـاً منهـم يدافعهـم ويمنعهـم مـن التقـدم‏.‏ وفـي خلـال ذلك هلك إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وقتل ابنه أبو العباس وقام بالأمر ابنه زيادة الله فاستدعى أخاه أبا خوال وقتله وانتقل من تونـس إلى وقادة وانهمك في لذاته وانتشرت جيوش الشيعي في البلاد وعلا أمره وبشرهم بأن وصول المهدي إلى المغرب واعتقاله بسجلماسة ثم خروجه من الاعتقال وبيعته ولمـا توفـي محمـد الحبيـب بـن جعفـر بـن محمـد بـن إسماعيـل الإمام عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له‏:‏ أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بعيدة وتلقى محنا شديدة‏.‏ واتصل خبره بسائر دعاته في إفريقية واليمن وبعث إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم وأنهم في انتظاره‏.‏ وشاع خبره واتصل بالعباسيين فطلبه المكتفي ففر من أرض الشام إلى العراق‏.‏ ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاماً حدثاً وخاصته ومواليه بعد أن كان أراد قصد اليمن فبلغه ما أحدث بها علي بن الفضل من بعد ابن حوشب وأنه أساء السيرة فانثنى عن ذلك واعتـزم علـى اللحـاق بأبـي عبـد اللـه الشيعي بالمغرب فارتحل من مصر إلى الإسكندرية ثم خرج من الإسكندرية في زي التجار‏.‏ وجاء كتاب المكتفي إلى عامل مصر وهو يومئذ عيسى النوشـري بخبرهـم والقعـود لهـم بالمراصـد وكتب نعته وحليته فسرح في طلبهم حتى وقف عليهم وامتحن أحوالهم فلم يقف على اليقين في شيء منها فخلى سبيلهم‏.‏ وجـد المهـدي فـي السيـر وكـان لـه كتب في الملاحم منقولة عن آبائه سرقت من رحله في طريقه فيقـال إن ابنـه أبـا القاسـم استردهـا مـن برقـة حيـن زحـف إلـى مصـر ولما انتهى إلى طرابلس وفارقه التجار أهل الرفقة بعث معهم أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة ومر بالقيروان وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله وهو يسأل عنهم فقبض على أبي العباس وساءله فأنكـر فحبسـه‏.‏ وكتـب إلـى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته وسار إلى قسنطينة‏.‏ ثم عـدل عنهـا خشيـة علـى أبي العباس أخي الشيعي المعتقل بالقيروان فذهب إلى سجلماسة وبها اليسع بن مدرار فأكرمه‏.‏ ثـم جـاء كتـاب زيـادة الله ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيته في كتامة فحبسه اليسع ثم إن أبا عبد الله الشيعي بعد مهلك أبي خوال الذي كان مضايقا لهم اجتمعت إليه سائر كتامة وزحف إلى سطيف فحاصرها مدة وكان بها علي بن جعفر بن عسكوجة صاحبها وأخوه أبو حبيب فملكها وكان بها أيضاً داود بن جاثة من كبار لهيعة لحق بها فيمن لحق من وجوه كتامة فقام بها من بعد علي وأخيه واستأمن أهل سطيف فأمنهم أبو عبد الله ودخلها فهدمها وجهز زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حشيش وكانوا أربعين ألفا فانتهى إلى قسنطينة فأقام بها وهم متحصنون بجبلهم‏.‏ ثم زحف إليهم وواقعهم عند مدينة يلزمة فانهزم إلى باغاية ولحق بالقيروان‏.‏ وكتب الشيعي بالفتح إلى المهدي مع رجال من كتامة أخفوا أنفسهم حتـى وصلـوا إليـه وعرفـوه بالخبـر‏.‏ ثـم زحـف الشيعـي إلـى طبنـة فحاصرهـا وقتـل فتـح وجهز زيادة الله العساكر مع هارون الطبني عامل باغاية فانتهوا إلى مدينة أزمول وكانوا في طاعـة الشيعـي فهدمها هارون وقتل أهلها وزحف إليه عروبة بن يوسف من أصحاب الشيعي فهزمه وقتله‏.‏ ثم فتح الشيعي مدينة ينجبت كلها على يد يوسف الغساني ولحق عسكرها بالقيروان‏.‏ وشاع عن الشيعي وفاؤه بالأمان فأمنـه النـاس وكثـر الأرجـاف بزيـادة اللـه فجهـز العساكر وأزاح العلل وأنفق ما في خزائنه وذخائره وخرج بنفسـه سنـة خمـس وتسعيـن ونـزل الأريس‏.‏ ثم حاد عن اللقاء وأشار عليه أصحابه بالرجـوع إلـى القيـروان ليكـون ردءاً للعساكـر فرجـع وقـدم علـى العساكـر إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته وأمره بالمقام هنالك‏.‏ ثم زحف الشيعي إلـى باغاية فهرب عاملها وملكها صلحاً وبعث إلى مدينة قرطاجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها وسـرح عساكـره فـي إفريقية فرددوا فيها الغارات على قبائل البربر من نفزة وغيرهم‏.‏ ثم استأمن إليه أهل تيفاش فأمنهم واستعمل عليهم صواب بن أبي القاسم السكتاني فجاء إبراهيم بن الأغلـب واقتحمهـا عليـه‏.‏ ثـم نهـض الشيعـي فـي احتفـال مـن العساكـر إلى باغاية ثم إلى سكتانة ثم إلـى تبسـة ففتحهـا كلهـا علـى الأمـان‏.‏ ثـم إلـى القصريـن من قمودة فأمن أهلها وأطاعوه‏.‏ وسار يريد رقـادة فخشـي إبراهيـم بـن أبـي الأغلـب علـى زيـادة الله لقلة عسكره فنهض إلى الشيعي واعترضه ثم سار الشيعي ثانية بعساكره إلى قسنطينة فحاصرها واقتحمها على الأمان ثم إلى قفصة كذلك ثم رجع إلى باغاية فأنزل بها عسكراً مع أبي مكدولة الجيلي‏.‏ ثم صار إلى ايكجان وخالفـه إبراهيـم إلـى باغايـة وبلـغ الخبـر إلـى الشيعـي فسرح لقتاله أبا مديني بن فروخ اللهيمي ومعه عروبـة بـن يوسـف الملوشـي ورجـاء بـن أبـي قنـة فـي اثنـي عشـر ألفـا فقاتلـوا ابن أبي الأغلب ومنعوه من باغاية فرحل عنها واتبعوه إلى فج العرعر ورجعوا عنه‏.‏ ثم زحف أبو عبد الله الشيعي سنـة سـت وتسعيـن فـي مائتـي ألـف مـن العساكـر إلـى إبراهيـم بـن أبـي الأغلـب بالأريس‏.‏ ثم اقتتلوا أياما ثم انهزم إبراهيم واستبيح عسكره وفر إلى القيروان ودخل الشيعي الأريس فاستباحها ثم سار فنزل قمودة واتصل الخبر بزيادة الله وهو برقادة ففر إلى المشرق ونهبت قصـوره‏.‏ وافترق أهل رقادة إلـى القيـروان وسوسـة‏.‏ ولمـا وصـل إبراهيـم بـن أبـي الأغلـب إلـى القيـروان نـزل قصـر الإمارة وجمع الناس وأرادهم على البيعة له على أن يعينوه بالأمـوال فاعتـدوا وتصايحـت بـه العامـة ففـر عنهـا ولحـق بصاحبـه‏.‏ وبلـغ أبـا عبـد اللـه الشيعـي خبر فرارهم بسبيبة فقدم إلى رقادة وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا وأمنوا الناس وجـاء علـى أثرهم‏.‏ وخرج أهل رقادة والقيروان للقائه فأمنهم وأكرمهم ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين ونزل قصرها وأطلق أخاه أبا العباس من الاعتقال ونادى بالأمان فتراجع الناس وفر العمال في النواحي‏.‏ وطلب أهل القيروان فهربوا وقسـم دور البلـد علـى كتامـة فسكنوهـا وجمـع أمـوال زيادة الله وسلاحه فأمر بحفظها وحفظ جواريه واستأذنه لخطباء لمن يخطبون فلم يعين أحدا‏.‏ ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله ومن الآخـر تفـرق أعـداء اللـه وعلـى السلاح عدة في سبيل الله وفي وسم الخيل الملك لله‏.‏ ثـم ارتحل إلى سجلماسة في طلب المهدي واستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك الألجائي واهتز المغرب لخروجه وفرت زناتة من طريقه‏.‏ ثم بعثوا إليه بالطاعة فقبلهم وأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة يتلطفه فقتل الرسل وخرج للقائه‏.‏ فلما تراءى الجمعان انفض معسكره هرب هو وأصحابه وخرج أهـل البلـد مـن الغـد للشيعي وجاؤوا معه إلى محبس المهدي ابنه فأخرجهما وبايع للمهدي ومشى للمهدي ومشى مـع رؤسـاء القبائـل بيـن أيديهما هو يبكي من الفرح ويقول‏:‏ هذا مولاكم حتى أنزله بالمخيم وبعث في طلب اليسع أدرك وجيء به فقتل وأقاموا بسجلماسة أربعين يوماً ثم ارتحلوا إلى إفريقية ومروا بأيكجان فسلم الشيعي ما كان بها من الأموال للمهدي‏.‏ ثـم نزلـوا رقادة في ربيع سبع وتسعين وحضر أهل القيروان وبويع للمهدي البيعة العامة واستقام أمـره وبث دعاته في الناس فأجابوا إلا قليلا عرض عليهم السيف وقسم الأموال والجواري في رجال كتامة وأقطعهم الأعمال ودون الدواوين وجبى الأموال وبعث العمال على البلاد فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الألجائي وعلى صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير فسار إليها ونزل البحر ونزل مازر في عيد أضحى من سنة سبع وتسعين فاستقضى إسحاق بن المنهـال وولـى أخـاه علـى كريت‏.‏ أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى العدوة الشمالية ونزل بسيط قلوريـة مـن بلـاد الإفرنـج فأثخـن فيهـا ورجـع إلـى صقليـة فأسـاء السيرة في أهلها فثاروا به وحبسوه وكتبوا إلى مهدي فقبل عذرهم وولى عليهم مكانه علي بن عمر البلوي فوصل خاتم تسع سعين‏.‏

  مقتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه

لمـا استقـام سلطان عبيد الله المهدي بإفريقية استبد بأمره وكفح أبا عبد الله الشيعي وأخاه أبا العبـاس عـن الاستبـداد عليـه والتحكـم فـي أمـره فعظـم ذلـك عليهمـا وصـرح أبـو العبـاس بما في نفسه فنهـاه أخوه أبو عبد الله عن ذلك فلم يصغ إليه‏.‏ ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه وبلغ ذلك إلى المهدي فلم يصدقه‏.‏ ثم نهى أبا عبد الله عن مباشرة الناس وقال إنه مفسد للهيبة فتلطـف فـي رده ولـم يجبـه إليـه ففسـدت النيـة بينهما واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما أخذه من أموال ايكجان واستأثر به دونهم وألقوا إليهم أن هذا ليس هو الإمام المعصوم الذي دعونـا إليـه حتى بعث إلى المهدي رجل كان في كتامة يعرف بشيخ المشايخ وقال له جئنا بآية على أمرك فقد شككنا فيك فقتله المهدي ثم عظمت استرابتهم واتفقوا على قتـل المهـدي وداخلهم في ذلك أبو زاكي تمام بن معارك وغيره من قبائل كتامة‏.‏ ونمـي الخبـر إلـى المهـدي فتلطـف فـي أمرهـم وولـى مـن داخلهـم مـن قـواد كتامـة على البلاد فبعث تمام بـن معـارك علـى طرابلـس وبعـث إلـى عاملهـا ماكنـون بقتله فقتله عند وصوله‏.‏ ثم اتهم المهدي ابن الغريم بمداخلتهم وكان من أصحاب زيادة الله فأمر بقتله واستصفاء أمواله وكان أكثرها لزيادة الله‏.‏ ثم إن المهدي استدعى عروبة بن يوسف وأخاه حباسة وأمرهما بقتل الشيعي وأخيه فوقفا لهما عند القصر وحمل عروبة على أبي عبد الله فقال له لا تفعل فقال الذي أمرتنـا بطاعته أمرنا بقتلك ثم أجهز عليهما في نصف جمادى سنة ثمان وتسعين‏.‏ ويقال إن المهدي صلى على أبي عبد الله وترحم عليه وعلم أن الذي حمله على ذلك إغراء أبي العباس أخيه وثارت فتنة بسبب قتلهما من أصحابهما فركب المهدي وسكنها‏.‏ ثم ثارت فتنة أخرى بين كتامة وأهل القيروان وفشا القتل فيهم فركب المهدي وسكنها وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة وقتل جماعة من بني الأغلب برقادة لما رجعوا إليها بعد زيادة الله‏.‏ ولما استقام أمر المهدي بعد الشيعي جعل ولاية عهده لابنه أبي القسم نزار وولى على برقة وما إليها حباسة بن يوسف‏.‏ وعلى المغـرب أخـاه عروبـة وأنزلـه باغايـة فسـار إلـى تاهـرت فاقتحمها وولى عليها دواس بن صولات اللهيص‏.‏ ثم انتقضت عليه كتامة بقتله أبا عبد الله الشيعـي ونصبـوا طفـلا لقبـوه المهـدي وزعمـوا أنه نبي وأن أبا عبد الله الشيعي لم يمت فجهز ابنه أبا القاسم لحربهم فقاتلهم وهزمهم وقتل الطفل الذي نصبوه وأثخن فيهم ورجع ثم انتقض أهل طرابلـس سنـة ثلاثمائـة وأخرجـوا عاملهـم ماكنون فبعث إليهم ابنه أبا القاسم فحاصرها طويلا ثم فتحهـا وأثخـن فيهم وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار‏.‏ ثم أغزى ابنه أبا القاسم وجموعه كتامة سنة إحدى وثلاثمائة إلى الإسكندرية ومصر وبعث أسطوله فـي البحـر فـي مائتيـن مـن المراكـب وشحنها بالإمداد وعقد عليها لحباسة بن يوسف وسارت العساكر فملكوا برقة ثم الإسكندرية والفيوم‏.‏ وبعث المقتدر العساكر من بغداد مع سبكتكين ومؤنس الخادم فتواقعوا مرات وأجلاهم عن مصـر فرجعـوا إلـى المغـرب‏.‏ ثـم عـاد حباسـة فـي العساكر في البحر سنة اثنتين إلى الإسكندرية فملكها وسار يريد مصر فجاء مؤنس الخادم من بغداد لمحاربته فتواقعوا مرات وكان الظهور آخـراً لمؤنـس وقتـل مـن أصحابه نحو من سبعة آلاف‏.‏ وانصرف إلى المغرب فقتله المهدي وانتقض لذلك أخوه عروبة بالمغرب واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبربر‏.‏ وسرح إليهم المهدي مولاه غالباً في العساكر فهزمهم وقتل عروبة وبني عمه في أمم لا تحصى‏.‏ ثم انتقض أهل صقلية وتقبضوا على عاملهم علي بن عمرو وولوا عليهم أحمد بن قهرب فدعا للمقتدر العباسـي وذلك سنة أربع وثلاثمائة‏.‏ وخلع طاعة المهدي وجهز إليه الأسطول مع الحسن بن أبي خنزير فلقيه أسطول بن قهرب فغلبه وقتل ابن أبي خنزير‏.‏ ثم راجع أهل صقلية آمرهم وكاتبوا المهدي وثاروا بابن قهرب فخلعوه وبعثوا به إلى المهدي فقتلـه علـى قبـر ابن أبي خنزير وولى على صقلية علي بن موسى بن أحمد وبعث معه عساكر كتامـة‏.