فصل: تفسير الآية رقم (256)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏256‏]‏

‏{‏لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏256‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ سبب نزول هذه الآية فيما يروى عن ابن عباس قال‏:‏ كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة وهي التي لا يعيش لها ولد فكانت تنذر لئن عاش لها ولد، لتهودنه فإذا عاش جعلته في اليهود فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت الاية ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «قد خير أصحابكم فأن أختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم معهم» وقيل‏:‏ لرجل من الأنصار‏.‏ من بني سالم بن عوف يقال له أبو الحصين ابنان متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت فلزمهما أبوهما وقال لا أدعكما حتى تسلما فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا انظر فأنزل الله تعالى ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ فخلى سبيلهما وقيل نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا بذل الجزية لم يكرهوا على الإسلام وذلك أن العرب كانت أمة أمية ولم يكن لهم كتاب يرجعون إليه فلم يقبل منهم إلاّ الإسلام أو القتل ونزل في أهل الكتاب لا إكراه في الدين يعني إذا قبلوا الجزية فمن أعطى الجزية منهم لم يكره على الإسلام فعلى هذا القول تكون الآية محكمة ليست بمنسوخة وقيل‏:‏ بل الاية منسوخة وكان ذلك في ابتداء الإسلام قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسخت بآية القتال وهو قول ابن مسعود وقال الزهري سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى لا إكراه في الدين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحداً في الدين فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوا فاستأذن الله في قتالهم فأذن له ومعنى لا إكراه في الدين اي دين الإسلام ليس فيه إكراه عيله ‏{‏قد تبين الرشد من الغي‏}‏ يعني ظهر ووضح وتميز الحق من الباطل والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الايات والبراهين الدالة على صحته ‏{‏فمن يكفر بالطاغوت‏}‏ يعني الشيطان، وقيل‏:‏ هو الساحر والكاهن، وقيل هو كل ما عبد من دون الله تعالى، وقيل‏:‏ كل ما يطغى الإنسان فهو طاغوت فاعول من الطغيان ‏{‏ويؤمن بالله‏}‏ اي ويصدق بالله انه ربه ومعبوده من دون كل شيء كان يعبده وفيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر أن يتوب أولاً عن الكفر ويتبرأ منه ثم يؤمن بعد ذلك بالله فمن فعل ذلك صح إيمانه وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد استمسك بالعروة الوثقى‏}‏ أي فقد تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى وهو دين الإسلام ‏{‏لا انفصام لها‏}‏ أي لا انقطاع لها حتى تؤديه إلى الجنة والمعنى أن المتمسك بالدين الصحيح الذي هو دين الإسلام كالمتمسك بالشيء الوثيق الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه ‏{‏والله سميع‏}‏ يعني أنه تعالى يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين ‏{‏عليم‏}‏ بما في قلبه من الإيمان وقيل معناه سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إسلامهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏257- 258‏]‏

‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏257‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏258‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والله ولي الذين آمنوا‏}‏ أي ناصرهم ومعينهم وقيل محبم ومتولي أمورهم فلا يكلهم إلى غيره وقيل هو متولي هدايتهم ‏{‏يخرجهم من الظلمات إلى النور‏}‏ أي من الكفر إلى الإيمان وكل ما في القرآن من ذكر الظلمات والنور، فالمراد به الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام وهو قوله تعالى وجعل الظلمات والنور، فالمراد به الليل والنهار وإنما سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه ولأن الظلمة تحجب الأبصار عن إدراك الحقائق فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان وسمي الإسلام نوراً لوضوح طريقه وبيان أدلته ‏{‏والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت‏}‏ يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة ‏{‏يخرجونهم من النور إلى الظلمات‏}‏ أي من الهدى إلى الضلالة‏.‏ فإن قلت‏:‏ كيف قال يخرجونهم من النور إلى الظلمات وهم كفار لم يكونوا في نور قط‏؟‏ قلت‏:‏ هم اليهود كانوا موقنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته وصفته فلما بعث كفروا به وجحدوا نبوته وقيل‏:‏ هو على العموم في حق جميع الكفار سمي منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجاً من الإيمان بمعنى صدهم الطاغوت عنه وحرمهم خيره وإن لم يكونوا دخلوا فيه قط فهو كقول الرجل لأبيه أخرجتني عن مالك إذا أوصى به لغيره في حياته وحرمه منه وكقول الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام‏:‏ ‏{‏إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله‏}‏ ولم يكن قط في ملتهم ‏{‏أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏ يعني الكفار والطاغوت أهل النار الذين يخلدون فيها دون غيرهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين حاجَّ إبراهيم في ربه‏}‏ يعني هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي خاصم إبراهيم وجادله لأن ألم تر كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ولفظها استفهام كما يقال ألم تر إلى فلان كيف يصنع معناه هل رأيت فلاناً في صنعه والذي حاج إبراهيم هو نمرود بن كنعان الجبار وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية ‏{‏أن آتاه الله الملك‏}‏ أي لأن آتاه الله الملك فطغى وتجبر بسببه وكانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه قال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود، وبختنصر‏.‏ واختلفوا في وقت هذه المحاجة فقيل‏:‏ لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال له‏:‏ من ربك الذي تدعونا إليه‏؟‏ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت وقيل‏:‏ كان هذا بعد إلقائه في النار وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمرود، وكان الناس يمتارون من عنده الطعام فكان إذا أتاه أحد يمتار سأله من ربك‏؟‏ فيقول أنت فيميره فخرج إبراهيم عليه السلام إليه يمتار لأهله الطعام فأتاه فقاله له من ربك قال ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم‏:‏ «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر» فرده بغير طعام فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب رمل أعفر فأخذ منه تطييباً لقلوب أهله إذا دخل عليهم فلما أتى أهله وضع متاعه ثم نام فقامت زوجته سارة إلى رحله ففتحته فإذا هو طعام أجود ما رآه أحد فصنعت منه خبزاً فلما انتبه قربته إليه فقال لها إبراهيم من أين هذا‏؟‏ وكان عهد أهله وليس عندهم طعام فقالت من الطعام الذي جئت به فعلم إبراهيم أن الله قد رزقه فحمد الله تعالى‏:‏ ثم إن الله تعالى بعث إلى نمرود الجبار ملكاً فقال له إن ربك يقول لك أن آمن بي وأتركك في ملكك قال وهل رب غيري فجاءه الثانية فقال له مثل ذلك ثم أتاه الثالثة فرد عليه مثل ذلك فقال له الملك أجمع جموعك فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليه باباً من البعوض حتى سترت الشمس فلم يروها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلاّ العظام ونمرود ينظر ولم يصبه شيء من ذلك ثم بعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكثت في رأسه أربعمائة سنة يضرب رأسه المطارق وكالن أرحم الناس به من يجمع له يديه ثم يضرب رأسه فكان كذلك يعذب أربعمائة سنة مدة ملكه حتى أماته الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت‏}‏ هذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له نمرود من ربك قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ‏{‏قال‏}‏ يعني قال نمرود ‏{‏أنا أحيي وأميت‏}‏ قال أكثر المفسرين دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء فانتفل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى حجة أخرى لا عجزاً عن نصر حجته الأولى فإنها كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان لإبراهيم أن يقول لنمرود فأحيي من أمت إن كنت صادقاً ولكن انتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى لما رأى من قصور فهم نمرود وضعف رأيه فإنه عارض الفعل بمثله ونسي اختلاف الفعلين ‏{‏قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر‏}‏ يعني تحير نمرود ودهش وانقطعت حجته ولم يرجع إليه شيئاً وعرف أنه لا يطيق ذلك‏.‏

