فصل: تفسير الآية رقم (82)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏82‏]‏

‏{‏وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا الجدار‏}‏ المعهود ‏{‏فَكَانَ لغلامين‏}‏ قيل‏:‏ إنهما أصرم وصريم ‏{‏يَتِيمَيْنِ‏}‏ صغيرين مات أبوهما وهذا هو الظاهر لأن يتم بني آدم بموت الأب، وفي الحديث «لا يتم بعد بلوغ» وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل أنهما كانا بالغين والتعبير عنهما بما ذكر باعتبار ما كان على معنى الشفقة عليهما ولا يخفى أنه بعيد جداً ‏{‏فِى المدينة‏}‏ هي القرية المنذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح‏.‏ ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه ‏{‏وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا‏}‏ مال مدفون من ذهب وفضة كما أخرجه البخاري في تاريخه‏.‏ والترمذي‏.‏ والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء وبذلك قال عكرمة‏.‏ وقتادة وهو في الأصل مصدر ثم أريد به اسم المفعول‏.‏

قال الراغب‏:‏ الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في الوعاء، واستشكل تفسير الكنز بما ذكر بأن الظاهر أن الكانز له أبوهما لاقتضاء ‏{‏لَّهُمَا‏}‏ له إذا لا يكون لهما إلا إذا كان إرثاً أو كانا قد استخرجاه والثاني منتف فتعين الأول وقد وصف بالصلاح، ويعارض ذلك ما جاء في ذم الكانز‏.‏ وأجيب بأن المذموم ما لم تؤد منه الحقوق بل لا يقال لما أديبت منه كنز شرعاً كما يدل عليه عند القائلين بالمفهوم حديث كل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز فإن النبي صلى الله عليه وسلم بصدد بيان الأحكام الشرعية لا المفاهيم اللغوية لأنها معلومة للمخاطبين ولا يعتبر في مفهومه اللغوي المراد هنا شيء من الإخراج وعدمه، والوصف بالصلاح قرينة على أنه لم يكن من الكنز المذموم، ومن قال‏:‏ إن الكنز حرام مطلقاً ادعى أنه لم يكن كذلك في شرع من قبلنا، واحتج عليه بما أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء في هذه الآية قال‏:‏ أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز‏.‏

وأخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك وفيه فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز حل لمن قبلنا وحرم علينا فإن الله تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء وهي السنن والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ما كان ذهباً ولا فضة ولكن كان صحب علم وروى ذلك أيضاً عن ابن جبير، وأخرج ابن مردويه من حديث علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً والبزار عن أبي ذر كذلك، والخرائطي عن ابن عباس موقوفاً أنه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب في أحد شقيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت الخ؛ في الشق الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه وجمع بعضهم بأن المراد بالكنز ما يشمل جميع ذلك بناء على أنه المال المدفون مطلقاً، وكل من المذكورات مال كان مدفوناً إلا أنه اقتصر في كل من الروايات على واحد منها وفيه أنه على بعده يأباه ظاهر قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما كان ذهباً ولا فضة ‏{‏وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا‏}‏ الظاهر أنه الأب الأقرب الذي ولدهما، وذكر أن اسمه كاشح وأن اسم أمهما دهناً، وقيل‏:‏ كان الأب العاشر، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه كان الأب السابع‏.‏ وأياً كان ففي الآية دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء، وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وأحمد في الزهد‏.‏ وابن أبي حاتم عن خيثمة قال‏:‏ قال عيسى عليه السلام طوبى لذرية المؤمن ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده وتلا خيثمة هذه الآية‏.‏

وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن المنذر عن وهب قال‏:‏ إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس، وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخورج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله تعالى مال الغلامين‏؟‏ قال‏:‏ بصلاح أبيهما قال فأبى وجدي خير منه فقال الخارجي أنبأنا الله تعالى‏:‏ إنكم قوم خصمون، وذكر من صلاح هذا الرجل إن الناس كانوا يضعون عنده الودائع فيردها إليهم كما وضعوها، ويروى أنه كان سياحاً ‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ‏}‏ مالكك ومدبر أمورك، ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام دون ضميرهما تنبيه له على تحتم كمال الانقياد والاستسلام لإرادته سبحانه ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبهما التي يشم منها طلب ما يحصل به تربية البدن وتدبيره ‏{‏أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا‏}‏ قيل أي الحلم وكمال الرأي، وفي «الصحاح» القوة وهو ما بين ثماني عشر إلى ثلاثين وهو واحد جاء على بناء الجمع مثل آنك ولا نظير لهما، ويقال‏:‏ هو جمع لا واحد له من لفظه مثل آسال وأبابيل وعباديد ومذاكير، وكان سيبويه يقول‏:‏ واحده شده وهو حسن في المعنى لأنه يقال بلغ الغلام شدته ولكن لا يجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم من قولهم يوم بؤس ويوم نعم، وأما قول من قال‏:‏ واحده شد مثل كلب وأكلب أو شد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس كما يقولون في واحد الأبابيل أبول قياساً على عجول وليس هو شيء يسمع من العرب‏.‏

‏{‏وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا‏}‏ من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه والانتفاع به وذكروا أن اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز ولهما وصي يعلم به لكنه كان غائباً والجدار قد شارف فلو سقط لضاع فلذا أقامه ‏{‏رَحْمَةً مّن رَّبّكَ‏}‏ مفعول له لأراد وأقيم الظاهر مقام الضمير، وليس مفعولاً له ليستخرجا لاختلاف الفاعل، وبعضهم أجاز ذلك لعدم اشتراطه الاتحاد أو جعل المصدر من المبني للمفعول وأجاز أن يكون النصب على الحال وو من ضمير ‏{‏يستخرجا‏}‏ بتأويل مرحومين، والزمخشري النصب على أنه مفعول مطلق لأراد فإن إرادة ذلك رحمة منه تعالى‏.‏

واعترض بأنه إذا كان أراد ربك بمعنى رحم كانت الرحمة من الرب لا محالة فأي فائدة في ذكر قوله تعالى ‏{‏إِلَيْكَ مِن رَبّكَ‏}‏ وكذا إذا كان مفعولاً له؛ وقيل‏:‏ في الكلام حذف والتقدير فعلت ما فعلت رحمة من ربك فهو حينئذ مفعول له بتقدير إرادة أو رجاء رحمة ربك أو منصوب بنزع الخافض والرحمة بمعنى الوحي أي برحمة ربك ووحيه فيكون قوله ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى‏}‏ أي عن رأيي واجتهادي تأكيداً لذلك ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الفخامة ‏{‏تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع‏}‏ أي تستطيع وهو مضارع اسطاع بهمز الوصل وأصله استطاع على وزن استفعل ثم حذف تاء الافتعال تخفيفاً وبقيت الطاء التي هي أصل‏.‏ وزعم بعضهم أن السيرن عوض قلب الواو ألفاً والأصل أطاع ولا حاجة تدعو إلى أن المحذوف هي الطاء التي هي فاء الفعل ثم دعوى أنهم أبدلوا من تاء الاتعال طاء لوقوعها بعد السين ويقال تستيع بإبدال الطاء تاء وتستيع بحذف تاء الافتعال فاللغات أربع كما قال ابن السكيت، وما ألطف حذف أحد المتقاربين وبقاء الآخر في آخر هذا الكلام الذي وقع عنده ذهاب الخضر عن موسى عليهما السلام‏.‏

وقال بعض المحققين‏:‏ إنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير، وتعقب بأن ذلك مكرر أيضاً وذاك أخف منه فلم لم يؤت به، وفيه أن الفرق ظاهر بين هذا وذلك، وقيل‏:‏ إنما خص بالتخفيف للإشارة إلى أنه خف على موسى عليه السلام ما لقيه ببيان سببه، وتعقب بأنه يبعده أنه في الحكاية لا المحكي وأنت تعلم هذا وكذا ما ذكرناه زهرة لا تتحمل الفرك والتأويل بالمعنى السابق الذي ذكر أنه المراد أي ذلك مآل وعاقبة الذي لم تستطع ‏{‏عَّلَيْهِ صَبْراً‏}‏ من الأمور التي رأيت فيكون انجاز اللتنبئة الموعودة، وجوز أن تكون الإشارة إلى البيان نفسه فيكون التأويل بمعناه المشهور، وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم، وفي جعل الصلة غير ما مر تكرير للتنكير وتشديد للعتاب، قيل‏:‏ ولعل إسناد الإرادة أولاً‏:‏ إلى ضمير المتكلم وحده أنه الفاعل المباشر للتعييب، وثانياً‏:‏ إلى ضمير المتكلم ومعه غيره لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله وتبديل غيره موقوف عليه وهو محض فعل الله تعالى وقدرته فضمير ن مشترك بين الله تعالى والخضر عليه السلام‏.‏

وثالثاً‏:‏ إلى الله تعالى وحده لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ الغلامين واعترض توجيه ضمير الجمع بأن الاجتماع المخلوق مع الله تعالى في ضمير واحد لا سيما ضمير المتكلم فيه من ترك الأدب ما فيه‏.‏ ويدل على ذلك ما جاء من أن ثابت بن قيس بن شماس كان يخطب في مجلسه صلى الله عليه وسلم إذا وردت وفود العرب فاتفق أن قدم وفد تميم فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها من يطع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ بئس خطيب القوم أنت‏.‏ وصرح الخطابي أنه عليه الصلاة والسلام كره منه ما فيه من التسوية‏.‏ وأجيب بأنه قد وقع نحو ذلك في الآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله تعالى ‏{‏إن الله وملائكته يصلون على النبيّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 56‏]‏ فإن الظاهرأن ضمير ‏{‏وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى‏}‏ راجع إلى الله تعالى وإلى الملائكة‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الايمان‏:‏ «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» ولعل ما كرهه صلى الله عليه وسلم من ثابت أنه وقف على قوله بعضهما‏:‏ لا التسوية في الضمير‏.‏ وظاهر هذا أنه لاكراهة مطلقاً في هذه التسوية وهو أحد الأقوال في في المسألة‏.‏ وثانيها‏:‏ ما ذهب إليا الخطابي أنها تكره تنزيها‏.‏ وثالثها‏:‏ ما يفهمه كلام الغزالي أنها تكره تحريماً‏.‏ وعلى القول بالكراهة التنزيهية استظهر بعضهم أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام وبنى الجواب عما نحن فيه على ذلك فقال‏:‏ لما كان المقام الذي قام فيه ثابت مقام خطابة وإطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طري كره صلى الله عليه وسلم التسوية منه فيه وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة للتسوية فيه‏.‏ وخص بعض الكراهة بغير النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقوى الجواب عما ذكر لأنه إذا جازت للنبي صلى الله عليه وسلم فهو في كلام الله تعالى وما حكاه سبحانه بالطريق الأولى‏.‏