‏ ثـم اعتـزم المهـدي علـى بنـاء مدينة على ساحل البحر يتخذها معصماً لأهل بيته لما كان يتوقعه على الدولة من الخوارج‏.‏ ويحكى عنه أنه قال‏:‏ بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعـة مـن نهـار وأراهـم موقـف صاحـب الحمار بساحتها فخرج بنفسه يرتاد موضعا لبنائها ومر بتونس وقرطاجنة حتى وقف على مكانها جزيرة متصلة بالبر كصورة كف اتصلـت بزنـد فاختـط المهديـة بهـا وجعلهـا دار ملكـه وأدار بها سورا محكما وجعل لها أبوابا من الحديد وزن كل مصراع مائة قنطار وابتدأ ببنائها آخر سنة ثلاث‏.‏ ولما ارتفع السور رمى من فوقه بسهم إلى ناحية المغرب ونظر إلى منتهاه وقـال‏:‏ إلـى هـذا الموضـع يصـل صاحـب الحمـار يعنـي أبا يزيد‏.‏ ثم أمر أن يبحث في الجبل لإنشاء السفـن تسعمائة سفين وبحث في أرضها أهراء للطعام ومصانع للماء وبنى فيها القصور والدور فكملت سنة ست ولما فرغ منها قال اليوم أمنت على الفواطم‏.‏ ثـم جهـز ابنـه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر مرة ثانية سنة سبع وثلاثمائة فملك الإسكندرية ثم سـار فملـك الجيـزة والأشمونيـن وكثيـراً مـن الصعيـد‏.‏ وكتـب إلـى أهـل مكة بطلب الطاعة فلم يجيبوا إليها وبعث المقتدر مؤنسا الخادم في العساكر وكانت بينه وبين أبي القاسم عدة وقعات ظهر فيها مؤنس وأصاب عسكر أبي القاسم الجهد من الغلاء والوباء فرجع إلـى إفريقيـة وكانـت مراكبهم قد وصلت من المهدية إلى الإسكندرية في ثمانين أسطولا مدداً لأبي القاسم وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامي وكانا شجاعيـن وسـار الأسطـول مـن طرسـوس للقائهـم فـي خمسة وعشرين مركباً والتقوا على رشيد وظفرت مراكب طرسوس وأحرقوا وأسروا سليمان ويعقوب فمات سليمان في حبس مصر‏.‏ وهرب يعقوب من حبس بغداد إلى إفريقية‏.‏ ثـم أغـزى المهـدي سنـة ثمـان مضالة بن حبوس في رجالات مكناسة إلى بلاد المغرب فأوقع بملك فـاس مـن الأدارسـة وهـو يحيـى بن إدريس بن إدريس بن عمرو واستنزله عن سلطانه إلى طاعة المهدي فأعطى بها صفقته وعقد لموسى بن أبي العافية المكناسي من رجالات قومه على أعمـال المغـرب ورجـع‏.‏ ثـم عـاود غـزو المغرب سنة تسع فدوخه ومهد جوانبه وأغراه قريبه عامل المغرب موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس صاحب فاس فتقبض عليه وضم فاس إلى أعمال موسى ومحا دعوة الإدريسية من المغرب وأجهضهم عن أعماله فتحيزوا إلى بلاد الريف وغمارة واستجدوا بها ولاية كما نذكره في أخبار غمارة‏.‏ ومنهم كان بنو حمود العلويون المستولون على قرطبة عند انقراض ملك الأمويين في سنة ثلاث وأربعمائة كما نذكر هنالك ثم صمد مضالة إلى بلاد سجلماسة فقتل أميرها من آل مدرار المكناسيين المنحرف عن طاعة الشيعة وعقد لابن عمه كما نذكر في أخبارهم‏.‏ وسار في أتباعـه زناتـة فـي نواحـي المغـرب فكانـت بينـه وبينهـم حـروب هلـك ضالـة فـي بعضهـا على يد محمد بـن خـرز‏.‏ واضطـرب المغـرب فبعـث المهـدي ابنه أبا القاسم غازيا إلى المغرب في عساكره كتامة وأولياء الشيعة سنة خمس عشرة وثلاثمائة ففر محمد بن خزر وأصحابه إلى الرمال‏.‏ وفتح أبو القاسم بلد مزاتة ومطماطة وهوارة وسائر الإباضية والصفرية ونواحي تاهرت قاعدة المغـرب الأوسـط إلـى مـا وراءهـا ثـم عـاج إلـى الريـف فافتتـح بلـد لكور من ساحل المغرب الأوسط ونازل صاحب جراوة من آل إدريس وهو الحسن بن أبي العيش وضيـق عليـه ودوخ أقطـار المغـرب ورجـع ولـم يلـق كيـداً‏.‏ ومـر بمكان بلد المسيلة وبها بنو كملان من هوارة وكان يتوقع منهم الفتنة فنقلهم إلى فج القيروان وقضى الله أن يكونوا أولياء لصاحب الحمار عند خروجه‏.‏ ولما نقلهم أمر ببناء المسيلة في بلدهم وسماها المحمدية ودفع علي بن حمدون الأندلسي من صنائع دولتهـم إلـى بنائهـا وعقـد لـه عليهـا وعلـى الزاب بعد اختطاطها فبناها وحصنها وشحنها بالأقوات فكانت مدداً للمنصور في حصار صاحب الحمار كما يذكر‏.‏ ثم انتقض موسى بن أبي العافية عامل فاس والمغرب وخلع طاعة الشيعة وانحرف إلى الأموية من وراء البحر وبث دعوتهم في أقطار المغرب فنهض إليه أحمد بن بصلين المكناسي قائد المهدي وسار في العساكر فلقيه ميسور وهزمه وأوقع به وبقومه مكناسة وأزعجه عن الغرب إلى الصحارى وأطراف البلاد ودوخ المغرب وثقف أطرافه ورجع ظافراً‏.‏