فإن قلت كيف بهت الذي كفر وكان يمكنه أن يقول لإبراهيم سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب‏.‏ قلت إنما لم يقله لأنه خاف أنه لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحة نمرود وانقطاعه وقيل إن الله تعالى صرفه عن تلك المعارضة إظهاراً للحجة عليه ومعجزة لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح ‏{‏والله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏ يعني لا يرشدهم إلى حجة يدحضون بها حجج أهل الحق عن المحاجة والمخاصمة وعنى بالظالمين نمرود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏259‏]‏

‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏259‏)‏‏}‏

قول عز وجل‏:‏ ‏{‏أو كالذي مر على قرية‏}‏ هذه معطوفة على الآية التي قبلها والمعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية فيكون هذا عطفاً على المعنى وقيل تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم وهل رأيت كالذي مر على قرية وقيل الكاف زائدة التقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو إلى الذي مر على قرية واختلفوا في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان كافراً شك في البعث وهذا قول ضعيف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كم لبثت‏}‏ والله تعالى لا يخاطب الكافر ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولنجعلك آية للناس‏}‏ وهذا اللفظ لا يستعمل في حق الكافر وإنما يستعمل في حق الأنبياء وقال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي هو عزيز بن شرخيا وقال وهب بن منبه هو أرمياء بن حلقيا من سبط هارون وهو الخضر ومقصود القصة تعريف منكري البعث قدرة الله تعالى على إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار على القرية فجائز أن يكون ذلك المار هو عزيز وجائز أن يكون أرمياء وفي هذه القصة دلالة عظيمة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر اليهود بما يجدونه في كتبهم ويعرفونه وهو أمي لم يقرأ الكتب القديمة واختلفوا في تلك القرية فقيل هي بيت المقدس وذلك لما خربها بختنصر والمراد بالإحياء هنا عمارتها وقيل هي القرية التي أهلك الله أهلها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل هي دير سابر آباد وقيل سلماباد وقيل هي دير هرقل وقيل قرية العنب هي على فرسخين من بيت المقدس وقوله هي دير سابر أباد موضع كان بفارس وسلماباد محلة أو قرية من نواحي جرجان وقيل‏:‏ أيضاً من نواحي همدان ودير هرقل بكسر أوله وراء ساكنة وقاف مكسورة دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم‏.‏ وقيل‏:‏ هو موضع الذي خرجوا من ديارهم وهم ألوف فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم لحزقيل كما تقدم ويقال إن المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها‏}‏ هي التي عندها أحياهم الله حمار عزير ‏{‏وهي خاوية على عروشها‏}‏ أي ساقطة على سقوفها وذلك أن السقوف سقطت أولاً وقفت الحيطان عليها بعد ذلك ‏{‏قال‏}‏ يعني ذلك المار ‏{‏أنى يحيي هذه الله بعد موتها‏}‏ فمن قال إن ذلك المار كان كافراً وهو ضعيف إنما حمله على الشك في قدرة الله ومن قال كان نبياً حمله على سبيل الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة لا على سبيل الإنكار لقدرة الله تعالى أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد كما قال إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏رب أرني كيف تحيي الموتى‏}‏

ومعنى ‏{‏أنى يحيي هذه الله‏}‏ من أين يحيي هذه القرية والمراد بالإحياء عمارتها فأحب الله أن يريه آية في نفسه وفي إحياء تلك القرية‏.‏ وكان سبب القصة في ذلك ما روي عن وهب بن منبه أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي عليهم وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي فقال أرمياء يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني فقال الله تعالى‏:‏ إني ألهمك فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله تعالى في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في آخرها عن الله عز وجل إني أحلف بعزتي لأقيضن له فتنة يتحير فيها الحكيم ولأسلطن عليهم جباراً فارسياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله تعالى إليه إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث هم أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما رأى الله تضرعه وبكاءه ناداه يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل مالاً أسربه فقال الله عز وجل‏:‏ وعزتي وجلالي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه وقال‏:‏ لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فاخبره بذلك وكان ملكاً صالحاً فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوبنا وإن يعف عنا فبرحمته ثم إنهم مكثوا بعد ذلك الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر فقل الوحي وذلك حين اقترب هلاكهم فدعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر البابلي فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائراً وأتى الخبر إلى ملك بني إسرائيل قال لأرمياء‏:‏ أين ما زعمت أن الله تعالى أوحى إليك فقال أرمياء‏:‏ إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله تعالى إلى أرمياء ملكاً قد تمثل له في صورة رجل من بني إسرائيل فقاله له أرمياء من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلاّ حسناً ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلاّ سخطاً لي فأفتني فيهم فقال أرمياء‏:‏ أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير فانصرف الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الرجل أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له أرمياء أما طهرت أخلاقهم بعدلك فيهم فقال يا نبي الله والذي بعثك بالحق نبياً ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلاّ قدمتها إليهم وأفضل فقال أرمياء‏:‏ ارجع إليهم فأحسن إليهم واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم فقام الملك فمكث اياماً ثم إن يختنصر نزل بجنوده بيت المقدس ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء با نبي الله أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم أقبل ذلك الملك إلى أرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده فقعد بين يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الذي جئتك في شأن أهلي مرتين فقال أرمياء‏:‏ أما آن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك يا نبي الله إن كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه فاليوم رأيتهم على عمل لا يرضي الله تعالى فقال له أرمياء‏:‏ على أي عمل رأيتهم‏؟‏ قال على عمل عظيم يسخط الله تعالى فغضبت لله عز وجل فأتيتك لأخبرك وأنا سألك بالله الذي بعثك بالحق أن تدعو عليهم ليهلكوا فقال أرمياء‏:‏ يا مالك السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم فما خرجت الكلمة من فيه حتى أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء على بيت المقدس فالتهب مكان القربان وأحرقت سبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني به فنودي أنهم لم يصبهم ما أصابهم إلاّ بفتياك ودعائك عليهم، فاستيقن أرمياء أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسولاً من الله تعالى إليه فخرج أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً ويقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان بقي في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده من كان بقي من بني إسرائيل من صغير وكبير فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذي كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة‏.‏