وخلاصة ما قرر في المسألة أن الحق أنه لا كراهة في ذلك في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أشير إليه في «شروح البخاري» وأما في حق البشر فلعل المختار أنه مكروه تنزيها في مقام دون مقام، هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بين الله تعالى والخضر عليه السلام لا لأن فيه ترك الأدب بل لأن الظاهر أنه كضمير ‏{‏خشينا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 80‏]‏ والظاهر في ذاك عدم الاشتراك لأنه محوج لارتكاب المجاز على أن النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير أردنا لا تظهر في اختياره في ضمير ‏{‏فَخَشِينَا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 80‏]‏ لأنه لم يتضمن الكلام الأول فعلين على نحو ما تضمنهما الكلام الثاني فتدبر، وقيل في وجه تغاير الأسلوب‏:‏ أن الأول شر فلا يليق إسناده إليه سبحانه وأن كان هو الفاعل جل وعلا، والثالث‏:‏ خير فأفرد إسناده إلى الله عز وجل‏.‏ والثاني‏:‏ ممتزج خبره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظراً لهما‏.‏ وفيه أن هذا الإسناد في ‏{‏فَخَشِينَا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 80‏]‏ أيضاً وأين امتزاج الخير والشر فيه، وجعل النكتة في التعبير ينافيه مجرد الموافقة لتاليه ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل‏:‏ الظاهر أنه أسند الإرادة في الأولين إلى نفسه لكنه تفنن في التعبير فعبر عنها بضمير المتكلم مع الغير بعد ما عبر بضمير المتكلم الواحد لأن مرتبة الانضمام مؤخرة عن مرتبة الانفراد مع أن فيه تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية بخلاف التعييب‏.‏ وأسند فعل الإبدال إلى الله تعالى إشارة إلى استقلاله سبحان بالفعل وأن الحاصل للعبد مجرد مقارنة إرادة الفعل دون تأثير فيه كما هو المذهب الحق انتهى، وأنت تعلم أن الأبدال نفسه مما ليس لإرادة العبد مقارنة له أصلاً وإنما لها مقارنة للقتل الموقوف هو عليه على أن في هذا التوجيه بعدما فيه‏.‏ وفي الانتصاف لعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد ثم عيب فتأدب عليه السلام بأن نسب الإعابة إلى نفسه‏.‏ وأما إسناد الثاني إلى ن فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا ودبرنا كذا وإما يعنون أمر الملك العظيم‏.‏ ودبر ويدل على ذلك قوله في الثالث ‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا‏}‏ وهو كما ترى، وقيل‏:‏ اختلاف الأسلوب لاختلاف حال العارف بالله سبحانه فإنه في ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولاً إلى نفسه ثم يتنبه إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون الله تعالى فلذا أسند إلى ذلك الضمير ثم يرى أنه لا دخل له وأن المؤثر والمريد إنما هو الله تعالى فلذا أسنده إليه سبحانه فقط وهذا مقام الفناء ومقام كان الله ولا شيء معه وهو الآن كما كان، وتعقب بأنه إن أريد أن هذه الأحوال مرت على الخضر عليه السلام واتصف بكل منها أثناء المحاورة فهو باطل وكيف يليق أن يكون إذ ذاك ممن يتصف بالمرتبة الثانية فضلاً عن المرتبة الأولى وهو الذي قد أوتي من قبل العلم اللدني‏.‏

وإن أريد أن عبر تعبير من اتصف بكل مرتبة من تلك المراتب وإن كان هو عليه السلام في أعلاها فإن كان ذلك تعليماً لموسى عليه السلام فموسى عليه السلام أجل من أن يعلمه الخضر عليه السلام مسألة خلق الأعمال‏.‏ وإن كان تعليماً لغيره عليه السلام فليس المقام ذلك المقام على تقدير أن يكون هناك غير يسمع منه هذا الكلام وإن أريد أنه عبر في المواضع الثلاثة بأسلوب مخصوص من هاتيك الأساليب إلا أنه سبحانه عبر في كل موضع بأسلوب فتعددت الأساليب في حكايته تعالى القصة لنا تعليماً وإشارة إلى هاتيك المراتب وإن لم يكن كلام الخضر عليه السلام كذلك فالله تعالى أجل وأعظم من أن ينقل عن أحد كلاماً لم يقله أو لم يقل ما بمعناه فالقول بذلك نوع افتراء عليه سبحانه‏.‏ والذي يخطر ببال العبد الفقير أنه روعي في الجواب حال الاعتراض وما تضمنه وأشار إليه فلما كان الاعتراض الأول بناء على أن لام ‏{‏لِتُغْرِقَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 71‏]‏ للتعليل متضمناً إسناد إرادة الإغراق إلى الخضر عليه السلام وكان الإنكار فيه دون الإنكار فيما يليه بناء على ما اختاره المحققون من أن ‏{‏نُّكْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 74‏]‏ أبلغ من ‏{‏أمْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 71‏]‏ ناسب أن يشرح بإسناد إرادة التعييب إلى نفسه المشير إلى نفي إرادة الإغراق عنها التي يشير كلام موسى عليه السلام إليها وأن لا يأتي بما يدل على التعظيم أو ضم أحد معه في الإرادة لعدم تعظيم أمر الانكار المحوج لأن يقابل بما يدل على تعظيم إرادة خلاف ما حسبه عليه السلام وأنكره‏.‏

ولما كان الاعتراض الثاني في غاية المبالغة والإنكار هناك في نهاية الإنكار ناسب إن يشير إلى أن ما اعترض عليه وبولغ في إنكاره قد أريد به أمر عظيم ولو لم يقع لم يؤمن من وقوع خطب جسيم فلذا أسند الخشية والإرادة إلى ضمير المعظم نفسه أو المتكلم ومعه غيره فإن في إسناد الإرادة إلى ذلك تعظيماً لأمرها وفي تعظيمه تعظيم أمر المراد وكذا في إسناد الخشية إلى ذلك تعظيم أمرها، وفي تعظيمه تعظيم أمر المخشي‏.‏ وربما يقال بناء على إرادة الضم منا‏:‏ إن في ذلك الإسناد إشارة إلى أن ما يخشى وما يراد قد بلغ من العظم إلى أن يشارك موسى عليه السلام في الخشية منه، وفي إرادته الخضر لا أن يستقل بإنكار ما هو من مبادي ذلك المراد وبه ينقطع عن الأصلين عرق الفساد، ولما كان الاعتراض الثالث هينا جدا حيث كان بلفظ لا تصلب فيه ولا ازعاج في ظاهره وخافيه ومع هذا لم يكن على نفس الفعل بل على عدم أخذ الأجرة عليه لستعان بها على آقامة جدار البدن وإزالة ما أصابه من الوهن فناسب أن يلين في جوابه المقام ولا ينسب لنفسه استقلالاً أو مشاركة شيئاً ما من الأفعال فلذا أسند الإرادة إلى الرب سبحانه وتعالى ولم يكتف بذلك حتى أضافه إلى ضميره عليه السلام، ولا ينافي ذلك تركير النكير والعتاب لأنه متعلق بمجموع ما كان أولاً من ذلك الجناب، هذا والله تعالى أعلم بحقيقة أسرار الكتاب وهو سبحانه الموفق للصواب، واستدل بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى‏}‏ القائلون بنبوته عليه السلام وهو ظاهر في ذلك واحتمال أن يكون هناك نبي أمره بذلك عن وحي كما زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد على أنه ليس في وصفه بقوله تعالى‏:‏

‏{‏آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 65‏]‏ على هذا كثير فائدة بل قد يقال‏:‏ أي فائدة في هذا العلم اللدني إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السلام إلى توسيط نبي مثله، وقال بعضهم‏:‏ كان ذلك عن إلهام ويلزمه القول بأن الإلهام كان حجة في بعض الشرائع وأن الخضر من المكلفين بتلك الشريعة وإلا فالظاهر أن حجيته ليست في شريعة موسى عليه السلام وكذا هو ليس بحجة في شريعتنا على الصحيح، ومن شذ وقال بحجيته اشترط لذلك أن لا يعارضه نص شرعي فلو أطلع الله تعالى بالإلهام بعض عباده على نحو ما اطلع عليه الخضر عليه السلام من حال الغلام لم يحل له قتله، وما أخرجه الإمام أحمد عن عطاء أنه قال‏:‏ كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم إنما قصد به ابن عباس كما قال السبكي المحاجة والإحالة على ما لم يكن قطعاً لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر وليس مقصوده رضي الله تعالى عنه أنه إن حصل ذلك يجوز القتل فما قاله اليافعي في روضه من أنه لو أذن الله تعالى لبعض عباده أن يلبس ثوب حرير مثلاً وعلم الإذن يقينا فلبسه لم يكن منتهكاً للشرع وحصول اليقين له من حيث حصوله للخضر بقتله للغلام إذ هو ولي لا نبي على الصحيح انتهى عثرة يكاد أن لا يقال لصاحبها لعا لأن مظنة حصول اليقين اليوم الإلهام وهو ليس بحجة عند الأئمة ومن شذ اشترط ما اشترط، وحصوله بخبر عيسى عليه السلام إذا نزل متعذر لأنه عليه السلام ينزل بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن شريعته تحريم لبس الحرير على الرجال ألا للتداوي وما ذكره من نفي نبوة الخضر لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، وممن صرح بأن الإلهام ليس بحجة من الصوفية الإمام الشعراني وقال‏:‏ قد زل في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا، ولنا في ذلك مؤلف سميته حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام وهو مجلد لطيف انتهى، وقال أيضاً في كتابه المسمى بالجواهر والدرر‏:‏ قد رأيت من كلام الشيخ محي الدين قدس سره ما نصه اعلم أنا لا نعني بملك الإلهام حيث أطلقناه إلا الدقائق الممتدة من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة فإن الملك لا ينزل بوحي على غير قلب نبي أصلا ولا يأمر بأمر الهي جملة واحدة فإن الشريعة قد استقرت وتبين الفرض والواجب وغيرهما فانقطع الأمر الإلهي بانقطاع النبوة والرسالة وما بقي أحد يأمره الله تعالى بأمر يكون شرعاً مستقلاً يتعبد به أبداً لأنه ان أمره بفرض كان الشارع قد أمر به وان أمره بمباح فلا يخلو إما أن يكون ذلك المباح المأمور به صار واجباً أو مندوباً في حقه فهذا عين نسخ الشرع الذي هو عليه حيث صير المباح الشرعي واجباً أو مندوباً وإن أبقاه مباحاً كما كان فأي فائدة للأمر الذي جاء به ملك الإلهام لهذا المدعي فإن قال‏:‏ لم يجئني ملك الإلهام بذلك وإنما أمرني الله تعالى بلا واسطة قلنا‏:‏ لا يصدق في مثل ذلك وهو تلبيس من النفس، فإن ادعى أن الله سبحانه كلمه كما كلم موسى عليه السلام فلا قائل به، ثم إنه تعالى لو كلمه ما كان يلقي إليه في كلامه إلا علوماً وأخباراً لا أحكاماً وشرعاً ولا يأمره أصلاً انتهى‏.‏

