فصل: تفسير الآيات (27- 44):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (27- 44):

{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)}
{قَالَ} سليمان للهُدهد {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ} فيما أخبرت {أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين} فَدَلّهم الهُدهد على الماء فاحتفروا الركايا ورَوَى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتاباً من عبد الله سليمان بن داود عليه السلام إلى بلقيس ملكة سبأ، السلام على مَن اتبّع الهُدى، أمّا بعد فلا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين.
وقال ابن جُريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إنّه وإنّه.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاءً ثم قرأ {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم} قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملاً لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعهُ بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد {اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} فكن قريباً منهم {فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ} يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولَّ عنهم أي انصرف، كقوله: {ثُمَّ تولى إِلَى الظل} [القصص: 24] أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلقّت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهُدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهُدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه ارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئةً عربيةً من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم مُلْكاً منها؛ لأن مَلِكاً رُسله الطير إنّه لمَلِك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: {قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ}.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 58].
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريماً لأنّه كان مختوماً، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كرامة الكتاب ختمهُ».
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلاّ كتاباً عليه خاتم، فاصطنع خاتماً، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: مَن كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريماً لأنّه كان مصدّراً ببسم الله الرَّحْمن الرحيم {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وأتوني مسلمين مؤمنين طائعين.
{قَالَتْ ياأيها الملأ} قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم {أَفْتُونِي في أَمْرِي} أشيروا عليَّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أُشاوركم فيه {مَا كُنتُ قَاطِعَةً} قاضية وفاصلة {أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ} تحضروني.
قالوا مجيبين لها {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ} في القتال {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} عند الحرب {والأمر إِلَيْكِ} أيتها الملكة {فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ} تجدينا لأمرك مطيعين.
فقالت بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب {قَالَتْ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً} عنوة وغَلبة {أَفْسَدُوهَا} خرَّبوها {وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهُنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال: {وكذلك يَفْعَلُونَ}.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انَّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ** فلا يكن لك في أكنافهم ظل

ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ** جاروا عليك وإن أرضيَتهم مَلّوا

وإن مدحتهمُ خالوك تخدعهم ** واستثقلوك كما يُستثقل الكَلّ

فاستغن بالله عن أبوابهم أبداً ** إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ

{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة إلى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبرهُ بها أملك هو؟ فإن يكن ملكاً قبل الهديّة وانصرف، وإنْ يكن نبيّاً لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلاّ أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفاً ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباساً واحداً حتى لا يعرف ذكر من أُنثى.
وقال مجاهد: أُلبس الغلمان لباس الجواري وأُلبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فأُلقي في الطريق، فلمّا جاؤا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئاً نراه ههنا ملقىً ما يُلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاؤوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس إلى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب، وفي آذانهم قُروطاً وشنوفاً مرصّعات بأنواع الجواهر، وحُملَت الجواري على خمسمائة رَمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضاً خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجاً مكلّلاً بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضاً المسك والعنبر وعود الالنجوج، وعمدت إلى حقّة فجعلت فيها دّرة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودَعت رَجُلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتاباً نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّاً فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبرْ بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقباً مستوياً وأدخل خيطاً.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمَّ قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرَ غَضَب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّاً لطيفاً فاعلم أنّه نبي مُرسَل فتفهّم قوله وَرُدّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان عليه السلام فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان عليه السلام الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطاً شُرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي.
قال: عليَّ بها الساعة، فأَتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان عليه السلام في مجلسه على سريره ووُضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان عليه السلام ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم نفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان عليه السلام لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم وضعاً على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خالياً وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاؤوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان عليه السلام فنظر إليهم سليمان نظراً حسناً بوجه طَلِق وقال: ما وراءكم؟ فأخبرهُ رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحُقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل عليه السلام فأخبره بما في الحُقّة فقال: إنَّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان عليه السلام: من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمَّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها دخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان عليه السلام: حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمَّ قال: مَن لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمَّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأُخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذهُ من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّاً، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدراً، فميّز بينهنَّ بذلك ثم ردّ سليمان عليه السلام الهديّة.
{قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} اختلف القُرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مُشدَّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
{فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحداً ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمَّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد {ارجع إِلَيْهِمْ} بالهدية {فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ} لا طاقة {لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ} أي من أرضها وملكها {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيرهُ مِن أهل الكتب: لما رجعت رُسل بلقيس إليها من عند سليمان عليه السلام قالت: قد والله عرفت ما هذا بمَلِك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئاً، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجُعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاساً يحفظونه ثمَّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت منادياً فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل أُلوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه فرأى رهجاً قريباً منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟».
قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان عليه السلام بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان عليه السلام علم أنها إن أسلمت حُرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يُحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبَّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
{قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن} وهو المارد القَوي، وفيه لغتان: عفريت وعفريه، فمَن قال عفريت جمعه عفاريت، ومَن قال عفرية جمعَه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث.
ربيع: الغليظ. الفَراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ** مالَكمُ مكث ولا تبييت

وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفريه.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفريه من الجنّ والعفريه البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئاً ولم يَلد هُوَ شيئاً.
{أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه إلى منزع النهار.
{وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ} على حمله {أَمِينٌ} على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أُريد أسرع من هذا، {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب} واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل عليه السلام ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلاً من بني آدم.
ثمَّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقاً يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أُعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان عليه السلام حين صلّى ودعا الله سبحانه: مُدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان عليه السلام عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّاً حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان عليه السلام.
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف يا حيّ يا قيّوم».
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب (يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلاّ أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمدبن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حّدثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر مَن ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزَّوجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان عليه السلام فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حُمل فأتى به سليمان من قبل إنْ يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الذي عنده علم من الكتاب اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان إسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً وفقهاً فقال: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك، قال سليمان عليه السلام: هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مَدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أُمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئاً.
وعنه أيضاً قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولاً إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فلمّا رآه يعني رأى سليمان عليه السلام العرش {مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} محمولاً إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف {هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ} نعمته {أَمْ أَكْفُرُ} ها فلا أشكرها {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودَوامَها؛ لأنَّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
{وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} بالإفضال على من كفر نعمه.
{قَالَ نَكِّرُواْ} غيّروا {لَهَا عَرْشَهَا} فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه {نَنظُرْ أتهتدي} إلى عرشها فتعرفه {أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ} به الذين لا يهتدون إليه، وإنما حمل سليمان عليه السلام على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنَّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهِّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنَّ في عقلها شيئاً وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان عليه السلام أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر إلى قدميها ببناء الصرح، فلمّا جاءت بلقيس {قِيلَ} لها {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} شبّهتهُ به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان عليه السلام كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشَبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم.
فقال سليمان عليه السلام {وَأُوتِينَا العلم} بالله وبقدرته على ما شاء مِن قبل هذه المرأة {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} هذا قول مجاهد.
وقال بعضهم: معناه وأُوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وكنّا مسلمين طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان عليه السلام قالت: عرفت هذه، وأُوتينا العلم بصحة نبوة سليمان عليه السلام بالآيات المتقدمة مِن قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرُسل، وكنّا مسلمين أي منقادين لك مطيعين لأمرك مِن قبل أن جئناك.
{وَصَدَّهَا} ومنعها {مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله} وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون {مَا} في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وصدَّها سليمان ما كانت تعبد من دون الله أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجهاً صحيحاً، وعلى هذين التأويلين يكون محل {مَا} نصباً.
{إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح} الآية. وذلك أنَّ سليمان عليه السلام لما اقبلت بلقيس تريدهُ أمَرَ الشياطين فبنوا له صرحاً أي قصراً من زجاج كأنّه الماء بياضاً، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمَّ وضع له سريرهُ في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنَّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك من العبودية أبداً، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنَّ رِجلها رِجل حمار وإنها شَعْراء الساقين لأنّ أُمّها كانت من الجن فأرادَ أن يعلم حقيقة ذلك وينظر إلى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس قيل لها: ادخلي الصرح {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحراً.
{وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} لتخوضه إلى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلاّ أنّها كانت شعْراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملّس مستو {مِّن قَوارِيرَ} وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أُريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رُواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلاّ سأل الجن، فإن علموا وإلاّ سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلْتجرِ ثم املأ الآنية من عَرَقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرَّ ساجداً وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنودُه وجاءهُ الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى مَن حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان عليه السلام، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّاذا سألتِني؟
قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبتَ.
قال: وعن أيّ شيء سألتِني أيضاً؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلاّ هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان عليه السلام الجواب، ثمَّ إن سليمان دَعَاها إلى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالكفر {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين} فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همَّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمَّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّهُ حرّها قال: آوه مِن عذاب الله».
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّاً شديداً وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً وحسناً وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرَّة بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام إلى اليمن ومن اليمن إلى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من امرها: اختاري رجلاً من قومك أُزّوجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلاّ ذلك ولا ينبغي لكِ أنْ تحرّمي ما أحل الله لكِ.
فقالت: زوّجني إنْ كان لابدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزّوجه إيّاها ثم ردّها إلى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود عليه السلام، فلمّا أنْ حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان عليه السلام أقبل رَجُلٌ منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنَّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتاباً بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين سبعة وسبعين خريفاً، وبنينا صرواح ومرواح (وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع)، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان عليه السلام.