وكان فيه أولئك الغلمان دانيال عليه السلام وحنانيا وعزير، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثاً قتلهم وثلثاً سباهم وثلثاً أقرهم بالشام فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له ومعه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيليا وهي أرض بيت المقدس فلما رأى خرابها قال‏:‏ أنى يحيي هذه الله بعد موتها‏.‏

ومن قال‏:‏ إن المار كان عزيراً قال‏:‏ إن بختنصر لما خرب بيت المقدس بسبايا بني إسرائيل وكان فيهم عزيز ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف بالقرية فلم ير أحداً وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق، ولما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال أني يحيي هذه الله بعد موتها وإنما قال ذلك تعجباً لا شكا في البعث‏.‏ ورجعنا إلى حديث وهب قال ثم إن أرمياء ربط حماره بحبل جديد وألقى الله تعالى عليه النوم فلما نام ونزع الله منه الروح فمات مائة عام وأمات حماره وبقي عصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى ومنع لحمه من السباع والطير، فلما مضى من وقت موته مدة سبعين سنة أرسل الله تعالى ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك وقال له‏:‏ إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه ونجى الله من بقي من بني إسرائيل وردهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيها فعمروها ثلاثين سنة وكثروا كأحسن ما كانوا، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه وسائر جسدة ميت ثم أحيا الله جسده وهو ينظر ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه تلوح بيض متفرقة فسمع صوتاً من السماء أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي إن الله يأمرك إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً فكان كذلك، ثم نودي إن الله يأمرك أن تحيي فقام الحمار بإذن الله ثم نهق وعمر الله أرمياء فهو يدور في الفلوات فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأماته الله مائة عام‏}‏ أصل العام من العوم وهو السباحة سميت السنة عاماً لأن الشمس تعوم في جميع بروجها ‏{‏ثم بعثه‏}‏ أي ثم أحياه وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ‏{‏قال كم لبثت‏}‏ يعني قال الله تعالى له كم قدر الزمان الذي مكثت فيه ميتاً قبل أن أبعثك من مكانك حياً‏؟‏ ويقال إن الله تعالى لما أحياه بعث إليه ملكاً فسأله كم لبثت ‏{‏قال‏}‏ يعني ذلك المبعوث بعد مماته ‏{‏لبثت يوماً‏}‏ وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس فقال لبثت يوماً وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال‏:‏ ‏{‏أو بعض يوم قال‏}‏ يعني قال الله له، وقيل قال الملك له ‏{‏بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك‏}‏ يعني التين الذي كان معه قبل موته ‏{‏وشرابك‏}‏ يعني العصير ‏{‏لم يتسنه‏}‏ يعني لم تغيره السنون التي أتت عليه فكان التين كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر من ساعته لم يتغير ولم ينتن ‏{‏وانظر إلى حمارك‏}‏ أي وانظر إلى إحياء حمارك فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض ثم كساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر ‏{‏ولنجعلك آية للناس‏}‏ قيل الواو زائدة مقحمة وقيل‏:‏ دخول الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها والمعنى وفعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء لنجعلك آية للناس يعني عبرة ودلالة على البعث بعد الموت‏.‏