وقد صرح الإمام الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره العزيز في المكتوبات في مواضع عديدة بأن الإلهام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ويعلم من ذلك أنه لا مخالفة بين الشريعة والحقيقة والظاهر والباطن وكلامه قدس سره في المكتوبات طافح بذلك، ففي المكتوب الثالث والأربعين من الجلد الأول أن قوماً مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود الأصلي وراء الشريعة حاشا وكلا ثم حاشا وكلا نعوذ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وقال في أثناء المكتوب الحادي والأربعين من الجلد الأول أيضاً في مبحث الشريعة والطريقة والحقيقة‏:‏ مثلاً عدم نطق اللسان بالكذب شريعة ونفي خاطر الكذب عن القلب إن كان بالتكلف والتعمل فهو طريقة وان تيسير بلا تكلف فهو حقيقة ففي الجملة الباطن الذي هو الطريقة والحقيقة مكمل الظاهر الذي هو الشريعة فالسالكون سبيل الطريقة والحقيقة ان ظهر منهم في أثناء الطريق أمور ظاهرها مخالف للشريعة ومناف لها فهو من سكر الوقت وغلبة الحال فإذا تجاوزوا ذلك المقام ورجعوا إلى الصحو ارتفعت تلك المنافاة بالكلية وصارت تلك العلوم المضادة بتمامها هباء منثوراً‏.‏

وقال نفعنا الله تعالى بعلومه في أثناء المكتوب السادس والثلاثين من الجلد الأول أيضاً‏:‏ للشريعة ثلاثة أجزاء علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق سبحانه وتعالى وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية ‏{‏ورضوان من الله أكبر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 72‏]‏ فالشريعة متكفلة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الاخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمر آخر وراء ذلك إلى آخر ما قال، وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين من الجلد المذكور بعد تحقيق كثير‏:‏ فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار مأموراً بها في آية ‏{‏قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا *إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏ وآية ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏ تدل على ذلك أيضاً وكل طريق سوى هذا الطريق ضلال ومنحرف عن المطلوب الحقيقي وكل طريقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وشاهد ذلك آية ‏{‏وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 153‏]‏ وآية ‏{‏فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 32‏]‏ وآية ‏{‏وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 85‏]‏ وحديث «خط لنا النبي صلى الله عليه وسلم» الخبر، وحديث ‏"‏ كل بدعة ضلالة ‏"‏ وأحاديث أخر إلى آخر ما قال عليه رحمة الملك المتعال، وقال قدس سره في معارف الصوفية‏:‏ اعلم أن معارف الصوفية وعلومهم في نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة لا أنها علوم أخر غير علوم الشريعة، نعم يظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة ولكن لا بد من العبور عنها، ففي نهاية النهايات علومهم علوم العلماء وهي علوم الشريعة والفرق بينهم وبين العلماء أن تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظرية واستدلالية وبالنسبة إليهم تصير كشفية وضرورية‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ أعلم أن الشريعة والحقيقة متحدان في الحقيقة ولا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل وبالاستدلال والكشف بالغيب والشهادة وبالتعمل وعدم التعمل واللشريعة من ذلك الأول وللحقيقة الثاني وعلامة الوصول إلى حقيقة حق اليقين مطابقة علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها وما دامت المخالفة موجودة ولو أدنى شعرة فذلك دليل على عدم الوصول، وما وقع في عبارة بعض المشايخ من أن الشريعة قشر والحقيقة لب فهو وإن كان مشعرا بعدم استقامة قائله ولكن يمكن أن يكون مراده أن المجمل بالنسبة إلى المفصل حكمه حكم القشر بالنسبة إلى اللب وإن الاستدلال بالنسبة إلى الكشف كذلك، والأكابر المستقيمة أحوالهم لا يجوزون الاتيان بمثل هذه العبارات الموهمة إلى غير ذلك من عباراته الشريفة التي لا تكاد تحصى‏.‏

وقال سيدي القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره‏:‏ جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يعملون إلا بظاهرهما، وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره‏:‏ الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة، وقال السرى السقطي‏:‏ التصوف اسم لثلاثة معان وهو لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بسر باطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكاتب ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله، وقال أيضاً قدس سره‏:‏ من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط‏.‏

وقال أبو الحسين النوري‏:‏ من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربه ومن رأيته يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه، وقال أبو سعيد الخراز‏:‏ كل فيض باطن يخالفه ظاهر فهو باطل‏.‏

وقال أبو العباس أحمد الدينوري‏:‏ لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن، وفي التحفة لابن حجر قال الغزالي‏:‏ من زعم أن له مع الله تعالى حالا أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم شرب الخمر وجب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر انتهى، ولا نظر في خلوده لأنه مرتد لاستحلاله ما علمت حرمته أو نفيه وجوب ما علم وجوبه ضرورة فيهما، ومن ثم جزم في الأنوار بخلوده انتهى‏.‏

وقال في الاحياء‏:‏ من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان إلى غير ذلك، وفي رسالة القشيري طرف منه، والذي ينبغي أن يعلم أن كلام العارفين المحققين وإن دل على أنه لا مخالفة بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة لكنه يدل أيضاً على أن في الحقيقة كشوفاً وعلوماً غيبية ولذا تراهم يقولون‏:‏ علم الحقيقة هو العلم اللدني‏.‏ وعلم المكاشفة‏.‏ وعلم الموهبة‏.‏ وعلم الأسرار‏.‏ والعلم المكنون‏.‏ وعلم الوراثة إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ومع هذا لا تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكماً شرعياً ولا تقيد مطلقاً ولا تطلق مقيداً خلافاً لما توهمه ساجقلي زاده حيث قال في شرح عبارة الإحياءالسابقة آنفاً‏:‏ يريد الغزالي من الباطن ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم مع أن الشارع حرمه على عباده مطلقاً فيجب أن يقال‏:‏ إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي يحلله لهم وتحريم الشارع تعالى ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب المحلل لهم فمن انكشف له ذلك السبب حل له ومن لا فلا لكن الشارع سبحانه حرّمه على عاده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندرة وقوعه إذ من ينكشف له قليل جداً مثاله انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر عليه السلام فحل له بذلك الانكشاف الخرق والقتل وحلهما له مخالف لاطلاق نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الضرر وعن قتل الصبي لكنهما مقيدان فالأول مقيد بما إذا لم يعلم هناك غاصب مثلاً والثاني بما إذا لم يعلم أن الصبي سيصير ضالاً مضلاً لكن الشارع ترك القيدين لندرة وقوعهما واعتماداً على فهم الراسخين في العلم إياهما إلى آخر ما قال فإن النصوص السابقة تنادي بخلافه كما سمعت، ثم إن تلك الغيوب والمكاشفات بل سائر ما يحصل للصوفية من التجليات ليست من المقاصد بالذات ولا يقف عندها الكامل ولا يلتفت إليها، وقد ذكر الإمام الرباني قدس سره في المكتوب السادس والثلاثين المتقدم نقل بعضه أنها تربى بها أطفال الطريق وأنه ينبغي مجاوزتها والوصول إلى مقام الرضا الذي هو نهاية مقامات السلوك والجذبة وهو عزيز لا يصل إليه إلا واحد من ألوف، ثم قال‏:‏ إن الذين هم قليلو النظر يعدون الأحوال والمواجيد من المقامات والمشاهدات والتجليات من المطالب فلا جرم بقوا في قيد الوهم والخيال وصاروا محرومين من كمالات الشريعة

‏{‏كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏ انتهى، ويعلم منه أن الكاملين في الشريعة يعبرون على ذلك ولا يلتفتون إليه ولا يعدونه مقصداً وجل مقصدهم تحصيل مقام الرضا، وعلى هذا يخرج بيت المنثوي حيث يقول‏:‏

زان طرف كه عشق من افزوددرد *** بو حنيفة شافعي درسي نكرد

وقد يحجب الكامل عن جميع ذلك ويلحق من هذه الحيثية بعوام الناس، ويعلم مما ذكر أن موسى عليه السلام أكمل من الخضر وأعلمية الخضر عليه السلام بعلم الحقيقة كانت بالنسبة إلى الحالة الحاضرة فإن موسى عليه السلام عبر على ذلك ولم يقف عنده لأنه في مقام التشريع، ولعل طلبه التعليم كان بالأمر ابتلاء له بسبب تلك الفلتة، وقد ذكروا أن الكامل كلما كان صعوده أعلا كان هبوطه أنزل وكلما كان هبوطه أنزل كان في الإرشاد أكمل في الإفاضة أتم لمزيد المناسبة حينئذ بين المرشد والمسترشد، ولهذا قالوا فيما يحكى‏:‏ إن الحسن البصري وقف على شط نهر ينتظر سفينة فجاء حبيب العجمي فقال له‏:‏ ما تنتظر‏؟‏ فقال‏:‏ سفينة فقال‏:‏ أي حاجة إلى السفينة أمالك يقين‏؟‏ فقال الحسن‏:‏ أمالك علم‏؟‏ ثم عبر حبيب على الماء بلا سفينة ووقف الحسن أن الفضل للحسن فإنه كان جامعاً بين علم اليقين وعين اليقين وعرف الأشياء كما هي وفي نفس الأمر جعلت القدرة مستورة خلف الحكمة والحكمة في الأسباب وحبيب صاحب سكر لم ير الأسباب فعومل برفعها، ومن هنا يظهر سر قلة الخوارق في الصحابة مع قول الإمام الربناي‏:‏ إن نهاية أويس سيد التابعين بداية وحشى قاتل حمزة يوم أسلم فما الظن بغير أويس مع غير وحشي، وأنا أقول‏:‏ إن الكامل وإن كان من علمت إلا أن فوقه الأكمل وهو من لم يزل صاعداً في تزوله ونازلاً في صعوده وليس ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك ما أمد العالم العلوي والسفلي، وهذا مرجع الحقيقة والشريعة له عليه الصلاة والسلام على الوجه الأتم كما أشرنا إليه سابقاً والحمد لله تعالى على أن جعلنا من أمته وذريته، ولا يعكر على ما ذكرنا ما قاله الإمام الغزالي في الإحياء وهو أن علم الآخرة قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة أما علم المكاشفة فهو علم الباطن وهو غاية العلوم وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من الصفات المذمومة وينكشف بذلك ما كان يسمع من قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة بذات الله تعالى وبصفاته التامات وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة انتهى‏.‏

