فصل: تفسير الآية رقم (31):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآية رقم (31):

قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (31)}.
واجتناب الشيء تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته.
والتكفير الغفر والمحو.
والمراد بالسيئات: الصغائر لوقوعها في مقابلة الكبائر.
والمدخل الكريم: الجنة.
واختلف العلماء في الذنوب أهي متفاوتة، فيها كبائر وفيها صغائر، أم لا؟
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ كل شيء عصي الله به فهو كبيرة. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية قد فصلت بين الكبائر وما يكفّر باجتناب الكبائر. فلو كانت الذنوب بأسرها كبائر لم يصح هذا الفصل.
والجمهور على أن الذنوب متفاوتة منقسمة إلى كبائر وصغائر، قال العلامة ابن حجر الهيتمي: إنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق، لإجماع الكل على أنّ من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من التسمية، فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى، وشدة عقابه، وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة، لأنها إلى باهر عظمته كبيرة أيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك، لأنه معلوم، بل قسّموها إلى قسمين كما تقتضيه صرائح الآيات والأخبار، ولاسيما هذه الآية. اهـ.
والقائلون بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فريقان:
فريق يقول: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها.
وفريق يقول: هذا الامتياز إنما يكون بحسب حال فاعليها، فربّ ذنب يكون صغيرة بالنسبة لشخص وكبيرة بالنسبة لآخر، ولذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
والذين ذهبوا إلى أنّ الكبيرة تمتاز في نفسها عن الصغيرة اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا شديدا، فمنهم من ضبطها بالعد، ومنهم من ضبطها بالحد.
فقيل في عدها عن ابن عباس في إحدى الروايات: إنّها ما ذكره الله من أول هذه السورة إلى هنا، وقيل: هي سبع كما في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال: إلى السبعمائة أقرب.
والذين ضبطوا الكبيرة بالحد ذكروا لها عدّة تعاريف، فمنهم من قال: هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل: هي كل ذنب قرن بالوعيد الشديد في الكتاب أو السنة.
وقيل: هي كل معصية أوجبت الحد أو قرنت بالوعيد الشديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة.
قال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكنّ الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وساعة الإجابة. اهـ.
يريد أنّ الله تعالى لو بيّن لنا أنّ الكبائر ليست إلا كذا وكذا عدا أو حدا، وانضم إلى ذلك ما عرفناه من هذه الآية أنه متى احترزنا عن الكبائر صارت صغائرنا مكفّرة، لكانت الآية إغراء لنا بالإقدام على الصغائر، والإغراب بالقبيح لا يليق. ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة ولا يكون في ذلك إغراء إذ لم يبيّن جميع الكبائر لا عدّا ولا حدّا.
وبعد فقد استشكلت الآية مع ما رواه مسلم من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».
ووجه الإشكال أنّ الصلوات إذا كفّرت لم يبق ما يكفره غيرها، فلم يتحقق مضمون الآية، وأن اجتناب الكبائر إذا كفّر لم يبق ما تكفره الصلوات، فلم يتحقق مضمون الحديث.
وأجيب عنه بأجوبة أصحها أن الآية والحديث بمعنى واحد، فمضمون الحديث أنّ من اجتنب ترك الصلاة، واجتنب الكبائر كفّرت سيئاته الصغائر، وهذا هو معنى الآية، فيكون الحديث بيانا وتنبيها على أنّ ترك الصلاة من الكبائر فتدبّر.

.تفسير الآية رقم (32):

قال الله تعالى: {وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32)}.
التمني: طلب ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
ينهى الله المؤمنين عن فعل من أفعال القلوب، وهو الحسد، ليطهّر باطنهم. بعد أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وذلك من أفعال الجوارح ليطهّر ظاهرهم.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها أشهرها ما روي عن مجاهد أنّ أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعفنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية.
روي عن ابن عباس في معنى الآية: لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإنّ ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله.
وعلى هذا التأويل تكون الآية على ظاهرها، ويكون معناها، ولا تتمنوا ما ميّز الله به بعضكم من المال والجاه، وكل ما يجري فيه التنافس، فإنّ هذا التفضيل قسمة صادرة من حكيم خبير {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ} [الزخرف: 32] وعلى من كان حظه من الدنيا قليلا أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأنّ الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.
وقدّر بعضهم في الكلام مضافا ينساق إليه الذهن، ويقتضيه المقام فقال: المعنى ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض، لأنّ المقام ليس مقام طلب زوال النعمة عن الغير، بل إنما هو طلب نعمة خاصّة أن تكون له، وأما أن تزول عن غيره أو لا تزول فليس من القصد في شيء.
وعلى هذا التأويل يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه، لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، ولأنّ تلك النعمة التي تمناها بخصوصها ربما كانت مفسدة له في دينه، ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرّض لمن فضل عليه.
ويؤيد تأويل ابن عباس في الآية ما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله».
وقوله تعالى: {لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} تعليل للنهي السابق، أي لكل من فريقي الرجال والنساء حظّ مقدّر في الأزل من نعيم الدنيا في التجارات والزراعات، وغير ذلك من المكاسب، فلا يتمنّ أحد خلاف ما قسم له.
وقوله تعالى: {وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}. حذف منه مفعوله لإفادة العموم، أي: واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج».
وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي.
{إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.