وقال أكثر المفسرين وقيل‏:‏ إنه عاد إلى القرية وهو شاب أسود الرأس واللحية وأولاده وأولاد وأولاد أولاده شيوخ وعجائز شمط فكان ذلك آية للناس ‏{‏وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً‏}‏ قرئ بالراء ومعناه كيف نحييها يقال أنشر الله الميت إنشاراً يعني أحياه وقرئ بالزاي ومعناه‏:‏ كيف نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد، وتركيب بعضها على بعض وإنشاز الشيء ورفعه وإنزعاجه يقال‏:‏ نشزته فنشز أي رفعته فارتفع واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون إنه أراد عظام الحمار قيل إن الله تعالى أحيا عزيراً أو أرمياً على اختلاف القولين فيه ثم قال‏:‏ له‏:‏ انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فنظر وبعث الله ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل، فاجتمعت فركب بعضها على بعض حتى الكسرة من العظم رجعت إلى موضعها فصار حماراً من عظام ليس عليه لحم، ولا فيه دم ثم كسا الله تلك العظام اللحم والعروق والدم، فصار حماراً ذا لحم ودم ولا روح فيه، ثم بعث الله ملكاً فأقبل إليه يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام الحمار حياً بإذن الله تعالى، ثم نهق وقيل‏:‏ أراد بالعظام عظام هذا الرجل نفسه وذلك أن الله تعالى أماته ثم بعثه ولم يمت حماره‏.‏ ثم قيل‏:‏ له انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره حياً قائماً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ثم قيل له‏:‏ انظر إلى العظام كيف ننشزها وذلك أن الله أول ما أحيا منه عينيه فنظر فرأى سائر جسده ميتاً وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ولنجعلك آية للناس وعن ابن عباس وغيره من المفسرين لما أحيا الله عزيراً بعد ما أماته سنة ركب حماره حتى أتى إلى محلته فأنكر الناس، وأنكر منازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت أمة لهم ولما خرج عزير عنهم كانت بنت عشرين سنة، وكانت قد عرفته وعقلته فقال لها عزير‏:‏ يا هذه هذا منزل عزير فقالت‏:‏ نعم وبكت وقالت ما رأيت أحداً يذكر عزيراً منذ كذا وكذا؛ فقال‏:‏ أنا عزير فقالت‏:‏ سبحان الله أن عزيراً فقدناه من مائة سنة ولم نسمع له بذكر فقال‏:‏ إني عزير إن الله تعالى أماتني مائة سنة ثم أحياني فقالت‏:‏ إن عزيراً كان رجلاً مجاب الدعوة وكان يدعو للمريض وصاحب البلايا بالعافية فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراد فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال لها‏:‏ قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه وقالت‏:‏ أشهد أنك عزير وانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها فقالت‏:‏ أنا فلانة مولاتكم فدعا عزير ربه فرد عليَّ بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله تعالى قد أماته مائة سنة ثم بعثه قال‏:‏ فنهض الناس إليه، وقال‏:‏ ابنه‏:‏ كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فنظر إليها فرآها فعرف انه عزير، وقيل‏:‏ لما رجع عزير إلى قريته وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلائق بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فثبتت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة، وبعثه نبياً فقال أنا عزير‏:‏ فلم يصدقوه فقال إني عزير وقد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم، قالوا‏:‏ فاملها علينا فأملاها عليهم من ظهر قلبه فقالوا‏:‏ ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت إلاّ أنه ابنه فقالوا‏:‏ عزير ابن الله وستأتي القصة في سورة التوبة إن شاء الله تعالى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما تبين له‏}‏ يعني فلما اتضح له عياناً ما كان ينكره من إحياء القرية ورآه عياناً في نفسه ‏{‏قال أعلم‏}‏ قرئ مجزوماً موصولاً على الأمر يعني قال الله له أعلم وقرئ أعلم على قطع الألف، ورفع الميم على الخبر عن الذي قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها والمعنى فلما تبين له ورأى ذلك عياناً قال‏:‏ أعلم ‏{‏أن الله على كل شيء قدير‏}‏ يعني الإماتة والإحياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏260‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏260‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى‏}‏ اختلفوا في سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام فقيل‏:‏ إنه مر على دابة ميتة وهي جيفة حمار وقيل‏:‏ بل كانت حوتاً ميتاً وقيل‏:‏ كان رجلاً ميتاً بساحل البحر وقيل‏:‏ بحر طبرية فرآها وقد توزعها دواب البحر والبر‏.‏ فإذا مد البحر جاءت الحيتان فأكلت منها وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها‏.‏ فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها‏.‏ وقال‏:‏ يا رب إني قد علمت إنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف الدواب فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فأزداد يقيناً فعاتبه الله تعالى‏:‏ ‏{‏قال أولم تؤمن‏}‏ يعني ألم تصدق ‏{‏قال بلى‏}‏ يا رب قد علمت وآمنت ‏{‏ولكن ليطمئن قلبي‏}‏ أي ليسكن قلبي عند المعاينة أراد إبراهيم عليه السلام أن يصير له علم اليقين عين اليقين لأن الخبر ليس كالمعاينة وقيل لما رأى الجيفة على البحر وقد تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن إبراهيم عليه السلام شاكاً في إحياء الله الموتى ولا دافعاً له ولكنه أحب أن يرى ذلك عياناً كما أن المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمداً صلى الله عليه وسلم، ويحبون رؤية الله تعالى في الجنة ويطلبونها، ويسألونه في دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال الشك عنهم فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عياناً، وقيل‏:‏ كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال إبراهيم‏:‏ ربي الذي يحيي ويميت فقال نمرود‏:‏ أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر فقال إبراهيم‏:‏ إن الله تعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه فقال له نمرود‏:‏ أنت عاينته فلم يقدر إبراهيم أن يقول‏:‏ نعم فانتقل إلى حجة أخرى ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى‏؟‏ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي فإذا قيل‏:‏ أنت عاينته فأقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس وكان إذا خرج أغلق بابه فلما جاء، وجد في الدار رجلاً فثار إليه ليأخذه قول له‏.‏ من أذن لك أن تدخل داري فقال‏:‏ أذن لي رب الدار فقال‏:‏ إبراهيم صدقت وعرف أنه ملك فقال له‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا ملك الموت جئتك أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً فحمد الله عز وجل وقال له‏:‏ ما علامة ذلك قيل‏:‏ أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك فحينئذٍ قال إبراهيم‏:‏ رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بأنك اتخذتني خليلاً، وتجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى‏.‏ قال‏:‏ أولم تؤمن‏؟‏ قال‏:‏ بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»‏.‏

‏(‏القول على معنى الحديث‏)‏ وما يتعلق به اختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» على أقوال كثيرة فأحسنها وأصحها ما نقل المزني وغيره من العلماء أن الشك مستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم ولقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك وإنما خص إبراهيم بالذكر لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك فنفى ذلك عنه، وقال الخطابي‏:‏ ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول‏:‏ إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس وكذلك قولهم‏:‏ لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وفيه الإعلام بأن المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن من قبل زيادة العلم بالبيان، والعيان يفيد من المعرفة، والطمأنية ما لا يفيد الاستدلال وقيل‏:‏ لما نزلت هذه الآية قال‏:‏ قوم‏:‏ شك إبراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ومعناه أن هذا الذي تظنونه شكاً أنا أولى به فإنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين وإنما رجح إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نفسه صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وأدباً، أو أقبل أن يعلم أنه صلى الله عليه وسلم خير ولد آدم وأما تفسير الاية فقوله تعالى‏:‏ وإذا قال إبراهيم‏:‏ أي واذكر يا محمد، إذ قال‏:‏ إبراهيم، وقيل‏:‏ انه معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه‏}‏ والتقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قال يعني قال الله إبراهيم‏:‏ «أولم تؤمن» الألف في أولم تؤمن من ألف إثبات وإيجاب كقول جرير‏:‏ ألستم خير من ركب المطايا‏.‏