لأن المراد أن ذلك من علم الباطن الذي هو علم الحقيقة وهذا البعض لا يمكن أن يخلو منه نبي كيف ورتبة الديقين دون رتبة الأنبياء عليهم السلام كما قرروه في آية ‏{‏أولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏ ومما ذكرنا من عدم المخالفة بين الشريعة والحقيقة يعلم ما في كلام البلقيني في دفع ما استشكله من قول الخضر لموسى عليهما السلام‏:‏ «إني على علم» الحديث السابق حيث زعم أنه يدل بظاهره على امتناع تعليم العلمين معا مع أنه لا يمتنع‏.‏ وأجاب بأن علم الكشوف والحقائق ينافي علم الظاهر فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي وكذا لا ينبغي للعالم بالحقيقة أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به وينافي ما عنده من الحقيقة، ولعمري لقد أخطأ فيما قال وبالحق تعرف الرجال وكأنه لم يعتمد عليه فأردفه بجواب آخر هو خلاف الظاهر‏.‏

وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك والاستشكال من ضعف النظر، ثم إن قصة الخضر عليه السلام لا تصلح حجة لمن يزعم المخالفة بين العلمين فإن أعظم ما يشكل فيها قتل الغلام لكونه طبع كافراً وخشي من بقائه حياً ارتداد أبويه وذلك أيضاً شريعة لكنه مخصوصة به عليه السلام لأنه كما قال العلامة السبكي‏:‏ أوحى إليه أن يعمل بالباطن وخلاف الظاهر الموافق للحكمة فلا إشكال فيه وإن علم من شريعتنا أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين وكيف يجوز قتله بسبب لم يحصل والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي واتفاق الشرائع في الأحكام مما لم يذهب إليه أحد من الأنام فضلاً عن العلماء الأعلام وهذا ظاهر على القول بنبوته، وأما على القول بولايته فيقال‏:‏ إن عمل الولي بالالهام كان إذ ذاك شرعاً أو كما قيل إنه أمر بذلك على يد نبي غير موسى عليه السلام، وإما إقامة الجدار بلا أجر فلا إشكال فيها لأنها إحسان وغاية ما يتخيل أنه للمسيء فليكن كذلك ولا ضير فإنه من مكارم الأخلاق، وأما خرق السفينة لتسلم من غصب الظالم فقد قالوا‏:‏ إنه مما لا بأس به حتى قال العز بن عبد السلام‏.‏

إنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون وخاف عليه أن يأخذه ظالم يجب عليه تعييبه لأجل حفظه وكان القول قول من عيب مال اليتيم ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه فعله لحفظه على الأوجه كما قاله القاضي زكريا في شرح الروض قبيل باب الوديعة‏.‏

ونظير ذلك ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلاً وعلم أنه لو لم يبذل منه شيئاً لقاض سوء لا نتزعه منه وسلم لبعض الخونة وأدى ذلك إلى ذهابه فإنه يجب عليه أن يدفع إليه شيئاً ويتحرى في أقل ما يمكن ارضاؤه به ويكون القول قوله أيضاً، وقال بعضهم‏:‏ قصارى ما تدل عليه القصة ثبوت العلم الباطن وهو مسلم لكن إطلاق الباطن عليه إضافي كما تقدم، وكان في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى فإذا قالوه لا ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى» إشارة إلى ذلك، والمراد بأهل الغرة علماء الظاهر الذين لم يؤتوا ذلك، وبعض مثبتيه يستدلون بقول أبي هريرة‏:‏ حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم، واستدل به أيضاً على المخالفة بين العلمين‏.‏

وأنت تعلم أنه يحتمل أن يكون أراد بالآخر الذي لو بثه لقتل علم الفتن وما وقع من بني أمية وذم النبي صلى الله عليه وسلم لاناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك في تلك الأعصار يجر إلى القتل، وعلى تسليم أنه أراد به العلم الباطن المسمى بعلم الحقيقة لا نسلم أن قطع البلعوم منه على بثه لمخالفته للعلم الظاهر في نفس الأمر بل لتوهم من بيده الحل والعقد والأمر والنهي من أمراء ذلك الزمان المخالفة فافهم، واستدل العلماء بما في القصة حسبما ذكره شراح الحديث وغيرهم على استحباب الرحلة للعلم وفضل طلبه واستحباب استعمال الأدب مع العالم واحترام المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفتهم وعلى جواز اتخاذ الخادم في السفر وحمل الزاد فيه وإنه لا ينافي التوكل ونسبة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأدباً عن نسبتها إلى الله تعالى واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه وتقديم المشيئة في الأمر واشتراط المتبوع على التابع وعلى أن النسيان غير مؤاخذ به وإن للثلاث اعتباراً في التكرار ونحوه وعلى جواز ركوب السفينة وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى عليه السلام وعلى جواز أن يطلب الإنسان الطعام عند احتياجه إليه وعلى أن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام وجواز أخذ الأجر على الأعمال وإن المسكين لا يخرج عن المسكنة بملك آلة يكتسب بها أو بشيء لا يكفيه وإن الغصب حرام وانه يجوز دفن المال في الأرض وفيه إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول‏:‏ الخضر ولي إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع أو للمتأمل، وبالجملة قد تضمنت هذه القصة فوائد كثيرة ومطالب عالية خطيرة فامعن النظر في ذاك والله سبحانه يتولى هداك‏.‏

ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ على ما ذكره بعض أهل الإشارة ‏{‏فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا‏}‏ فيه إشارة إلى أن الله تعالى خواص أضافهم سبحانه إليه وقطعهم عن غيره وأخص خواصه عز وجل من أضافه إلى الإسم الجليل وهو اسم الذات الجامع لجميع الصفات أو إلى ضمير الغيبة الراجع إليه تعالى وليس ذاك إلا حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم ‏{‏رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ‏}‏ وهي مرتبة القرب منه عز وجل ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 65‏]‏ وهو العلم الخاص الذي لا يعلم إلا من جهته تعالى، وقال ذو النون‏:‏ العلم اللدني هو الذي يحكم على الخلق بمواقع التفويق والخذلان‏.‏

وقال الجنيد قدس سره‏:‏ هو الاطلاع على الأسرار من غير ظن فيه ولا خلاف واقع لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنون المغيبات ويحصل للعبد إذا حفظ جوارحه عن جميع المخالفات وأفني حركاته عن كل الإرادات وكان سبحاً بين يدي الحق بلا تمني ولا مراد، وقيل‏:‏ هو علم يعرف به الحق سبحانه أولياءه ما فيه صلاح عباده‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو علم غيبي يتعلق بعالم الأفعال وأخص منه الوقوف على بعض سر القدر قبل وقوع واقعته وأخص من ذلك علم الأسماء والنعوت الخاصة وأخص منه علم الذات‏.‏

وذكر بعض العارفين أن من العلوم ما لا يعلمه إلا النبي، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج كما ذكره القسطلاني في مواهبه وغيره «وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها فأورثني علم الأولين والآخرين وعلمني علوماً شتى فعلم أخذ على كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري وعلم خيرني فيه وعلمني القرآن فكان جبريل عليه السلام يذكرني به وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي» انتهى، والله تعالى علم استأثر به عز وجل لم يطلع عليه أحداً من خلقه ‏{‏قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 66‏]‏ قاله عن ابتلاء إلهي كما قدمنا، وقال فارس كما في أسرار القرآن‏:‏ إن موسى عليه السلام كان أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله تعالى والخضر كان أعلم من موسى فيما وقع إلى موسى عليه السلام، وقال أيضاً‏:‏ إن موسى كان باقياً بالحق والخضر كان فانياً بالحق ‏{‏قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 67، 68‏]‏ قيل‏:‏ علم الخضر أن موسى عليه السلام أكرم الخلق على الله تعالى في زمانه وأنه ذو وحدة عظيمة ففزع من صحبته لئلا يقع منه معه ما لا يليق بشأنه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ آيسة من نفسه لئلا يشغله صحبته عن صحبة الحق قال‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 69‏]‏ قال بعضهم‏:‏ لو قال كما قال الذبيح عليه السلام‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 102‏]‏ لوفق للصبر كما وفق الذبيح، والفرق أن كلام الذبيح أظهر في الالتجاء وكسر النفس حيث علق بمشيئة الله تعالى وجد انه واحداً من جماعة متصفين بالصبر ولا كذلك كلام موسى عليه السلام ‏{‏فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعما أَهْلَهَا‏}‏ سلكاً طريق السؤال الذي يتعلق بذل النفس في الطريقة وهو لا ينافي التوكل وكذا الكسب ‏{‏قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 77‏]‏ كأنه عليه السلام أراد دفع ما أحوجهما إلى السؤال من أولئك اللئام وفيه نظر إلى الأسباب وهو من أحوال الكاملين كما مر في حكاية الحسن البصري وحبيب، ففي هذا إشارة إلى أنه أكمل من الخضر عليهما السلام ‏{‏قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 78‏]‏ أي حسبما أردت، وقال النصرابادي‏:‏ لما علم الخضر بلوغ موسى إلى منتهى التأديب وقصور علمه عن علمه قال ذلك لئلا يسأله موسى بعد عن علم أو حال فيفتضح‏.‏

وقيل‏:‏ خاف أن يسأله عن أسرار العلوم الربانية الصفاتية الذاتية فيعجز عن جوابه فقال ما قال ‏{‏وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 80‏]‏ قيل‏:‏ كان حسن الوجه جداً وكان محبوباً في الغاية لوالديه فخشى فتنتهما به، والآية من المشكل ظاهراً لأنه إن كان قد قدر الله تعالى علهما الكفر فلا ينفعهما قتل الولد وإن لم يكن قدر سبحانه ذلك فلا يضرهما بقاؤه، وأجيب بأن المقدر بقاؤهما على الإيمان إن قتل وقتله ليبقيا على ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ إن المقدر قد يغير ولا يلزم من ذلك سوى التغير في تعلق صفتاه تعالى لا في الصفة نفسها ليلزم التغير فيه عز وجل، وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 39‏]‏‏.‏