  وفاة عبيد الله المهدي وولاية ابنه أبي القاسم

ثـم توفـي عبيـد اللـه فـي ربيـع سنـة اثنتيـن وعشريـن لأربـع وعشريـن سنـة من خلافته وولي ابنه أبو القاسم محمد ويقال نزار بعده ولقب القائم بأمر الله فعظم حزنه على أبيه حتى يقال أنه لم يركب سائر أيامه إلا مرتين وكثر عليه الثوار‏.‏ وثار بجهات طرابلس ابن طالوت القرشي وزعم أنه ابن المهدي وحاصر طرابلس‏.‏ ثم ظهر للبربر كذبه فقتلوه‏.‏ ثم أغزى المغرب وملكه وولى على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذابي وحاصر الأدارسة ملوك الريف وغوارة فنهض ميسور الخصي من القيروان في العساكر ودخل المغرب وحاصر فاس واستنزل عاملها أحمد بن بكر‏.‏ ثم نهض في اتباع موسى كانت بينهما حروب وأخذ الثوري بن موسى في بعضها أسيرا وأجلاه ميسور عن مغرب وظاهره عليه الأدارسة الذين بالريف وانقلب ميسـوراً إلـى القيروان سنة أربع وعشرين وعقد للقاسم بن محمد كبير أدارسة الريف من ولد محمد بن إدريس على أعمال بن أبي العافية وما يفتحه من البلاد فملك المغرب كلها ما عدا فاس وأقام دعوة الشيعة بسائر أعماله‏.‏ ثم جهز أبو القاسم اسطولا ضخما لغزو ساحل الإفرنجة وعقد عليـه ليقـرب بـن إسحـاق فأثخـن في بلاد الإفرنجة وسبى ونازل بلد جنوة وافتتحها وعظم صنع اللـه فـي شأنهـا ومـروا بسردانيـة مـن جـزر الفرنـج فأثخنـوا فيها‏.‏ ثم مروا بقرقيسا من سواحل الشام فأحرقوا مراكبها‏.‏ ثم بعث عسكراً إلى مصر مع خادمه زيران فملكوا الإسكندرية وجاءت عساكر الأخشيد من مصر فأزعجوهم عنها ورجعوا إلى المغرب‏.‏

  أخبار أبي يزيد الخارجي

وهو أبو يزيد مخلد بن كيراد وكان أبوه كيراد من اهل قسطيلة من مدائن بلد تـوزر وكـان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة وبها ولد ولده أبو يزيد ونشأ بتوزر‏.‏ وتعلم القرآن وخالط النكارية من الخوارج وهم الصفرية فمال إلى مذهبهم وأخذ به ثم سافر إلى تاهرت وأقام بها يعلـم الصبيـان‏.‏ ولمـا صـار الشيعـي إلى سجلماسة في طلب المهدي هو إلى تقيوس وأقام يعلم‏.‏ فيهـا‏.‏ وكـان يذهـب إلى تكبير أهل ملته واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان‏.‏ ثم أخـذ نفسـة بالحسبـة علـى النـاس وتغييـر المنكـر بسنـة سـت عشـرة وثلاثمائـة فكثر أتباعه‏.‏ ولما مات المهدي خرج بناحية جبل أوراس وركب الحمار وتلقب بشيخ المؤمنين ودعا للناصر صاحب الأندلس هن بني أمية فاتبعه أمم من البربر‏.‏ وزحف إليه عامل باغاية فلقيه في جموع البربر وهزمه وزحف إلى باغاية فحاصرها ثم انهزم عنها وكتب إلى بني واسى من قبائل زناتة بضواحي قسنطينة يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلانين‏.‏ ثم فتح تبسة صلحاً ومجانة كذلك وأهدى له رجل من أهل مرماجنة حماراً أشهب فكان يركبه وبه لقب وكـان يلبس جبة صوف قصيرة ضيقة الكمين‏.‏ وكان عسكر الكتاميين على الأريس فانفضوا وملكها أبو يزيد وأحرقها ونهبها وقتل في الجامع مـن لجـأ إليـه وبعـث عسكـراً إلـى سبيبـة ففتحهـا وقتـل عاملهـا‏.‏ وبلـغ الخبـر إلـى القاسم فقال لا بد أن يبلغ المصلى من المهدية‏.‏ ثم جهز العساكر وبعثها إلى رقادة والقيروان وبعث خادمه ميسوراً الخصـي لحربـه وبعـث عسكراً مع خادمه بشرى إلى باجة فنهض إليه أبو يزيد وهزمه إلى تونس ودخل أبو يزيد باجة فنهبها وأحرقها وقتل الأطفال وسبى النساء واجتمع إليـه قبائـل البربـر واتخـذ الأبنيـة والبيـوت وآلـات الحـرب وبعـث إليـه بشرى عسكراً من تونس‏.‏ وبعث أبو يزيد للقائهم عسكراً آخر فانهزم أصحاب أبي يزيد وظفر أصحاب بشرى‏.‏ ثم ثار أهل تونس ببشرى فهرب فاستأمنوا لأبي يزيد فأمنهم وولى عليهم وسار إلى القيروان وبعث القائم خديمه بشرى للقائه وأمره أن يبعث من يتجسس عن أخباره فبعث طائفة وبعث أبو يزيد طائفة أخرى فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم أربعة آلاف وجيء بأسراهم إلى المهدية فقتلوا فسار أبو يزيد إلى قتال الكتاميين فهزم طلائعهم وأتبعهم إلى القيروان ونزل على رقادة في مائتي ألف مقاتل وعاملهـا يومئـذ خليـل بـن إسحـاق وهـو ينتظـر وصـول ميسـور بالعساكـر ثـم ضايقـه أبو يزيد وأغراه الناس بالخروج فخرج وهزمه أبو يزيد فمضى إلى القيروان‏.