أي ألستم كذلك والمعنى أو لست قد آمنت وصدقت أني أحيي الموتى قال بلى قد آمنت وصدقت ولكن ليطمئن قلبي يعني سألتك ذلك إرادة طمأنينة القلب وزيادة اليقين وقوة الحجة وقال ابن عباس‏:‏ معناه ولكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني ‏{‏قال فخذ أربعة من الطير‏}‏ قيل أخذ طاووساً وديكاً وحمامة وغراباً وقيل نسراً بدل الحمامة‏.‏ فإن قلت لم خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة‏.‏ قلت لأن الطير صفته الطيران في السماء والارتفاع في الهواء، وكانت همة إبراهيم عليه السلام كذلك وهو العلو في الوصول إلى الملكوت فكانت معجزته مشاكلة لهمته‏.‏ فإن قلت‏:‏ لم خص هذه الأربعة الأجناس من الطير بالأخذ‏.‏ قلت فيه إشارة ففي الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة، والجاه وفي النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل وفي الديك إشارة إلى شدة الشغف بحب النكاح وفي الغراب إشارة إلى شدة الحرص، ففي هذه الطيور مشابهة لما في الإنسان من حب هذه الأوصاف وفيه إشارة إلى أن الإنسان إذا ترك هذه الشهوات الذميمة لحق أعلى الدرجات في الجنة، وفاز بنيل السعادات ‏{‏فصرهن‏}‏ قرئ بكسر الصاد ومعناه قطعهن ومزقهن وقرئ بضم الصاد ومعناه أملهن ‏{‏إليك‏}‏ ووجههن وقيل‏:‏ معناه اجمعهن واضممهن إليك فمن فسره بالإمالة والضم قال فيه إضمار ومعناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذف اكتفاء بقوله‏:‏ ‏{‏ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً‏}‏ لأنه يدل عليه قال لمفسرون‏:‏ أمر الله تعالى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ان يذبح تلك الطيور وينتف ريشها وأن يخلط ريشها ولحمها ودمها بعضه ببعض ففعل ثم أمره أن يجعل على كل جبل منهن جزءاً‏.‏ واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء وأن يجعلها أربعة أجبل على كل جبل ربعاً من كل طائر، قيل‏:‏ جبل على جهة الشرق وجل على جهة الغرب، وجبل على جهة الشمال وجبل على جهة الجنوب وقيل جزأه سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك رؤوسهن بيده ثم دعاهن فقال‏:‏ تعالين بإذن الله تعالى‏:‏ فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى وكل عظم يطير إلى العظم الآخر وكل بضعة تطير إلى البضعة الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى لقيت كل جثة بعضها ببعض في السماء بغير رؤوس ثم أقبلن سعياً إلى رؤوسهن كلما جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه وإن لم يكن تأخر عنه حتى التقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم ادعهن يأتينك سعياً‏}‏ وقيل‏:‏ المراد بالسعي الإسراع والعدو وقيل المشي، والحكمة في سعي الطيور إليه دون الطيران، لأن ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور أو أن أرجلها غير سليمة، فنفى الله تعالى هذه الشبهة بقوله‏:‏ ‏{‏يأتينك سعياً‏}‏ وقيل‏:‏ المراد بالسعي المشي والمراد بالمشي الطيران وفيه ضعف لأنه لا يقال‏:‏ للطائر إذا طار سعى وقيل السعي هو الحركة الشديدة ‏{‏واعلم أن الله عزيز‏}‏ يعني أنه تعالى غالب على جميع الأشياء لا يعجزه شيء ‏{‏حكيم‏}‏ يعني في جميع أموره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏261- 262‏]‏

‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏261‏)‏ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏262‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله‏}‏ قيل أراد به الإنفاق في الجهاد وقيل هو الإنفاق في جميع أبواب الخير ووجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع، وفيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ‏{‏كمثل حبة‏}‏ أي كمثل زراع حبة ‏{‏أنبتت‏}‏ يعني أخرجت تلك الحبة ‏{‏سبع سنابل‏}‏ جمع سنبلة ‏{‏في كل سنبلة مائة حبة‏}‏‏.‏ فإن قلت فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها‏.‏ قلت‏:‏ ذلك غير مستحيل وما لا يكون مستحيلاً فضرب المثل به جائز وان لم يوجد والمعنى في كل سنبلة مائة حبة إن جعل الله ذلك فيها، وقيل هو موجود في الدخن، وقيل‏:‏ إن المقصود من الآية أنه إذا علم الإنسان الطالب للزيادة أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر عند الله في الآخرة أن لا يترك الإنفاق في سبيل الله، إذا علم أنه يحصل له بالواحد عشرة ومائة وسبعمائة ‏{‏والله يضاعف لمن يشاء‏}‏ يعني أنه تعالى يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وقيل معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء من سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما يشاء من الأضعاف مما لا يعلمه إلاّ الله ‏{‏والله واسع‏}‏ أي غني يعطي عن سعة، وقيل واسع القدرة على المحازاة وعلى الجود والإفضال ‏{‏عليم‏}‏ يعني بنية من ينفق في سبيله، وقيل عليم بمقادير الإنفاق وبما يستحق المنفق من الجزاء والثواب عليه‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله‏}‏ قيل‏:‏ نزلت في عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الآية وقال عبدالرحمن بن سمر «وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله‏}‏ وأما عبدالرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أخرجتها لربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت «، والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في حوائجهم ومؤنتهم ‏{‏ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذى‏}‏ أي لا يتبع نفقته التي أنفقها عليهم بالمن والأذى وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول‏:‏ قد أعطيتك كذا وكذا فيعدد نعمه عليه فيكدرها عليه والأذى هو أن يعيره فيقول‏:‏ كم تسأل وأنت فقير أبداً وقد بليت بك وأراحني الله منك وأمثال ذلك‏.‏

والمن في اللغة الإنعام، والمنة النعمة الثقيلة يقال‏:‏ من فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة ويكون ذلك بالقول‏:‏ أيضاً ومنه قول الشاعر‏:‏

فمني علينا بالسلام فإنما *** كلامك ياقوت ودر منظم

ومن المن بالقول ما هو مستقبح بين الناس، مثل أن يمن على الإنسان بما أعطاه، قال عبدالرحمن بن يزيد كان أبي يقول إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها قال قائلهم في المدح بترك المن‏:‏