واستشكل أيضاً بأن المحذور يزول بتوفيقه للإيمان فما الحاجة إلى القتل، وأجيب بأن الظاهر أنه غير مستعد لذلك فهو مناف للحكمة وكأن الخضر عليه السلام رأى فيما قال نوع مناقشة فتخلص من ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 82‏]‏ أي بل فعلته بأمر الله عز وجل ولا يسأل سبحانه عما أمر وفعل ولعل قوله لموسى عليه السلام ما قال حين نقر العصفور في البحر سد لباب المناقشة فيما أمر الله تعالى شأنه، ولعل علم مثل هذه المسائل من العلم الذي استأثر الله سبحانه به ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ وأول بعضهم مجمع البحرين بمجمع ولاية الشيخ وولاية المريد والصخرة بالنفس والحوت بالقلب المملح بملح حب الدنيا وزينتها والسفينة بالشريعة وخرقها بهدم الناموس في الظاهر مع الصلاح في الباطن وإغراق أهلها بإيقاعهم في بحار الضلال والغلام بالنفس الأمارة وقتله بذبحه بسيف الرياضة والقرية بالجسد وأهلها بالقوى الإنسانية من الحواس واستطعامهم بطلب أفاعيلها التي تختص بها وإباء الضيافة بمنعها إعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها والجدار بالتعلق الحائل بين النفس الناطقة وعالم المجردات وإرادة الانقضاض بمشارفة قطع العلائق وإقامته بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس ومشيئة اتخاذ الأجر بمشيئة الصبر على شدة الرياضة لنيل الكشوف وإفاضة الأنوار والمساكين بالعوام والبحر الذي يعملون فيه ببحر الدنيا والملك بالشيطان والسفن التي يعضبها العبادات الخالية عن الإنكسار والذل والخشوع والأبوين المؤمنين بالقلب والروح والبدل الخير بالنفس المطمئنة والملهمة والكنز بالكمالات النظرية والعلمية والأب الصالح بالعقل المفارق الذي كمالاته بالفعل وبلوع الأشد بوصولهما بتربية الشيخ وإرشاده إلى المرتبة الكاملة وهذا ما اختاره النيسابوري، واختار غيره تأويلاً آخر هو ادهى منه‏.‏ هذا والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين‏}‏ كان السؤال على وجه الامتحان والسائلون في المشهور قريش بتلقين اليهود، وقيل‏:‏ اليهود أنفسهم وروى ذلك عن السدي، وأكثر الآثار تدل على أن الآية نزلت بعد سؤالهم فالتغبير بصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لما أن في سؤالهم على ذلك الوجه مع مشاهدتهم من أمره صلى الله عليه وسلم ما شاهدوا نوع غرابة، وقيل‏:‏ للدلالة على استمرارهم على السؤال إلى ورود الجواب، وبعض الآثار يدل على أن الآية نزلت قبل، فعن عقبة بن عامر قال‏:‏ إن نفراً من أهل الكتاب جاؤوا بالصحف أو الكتب فقالوا لي‏:‏ استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لندخل عليه فانصرفت إليه عليه الصلاة والسلام فاختبرته بمكانهم فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي ثم قال‏:‏ ائتني بوضوء أتوضأ به فاتيته فتوضأ ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين فانصرف حتى بدا السرور في وجهه ثم قال‏:‏ اذهب فادخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فادخلتهم فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن شئتم اخبرتكم بما سألتموني عنه وإن شئتم غير ذلك فافعلوا، والجمهور على الأول ولم تثبت صحة هذا الخبر‏.‏

واختلف في ذي القرنين فقيل‏:‏ هو ملك أهبطه الله تعالى إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً وروي ذلك عن جبير بن نفير، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن عبد الحكم‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن الأنباري في كتاب الأضداد‏.‏ وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً ينادي بمنى ياذا القرنين فقال له همر‏:‏ ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما لكم وأسماء الملائكة، وهذا قول غريب بل لا يكاد يصح، والخبر على فرض صحته ليس نصاً في ذلك إذ يحتمل ولو على بعد أن يكون المراد أن هذا الاسم من أسماء الملائكة عليهم السلام فلا تسموا به أنتم وأن تسمى به بعض من قبلكم من الناس‏.‏

وقيل‏:‏ هو عبد صالح ملكه الله تعالى الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة ولا نعرف من هو وذكر في تسميته بذي القرنين وجوه، الأول أنه دعا إلى طاعة الله تعالى فضرب على قرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله تعالى فدعا فضرب على قرنه الأيسر فمات ثم بعثه الله تعالى فسمي ذا القرنين وملك ما ملك وروي هذا عن علي كرم الله تعالى وجهه، والثاني أنه انقرض في وقته قرنان من الناس، الثالث أنه كانت صفحتا رأسه من نحاس وروي ذلك عن وهب بن منبه، الرابع أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين وهو أول من لبس العمامة ليسترهما وروي ذلك عن عبيد بن يعلى، الخامس أنه كان لتاجه قرنان، السادس أنه طاف قرنى الدنيا أي شرقها وغربها وروي ذلك مرفوعاً، السابع أنه كان له غديرتان وروي ذلك عن قتادة‏.‏

ويونس بن عبيد، الثامن أنه سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النرو من أمامه وتمتد الظلمة من ورائه، التاسع أنه دخل النور والظلمة، العاشر أنه رأى في منامه كأنه صعد إلى الشمس وأخذ بقرنيها‏.‏

الحادي عشر أنه يجوز أن يكون قد لقب بذلك لشجاعته كأنه ينطح أقرانه كما لقب أزدشير بعمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد، ولا يخفي أنه يبعد عدم معرفة رجل مكن له ما مكن في الأرض وبلغ من الشهرة ما بلغ في طولها والعرض، وأما الوجوع المذكورة في وجه تسميته ففيها ما لا يكاد يصح ولعله غير خفي عليك وقيل‏:‏ هو فريدون بن اثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشدادية وكان ملكاً عادلاً مطيعاً لله تعالى‏.‏

وفي كتاب صور الأقاليم لأبي زيد البلخي أنه كان مؤيداً بالوحي‏.‏ وفي عامة التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة ايرج‏.‏ وسلم‏.‏ وتور فأعطى ايرج العراق‏.‏ والهند‏.‏ والحجاز‏.‏ وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم وديار مصر والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانوناً تحكم به وسميت القوانين الثلاثة سياسة فهي معربة سي ايسا أي ثلاثة قوانين، ووجه تسميته ذا القرنين أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته فإنها كانت على ما في روضة الصفا خمسمائة سنة أو عظم شجاعته وقهره الملوك‏.‏ ورد بأنه قد أجمع أهل التاريخ على أنه لم يسافر لا شرقاً ولا غرباً وإنما دوخ له البلاد كاوه الأصفهاني الحداد الذي مزق الله تعالى على يده ملك الضحاك وبقي رئيس العساكر إلى أن مات، ويلزم على هذا القول أيضاً أن يكون الخضر عليه السلام على مقدمته بناءً على ما اشتهر أنه عليه السلام كان على مقدمة ذي القرنين ولم يذكر ذلك أحد من المؤرخين‏.‏ وأجيب بأن من يقول‏:‏ إنه الإسكندر يثبت جميع ما ثبت للإسكندر في الآيات والأخبار ولا يبالي بعدم ذكر المؤرخين لذلك وهو كما ترى، وقيل‏:‏ هو اسكندر اليوناني ابن فيلقوس، وقيل‏:‏ قلفيص، وقيل‏:‏ قليص‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ هو ابن فيليس‏.‏ بن مصريم‏.‏ بن هرمس‏.‏ بن مطيون‏.‏ بن رومي‏.‏ بن ليطي‏.‏ بن يونان‏.‏ بن يافث‏.‏ بن نونه‏.‏ بن شرخون‏.‏ بن تونط‏.‏ بن يوفيل‏.‏ بن رومي‏.‏ بن الأصغر‏.‏ بن العزير‏.‏ بن إسحاق‏.‏ بن إبراهيم الخليل عليه السلام وكان سرير ملكه مقدونياً وهي بلدة من بلاد الروم غربي دار السلطنة السنية قسطنطينية المحمية بينهما من المسافة قدر خمسة عشر يوماً أو نحو ذلك عند مدينة شيروز، وقول ابن زيدون‏:‏ إنها مصروهم، وهو الذي غلب داراً الأصغر واستولى على ملك الفرس وكان مولده في السنة الثالثة عشر من ملك داراً الأكبر‏.‏

وزعم بعضهم أنه أبوه وذلك أنه تزوج بنت فيلقوس فلما قربها وجد منها رائحة منكرة فأرسلها إلى أبيها وقد حملت بالإسكندر فلما وضعته بقي في كفالة أبيها فنسب إليه، وقيل‏:‏ إن داراً الأكبر تزوج بنت ملك الزنج هلابي فاستخبث ريحها فأمر أن يحتال لذلك فكانت تغتسل بماء السند روس فأذهب كثيراً من ذفرها ثم عافها وردها إلى أهلها فولدت الإسكندر وكان يسمى الإسكندروس‏.‏ ويدل على أنه ولده أنه لما أدرك داراً الأصغر بن دارا الأكبر وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال له‏:‏ يا أخي أخبرني عمن فعل هذا بك لأنتقم منه وهو زعم باطل‏.‏ وقوله‏:‏ يا أخي من باب الإكرام ومخاطبة الأمثال‏.‏ وإنما سمي ذا القرنين لملكه طرفي الأرض أو لشجاعته‏.‏ واستدل لهذا القول بأن القرآن دل على أن الرجل بلغ ملكه إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق وجهة الشمال وذلك تمام المعمول من الأرض ومثل هذا الملك يجب أن يبقى ذكره مخلداً‏.‏ والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا هذا الإسكندر‏.‏ وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم والمغرب وقهرهم وانتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الإسكندرية ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر واستولى على دارا وقصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهر زور ومات بها، وقيل‏:‏ مات برومية المدائن ووضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى الإسكندرية وعاش اثنين وثلاثين سنة ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة‏.‏ وقيل‏:‏ عاش ستاً وثلاثين ومدة ملكه ست عشرة سنة، وقيل‏:‏ غير ذلك، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك أكثر المعمورة وثبت بالتواريخ أن الذي هذا شأنه هو الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر كذا ذكره الإمام ثم قال‏:‏ وهذا القول هو الأظهر للدليل المذكور إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذ أرسطو الحكيم المقيم بمدينة أنينة أسلمه إليه أبوه فأقام عنده خمس سنين وتعلم منه الفلسفة وبرع فيها وكان على مذهبه فتعظيم الله تعالى إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وذلك مما لا سبيل إليه‏.‏ وأجيب بأنا لا نسلم أنه كان على مذهبه في جميع ما ذهب إليه والتلمذة على شخص لا توجب الموافقة في جميع مقالات ذلك الشخص ألا ترى كثرة مخالفة الإمامين لشيخهما الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فيحتمل أن يكون مخالفاً له فيما يوجب الكفر، وفي ذبحه في مذبح بيت المقدس دليل على أنه لم يكن يرى جميع ما يراه الحكماء، ولا يخفى أنه احتمال بعيد، والمشهور أنه كان قائلاً بما يقوله الحكماء والذبح المذكور غير متحقق والاستدلال به ضعيف، وقيل‏:‏ إن قوله بذلك وتمذهبه بمذهب أرسطو لا يوجب كفره إذ ذاك فإنه كان مقراً بالصانع تعالى شأنه معظماً له غير عابد سواه من صنم أو غيره كما يدل عليه ما نقله الشهرستاني أن الحكماء تشاوروا في أن يسجدوا له إجلالاً وتعظيماً فقال‏:‏ لا يجوز السجود لغير بادىء الكل ولم يكن مبعوثاً إليه رسول فإنه كان قبل مبعث عيسى عليه السلام بنحو ثلثمائة سنة وكان الأنبياء عليهم السلام إذ ذاك من بني إسرائيل ومبعوثين إليهم ولم يكن هو منهم فكان حكمه حكم أهل الفترة‏.‏