‏ ودخـل أبـو يزيـد وقـادة فعـاث فيها وبعث أيوب الزويلي في عسكر إلى القيروان فملكها في صفر سنة ثلاث وثلاثين ونهبها وأمن خليلا فقتله أبو يزيد وخرج إليه شيوخ أهل القيروان فأمنهم ورفـع النهب عنهم وزحف ميسور إلى أبي يزيد وكان معه أبو كملان فكاتبوا أبا يزيد وداخلوه في الغدر بميسور‏.‏ وكتب إليه القائم بذلك فحفرهم فطردهم عنه‏.‏ ولحقوا بأبي يزيد وسار معـه إلـى ميسـور فانهـزم ميسور وقتله بنو كملان وجاؤوا برأسه فأطافه بالقيروان وبعث بالبشرى إلى البلاد‏.‏ وبلغت هزيمة ميسور إلى القائم بالمهدية فاستعد للحصار وأمر بحفر الخنادق وأقام أبو يزيد سبعين عاماً في مخيم ميسور وبث السرايا في كل ناحية يغنمون وبعودون وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها عنوة واستباحوها وخرب عمران افريقيـة مـن سائـر الضواحـي ولحـق فلهـم بالقيروان حفاة عراة‏.‏ ومات أكثرهم جوعاً وعطشاً‏.‏ ثـم بعـث القائـم إلى رؤساء كتامة والقبائل وإلى زيري بن مناد ملك صنهاجة بالمسير إلى المهدية فتأهبوا لذلك وسمع أبو يزيد بخبرهم فنزل على خمسة فراسخ من المهدية وبث السرايا في جهاتها وسمع كتامة بافتراق عسكره في الغارة فخرجوا لبياته آخر جمادى الأول‏.‏ وكان ابنه فضـل قـد جـاء بالمدد من القيروان فبعثه للقاء كتامة وركب في أثرهم ولقي أصحابه منهزمين‏.‏ ولمـا رآه الكتاميـون انهزمـوا بغيـر قتـال واتبعهـم أبـو يزيـد إلـى بـاب المهدية ورجع‏.‏ ثم جاء أيام لقتالهم فوقـف علـى الخندق المحدث وعليه جماعة من العبيد فقاتلهم ساعة وهزمهم وجاوز السور إلى البحر ووصل المصلى على رمية سهم من البلد والبربر يقاتلون من الجانب الآخر‏.‏ ثم حمل الكتاميون عليهم فهزموهم وبلغ ذلك أبا يزيد وسمع بوصول زيري بن مناد فاعتزم أن يمر بباب المهدية ويأتي زيري وكتامـة مـن ورائهـم فقاتلـوا أهـل الأربـاض ومالـوا عليـه لمـا عرفـوه ليقتلـوه وتخلص بعد الجهد ووصل إلى منزله فوجدهم يقاتلون العبيد كما تركهم فقوي أصحابه وانهزم العبيد‏.‏ ثم رحل وتأخر قليلا وحفرعلى معسكره خندقاً واجتمع عليه خلق عظيم من البربر ونفوسة والـزاب وأقاصـي المغـرب وضيـق على أهل المرية ثم زحف إليها آخر جمادى فقاتلها وتورط في قتالها يومه ذلك‏.‏ ثم خلص وكتب إلى عامل القيروان أن يبعث إليه مقاتلتها فجاؤوا وزحف بهـم آخـر رجـب فانهـزم وقتـل مـن أصحابه‏.‏ ثم زحف الزحف الرابع آخر شوال ولم يظفر ورجع إلى معسكره واشتد الحصار على أهل المهدية حتى أكلوا الميتات والدواب وافترق أهلها في النواحي ولم يبق بها إلا الجند‏.‏ وفتح القائم أهراء الزرع التي أعدها المهدي وفرقها فيهم‏.‏ ثم اجتمعت كتامة وعسكروا بقسنطينة فبعث إليهم أبو يزيد بعثاً من ورجومة وغيرهم فهزموا كتامة ووافت أبا يزيد حشود البربر من كل ناحية وأحاط بسوسة وضيق عليها‏.‏ ثـم انتقـض البربـر عليـه بمـا كان منه من المجاهرة بالمحرمات والمنافسة بينهم فانفضوا عنه ورجع إلى القيروان سنة أربع وثلاثين‏.‏ وغنم أهل المهدية معسكره وكثر عبث البربر في أمصار إفريقية وضواحيها وثار أهل القيروان بهم وراجعوا طاعة القائم‏.‏ وجاء على بن حمدون من المسيلة بالعساكـر فبيتـه أيوب بن أبي يزيد وهزمه وسار إلى تونس وجاءت عساكر القائم فواقعوه مرات وانهـزم إلـى القيـروان فـي ربيـع سنـة أربـع وثلاثيـن‏.‏ فبعـث أيـوب ثانيـة لقتـال علـي بن حمدون ببلطة‏.‏ وكانـت حروبـه معـه سجـالا إلـى أن اقتحـم عليـه البلـد بمداخلـة بعـض أهلهـا‏.‏ ولحـق ابـن حمدون ببلاد كتامة واجتمعت قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وعسكروا بقسطنطينة‏.‏ وبعث ابن حمدون العساكر إلى هوارة فأوقعوا بهم وجاءهم مدد أبي يزيد فلم يغن عنهم‏.‏ وملـك ابـن حمـدون مدينـة يتجسـت وباغايـة‏.‏ ثـم زحـف أبـو يزيـد إلـى سوسـة فـي جمـادى الآخـر من سنته وبها عسكر القائم وتوفي القائم وهو بمكانه من حصارها‏.‏

