فصل: تفسير الآيات (272- 273):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (272- 273):

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} قال الكلبي: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أُمّها قتيلة وجدّتها تسألانها وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتّى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أن تتصدّق عليهما فأعطتهما ووصلتهما.
قال الكلبي: ولها وجه آخر وذلك إنّ ناساً من المسلمين كانت لهم رضاع في اليهود وكانوا يُنفقونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن يُنفقونهم وأرادوهم أن يُسلموا، فأستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نزولها.
وقال سعيد بن جبير: «كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتصدّقوا إلاّ على أهل دينكم» فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها. {ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ} وأراد بالهدى: التوفيق والتعريف؛ لأنّه كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم هدى البيان والدعوة.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شاباً ثم ضيّعناك اليوم، فأمر أن تجرى علية قوته من بيت المال.
{وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} شرط وجزاء، والخير هاهنا المال {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها في الموضعين.
{يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه، كأن معناه: يؤدّى إليكم، فكذلك أدخل إلى {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} لا تُظلمون من ثواب أعمالكم شيئاً.
وأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلاّ للمسلمين، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات، فقال الله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ} واختلف العلماء في موضع هذا اللام، فقال بعضهم: هو مردود على موضع اللام من قوله: {فَلأَنْفُسِكُمْ} كأنّه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تُنفقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم، فلمّا اعترض الكلام قوله: {فَلأَنْفُسِكُمْ} وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها، تركت أعادتها في قوله للفقراء إذ كان معنى الكلام مفهوما.
وقال بعضهم: خبر محذوف تقديره: للفقراء {الذين} صفتهم كذا، حق واجب، «وهم فقراء المهاجرين وكانوا نحواً من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار [....] وكانوا يخرجون في كل سريه يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج يوماً على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبَّت قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفّة، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنّهم من رفقائي».
وروي إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيباً حزيناً فقالت له امرأته: حدث أمر، قال: أشدّ من ذلك، ثم قال: أريني درعَكِ الخلق فشقّه وجعله صُرراً ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة، فلما أصبح قام بالطريق فجعل ينفق كل صرّة حتى أتى على آخرها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجيء فقراء المهاجرين يوم القيامة للحساب فيقولون هل أعطيتمونا شيئاً فتحاسبوننا عليه فيدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، حتّى إنّ الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ فيستخرج، فأراد عمر أن يجعلني ذلك الرجل وما يسرّني إنّي كنت ذلك الرجل وإن لي الدنيا وما فيها».
{أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} أي حبسوا ومنعوا في طاعة الله {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً} سيراً {فِي الأرض} وتصرّفا فيها للتجارة وطلب المعيشة، نظيره قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض} [المزمل: 20].
قال الشاعر:
قليل المال يصلحه فيبقى ** ولا يبقى الكثير مع الفساد

وحفظ المال أيسر من بغاه ** وضرب في البلاد بغير زاد

قال قتادة: معناه: حبسوا أنفسهم في سبيل الله عزّ وجلّ للغزو والعبادة فلا يستطيعون ضرباً في الأرض ولا يتفرّغون إلى طلب المعاش. وقال ابن زيد: من كثرة ماجاهدوا لا يستطيعون ضرباً في الأرض، فصارت الأرض كلّها حرباً عليهم لا يتوجّهون جهة إلاّ ولهم فيها عدو.
وقال سعيد: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض، واختاره الكسائي، قال: أحصروا من المرض، فلو أراد الحبس لقال: حصروا، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر الحبس في غيرهما.
{يَحْسَبُهُمُ} قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش وحمزة وعاصم يحسب وبابه بفتح السين في جميع القرآن.
والباقون بالكسر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقيل إنّها لغة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عاصم بن لقبط بن صبرة عن أبيه وافد بني المشفق قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي فذكر حديثاً فقال صلى الله عليه وسلم للراعي: «أذبح لنا شاة»، ثم قال: لا تحسبن أنا أنّما ذبحناها من أجلكم ولم يقل يحسبن أنا إنما ذبحناها لك، ولكن لنا مائة من الغنم فإذا زادت شاة ذبحنا شاة لا نريد أن تزيد على المائة.
{الجاهل} بأمرهم وحالهم {أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف} من تعففهم عن السؤال، والتعفف: التفعل من العفّة وهو الترك، يقال: عفّ عن الشيء إذا كفّ عنه، وعفيف إذا تكلّف في الإمساك.
قال رؤبة:
فعفّ عن إسرارها بعد الغسق