وتعقب بأنه على تسليم ذلك لا يحسم مادة الإشكال لأن الله تعالى لا يكاد يعظم من حكمه حكم أهل الفترة مثل هذا التعظيم الذي دلت عليه الآيات والأخبار، وأيضاً الثالث في التواريخ أن الإسكندر المذكور كان أرسطو بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه ولم يذكر فيها أنه اجتمع مع الخضر عليه السلام فضلاً عن اتخاذه إياه وزيراً كما هو المشهور في ذي القرنين‏.‏

واعترض أيضاً بأن اسكندر المذكور لم يتحقق له سفر نحو المغرب في كتب التواريخ المعتبرة وقد نبه على ذلك كاتب جلبي عليه الرحمة، وقيل‏:‏ هو الإسكندر الرومي وهو متقدم على اليوناني بكثير ويقال له‏:‏ ذو القرنين الأكبر، واسمه قيل‏:‏ مرزبان بن مردبة من ولد يافث بن نوح عليه السلام وكان أسود، وقيل‏:‏ اسمه عبد الله بن الضحاك، وقيل‏:‏ مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن زيد بن كهلان بن سبا بن يعرب بن قحطان، وجعل بعضهم هذا الخلاف في اسم ذي القرنين اليوناني بعد أن نقل القول بأن اسمه الإسكندر بن فيلقوس، وذكر في اسم الرومي ونسبه ما نقل اسبقاً عن ابن كثير‏.‏

وذهب بعض المحققين إلى أن الإسكندر اليوناني والإسكندر الرومي كلاهما يطلقان على غالب دارا الأصغر والتاريخ المشهور بالتاريخ الرومي ويسمى أيضاً السرياني والعجمي ينسب إليه في المشهور وأوله شروق يوم الاثنين من أول سنة من سني ولايته عند ابن البناء ومن أول السنة السابعة وهي سنة خروجه لتملك البلاد كما في زيج الصوفي أو من أول السنة التي مات فيها كما في المبادىء والغايات، وبعض المحققين ينسبه إلى سولونس بن الطبوخوس الذي أمر ببناء انطاكية وهو الذي صححه ابن أبي الشكر، وتوقف بعضهم كالغ بك عن نسبته إلى أحدهما لتعارض الأدلة، ونفى بعضهم أن يكون في الزمن المتقدم بين الملوك اسكندران‏.‏

وزعم أنه ليس هناك إلا الإسكندر الذي غلب دارا واستولى على ملك فارس وقال‏:‏ إن ذا القرنين المذكور في القرآن العظيم يحتمل أن يكون هو ويحتمل أن يكون غيره، والذي عليه الكثير أن المسمى بالإسكندر بين الملوك السالفة اثنان بينهما نحو ألفي سنة وأن أولهما هو المراد بذي القرنين ويسميه بعضهم الرومي وبعضهم اليوناني وهو الذي عمر دهراً طويلاً فقيل‏:‏ عمر ألفاً وستمائة سنة، وقيل‏:‏ ألفي سنة، وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف سنة ولا يصح في ذلك شيء، وذكر أبو الريحان البيروتي المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية أن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن عمير بن أفريقيس الحميري وهو الذي افتخر به تبع اليماني حيث قال‏:‏

كان ذو القرنين جدي مسلما *** ملكاً علا في الأرض غير مفند

غ المغارب والمشارق يبتغي *** أسباب ملك من حكيم مرشد

أى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

ثم قال‏:‏ ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأدواء كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي رعين وذي يزن وذي جدن، واختار هذا القول كاتب جلبي وذكر أنه كان في عصر إبراهيم عليه السلام وأنه اجتمع معه في مكة المكرمة وتعانقا وأن شهرة بلوغ ملك الإسكندر اليوناني تلميذ أرسطو الغاية القصوى في كتب التواريخ كما ذكر الإمام دون هذا إنما هي لقرب زمان اليوناني بالنسبة إليه فإن بينهما نحو ألفي سنة وتواريخ هاتيك الأعصار قد أصابها إعصار ولم يبق ما يعول عليه ويرجع في حل المشكلات إليه، وربما يقال‏:‏ إن عدم شهرة من ذكر تقوى كونه المسؤول عنه إذ غرض اليهود من السؤال الامتحان وذلك إنما يحسن فيما خفي أمره ولم يشهر إذ الشهرة لا سيما إذا كانت تامة مظنة العلم وإلى كون ذي القرنين في زمان إبراهيم عليه السلام ذهب غير واحد، وقد ذكر الأزرقي أنه أسلم على يده عليه السلام وطاف معه بالكعبة وكان ثالثهما إسماعيل عليه السلام، وروي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيم عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، وقيل‏:‏ أتى بفرس ليركب فقال‏:‏ لا أركب في بلد فيه الخليل فعند ذلك سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبشره إبراهيم عليه السلام بذلك فكانت السحابة تحمله وعساكره وجميع آلهتهم إذا أرادوا غزو قوم وهؤلاء لم يصرحوا بأن ذا القرنين هذا هو الحميري الذي ذكر لكن مقتضى كلام كاتب جلبي إنه هو‏.‏

وذكر أنه يمكن أن يكون اسكندر لقباً لمن ذكر معرباً عن الكسندر ومعناه في اللغة اليونانية آدمي جيد، وربما يقال‏:‏ إن من قال‏:‏ اسم الإسكندر مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور إلى آخر النسب السابق المنتهى إلى قحطان عنى هذا الرجل الحميري لا الرومي ولا اليوناني لكن وهم الناقل لأنه لم يقل أحد بأن الروم من أبناء قحطان وكذا اليونان، نعم ذكر يعقوب بن إسحاق الكندي أن يونان أخو قحطان‏.‏

ورد عليه أبو العباس الناشىء في قصيدته حيث قال‏:‏

أبا يوسف إني نظرت فلم أجد *** على الفحص رأياً صح منك ولا عقدا

وصرت حكيماً عند قوم إذا امرؤ *** بلاهم جميعاً لم يجد عندهم عهدا

قرن الحادا بدين محمد *** لقد جئت شيئاً يا أخا كندة إذا

تخلط يونانا بقحطان ضلة *** لعمري لقد باعدت بينهما جدا

والمذكور في كتب التواريخ أن ملوك اليمن إلى أن غلبت الحبشة عليها من أبناء قحطان‏.‏ وأورد على هذا القول في ذي القرنين أنه لم يوجد في كتب التواريخ المعتبرة سمي ابن عمير بن افريقيس في عداد ملوك اليمن والمذكور إنما هو شمر بصيغة فعل الماضي من التشمير بن افريقيس ولم يذكروا بينه وبين افريقيس عميراً وقد ذكر بعضهم فيه أنه ذو القرنين وقالوا‏:‏ إنه يقال له شمرير عش لارتعاش كان فيه فلعل سمي محرف عن شمر وابن عمير محرف من يرعش، وقد ذكروا في أبيه افريقيس أنه غزا نحو المغرب في أرض البربر حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم وأنه هو الذي بنى أفريقية وبه سميت وكان ملكه مائة وأربعاً وستين سنة، وفيه أنه خرج نحو العراق وتوجه نحو الصين وأنه قلع المدينة التي تسمى اليوم سمرقند وقالوا‏:‏ إنها معرب شمركند وإلى ذلك يشير دعبل الخزاعي بقوله يفتخر بملوك اليمن‏:‏ اكتبوا الكتاب بباب مرو *** وباب الشاش كانوا الكاتبينا

هم سموا بشمر سمرقندا *** وهم غرسوا هناك النابتينا

إنما لقب بذي القرنين لذؤابتين كانتا له وكان ملكه على ما قال ابن قتيبة مائة وسبعاً وثلاثين سنة وعلى ما قال المسعودي ثلاثاً وخمسين سنة وعلى ما قال غيرهما سبعاً وثمانين سنة، ثم إن هذا لم يكن بأبي كرب وإنما الكنى به على ما رأيناه في بعض التواريخ أسعد بن كليكرب ويقال له تبع الأوسط ويذكر أنه آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وفي ذلك يقول‏:‏

دت على أحمد أنه *** رسول من الله باري النسم ومد عمري إلى عمره *** لكنت وزيراً له وابن عم

وا أنه كان شديد الوطأة كثير الغزو فلمه قومه فأغروا ابنه حسان على قتله فقتله، ولا يخفى أن كلا هذين الشخصين لا يصح أن يكون المراد بذي القرنين الذي ذكر أنه لقي إبراهيم عليه السلام أما الأول فلأنهم ذكروا أنه ملك بعد ياسر ينعم ابن عمرو وملك ياسر بعد بلقيس زوجة سليمان عليه السلام وكان عمها فكيف يتصور أن يكون هذا ذاك مع بعد زمان ما بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام‏.‏

وأما الثاني فلأنه بعد هذا بكثير مع أنه لم يطلق عليه أحد ذا القرنين ولا نسب إليه غزواً في مشارق الأرض ومغاربها ورأيت في بعض الكتب أن في زمن منو جهر بن ايرج بن افريدون بعث موسى عليه السلام وكان ملك اليمن في زمانه شمر أبا الملوك وكان في طاعته انتهى، وعليه أيضاً لا يمكن أن يكون شمر هذا هوذا القرنين السابق وهو ظاهر وإذا أسقطت جميع هذه الأقوال عن الاعتبار بناءً على ما قيل إن أخبار ملوك اليمن مضطربة لا يكاد يوقف على روايتين متفقتين فيها واعتبرت القول بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام ملك منهم هو ذو القرنين بناءً على حسن الظن بقائل ذلك أشكل الأمر من وجه آخر وهو أن كتب التواريخ قاطبة ناطقة بأن فريدون كان في زمان إبراهيم عليه السلام وأنه قسم المعمورة بين بنيه الثلاثة حسبما تقدم فكيف يتسنى مع هذا القول بأن ذا القرنين رجل من ملوك اليمن كان في ذلك الزمان أيضاً، ويجىء نحو هذا الإشكال إذا قلنا إن ذا القرنين هو أحد الإسكندرين اليوناني والرومي وقلنا بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً، والحاصل أن القول بأن فريدون كان في ذلك الزمان وكان مالكاً المعمورة كما في عامة تواريخ الفرس يمنع القول بأن ذا القرنين في ذلك الزمان غيره بل القول بوجود أحد الثلاثة من فريدون وذي القرنين التبعي وأحد الإسكندرين في ذلك الزمان وملكه المعمورة يمنع من القول بوجود غيره منهم في ذلك الزمان وملكه المعمورة أيضاً، واستشكل كون ذي القرنين أياً كان من هؤلاء الثلاثة في زمان إبراهيم عليه السلام بأن نمرود كان في زمانه أيضاً، وقد جاء ملك الدنيا مؤمنان وكافران أما المؤمنان فسليمان عليه السلام وذو القرنين وأما الكافران فنمرود وبختنصر ولا مخلص من ذلك على تقدير صحة الخبر إلا بأن يقال كان زمان إبراهيم عليه السلام ممتداً ووقع ملكهما الدنيا متعاقباً وهو كما ترى‏.‏