  وفاة القائم وولاية ابنه المنصور

ثم توفي القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب افريقية بعد أن عهد إلى ولده إسماعيل بعده وتلقب بالمنصور وكتم موت أبيه حذراً أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة فلم يسم بالخليفة ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود الى أن فرغ من أمر أبي يزيد يذكر‏.‏

  بقية أخبار أبي يزيد ومقتله

ولما مات القائم كان أبو يزيد محاصر السوسة كما تقدم وقد جهد أهلها الحصار فلما ولي إسماعيـل المنصـور وكـان‏.‏ أول عملـه أن بعـث الأساطيـل مـن المهدية إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والأمتعة والميرة مع رشيق الكاتب ويعقوب بن إسحاق وخرج بنفسه في أثرهم وأشار أصحابه بالرجوع فرجع ووصل الأسطول إلى سوسة وخرجوا لقتال أبي يزيد وعساكر سوسة معهم فانهزم أبو يزيد واستبيح معسكره نهباً وإحراقاً ولحق بالقيروان فمنعه أهلها من الدخول وثـاروا بعاملـه فخـرج إليه ورحل إلى سبيبة وذلك أواخر شوال سنة أربع‏.‏ وجاء المنصور إلى القيروان وأمن أهلها وأبقى على حرم أبي يزيد وأولاده وأجرى عليهم الرزق وخرجت سرية مـن عسكـر المنصـور لاستكشـاف خبـر أبـي يزيـد‏.‏ وجاءت أخرى من معسكر أبي يزيد لمثل ذلك فالتقوا وانهزمت سرية المنصور فقوي أبو يزيد بذلك وكثر جمعه وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عسكره وقاتلهم أبو يزيد فكان الظفر أول يوم للمنصور ثم قاتلهم ثانيا فانهزموا وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهدية وسوسة‏.‏ ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليـه رحـل أواخـر فـي القعـدة ثـم رجـع فقاتلهـم وكانـت الحـرب سجالا وبعث السرايا إلى طريق المهدية وسوسة نكاية فيهم وبعث إلى المنصور في حرمه وأولـاده فبعثهـم إليـه بعـد أن وصلهـم‏.‏ وقـد كان أقسم على الرحيل فلما وصلوا إليه نكث وقاتلهم خامس المحرم سنة خمس وثلاثين فهزمهم‏.‏ ثم عبى المنصور عساكره منتصف المحرم وجعل البرابـر فـي الميمنـة وكتامـة فـي الميسـرة وهـو وأصحابـه فـي القلـب‏.‏ وحمـل أبـو يزيـد علـى الميمنـة فهزمهـا ثم على القلب فلقيه المنصور واشتد القتال‏.‏ ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم وأسلم أثقاله وعسكره وقتل خلق من أصحابه وبلغت رؤوس القتلى الذي في أيدي صبيان القيروان عشرة آلاف ومضى أبو يزيد لوجهـه ومـر بباغايـة فمنعـه أهلهـا مـن الدخـول فأقـام يحاصرهـا ورحل المنصور في ربيع الأول لأتباعه واستخلف على المهدية مراماً الصفلي وأدركه علـى باغايـة فأجفل المنصور في أتباعه‏.‏ وكلما قصد حصنا سبقه المنصور إليه إلى أن نزل المنصور طبنة فجاءته رسل محمد بـن خـزر أميـر مغـراوة مـن أصحـاب أبـي يزيـد ومواطئـه بالغـرب الأوسط فاستأمن للمنصور فأمنه وأمره بطلب أبي يزيد‏.‏ ووصـل أبـو يزيـد إلى بني برزال وكانوا نكارية وبلغه خبر المنصور في أتباعه فسلك الرملة‏.‏ ثم عـاد نواحـي غمـرة فصـادف المنصـور وقاتلـه فانهـزم أبـو زيـد إلـى جبـل سالـات والمنصور في أثره في جبـال وأوعار ومضايق تفضي إلى القفر وأصابهم الجهد وعلم أنه ليس أمامه إلا المفازة إلى بلاد السودان فرجع إلى غمرة من بلاد صنهاجة‏.‏ ووفد عليه هنالك زيري بن مناد أمير صنهاجة فأكرمـه ووصلـه كما يجب له‏.‏ وجاء كتاب محمد بن جزر بالمكان الذي فيه أبو يزيد من المفازة وأقـام المنصـور هنالـك لمرض أصابه فرجع أبو يزيد إلى المسيلة وحاصرها‏.‏ فلما عوفي المنصور رحل أول رجب سنة خمـس وثلاثيـن وقصـده فأفـرج عـن المسيلـة وقصـد المفـازة يريـد بلـاد السـودان فأبـى عليـه بنـو كملـان أصحابـه فرجعوا إلى جبال كتامة وعجيسة فتحصنوا بها‏.‏ وجاء المنصور فنزل بساحتهم عاشر شعبان ونزل أبو يزيد فقاتلهم فانهـزم وأسلـم عسكـره وأولـاده وطعنه بعض الفرسان فأكبه وحامى عنه أصحابه فقتل في الحومة ما يزيد على عشرة آلاف وتخلص‏.‏ ثم سار المنصور في أثره أول رمضان ولم يقدر أحد من الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وصعوبته‏.‏ ثم انهزم أبو يزيد لما ضرسه الحرب وترك أثقاله وساروا إلى رؤس الجبال يرمون بالصخر وتزاحفوا حتى تعانقوا بالأيدي وكثر القتل‏.‏ ثم تحاجزوا وتحصن أبو يزيد بقلعة كتامة واستأمـن الذيـن معه من هوارة فأمنهم المنصور وحصر أبا يزيد في القلعة وقاتلها غير مرة حتى افتتحها عنوة وأضرمها ناراً وقتل أصحاب أبي يزيد في كل ناحية وجمع أهله وأولاوده في القصر وأظلم الليل فأمر المنصور بإشعال النيران في الشعراء المحيطة بالقصر حتى أضاء الليل لتكون أحواله بمرأى منهم حذراً من فراره حتى خرج الليل وحمل في أصحاب المنصور حملة منكرة فأفرجوا له وأمر المنصور بطلبه فألفوه وقد حمله ثلاثة من أصحابه لأنه كان جريحـا فسقـط مـن الوعـر وارتـث فحملـوه إلـى المنصـور فسجـد سجـدة الشكر وأقام عنده إلى سلخ المحرم مـن سنـة ست وثلاثين‏.‏ ثم هلك من الجراحة التي به فأمر بسلخ جلده وحشوه تبناً واتخذ له قفصـا فأدخـل فيـه مـع قرديـن يلاعبانه بعثاله‏.‏ ورحل إلى القيروان والمهدية ولحق ابنه فضل بمعبد بـن خـزر وزحـف بـه إلـى طبنة وبسكرة‏.‏ وقصد المنصور فانهزم معبد وصعد إلى كتامة فبعث إليه العساكر مع مولييه شفيع وقيصر ومعهما زيري بن مناد في صنهاجة فانهزم فضل ومعبد وافترق جمعهم ورجع المنصور إلى القيروان فدخلها‏.‏