وقال محمد بن الفضل: يمنعهم علوّ همّتهم رفع جوابهم إلى مولاهم.
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} قرأ حمزة والكسائي بالإمالة. الباقون بالتفخيم، والسيما والسيميا: العلاّمة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السِّمة، واختلفوا في السيميا التي يعرفون بها.
فقال مجاهد: هو التخشّع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر، ابن زيد: رثاثة ثيابهم فالجوع خفي على الناس، يمان: النحول والسكينة. الثوري: فرحهم بفقرهم واستقامة أحوالهم عند موارد البلاء عليهم، المرتضى: غيرتهم على فقرهم وملازمتهم إياه. أبو عثمان: إيثار ما يملكون مع الحاجّة إليه.
قال بعضهم: تطيب قلوبهم وبشاشة وجوههم وحسن حالهم ونور اسرارهم وجولان أرواحهم في ملكوت ربّهم.
{لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً} قال عطاء: يعني إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، فإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء. وقال أهل المعاني: لا يسألون الناس إلحافاً ولا غير إلحاف لأنّه قال من التعفف، والتعفف ترك السؤال أصلاً وقال أيضاً: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} ولو كانت المسألة من شأنهم لما كان للنبي صلى الله عليه وسلم إلى معرفتهم بالعلامة والدلالة حاجة، إذ السؤال يغني عن حالهم وهذا كما قلت في الكلام: قال ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم ترَ مثله قليلاً ولا كثيراً، قال الله عزّ وجلّ {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] وهم كانوا لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً.
وأنشد الزجاج:
على لا حب لا يهتدى لمنارة ** إذا ساقه العود النباطي جرجرا

معناه: ليس له منار فيهتدي له.
كذلك معنى الآية: ليس لهم سؤال فيقع فيه، الحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج في السؤال، وهو مأخوذ من لحف الحبل وهو خشونته، كأنّه استعمل الخشونة في الطلب.
روى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سأل وله أربعون درهما فقد ألحف».
قال هشام: قال الحسن: صاحب الخمسين درهما غني عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنّما المسكين المتعفّف» اقرأوا إن شئتم {لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً}.
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، ويكره البؤس والتبأوس، ويحب الحليم المتعفّف من عباده ويبغض الفاحش البذي السائل اللحف».
وعن قبيصة بن مخارق قال: «أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم استعنته في حمالة فقال: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها، وأعلم إنّ المسألة لا تحل إلاّ لثلاثة: لرجل يحمل حمالة عن قوم فسأل فيها حتّى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة فأذهبت ماله فسأل حتّى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش ثم يُمسك، ورجل أصابته فاقة حتى شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فسأل حتّى يصيب سداداً أو قواماً من عيش ثم يمسك، فما سوى ذلك من المسائل سحت يأكله صاحبه يا قبيصة سحتاً».
وروى قتادة عن هلال بن حصن عن أبي سعيد الخدري قال: أعوزنا مرّة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنطلقت إليه معتفياً، فقال أوّل ما واجهني به: «من استعفف عفّه الله ومَنْ استغنى أغناه الله ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئاً نجده».
قال: فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا استعفف فعفّني الله، فرجعت فما سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد ذلك من حاجة حتّى مالت علينا الدنيا فغرقتنا إلاّ مَنْ عصمه الله محمد صلى الله عليه وسلم إنّ الله عزّ وجلّ كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ونهى عن عقوق الأمّهات ووأد البنات وعن منع وهات.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة. ومَنْ سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحاً أو خموشاً أو خدوشاً في وجهه». قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: «خمسون درهما أو عدّها من الذهب».
{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} قال: {فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} وعليه يجازيه.