ورأيت في بعض الكتب القول بأن ذا القرنين ملك بعد نمرود وينحل به الإشكال‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ الذي تقتضيه كتب التواريخ عدم صحة الخبر أو تأويله إذ ليس في شيء منها عموم ملك سليمان عليه السلام أو ملك نمرود أو بختنصر والظاهر عدم الصحة‏.‏ واستشكل أيضاً كونه في ذلك الزمان بأنه لم يذكر في التوراة كما يدعيه اليهود اليوم كافة ويبعد ذلك غاية البعد على تقدير وجوده فالظاهر من عدم ذكره عدم كونه موجوداً‏.‏ وأجيب بأنا لا نسلم عدم ذكره، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم‏.‏

وموسى‏.‏ وعيسى والنبيين لأنك سمعت ذكرهم منا فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله تعالى في التوراة إلا في مكان واحد قال‏:‏ ومن هو‏؟‏ قالوا‏:‏ ذو القرنين الخبر بل الظاهر من سؤالهم أن له ذكراً في كتابهم وإنكارهم اليوم ذلك لا يلتفت إليه على أن ما ذكر في الاستشكال مجرد استبعاد ولا يخفى أنه ليس مانعاً قوياً، هذا وبالجملة لا يكاد يسلم في أمر ذي القرنين شيء من الأقوال عن قيل وقال، وكأني بك بعد الاطلاع على الأقوال وما لها وما عليها تختار أنه الإسكندر بن فليقوس غالب دارا وتدعى أنه يقال له اليوناني كما يقال له الرومي وأنه كان مؤمناً بالله تعالى لم يرتكب مكفراً من عقد أو قول أو فعل وتقول إن تلمذته على أرسطو لا تمنع من ذلك‏:‏

فموسى الذي رباه جبريل كافر *** وموسى الذي رباه فرعون مرسل

وقد تتلمذ الأشعري على المعتزلة ورئيس المعتزلة على الحسن، وقد خالف أرسطو أفلاطون في أكثر المسائل وكان تلميذه، والقول بأن أرسطو كان بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه لا يدل على اتباعه له في سائر اعتقاداته فإن ذلك على تقدير ثبوته إنما هو في الأمور الملكية لا المسائل الاعتقادية على أن الملأ صدر الدين الشيرازي ذكر أن أرسطو كان حكيماً عابداً موحداً قائلاً بحدوث العالم ودثوره المشار إليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل لِلْكُتُبِ‏}‏ وما شاع عنه في أمر العالم توهم ناشىء من عدم فهم كلامه ومثله في ذلك سائر أساطين الحكماء ولا نسلم عدم سفره نحو المغرب ولا ثبوت أن الخضر كان وزير ذي القرنين، وإن اشتهر ليقدح عدم كونه وزيراً عنده في كونه ذا القرنين وقيل‏:‏ إنه كان وزيراً عند ملك يقال له ذو القرنين أيضاً لكنه غير هذا ووقع الاشتباه في ذلك، وقيل‏:‏ يمكن أن يكون عليه السلام في جملة الحكماء الذين معه وكان كالوزير عنده لا يقدح في ذلك استشارة غيره في بعض الأمور وكان مشتهراً إذ ذاك بالحكمة دون النبوة‏.‏ وفي الأعصار القديمة كانوا يسمون النبي حكيماً ولعله كان مشتهراً أيضاً باسم آخر وعدم تعرض المؤرخين لشيء من ذلك لا يدل على العدم، وقيل لا نسلم عدم التعرض بل قولهم إن الخضر كان وزير ذي القرنين قول بأنه كان وزير الإسكندر المذكور عند القائل بأنه ذو القرنين ولا يمنع من ذلك كون الخضر على الأصح نبياً والإسكندر ليس كذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً عن الجمهور لأن المراد من وزارته له تدبير أموره ونصرته ولا ضرر في نصرة نبي وتدبيره أمور ملك صالح غير نبي وهو واقع في بني إسرائيل؛ وإن لم تختر ما ذكر فإن اخترت أنه من ملوك اليمن أو اسكندر آخر يلزمك إما القول بأنه لم يكن في زمن إبراهيم عليه السلام وإما القول بأنه كان في زمنه بعد نمرود أو معه إلا أنه تحت إمرته ولم يكن فريدون إذ ذاك ويلزمك طي الكشح عن كتب التواريخ كما يلزمك على أتم وجه لو اخترت أنه فريدون‏.‏

والأقرب عندي لإلزام أهل الملل والنحل الضالين الذين يشق عليهم نبذ كتب التواريخ وعدم الالتفات إلى ما فيها بالكلية مع كثرتها وانتشارها في مشارق الأرض ومغاربها وتباين أديان مؤلفيها واختلاف أعصارهم اختيار أنه الاسكندر بن فيلقوس غالب دارا‏:‏

وما علي إذ ما قلت معتقدي *** دع الجهول يظن الجهل عدواناً

واليهود قاطبة على هذا لكنهم لعنهم الله تعالى وقعوا في الإسكندر ونسبوه أقبح نسبة مع أنهم يذكرون أنه أمرمهم حين جاء إلى بيت المقدس وعظم أحبارهم والله تعالى أعلم، ثم إن السؤال ليس عن ذات ذي القرنين بل عن شأنه فكأنه قيل ويسألونك عن شأن ذي القرنين ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم في الجواب ‏{‏سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً‏}‏ الخطاب للسائلين والهاء لذي القرنين ومن تبعيضية، والمراد من أنبائه وقصصه، والجار والمجرور صفة ذكراً قدم عليه فصار حالاً، والمراد بالتلاوة الذكر وعبر عنه بذلك لكونه حكاية عن جهة الله عز وجل أي سأذكر لكم نبأ مذكوراً من أنبائه، ويجوز أن يكون الضمير له تعالى ومن ابتدائية ولا حذف والتلاوة على ظاهر أي سأتلو عليكم من جهته سبحانه وتعالى في شأنه ذكراً أي قرآناً، والسين للتأكيد والدلالة على التحقق المناسب لتقدم تأييده صلى الله عليه وسلم وتصديقه بإنجاز وعده أي لا أترك التلاوة البتة كما في قوله‏:‏

سأشكر عمراً إن تراخت منيتي *** أيادي لم تمنن وإن هي جلت

لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل لأن هذه الآية ما نزلت بانفرادها قبل الوحي بتمام القصة بل موصولة بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الارض‏}‏ شروع في تلاوة الذكر المعهود حسبما هو الموعود، والتمكين ههنا الأقدار وتمهيد الأسباب يقال مكنه ومكن له كنصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له؛ وفرق بينهما بأن معنى الأول جعله قادراً ومعنى الثاني جعل له قدرة وقوة ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى يستعمل كل منهما في محل الآخر وهكذا إذا كان التمكين مأخوذاً من المكان بناءً على توهم ميمه أصلية؛ والمعنى أنا جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، وقيل‏:‏ تمكينه في الأرض من حيث أنه سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وفي ذلك أثر ولا أراه يصح، وقيل‏:‏ تمكينه بالنبوة وإجراء المعجزات، وروي القول بنبوته أبو الشيخ في العظمة عن أبي الورقاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وإلى ذلك ذهب مقاتل ووافقه الضحاك‏.‏ ويعارضه ما أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن الأنباري في المصاحف‏.‏ وابن أبي عاصم في السنة‏.‏ وابن مردويه من طريق أبي الفضل أن ابن الكواء سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً‏؟‏ قال‏:‏ لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله تعالى فأحبه ونصح الله تعالى فنصحه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابو زيد أنه قال‏:‏ ذو القرنين بلغ السدين وكان نذيراً ولم أسمع بحق أنه كان نبياً، وإلى أنه ليس بنبي ذهب الجمهور وتوقف بعضهم لما أخرجه عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا» وأنت تعلم أن هذا النفي لم يكن ليستمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يكون درى عليه الصلاة والسلام فيما بعد أنه لم يكن نبياً كما يدل عليه ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يكن يقول ذلك إلا عن سماع، ويشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ سئل علي كرم الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبي هو‏؟‏ فقال‏:‏ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول هو عبد ناصح الله تعالى فنصحه ‏{‏وَءاتَيْنَاهُ مِنَ كُلّ شَىْء‏}‏ أراده من مهمات ملكه ومقاصده المعلقة بسلطانه ‏{‏سَبَباً‏}‏ أي طريقاً يوصله إليه وهو كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة لا العلم فقط وإن وقع الاقتصار عليه في بعض الآثار، ومن بيانية والمبين سبباً وفي الكلام مضاف مقدر أي من أسباب كل شيء، والمراد بذلك الأسباب العادية، والقول بأنه يلزم على التقدير المذكور أن يكون لكل شيء أسباب لا سبب وسببان ليس بشيء، وجوز أن يكون من تعليلية فلا تقدير واختاره بعضهم فتأمل، واستدل بعض من قال بنبوته بالآية على ذلك وليس بشيء كما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏85‏]‏

‏{‏فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَتْبَعَ‏}‏ بالقطع والفاء فصيحة والتقدير فأراد بلوغ المغرب فاتبع ‏{‏سَبَباً‏}‏ يوصله إليه، ولعل قصد بلوغ المغرب ابتداء لأنه أقرب إليه؛ وقيل‏:‏ لمراعاة الحركة الشمسية وليس ذلك لكون جهة المغرب أفضل من جهة المشرق كما زعمه بعض المغاربة فإنه كما قال الجلال السيوطي لأقطع بتفضيل إحدى الجهتين على الأخرى لتعارض الأدلة‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ وابن كثير ‏{‏فَأَتْبَعَ‏}‏ بهمزة الوصل وتشديد التاء وكذا فيما يأتي واستظهر بعضهم أنهما بمعنى ويتعديان لمفعول واحد، وقيل‏:‏ إن أتبع بالقطع يتعدى لاثنين والتقدير هنا فاتبع سبباً سبباً آخر أو فاتبع أمره سبباً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأتبعناهم فِى هذا الدنيا لَعْنَةً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 42‏]‏، وقال أبو عبيد اتبع بالوصل في السير وأتبع بالقطع معناه اللحاق كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 10‏]‏ وقال يونس‏:‏ ‏{‏أَتَّبِعُ‏}‏ بالقطع للمجد المسرع الحثيث الطلب واتبع بالوصل إنما يتضمن مجرد الانتقال والاقتفاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس‏}‏ أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف كما هو الظاهر على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس وفيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هب مبدأ الأطوال على أحد الأقوال ‏{‏وَجَدَهَا‏}‏ أي الشمس ‏{‏تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ أي ذات حمأة وهي الطين الأسود من حمئت البئر تحمأ حمأ إذا كثرت حمأتها‏.‏