  بقية أخبار المنصور

ثم انتقض حميد بن يضلبتن عامل المغرب وانحرف عن طاعة الشيعة ودعا للأموية من وراء البحـر وزحـف إلـى تاهـرت فحاصرهـا فنهـض إليـه المنصـور فـي صفـر سنـة سـت وثلاثيـن وجـاء إلى سوق حمزة فأقام به‏.‏ وحشد زيري بن مناد جموع صنهاجة من كل ناحية ورحل مع المنصور فأخرج حميد عن تاهرت وعقد عليها ليعلى بن محمد اليفرني وعقد لزيري بن مناد على قومه وعلى سائر بلادهم‏.‏ ثم رحل لقتال لواتة فهربوا إلى الرمال وأقام هو على وادي ميناس وكان هنالـك ثلاثـة جبـال كـل منهـم عليـه قصـر مبنـي بالحجـر المنحـوت فوجـد فـي وجـه أحد هذه القصور كتابة على حجر فسيح فأمر المنصور التراجمة بقراءته وإذا فيه أنا سليمان السردغوس خالف أهـل هـذا البلـد علـى الملـك فبعثنـي إليهـم ففتـح الله عليهم وبنيت هذا البناء لأذكر به‏.‏ ذكر هذه الغريبة ابن الرقيق في تاريخه‏.‏ ثم رحل المنصور إلى القيروان بعد أن خلع على زيري بن مناد وحمله ودخل المنصورية في جمـادى سنـة ست وثلاثين فبلغه أن فضل بن أبي يزيد جاء إلى جبل أوراس وداخل البربر في الثـورة فخـرج إليـه المنصـور فدخل الرمل ورجع المنصور إلى القيروان ثم إلى المهدية ورجع فضل بن أبي يزيد إلى باغاية‏.‏ وأقام يحاصرها فغدر به باطيط وبعث برأسه إلى المنصور‏.‏ ثـم عقـد سنـة تسـع وثلاثيـن للحسيـن بـن علـي بـن أبـي الحسيـن الكلبـي علـى صقلية وأعمالها وكانت لخليل بن إسحاق فصرفه الحسين واستقل بولايتها فكان له فيها ولبنيه ملك سنذكره‏.‏ وبلغ المنصور أن ملك إفرنجة يريد غزو المسلمين فأخرج أسطوله وشحنه بالعساكر لنظر مولاه فرج الصقلي وأمر الحسين بن علي عامل صقلية بالخروج معه فأجازوا البحر إلى عدوة الإفرنجة ونزلوا قلورية ولقيهم رجاء ملك الفرنجة فهزموه‏.‏ وكان فتحاً لا كفاء له وذلـك سنـة أربعيـن وثلاثمائـة ورجـع فرج بالغنائم إلى المهدية سنة اثنين وأربعين وكان معبد بن خزر بعد مظاهرته لفضل بن أبي يزيـد لـم يـزل منتقضـا وأوليـاء المنصـور فـي طلبـه حتـى أخـذ فـي بعـض الوقائـع وسيـق مـع وفاة المنصور وولاية ابنه المعز ثم توفي المنصور إسماعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين لسبع سنين من خلافته أصابه الجهد من مطر وثلج تجلد على ملاقاته ودخل على أثره الحمام فعيت حرارته ولازمـه السهـر فمـات‏.‏ وكـان طبيبـه إسحـاق بـن سليمان الإسرائيلي قد نهاه عن الحمام فلم يقبل‏.‏ وولى الأمر بعده ابنه معد ولقب المعز لدين الله فاستقام أمره وخرج لجبل أوراس سنة اثنتين وأربعين وجالت فيه عساكره واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة ودخلوا في طاعته فأمنهم وأحسن إليهم‏.‏ واستأمن إليه محمد بن خزر بعد مقتل أخيه معبد فأمنه ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر وعقد له على باغاية فدوخ البلاد وأحسن إلى الناس وألـف مـن كـان شـارداً مـن البربـر ورجـع بهـم إلى القيروان فأكرمهم المعز ووصلهم‏.‏ ثم وفد بعدهم محمد بن خزر أمير مغراوة فلقاه مبرة وتكريماً‏.‏ وأقام عنده بالقيروان إلى أن هلك سنة ثمان وأربعين‏.‏ واستقدم المعز زيري بن مناد سنة ثلاث وأربعين أمير صنهاجة فقدم من أستير فأجزل صلته ورده إلـى عملـه‏.‏ وبعـث إلـى الحسيـن بـن علـي عامـل صقليـة سنـة أربـع وأربعين أن يخرجه بأسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الأندلس فعاث فيه وغنم وسبى ورجع فأخرج الناصر صاحـب الأندلس أسطوله إلى سواحل إفريقية مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر وأقلعوا‏.‏ ثـم عـاودوا سنـة خمـس وأربعيـن فـي سبعيـن مركبا فأحرقوا مرسى الخزر وعاثوا في جهات سوسة ثم في نواحي طبرنة ورجعوا‏.‏ واستقام أمر المعز في بلاد إفريقية والمغرب واتسعت إيالته وكانت أعماله من إيفكـان خلـف تاهرت بثلاثة مراحل إلى زناتة التي دون مصر وعلى تاهرت وإيفكان يعلى بن محمد اليفرني وعلـى أشيـر وأعمالهـا زيـري بـن منـاد الصنهاجـي وعلـى المسيلـة وأعمالهـا جعفر بن علي الأندلسي وعلى باغية وأعمالها قيصر الصقلي‏.‏ وكان على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامـي وعلـى سجلماسـة محمـد بـن واسـول المكناسي‏.‏ ثم بلغه سنة سبع وأربعين أن يعلى بن محمد اليفرني داخل الأمويـة مـن وراء البحـر وأن أهـل المغـرب الأقصـى نقضـوا طاعـة الشيعـة فأغزى جوهراً الصقلي الكاتب إلى المغرب بالعساكر وكان على وزارته وخرج معه جعفر بن علي صاحب المسيلة وزيري بن مناد صاحب أشير وتلقاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الأوسط‏.‏ ولمـا ارتحـل عـن إيفكـان وقعت هيعة في أصحاب صيلة وقيل له إن بني يعرب أوقعوها فتقبض على يعلى وناشته سيوف كتامة لحينه وخرب إيفكان وأسر ابنه يدو بن يعلى وتمادوا إلى فـاس ثـم تجاوزوها إلى سلجماسة فأخذها وتقبض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذي تلقب بأميـر المؤمنيـن مـن بنـي واسـول وولى ابن المعتز من بني عمه مكانه ودوخ المغرب إلى البحر‏.‏ ثم رجع إلى فاس وحاصرها وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي وقاتلهـا مـدة فامتنعـت عليـه وجاءتـه هدايا الأمراء الأدكرنية من السوس‏.‏ ثم رحل إلى سلجماسة وبها محمد بـن واكول من مكناسة وقد تلقب بأمير المؤمنين الشاكر لله وضرب السكة باسمه تقدست عزة اللـه فلمـا سمـع بجوهر هرب ثم أخذ أسيراً وجيء به إلى جوهر وسار عن سلجماسة وافتتح البلـاد فـي طريقـه‏.‏ ثـم عـاد إلـى فـاس وأقـام في حصارها إلى أن افتتحها عنوة على يد زيري بن مناد تسنم سوارها ليلا ودخلها وتقبض على أحمد بن بكر وذلك سنة ثمان وأربعين وولى عليهـا مـن قبلـه وطـرد عمال بني أمية من سائر المغرب‏.‏ وانقلب إلى القيروان ظافراً عزيزاً وضم تاهرت إلى زيري بن مناد‏.‏ وقدم بالفاطميين وبأحمد بن بكر وبمحمد بن واسال أسيرين في قفصين ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود‏.‏ وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مولييه فيصر ومظفر وكانا متغلبين على دولته فقبض عليهما سنة تسع أربعين وقتلهما‏.‏ وفي سنة خمسين كان تغلب النصارى على جزيرة إقريطش وكان بها أهل الأندلس من جالية الحكـم بن هشام بسبب ثورة الرفض ففر بهم إلى الإسكندرية فثاروا بها وعبد الله بن طاهر يومئـذ عامل مصر فحاصرهم بالإسكندرية حتى نزلوا على الأمان وأن يجيزوا البحر إلى جزيرة إقريطش فعمروها ونزلوها منذ تلك الأيام وأميرها أبو حفص البلوطي منهم واستبد بها وورث بنـوه رياسـة فيها إلى أن نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب واقتحموها عليهم عنوة وقتلوا منهم وأسروا وبقيت في أيدي النصارى لهذا العهد والله غالب على أمره‏.‏ وافتتح صاحب صقلية سنة إحدى وخمسين قلعة طرمين من حصون صقلية بعد حصـار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف للحصار وأسكن المسلمين بالقلعة وسماها المعزية نسبة إلى المعز صاحب إفريقية‏.‏ ثم سـار صاحـب صقليـة بعدها وهو أحمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسن إلى حصـار رمطـة مـن قلـاع صقليـة فاستمدوا ملكهم صاحب القسطنطينية فجهز لهم العساكر براً وبحراً واستمد صاحب صقلية المعز فأمده بالعساكر مع ابنه الحسن ووصل مدده إلى مدينة ميسني وساروا بجموعهم إلى رمطة وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكرا على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتاً فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة وهزموا أقبح هزيمـة واعترضهـم خندق فسقطوا فيه وأثخن المسلمون فيهم وغنموا عسكرهـم‏.‏ واشتـد الحصـار علـى أهـل رمطة وعدموا الأقوات فاقتحمها المسلمون عنوة وركب فل الروم البحر يطلبون النجاة فإتبعهم الأمير أحمد بن الحسن في أسطوله فأدركهم وسبح بعض المسلمين في الماء فخرق مراكبهم وانهزمـوا وبـث أحمـد سرايـا المسلميـن فـي مدائـن الـروم فغنمـوا منهـا وعاثـوا فيهـا حتى صالحوهم على الجزية وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين وتسمى وقعة المجاز‏.‏

