فصل: تفسير الآيات (19- 28):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (19- 28):

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)}
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما وجد اللّه رسولاً غيرك وما نرى أحداً يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول اللّه كما تزعم، فأنزل اللّه {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} فإن أجابوك وإلاّ فقل {قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على ما أقول {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ} وخوفكم يا أهل مكة {بِهِ وَمَن بَلَغَ} يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد {من} و{ما} فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت أبرّ به بمعنى أكرمته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب اللّه فإن من بلغته آية من كتاب اللّه فقد بلغه أمر اللّه أخذه أو تركه».
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثاً: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً عليه السلام وسمع منه {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أخرى} ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى: {فَمَا بَالُ القرون الأولى} [طه: 51]. {قُل} يا محمد إن أشهدوكم أنتم {لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب} يعني التوراة والإنجيل {يَعْرِفُونَهُ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعبيد اللّه بن سلام: إن اللّه قد أنزل على نبيّه {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد اللّه: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف إبني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد صلى الله عليه وسلم مني بإبني، قال: وكيف؟ قال: نعته اللّه عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك اللّه يا ابن سلام {أَبْنَآءَهُمُ الذين خسروا} غبنوا {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار {وَمَنْ أَظْلَمُ} أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم {مِمَّنِ افترى} اختلق {عَلَى الله كَذِباً} فأشرك به غيره {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بآياتنا وآياته يعني به الدين بما فيه {لاَ يُفْلِحُ الظالمون} الكافرون {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} العابدين والمعبودين {جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} إنما يشفع لكم عند ربكم {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
{إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة اللّه عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ويقولون {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فيقول اللّه تعالى لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} وتدعون أنهم شركائي ثم نختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله: {انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ} زال وبطل {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الأصنام {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية، قال: إجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأُبي إبنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته يعني الكعبة قال: ما أدري ما يقول إلاّ إنه يحرك لسانه ويقول: {أَسَاطِيرُ الأولين}، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفياً، فقال أبو جهل: كلا فأنزل اللّه تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وإلى كلامك {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} غشاوة وغطاء {أَن يَفْقَهُوهُ} يعلموه {وفي آذَانِهِمْ وَقْراً} ثقلاً وصماً {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين} يعني حكاياتهم إسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التُّرَّهّات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب وإسمه عبد مناف وذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب:
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسّد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** وابشر بذلك وقر منك عيونا

ودعوتني وزعمت إنك ناصحي ** ولقد صدقت وكنت ثم سببا

وفرضت ديناً لا محالة إنه ** من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سبة ** لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

فأنزل اللّه تعالى {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي يمنعون الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويناؤن عنه أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وهم ينهون الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وهم ينهون عنه قريشاً ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} إنما كذلك {وَلَوْ ترى} يا محمد {إِذْ وُقِفُواْ} حبسوا {عَلَى النار} يعني في النار كقوله: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع {إِذْ وُقِفُواْ} بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف. فقال: وقفت بنفسي وقوفاً ووقفتم وقفاً، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجباً {فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين} قرأه العامة ويكون بالرفع على معنى يا ليتنا نرد ونحوَ لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: ولا نكذب وتكون نصباً على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نرد ولا نكذب: بالرفع، ونكون: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين واخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا {بَلْ بَدَا} ظهر {لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فذلك إخفاؤهم {مِن قَبْلُ} فأنطق اللّه عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل {بَلْ بَدَا لَهُمْ} وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلاّ أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بدا لهم {جزاء ما كانوا يخفون من قبل}.
وقال النضر بن شميل: معناه بل بدا {لعنهم}، ثم قال: {وَلَوْ رُدُّواْ} إلى الدنيا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.

.تفسير الآيات (29- 35):

{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)}
{وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا} فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} بعد الموت {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ} قيل: على حكم اللّه [......] فهم وتكلمنا اليدين بأمر اللّه {قَالَ أَلَيْسَ هذا} العذاب {بالحق * قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا} إنّه حق {قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
أي بكفركم {قَدْ خَسِرَ} وكس وهلك {الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله} بالبعث بعد الموت {حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة} القيامة، {بَغْتَةً} فجأة {قَالُواْ ياحسرتنا} ندامتنا {على مَا فَرَّطْنَا} قصرّنا {فِيهَا} في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول: {قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله} لأن الخسران لا يكون إلاّ في صفقة بيع.
قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا» {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} آثامهم وأفعالهم.
قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: إحمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى: {واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} [طه: 29-30] {على ظُهُورِهِمْ}.
قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحاً، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلاّ أن اللّه عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.
وقرأ {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً} [مريم: 85] أي ركباناً، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلاّ أن اللّه عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}.
قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك: نصب عيني وذكرك محيي قلبي {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي يحملون ويعملون {وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من اللّه للكفار في قولهم {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا}
[الجاثية: 24] الآية {وَلَلدَّارُ الآخرة} قرأتها العامة رفعاً على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع {وَحَبَّ الحصيد} [ق: 9] سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} من الشرك {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي الآخرة أفضل من الدنيا {نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ} الآية.
قال السدي: إلتقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع. كلامك غيري؟ فقال له أبو جهل: واللّه إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية.
وقال أبو يزيد المدني: «لقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له: يأتيك تصافحه؟ قال: واللّه إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعاً لعبد مناف، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية».
وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلاّ صادقاً، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلاّ مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا يعني العرب فإنا ثمن أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ} بأنك كاذب وساحر ومجنون {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.
وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه يعني: ولا يجدونك كاذباً، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.
قال رؤبة:
وأهيج الخلصاء من ذات البرق

أي وجدتها ناتجة للنبات.
قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب {ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} تسلية نبيه يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش {فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله} قال الكلبي: يعني القرآن.
وقال عكرمة: يعني قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا} [الصافات: 171] {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله} إلى قوله: {الْغَالِبُونَ} وقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا}
[غافر: 51] وقوله تعالى: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي} [المجادلة: 21] العدل يعني لأخلفهما لعذابه {وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين} من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد إئتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى اللّه أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه وكبر عليه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه عز وجل {وَإِن كَانَ كَبُرَ} عظم وضاق {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عنك {فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ} تطلب وتتخذ {نَفَقاً} سرباً {فِي الأرض} مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه {أَوْ سُلَّماً} درجاً ومصعداً إليّ {فِي السمآء} يصعد فيه.
قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} فافعل {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى} فآمنوا كلّهم {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن اللّه لو شاء لجمعهم على الهدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.