وقرأ عبد الله‏.‏ وطلحة بن عبيد الله‏.‏ وعمرو بن العاص‏.‏ وابنه عبد الله‏.‏ وابن عمر‏.‏ ومعاوية‏.‏ والحسن‏.‏ وزيد بن علي‏.‏ وابن عامر‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏حَامِيَةً‏}‏ بالياء أي حارة، وأنكر هذه القراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أول ما سمعها، فقد أخرج عبد الرزاق‏.‏ وسعيد بن منصور‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية قرأ ‏{‏فِى عَيْنٍ حَامِيَةً‏}‏ فقال له‏:‏ ما نقرؤها إلا ‏{‏حَمِئَةٍ‏}‏ فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرأها‏؟‏ فقال‏:‏ كما قرأتها فقلت‏:‏ في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له‏:‏ أين تجد الشمس تغرب في التوراة فقال كعب‏:‏ سل أهل العزيمة فإنهم أعلم بها وأما أنا فإني لم أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن أبي حاضر‏:‏ لو أني عندكما أيدتك بكلام تزاد به بصيرة في ‏{‏حَمِئَةٍ‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ وما هو‏؟‏ قلت‏:‏ قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه قد كان ذو القرنين إلى آخر الأبيات الثلاثة السابقة ومحل الشاهد قوله‏:‏

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأط حرمد

فقال ابن عباس‏:‏ ما الخلب‏؟‏ قال‏:‏ ابن أبي حاضر الطين بكلامهم فقال‏:‏ فما الثأط‏؟‏ قال‏:‏ الحمأة فقال‏:‏ فما الحرمد‏؟‏ قال‏:‏ الأسود فدعا ابن عباس غلاماً فقال‏:‏ أكتب ما يقول هذا الرجل ولا يخفى أنه ليس بين القراءتين منافاة قطعية لجواز كون العين جامعة بين الوصفين بأن تكون ذات طين أسود وماؤها حار ولجواز كون القراءة بالياء أصلها من المهموز قلبت همزته ياء لإنكسار ما قبلها وإن كان ذلك إنما يطرد إذا كانت الهمزة ساكنة كذا قيل‏.‏ وتعقب بأنه يأباه ما جرى بين ابن عباس‏.‏ ومعاوية‏.‏

وأجيب بأنه إذا سلم صحته فمبناه السماع والتحكيم لترجيح إحدى القراءتين، وظاهر ما سمعت ترجيح قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكأن رجوع معاوية لقراءة ابن عباس على ما ذكره القرطبي كان لذلك‏.‏

نعم ما أخرجه ابن أبي شيبة‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏

وابن المنذر‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والحاكم‏.‏ وصححه عن أبي ذر قال‏:‏ كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار فرأى الشمس حين غربت فقال‏:‏ أتدري حيث تغرب‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ فإنها تغرب في عين حامية غير مهموزة يوافق قراءة معاوية ويدل على أن ‏{‏فِى عَيْنٍ‏}‏ متعلق بتغرب كما هو الظاهر، وقول بعض المتعسفين بأنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل ‏{‏وَجَدَهَا‏}‏ مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وكأن الذي دعاه إلى القول بذلك لزوم إشكال على الظاهر فإن جرم الشمس أكبر من جسم الأرض بأضعاف مضاعفة فكيف يمكن دخولها في عين ماء في الأرض، وهو مدفوع بأن المراد وجدها في نظر العين كذلك إذ لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك حقيقة وهذا كما أن راكب البحر يراها كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير الشط والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضاً كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها، ولا يرد على هذا أنه عبر بوجد والوجدان يدل على الوجود لما أن وجد يكون بمعنى رأى كما ذكره الراغب فليكن هنا بهذا المعنى، ثم المراد بالعين الحمئة إما عين في البحر أو البحر نفسه، وتسميته عيناً مما لا بأس به خصوصاً وهو بالنسبة لعظمة الله تعالى كقطرة وإن عظم عندنا‏.‏

وزعم بعض البغداديين أن ‏{‏فِى‏}‏ بمعنى عند أي تغرب عند عين، ومن الناس من زعم أن الآية على ظاهرها ولا يعجز الله تعالى شيء ونحن نقر بعظم قدرة الله عز وجل ولا نلتفت إلى هذا القول، ومثله ما نقله الطرطوشي من أنها يبلعها حوت بل هذا كلام لا يقبله إلا الصبيان ونحوهم فإنها قد تبقى طالعة في بعض الآفاق ستة أشهر وغاربة كذلك كما في أفق عرض تسعين وقد تغيب مقدار ساعة ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض كما في بلغار في بعض أيام السنة فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم غاربة على آخرين بحسب آفاقهم بل قال إمام الحرمين‏:‏ لا خلاف في ذلك، ويدل على ما ذكر ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال‏:‏ الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من شرقها وكذلك القمر، وكذا ما أخرجه ابن عساكر عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف فقال‏:‏ إن الشمس إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها فإذا طال الليل كثر لبثها في الأرض فيسخن الماء لذلك فإذا كان الصيف مرت مسرعة لا تلبث تحت الأرض لقص الليل فثبت الماء على حاله بارداً، ولا يخفى أن هذا السير تحت الأرض تختلف فيه الشمس من حيث المسامتة بحسب الآفاق والأوقات فتسامت الأقدام تارة ولا تسامتها أخرى فما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ إذا غربت الشمس دارت في فلك السماء مما يلي دبر القبلة حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلع منه وتجري منه في السماء من شرقها إلى غربها ثم ترجع إلى الأفق مما يلي دبر القبلة إلى شرقها كذلك هي مسخرة في فلكها وكذلك القمر لا يكاد يصح‏.‏

ويشكل على ما ذكر ما أخرجه البخاري عن أبي ذر قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال‏:‏ يا أبا ذر أتذري أين تغرب الشمس‏؟‏ قلت الله ورسوله أعلم قال‏:‏ فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وأجيب بأن المراد أنها تذهب تحت الأرض حتى تصل إلى غاية الانحطاط وهي عند وصولها دائرة نصف النهار في سمت القدم بالنسبة إلى أفق القوم الذين غربت عنهم وذلك الوصول أشبه شيء بالسجود بل لا مانع أن تسجد هناك سجوداً حقيقياً لائقاً بها فالمراد من تحت العرش مكاناً مخصوصاً مسامتاً لبعض أجزاء العرش وإلا فهي في كل وقت تحت العرش وفي جوفه، وهذا مبني على أنه جسم كري محيط بسائر الأفلاك والفلكيات وبه تحدد الجهات وهذا قول الفلاسفة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه ما يتعلق بذلك، وعلى ما ذكر فالمراد بمستقرها محل انتهاء انحطاطها فهي تجري عند كل قوم لذلك المخل تم تشرع في الارتفاع، وقال الخطابي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش إنها تستق تحته استقراراً لا نحيط به نحن وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك في سورة يس، وبالجملة لا يلزم على هذا التأويل خروج الشمس عن فكلها الممثل بل ولا عن خارج المركز وإن اختلف قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في ذلك الخارج‏.‏

نعم ورد في بعض الآثار ما يدل على خروجها عن حيزها، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشمس إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلع الشمس وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائر الممكنات وعدم امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقاً إلا أنه لا يتسنى مع تحقق غروبها عند قوم وطولعها عند آخرين وبقائها طالعة نحو ستة أشهر في بعض العروض إلى غير ذلك مما لا يخفى فلعل الخبر غير صحيح‏.‏

وقد نص الجلال السيوطي على أن أبا الشيخ رواه بسند واه ثم إن الظاهر على رواية البخاري ورواية ابن أبي شيبة ومن معه أن أبا ذرّ رضي الله تعالى عنه سئل مرتين إلا أنه رد العلم في الثانية إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم طلباً لزيادة الفائدة ومبالغة في الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم‏.‏

‏{‏وَوَجَدَ عِندَهَا‏}‏ أي عند تلك العين على ساحل البحر ‏{‏قَوْماً‏}‏ لباسهم على ما قيل‏:‏ جلود السباع وطعامهم ما لفظه البحر، قال وهب بن منبه‏:‏ هم قوم يقال لهم‏:‏ ناسك لا يحصيهم كثرة إلا الله تعالى‏.‏

وقال أبو زيد السهيلي‏:‏ هم قوم من نسل ثمود كانوا يسكنون جابرسا وهي مدينة عظيمة لها اثنا عشر باباً ويقال لها بالسريانية‏:‏ جرجيسا، وروى نحو ذلك عن ابن جريج، وزعم ابن السائب أنه كان فيهم مؤمنون وكافرون، والذي عليه الجمهور أنهم كانوا كفاراً فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الايمان وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ‏}‏ بالفتل من أول الأمر ‏{‏وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً‏}‏ أي أمراً ذا حسن على حذف المضاف أو على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة وذلك بالدعوة إلى الحق والإرشاد إلى ما فيه الفوز بالدرجات؛ ومحل إن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو على الخبر وإما النصب على المفعولية أما تعذيبك واقع أو اما أمرك تعذيبك أو اما تفعل أو توقع تعذيبك وهكذا الحال في الاتخاذ، وقدم التعذيب لأنه الذي يستحقونه في الحال لكفرهم، وفي التعبير بإما أن تتخذ فيهم حسناً دون إما أن تدعوهم مثلاً إيماء إلى ترجيح الشق الثاني، واستدل بالآية من قال بنبوته، والقول عند بعضهم بواسطة ملك وعند آخرين كفاحاً ومن لم يقل بنبوته قال‏:‏ كان الخطاب بواسطة نبي في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخيير موافقاً لشريعة ذلك النبي‏.‏ وتعقب هذا بأن مثل هذا التخييل المتضمن لإزهاق النفوس لا يجوز أن يكون بالإلهام دون الاعلام وإن وافق شريعة، ونقض ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه بالرؤية وهي دون الإلهام، وفيه أن رؤية الأنبياء عليهم السلام وإلهاماتهم وحي كما بين في محله، والكلام هنا على تقدير عدم النبوة وهو ظاهر‏.‏

وقال علي بن عيسى‏:‏ المعنى قلنا يا محمد قالوا أي جنده الذين كانوا معه يا ذا القرنين فحذف القول اعتماداً على ظهور أنه ليس بنبي وهو من التكلف بمكان، وقريب منه دعوى أن القائل العلماء الذين معه قالوه عن اجتهاد ومشاورة له بذلك ونسبه الله تعالى إليه مجازاً، والحق أن الآية ظاهرة الدلالة في نبوته ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 82‏]‏ على نبوة الخضر عليه السلام، وكأن الداعي إلى صرفها عن الظاهر الأخبار الدالة على خلافها، ولعل الأول في تأويلها أن يقال‏:‏ كان القول بواسطة نبي‏.‏