  فتح مصر

ثم إن المعز لدين الله بلغه اضطراب أحوال مصر بعد موت كافـور الأخشيـدي وعظـم فيهـا الغلاء وكثرت الفتن وشغل بغداد عنهم بما كان من الفتن بين بختيار بن معز الدولة وعضد الدولة ابن عمه فاعتزم المعز على المسير إلى مصر وأخرج جوهراً الكاتب إلى المغرب لحشد كتامـة وأوعـز إلـى عمـال برقـة لحفـر الآبـار فـي طريقها وذلك سنة خمس وخمسين فسيره إلى مصر وخرج لتوديعه وأقام أياما في معسكره وسار جوهر وبلغ خبره إلى عساكر الأخشيدية بمصر فافترقوا وكان ما يذكر في أخبارهم وقدم جوهر منتصف شعبان من سنة ثمان وخمسين فدخلها وخطب في الجامع العتيق منه باسم المعتز وأقيمت الدعوة العلوية‏.‏ وفي جمادى من سنـة تسـع وخمسيـن دخـل جوهـر جامـع ابـن طولـون فصلـى فيـه وأمـر بزيـادة حـي علـى خيـر العمـل فـي الآذان فكان أول أذان أذن به في مصر‏.‏ ثم بعث إلى المعز بالهدايا وبأعيان الدولة الأخشيدية فحبسهـم المعز بالمهدية وأحسن إلى القضاة والعلماء من وفدهم وردهم إلى مصر وشرع جوهر في بناء القاهرة واستحث المعز للقدوم على مصر‏.‏

  فتح دمشق

ولما فتحت مصر وأخذ بنو طفج هرب منهم الحسن بن عبد الله بن طفج إلى مكة ومعه جماعـة مـن قوادهـم فلمـا استشعـر جوهـر بـه بعث جعفر بن فلاح الكتامي في العساكر إليه فقاتله مراراً ثم أسره ومن كان معه من القواد وبعث بهم إلى جوهر فبعث بهم جوهر إلى المعز بإفريقية‏.‏ ودخل جعفر الرملة عنوة فاستباحها ثم أمن من بقي وجبى الخراج وسار إلى طبرية وبها ابن ملهم وقد أقام الدعوة للمعز فتجافى عنه وسار إلى دمشق فافتتحها عنوة وأقام بها الخطبة للمعز لأيام من المحرم سنة تسع وخمسين وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشمي وكان مطاعا فيهم فجمع الأوباش والذعار وثار بهم في الجمعة الثانية ولبس السواد وأعـاد الخطبة للمطيع فقاتلهم جعفر بن فلاح أياماً وأولى عليهم الهزائم‏.‏ وعاثت جيوش المغاربة في أهل دمشق فهرب ابن أبي يعلى ليلا من البلد وأصبحوا حيارى وكانوا قد بعثوا الشريف الجعفري إلى جعفر في الصلح فأعاده إليهم بتسكين الناس والوعد الجميل وأن يدخـل البلـد فيطـوف فيـه ويرجـع إلـى معسكـره فدخـل وعـاث المغاربة في البلد بالنهب فثار الناس بهم وحملوا عليهم وقتلوا منهم وشرعوا في حفر الخنادق وتحصين البلد‏.‏ ومشى الشريـف أبـو القاسـم فـي الصلـح بينهـم وبيـن جعفـر بـن فلـاح فتـم ذلـك منتصـف فـي الحجـة مـن سنة تسع وخمسين ودخل صاحب شرطة جعفر فسكن الناس س وقبض علي جماعة من الأحداث وقتـل منهـم وحبـس‏.‏ ثـم قبـض علـى الشريـف أبـي القاسـم بـن أبـي يعلـى فـي المحـرم مـن سنـة ستيـن وبعـث بـه إلـى مصـر واستقـام ملـك دمشـق لجعفـر بـن فلـاح وكان خرج بإفريقية في سنة ثمان وخمسين أبو جعفر الزناتي واجتمعت إليه جموع من البربر والنكارية وخرج إليه المعز بنفسه وانتهى إلى باغاية وافترقت جموع أبي خزر وسلك الأوعار فعاد المعز وأمر بلكين بن زيري بالمسير في طلبه فسار لذلك حتى انقطع عنه خبره ثم جاءه أبو جعفر مستأمناً سنة تسع وخمسين فقبله وأجرى عليه الرزق وعلى أثر ذلك وصلت كتب جوهر بإقامة دعوته بمصر والشـام وباستدعائه إليها فاشتد سرور المعز بذلك وأظهره في الناس ونطق الشعراء بامتداحه‏.‏ ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليهم ملكهم الأعصم ولقيهم جعفر بن فلاح فظفر بهـم وقتلهـم‏.‏ ثـم رجعـوا إليه سنة إحدى وستين وبرز إليهم جعفر فهزموه وقتلوه وملك الأعصم مسير المعز إلى مصر ونزوله بالقاهرة ولما انتهت هذه الأخبار إلى المعز اعتزم على المسير إلى مصر وبدأ بالنظر في تمهيد المغرب وقطع شواغله وكان محمد بن الحسن بن خزر المغراوي مخالفاً عليه بالمغـرب الأوسـط وقـد كثرت جموعه من زناتة والبربـر وكـان جبـاراً طاغيـاً فأهـم المعـز أمـره وخشـي علـى إفريقيـة غائلته فأمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه فغزاه في بلاده وكانت بينهما حروب عظيمة‏.‏ ثم انهـزم محمـد بن خزر وجموعه ولما أحس بالهزيمة تحامل على سيفه فقتل نفسه وقتل في المعركة سبعة عشر من أمراء زناتة وأسر منهم كثير وذلك سنة ستين‏.‏ وسر المعز ذلك وقعد للهناء به‏.‏ واستقدم بلكين بن زيري فاستخلفه على إفريقية والمغرب وأنزله القيروان وسماه يوسف وكناه أبا الفتوح وولى على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي ولـم يجعل لبلكين ولاية عليه ولا على صاحب صقلية‏.‏ وجعل على جباية الأموال زيادة الله بن الغريم وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني وحسين بن خلف المرصدي بنظر بلكين وعسكر ظاهـر المنصوريـة آخـر شـوال مـن سنـة إحدى وستين وأقام على سردانية قريباً من القيروان حتى فرغ من أعماله ولحقته عساكره وأهل بيته وعماله وحمل له ما كـان فـي قصـره مـن الأمـوال والأمتعـة‏.‏ وارتحل بعد أربعة أشهر من مقامه وسار معه بلكين قليلا ثم ودعه ورده إلى عمله وسـار هـو إلـى طرابلـس فـي عساكـره وهـرب بعضهـم إلـى جبـل نفوسـة فامتنعوا به وسار إلى برقة فقتـل بها شاعره محمد بن هانىء الأندلسي وجد قتيلا بجانب البحر في آخر رجب من سنة اثنتيـن وستيـن‏.‏ ثـم سـار إلـى الإسكندريـة وبلغهـا فـي شعبـان مـن هـذه السنـة ولقيـه بهـا أعيـان مصر فأكرمهم ووصلهم وسار فدخل القاهرة لخمس من رمضان من هذه السنة فكانت منزله ومنزل الخلفاء بعده إلى آخر دولتهم‏.‏