زاد معروفك عندي عظماً *** أنه عندك مستور حقير

تتناساه كأن لم تأته *** وهو في العالم مشهور كبير

وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء‏:‏

أتيت قليلاً ثم أسرعت منة *** فنيلك ممنون لذاك قليل

وأما الأذى فهو ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل‏.‏ إذا عرفت هذا فنقول المن هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به والأذى هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف والأذى فيه وذم فاعله‏.‏ فإن قلت‏:‏ قد وصف الله تعالى نفسه بالمنان فما لفرق‏.‏ قلت المنان في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على عباده وإحسانه إليهم فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد تعيير وتكدير فظهر الفرق بينهما‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لهم أجرهم‏}‏ يعني ثوابهم ‏{‏عند ربهم‏}‏ يعني في الآخرة ‏{‏ولا خوف عليهم‏}‏ يعني يوم القيامة ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ يعني على ما خلفوا من الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏263- 264‏]‏

‏{‏قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ‏(‏263‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏264‏)‏‏}‏

‏{‏قول معروف‏}‏ أي كلام حسن ورد جميل على الفقر السائل وقيل‏:‏ عدة حسنة توعده بها، وقيل‏:‏ دعاء صالح تدعو له بظهر الغيب ‏{‏مغفرة‏}‏ أي تستر عليه خلته وفقره ولا تهتك ستره وقيل هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حالة رده ‏{‏خير من صدقة‏}‏ يعني هذا القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي تدفعها إلى الفقير ‏{‏يتبعها أذى‏}‏ وهو أن يعطي الفقير الصدقة ويمن عليه بها ويعيره بقول أو يؤذيه بفعل ‏{‏والله غني‏}‏ أي مستغن عن صدقة العباد والغني الكامل الغني الذي لا يحتاج إلى أحد وليس كذلك إلاّ الله تعالى ‏{‏حليم‏}‏ يعني أنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة على من يمن على عباده ويؤذي بصدقته‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم‏}‏ يعني أجور صدقاتكم ‏{‏بالمن والأذى‏}‏ يعني على السائل الفقير، وقال ابن عباس بالمن على الله تعالى والأذى لصاحبها ثم ضرب الله تعالى لذلك مثلاً فقال تعالى ‏{‏كالذي‏}‏ أي كإبطال الذي ‏{‏ينفق ماله رئاء الناس‏}‏ أي مراءاة لهم وسمعة ليروا نفقته ويقولوا‏:‏ إنه سخي كريم ‏{‏ولا يؤمن بالله واليوم الآخر‏}‏ يعني أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به ‏{‏فمثله‏}‏ أي مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله ‏{‏كمثل صفوان‏}‏ هو الحجر الأملس الصلب وهو واحد وجمع فمن جعله جمعاً قال واحده صفوانه ومن جعله واحداً قال جمعه صفي ‏{‏عليه تراب‏}‏ أي على ذلك الصفوان تراب ‏{‏فأصابه وابل‏}‏ يعني المطر الشديد العظيم القطر ‏{‏فتركه صلداً‏}‏ يعني ترك المطر ذلك الصفوان صلداً أملس لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس يرى الناس أن لهؤلاء أعمالاً في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب ‏{‏لا يقدرون على شيء مما كسبوا‏}‏ أي لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا ‏{‏والله لا يهدي القوم الكافرين‏}‏ يعني الذين سبق في علمه أنهم يموتون على الكفر‏.‏ روى البغوي بسنده عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا‏:‏ يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال‏:‏ الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «قال الله تبارك وتعالى‏:‏ انا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏265- 266‏]‏

‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏265‏)‏ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ‏(‏266‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله‏}‏ أي طلب رضا الله ‏{‏وتثبيتاً من أنفسهم‏}‏ يعني على الإنفاق في طاعة الله تعالى وتصديقاً بثوابه، وقيل‏:‏ معناه أن أنفسهم موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت وقيل‏:‏ أحساناً وقيل تصديقاً والمعنى أنهم يخرجون زكاة أموالهم، وينفقون أموالهم في سائر وجوه البر والطاعات طيبة أنفسهم بما أنفقوا على يقين بثواب الله وتصديق بوعده يعملون أن ما أنفقوا خير له مما تركوا وقيل معناه على يقين بإخلاف الله عليهم وقيل‏:‏ معناه أنهم يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم قيل‏:‏ كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كانت لله خالصة أمضاها، وإن خالطه شك أو رياء أمسك ‏{‏كمثل جنة‏}‏ أي بستان قال الفراء إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس ‏{‏بربوة‏}‏ هي المكان المرتفع عن الأرض المستوي لأن ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء والأودية كان ثمرها أحسن وأزكى إذا كان لها من الماء ما يرويها وقيل‏:‏ هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر انتفخت وربت فإذا كانت الأرض بهذه الصفة كثر ريعها وحملت أشجارها ‏{‏أصابها وابل‏}‏ وهو المطر الكثير الشديد قال بعضهم‏:‏