.تفسير الآيات (274- 276):

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)}
{الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} الآية. مجاهد عن ابن عباس قال: كان عند عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم سرّاً، ودرهم علانيّة، ودرهم ليلاً ودرهم نهاراً، فنزلت {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار} الآية.
وعن يزيد بن روان قال: ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسبق الدرهم مائة ألف» قالوا: يارسول الله وكيف يسبق الدرهم مائة ألف؟
قال: «رجل له درهمان فأخذ أحدهما وتصدّق به، ورجل [....] فأخرج من غرضها مائة ألف فتصدّق بها».
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله عزّ وجلّ {لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} الآية، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم، وبعث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من تمر- والوسق ستون صاعاً- وكان أحب الصدقتين إلى الله عزّوجل صدقة عليّ رضي الله عنه فأنزل الله فيهما {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية، فعنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن بن عوف وبالليل سرّاً صدقة عليّ رضي الله عنه.
وقال أبو امامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد: هم الذين يمتطون الخيل في سبيل الله يُنفقون عليها بالليل والنهار سرّاً وعلانية، نزلت فيمن لم يرتبط الخيل تخيلا ولا افتخاراً، يدلّ عليه ما روى سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} قال: «نزلت في أصحاب الخيل» قال غريب: والجن لا يقرب بيتاً فيه عتيق من الخيل، ويروى أنه أشار إلى بعض خيل كانت في الخيانة فأشار إلى عتاق تلك الخيل فقال: هؤلاء الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار. الآية.
وعن حبس بن عبد الله الصنعاني أنّه قال: حدّث ابن عباس في هذه الآية: {الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} فقال: في علف الخيل. وعن أبي سريح عمّن حدّثه عن أبي الفقيه أنّه قال: مَنْ حبس فرساً كان ستره من النار، وسقطت منه حسنة، وكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين تلا هذه الآية، وإذا مرّ بفرس أعجف سكت.
شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أرتبط فرساً في سبيل الله فأنفق عليه احتساباً، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة».
عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفّيه بالصدقة».
{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} قال الأخفش [....]: إنّه جعل الخبر بالفاء إذا كان الاسم الذي وصل به [....]، لأنّه في معنى من وجواب من بالفاء في الجزاء، ومعنى الآية: مَنْ أنفق فله أجره.
{عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الذين يَأْكُلُونَ الربا} ومعنى الربا: الزيادة على أصل المال في غير بيع يقال: ربى الشيء إذا زاد، وأربى عليه وعامل عليه إذا زاد عليه في الربا. قال عمر رضي الله عنه: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مثل بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثل بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالذهب أحدهما غائب والآخر حاضر، وإن استنظرك حتّى يلج بيته فلا تنظره إلاّ يداً بيد هات وهذا أني أخاف عليكم الربا.
قالوا: وقياس كتابته بالياء لكسرة أوّله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. قال الفراء: إنّما كتبوه كذلك لأنّ أهل الحجاز تعلّموا الكتابة من أهل الحيرة ولغتهم الربوا، فعلّموهم صورة الحرف على لغتهم فأخذوه كذلك عنهم. وكذلك قرأها الضحاك الربوا بالواو.
وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة مكان كسرة الراء. وقرأ الباقون بالتفخيم بفتحة الباء، قالوا: اليوم فانت فيه بالخيار إن شئت كتبته على مافي المصحف موافقة له، وإن شئت بالياء وإن شئت بالألف. ومعنى قوله: {الذين يَأْكُلُونَ الربا} يأكلونه حق الأكل لأنّه معظم الأمر.
والربا في أربعة أشياء: الذهب، والفضّة، والمأكول، والمشروب. فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلاّ مثلاً بمثل ويداً بيد، وإذا اختلف الصنفان جاز التفاضل في النقد وحرّم في النسيئة، ولا يجوز صاع بر بصاعين لا نقداً ولا نسيئة لأنّهما جنس واحد، وكذلك الذهب بالذهب مثقال باثنين لا نقداً ولا نسيّة، وكذلك الفضّة بالفضّة، وكذلك صاع بر بصاعين شعير وصاع شعير بصاعين بر نقدا ولا يجوز نسيئة. ويجوز مثقال بعشرين درهماً أو أقل أو أكثر نقداً ولا يجوز نسيئة، وجماع ما شايع الناس عليه ثلاثة أشياء: أحدهما: ما يعتدي به ممّا كان مأكولاً أو مشروباً. والثاني: ما كان ثمناً للأشياء وقيمة للمتلفات وهو الذهب والفضّة فهذان فيهما الربا فلا يجوز بيع شيء متفاضلاً نقداً ونسيئة، والصنف الثالث: ما عدا هذين مما لا يؤكل ولا يشرب ولا يكون ثمناً، فلا ربا فيه فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً نقداً ونسيئة. فهذا جملة القول فيما فيه الربا على مذهب الشافعي.
وقال مالك: كلّ ثمن أو يقتات أو ما يصلح به القوت فهو الذي فيه الربا.
وقال أهل العراق: كلّ مكيل أو موزون فيه الربا. وقال أهل الحجاز ما روي محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عبك قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصاحب ومعاوية، فقال عبادة: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، وقال أحدهما: والملح بالملح، وقال الآخر: إلاّ مثلاً بمثل ويداً بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر ويداً بيد كيف شئنا.
قال أحدهما: فمن ناد أو ازداد فقد أربى.
قوله تعالى: {لاَ يَقُومُونَ} يعني يوم القيامة من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ} أي يصرعه ويخبطه {الشيطان} وأصل الخبط الضرب والوطء ويقال ناقة خبوط، التي تطأ الناس وتضرب بقوائمها الأرض. قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ** تمته ومن تخطي يعمر فيهرم