.تفسير الآية رقم (33):

قال الله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)}.

.شرح المفردات:

التنوين في كلمة {كُلِّ} عوض عن مضاف إليه مفرد، سيأتي بيانه.
والموالي جمع مولى، لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق: مولى، لأنه ولي النعمة في عتقه، ويسمّى مولى النعمة، ويقال للعبد المعتق: مولى، ويقال للحليف: مولى، ويقال للناصر: مولى، ويقال للعصبة، موالي، وهذا الأخير هو الأليق بهذه الآية الكريمة، ويؤيده ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه».
والأيمان جمع يمين، ومعناه هنا اليد اليمنى، وإسناد العقد إلى الأيمان مجاز، لأنه كان من عادتهم أن يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.
واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ} فذكروا لذلك أوجها نجملها لك فيما يلي:
1- ولكلّ إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك، وهنا تمّ الكلام ويكون قوله تعالى: {الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ} جوابا عن سؤال مقدّر نشأ من الجملة السابقة، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، أو قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون إما أن يكونوا الوارثين أو المورثين، وعلى كل فالكلام جملتان.
2- ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين، فالجار والمجرور في قوله: {مِمَّا تَرَكَ} متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و(ما) بمعنى من، والكلام جملة واحدة.
3- ولكل قوم جعلناهم وارثا نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون في الكلام مبتدأ محذوف، ويكون قوله: {مِمَّا تَرَكَ} صفة ذلك المبتدأ، وقوله: {لِكُلٍّ} خبره، والكلام جملة واحدة.
4- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يلونه ويحوزونه، وعليه يكون {لِكُلٍّ} متعلقا بجعلنا، {مِمَّا تَرَكَ} صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا.
وأما قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} فالراجح فيه أنه جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلّفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على وجوه نذكرها فيما يلي:
1- أنّ المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث، ثم نسخ.
أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسّم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: {وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 8] وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره.
2- أن المراد بهم الأدعياء، وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب، ثم نسخ بآية الأنفال.
3- أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بما تلونا.
4- يرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بهم الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.
5- يرى الجبائي أنّ المراد بهم الموالي، وأنّ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ} معطوف على {الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ} ويختار الوجه الرابع في تأويل قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ} إلخ أي ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم موالي، أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى الوارث.
6- أنّ المراد بهم الحلفاء، يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة.
أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي لهم، وروي عن مجاهد مثله.
7- يرى الأصم أن المراد بهم الحلفاء، يؤتون من التركة على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أي أن يعطى شيئا.
وبعد فقد اختلف فقهاء الأمصار في توريث موالي الموالاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.
وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين.
احتج الحنفية بهذه الآية وبالحديث، أما وجه الدلالة في الآية فهو أنّ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} يقتضي ظاهره نصيبا ثابتا لهم، والنصرة والنصيحة والوصية ليست بنصيب ثابت، فتأويل الآية على النصيب الثابت المسمى في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب من تأويل الآخرين، فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيبا من الميراث، وقوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ} لم ينسخ هذا الحكم، إنما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث ابن لمن له أخ، لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلا أن الابن أولى منه، وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له.
وأما الحديث فهو ما روي عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» فقوله: «هو أولى الناس بمماته».
يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.
وقال المالكية والشافعية: لا دلالة في الآية على أنّ الحليف يرث، لأن دلالتها على ذلك موقوفة على ثلاثة أمور.
أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء.
وأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث.
وأن تكون الآية محكمة غير منسوخة.
وقد علمت اختلاف المفسرين من السلف في تأويل الآية، وأن الذين أوّلوا الموصول بالحلفاء قالوا بنسخ الحكم، أو حمل النصيب على غير الميراث، على أنّ الآية في بعض وجوه التأويل تدل على عدم توريثهم، كما تقدم قريبا عن الجبائي.
وحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث، فإنّه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومعونته وحفظه بعد موته يكونان بحفظ أولاده ورعاية مصالحهم ومعونتهم، ومع ذلك فهو معارض بما رواه جبير بن مطعم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة».
فهذا الحديث يقتضي بطلان حلف الإسلام، ومنع التوارث به، فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة وجوه فالأشبه الرجوع بها إلى ما قاله أئمة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإنّهم أعرف منا بالناسخ والمنسوخ، وقد قالوا: إنها منسوخة بآية الأنفال، وظاهر قول ابن عباس: «وقد ذهب الميراث» أن الحليف كان له على حليفه النصرة والنصيحة، وكان له نصيب في تركته، فلما نزلت آية الأنفال نسخت نصيبه من الميراث وبقي ما كان له من النصرة والمشورة.
{إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي أنه سبحانه لم يزل عالما بجميع الأشياء، مطلعا على جليها وخفيها، فيعلم من آتى الوارثين حقهم ومن منعهم، وسيجازي كلّا من المؤتي والمانع على حسب ما عمل، فهي في هذه الحالة وعد للطائعين ووعيد للعاصين.