ما روضة من رياض الحزن معشبة *** خضراء جاد عليها وابل هطل

أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض ‏{‏فآتت أكلها ضعفين‏}‏ أي فأعطت ثمرتها قيل إنها حملت في سنة من الريع ما يحمله غيرها في سنتين وقيل أضعفت فحملت في السنة مرتين ‏{‏فإن لم يصبها وابل فطل‏}‏ أي طش وهو المطر الخفيف الضعيف، والمعنى إن لم يكن أصابها وابل وأصابها طل فتلك حال هذه الجنة في تضاعف ثمرها فإنها لا تنقص بالطل عن مقدار ثمرها بالوابل وهذا مثل ضربه الله تعالى‏:‏ لعمل المؤمن المخلص في إنفاقه وسائر أعماله، يقول الله تعالى كما أن هذه الجنة تريع وتزكو في كل حال ولا تخلف سواء كان المطر قليلاً أو كثيراً فكذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص في صدقته وإنفاقه الذي لا يمن ولا يؤذي سواه قلت نفقته أو كثرت ‏{‏والله بما تعملون بصير‏}‏ يعني أن الله تعالى لا تخفى عليه نفقة المخلص في صدقته الذي لا يمن بها ولا يؤذي والذي يمن بصدقته ويؤذي قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب‏}‏ هذه متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى‏.‏ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أيود يعني أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل وأعناب إنما خصهما بالذكر لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها ولما فيهما من الغذاء والتفكه ‏{‏تجري من تحتها الأنهار‏}‏ يعني أن جرى الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها ‏{‏له فيها من كل الثمرات‏}‏ لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه ‏{‏وأصابه الكبر‏}‏ يعني صاحب هذه الجنة كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها فحينئذٍ يكون في غاية الاحتياج إلى تلك الجنة فإن قلت‏:‏ كيف عطف وأصابه الكبر على أيود، وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل قلت فيه وجهان أحدهما أن يكون له جنة حال ما أصابه الكبر والوجه الثاني أنه عطف على المعنى، فكأنه قيل أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر ‏{‏وله ذرية ضعفاء‏}‏ يعني له أولاد صغار عجزت عن الحركة بسبب الضعف والصغر ‏{‏فأصابها‏}‏ يعني أصاب تلك الجنة ‏{‏إعصار فيه نار فاحترقت‏}‏ الإعصار ريح ترتفع إلى السماء وتستدير كأنها عمود وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول مثل عمل المنافق والمرائي بعمله في حسنه كحسن جنة ينتفع بها صاحبها فلما كبر وضعف وصار له أولاد ضعاف أصاب جنته إعصار فيه نار فأحرقها وهو أحوج ما يكون إليها فحصل في قلبه من الغم والحسرة ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى لكبره وضعفه وضعف أولاده فهو لا يجد ما يعود به على أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به عليه فبقوا جميعاً متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، فكذلك حال من أتى يوم القيامة بأعمال حسنة ولم يقصد بها وجه الله تعالى، فيبطلها الله تعالى، وهو في غاية الحاجة إليها حين لا مستعتب له ولا توبة‏.‏

وقال عبيد بن عمير‏:‏ قال عمر يوماً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترون نزلت هذه الاية ‏{‏أيود أحدكم‏}‏ قالوا‏:‏ الله أعلم فغضب عمر وقل قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر قل يا ابن أخي ولا تحقرن نفسك فقال ضرب الله مثلاً لعمل قال لأي عمل قال لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها ‏{‏كذلك يبين الله لكم الآيات‏}‏ يعني كما بين الله تعالى لكم أمر النفقة المقبولة، وغير المقبولة كذلك يبين الله لكم من الآيات سوى ذلك ‏{‏لعلكم تتفكرون‏}‏ أي فتتعظوا وقال ابن عباس‏:‏ لعلكم تتفكرون يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏267‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ‏(‏267‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏}‏ أي من خيار ما كسبتم وجيده وقيل‏:‏ من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة وفيه دليل على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث‏.‏ عن خولة الأنصارية قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «إن هذا المال خضر حلو من أصابه بحق بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلاّ النار» أخرجه الترمذي‏.‏ المتخوض الذي يأخذ المال من غير وجهه كما يخوض الإنسان في الماء يميناً وشمالاً ‏(‏خ‏)‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن حلال أم من حرام» ‏(‏خ‏)‏ عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» أخرجه الترمذي والنسائي‏.‏ واختلفوا في المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏انفقوا‏}‏ فقيل‏:‏ المراد به الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب والزكاة واجبة فوجب صرف الآية إليها وقيل‏:‏ المراد به صدقة التطوع وقيل‏:‏ إنه يتناول الفرض والنفل جميعاً لأن المفهوم من هذا الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل فوجب أن يدخل تحت هذا الأمر فعلى القول الأول أن المراد من هذا الإنفاق هو الزكاة يتفرع عليه مسائل‏:‏

المسألة الأولى‏:‏ ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان فيدخل فيه زكاة الذهب والفضة والنعم وعروض التجارة، لأن ذلك يوصف بأنه مكتسب وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الزكاة في مال التجارة وقال داود الظاهري‏:‏ لا تجب الزكاة بحكم التجارة في العروض إلاّ أن ينوي به التجارة في حال تملكه، ودليل الجمهور ما روي عن سمرة بن جندب قال‏:‏ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعد للبيع» أخرجه أبو داود وعن أبي عمرو بن خماس أن أباه قال‏:‏ مررت بعمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال عمر ألا تؤدي زكاتك يا خماس فقلت مالي غير هذا واهب في القرظ قال‏:‏ ذاك مال فضع فوضعها فحسبها فأخذ منها الزكاة فإذا حال الحول على عروض التجارة قوم فإن بلغ قيمته عشرين ديناراً أو مائتي درهم منه ربع العشر‏.‏

المسألة الثانية‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومما أخرجنا لكم من الأرض‏}‏ ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات مما يزرع الآدميون، لكن جمهور العلماء خصصوا هذا العموم فأوجبوا الزكاة في النخيل، والكروم وفيما يقتات ويدخر من الحبوب وأوجب أبو حنيفة الزكاة في كل ما يقصد من نبات الأرض، كالفواكه والبقول والخضراوات كالبطيخ والقثاء والخيار ونحو ذلك‏.‏