{مِنَ المس} الجنون. يقال: مسّ الرجل وألِس فهو ممسوس ومالوس، إذا كان مجنوناً، وأصله مسّ الشيطان إياه. ومعنى الآية: إنّ آكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مجنوناً وذلك علامة أهل الربا يبعثون وفيهم خبل من الشيطان. قاله قتادة.
أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصّة الإسراء، قال: «فانطلق بي جبرائيل إلى رجال كثير كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدّين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشيّاً.
قال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ثم يقوم أحدهم فتميل بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتّى يغشاهم آل فرعون فيطؤونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة. قال: وآل فرعون يقولون اللّهمّ لا تقم الساعة أبداً قال: ويوم يقال لهم: {أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [غافر: 46] قال: قلت: يا جبرائيل مَنْ هؤلاء؟
قال: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ»
.
حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُسريَ به رأى في السماء رجالاً بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى خارج بطونهم فقلت: «مَنْ هولاء يا جبرائيل؟».
قال: هؤلاء أكلة الربا {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هكذا واستحلالهم إياه.
وذلك إنّ أهل الجاهليّة كان أحدهم إذا أجلّ ماله على غريمه فطالبه بذلك يقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل وامهلني حتّى أزيدك في مالك فيفعلان ويقولان: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالربح أو عند محل المال لأجل التأخير. فكذّبهم الله تعالى فقال: {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ} تذكير وتخويف.
قال السدي: أمّا الموعظة فالقرآن، وإنّما ذكر الفعل لأنّ الموعظة والوعظ واحد.
وقرأ الحسن: فمن جاءته موعظة كقوله: {ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [يونس: 57].
{مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى} من أكل الربا {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أي ما مضى من ذنبه قبل النهي فهو مغفور له {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} يعني النهي إن شاء عصمه حتّى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتّى يعود، وقيل: وأمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحلّ له ويحرّم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وفيه يقول محمود الورّاق:
إلى الله كلّ الأمر في كلّ خلقه ** وليس إلى المخلوق شيء من الأمر

{وَمَنْ عَادَ} بعد التحريم والموعظة إلى أكل الربا مستحلاًّ له {فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الربا سبعون باباً أهونها عند الله كالذي ينكح أمّه».
وعن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده».
الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أرد الله بقرية هلاكاً أظهر فيهم الربا».
{يَمْحَقُ الله} أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته وإن كان كثيراً كما يمحق القمر. وعن عبد الله بن مسعود رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلّة».
وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: {يَمْحَقُ الله} يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حجّاً ولا صلة.
{وَيُرْبِي الصدقات} أي يزيدها ويكثرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف الأجر والثواب في العقبى وإن كانت قليلة، قال عزّ من قائل: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245].
القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلاّ الطيّب ويأخذها بيمينه ويربيها كما يربّي أحدكم مهره أو فصيله حتّى أن اللقمة لتصير مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات} [التوبة: 104].
{يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات} قال يحيى بن معاد: لا أعرف حبّة تزن جبال الدنيا إلاّ الحبّة من الصدقة {والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} بتحريم الربا مستحل له {أَثِيمٍ} متماد في الإثم.