دليل الجمهور ما روي عن معاذ‏:‏ «أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال‏:‏ ليس فيها شيء» أخرجه الترمذي‏.‏ وقال هذا الحديث ليس بصحيح وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضراوات صدقة‏.‏ قلت وحديث موسى بن طلحة أخرجه الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبدالله بن تيمية الحراني في أحكامه عن عطاء بن السائب قال‏:‏ «أراد عبدالله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقاله له‏:‏ موسى بن طلحة‏:‏ ليس ذلك لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏» ليس في ذلك صدقة «رواه الأثرم في سننه وهو أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به وقال الزهري والأوزاعي ومالك تجب الزكاة في الزيتون، وتجب في الثمار عند بدو الصلاح وهو أن يحمر البسر ويصفر ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وفي الحبوب عند الاشتداد ووقت الإخراج بعد الدراس والتصفية‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏ يجب إخراج العشر فيما سقي بالمطر والأنهار والعيون ونصف العشر فيما سقي بنضح أو سانية، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏» فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان عثرياً العشر وما سقي بالنضح نصف العشر «أخرجه البخاري‏.‏ ولأبي داود والنسائي قال‏:‏» فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر وما سقي بالسواني والنضح نصف العشر «قال أبو داود البعل ما شرب بعروقه ولم يتعن في سقيه وقال وكيع‏:‏ هو الذي ينبت من ماء السماء قوله‏:‏ أو كان عثرياً أراد به القوي من الزرع وهو البعل وقد فسره في لفظ الحديث والنضح هو الاستسقاء وكذلك السانية وهي الدانية التي يسقي عليها سواء كانت من الإبل أو البقر، ولا يجب العشر في السماء والزروع حتى تبلغ خمسة أو سق والوسق ستون صاعاً، وقال أبو حنيفة‏:‏ يجب العشر في كل قليل أو كثير من الثمار والزروع واحتج الجمهور في إيجاب النصاب بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة ذود صدقة» وفي رواية «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر أو حب صدقة» أخرجاه في الصحيحين، ومن قال‏:‏ إن المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض‏}‏ صدقة التطوع احتج بما روي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاّ كان له به صدقة» أخرجاه في الصحيحين‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تيمموا الخبيث‏}‏ أي ولا تقصدوا الخبيث يعني الردئ من أموالكم ‏{‏منه تنفقون‏}‏ أي من الخبيث‏.‏ عن البراء بن عازب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏}‏ قال‏:‏ نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته‏:‏ وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصا، فسقط البسر أو التمر فيأكل وكان ناس من لا يرغب في الخير، يأتي بالقنوفية الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه‏}‏ قال‏:‏ لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلاّ على إغماض وحياء قال‏:‏ فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده أخرجه الترمذي‏.‏ وقال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح غريب وقيل كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، ويعزلون الجيد لأنفسهم فانزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تيمموا الخبيث‏}‏ يعني الردئ منه تنفقون يعني تتصدقون ‏{‏ولستم بآخذيه‏}‏ يعني ذلك الشيء الخبيث الردء ‏{‏إلاّ أن تغمضوا فيه‏}‏ الإغماض في اللغة غض البصر، وإطباق الجفن والمراد به هنا التجويز والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أنه قد أغمض لئلا يرى ذلك قال ابن عباس‏:‏ معناه لو أن لأحدكم على رجل حقاًَ فجاءه بهذا لم يأخذه إلاّ وهو يرى أنه قد أغمض عن حقه وتركه وقال البراء‏:‏ هو لو أهدى ذلك ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ فكيف ترضون إلى ما لا ترضون لأنفسكم إذا كان المال كله جيداً فليس له إعطاء الرديء لأن أهل السهمان شركاء له فيما عنده، وإن كان كله رديئاً فلا بأس بإعطاء الردئ ‏{‏واعلموا أن الله غني‏}‏ يعني عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها ‏{‏حميد‏}‏ أي محمود في أفعاله، وقيل‏:‏ حميد بمعنى حامد أي أجركم على ما تفعلونه من الخير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏268- 269‏]‏

‏{‏الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏268‏)‏ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏269‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الشيطان يعدكم الفقر‏}‏ أي يخوفكم الفقر يقال‏:‏ ووعدته شراً وإذا لم يذكر الخير والشر يقال‏:‏ في الخير وعدته وفي الشر أوعدته والفقر سوء الحال، وقلة ذات اليد وأصله من كسر فقار الظهر ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت ‏{‏ويأمركم بالفحشاء‏}‏ يعني يوسوس لكم ويحسن لكم، البخل ومنع الزكاة والصدقة قال الكلبي كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلاّ هذا الموضع وفي هذه الآية لطيفة وفي أن الشيطان يخوف الرجل أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهي البخل وذلك لأن البخيل على صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلاّ بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه‏}‏ يعني مغفرة لذنوبكم وستراً لكم ‏{‏وفضلاً‏}‏ يعني رزقاً وخلفاً‏.‏ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف‏.‏ عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ‏{‏الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء‏}‏» أخرجه الترمذي‏.‏ وقال هذا حديث حسن غريب قوله‏:‏ إن للشيطان لمة وبابن آدم اللمة الخطرة الواحدة من الإلمام وهو القرب من الشيء والمراد بهذه اللمة اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر والعزم فأما لمة الشيطان فوسوسة وأما لمة الملك فإلهام من الله تعالى ‏{‏والله واسع‏}‏ أي غني قادر على إغنائكم وأخلاف ما تنفقونه ‏{‏عليم‏}‏ يعني بما تنفقونه لا تخفى عليه خافيه ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما من يوم يصبح فيه العباد إلاّ وملكان ينزلان يقول‏:‏ أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر‏:‏ اللهم أعط ممسكاً تلفاً» ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «قال الله تعالى أنفق ينفق عليك» وفي رواية «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال‏:‏ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده» وفي رواية «فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع» وفي رواية وبيده الأخرى الفيض القبض يرفع ويخفض ‏(‏ق‏)‏ عن أسماء بنت أبو بكر الصديق قالت‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«أنفقي ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى عليك» قوله‏:‏ ولا توعي أي لا تشحي فيشح الله عليك فيجازيك بالتقتير في رزقك ولا يخلف عليك ولا يبارك لك، والمعنى لا تجمعي وتمنعي بل أنفقي ولا تعدي ولا تشحي‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يؤتي الحكمة من يشاء‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وقال الضحاك‏:‏ القرآن والفهم فيه وإنما قال‏:‏ ذلك لتضمن القرآن الحكمة وقال في القرآن‏:‏ مائة وتسع آيات ناسخه ومنسوخه وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يعلمونهن ولا يكونوا كأهل النهروان يعني الخوارج تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب فجهلوا علمها فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيما نزل لم يختلف في شيء منه، وقيل‏:‏ هي القرآن والعلم والفقه وقيل هي الإصابة في القول والفعل، وحاصل هذه الأقوال إلى شيئين‏:‏ العلم والإصابة فيه، ومعرفة الأشياء بذواتها وأصل الحكمة المنع ومنه حكمه الدابة لأنها تمنعها قال الشاعر‏:‏

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** أي امنعوا سفهاءكم، وقال السدي‏:‏ الحكمة النبوة لأن النبي يحكم بين الناس فهو حاكم وقيل الحكمة الورع في دين الله لأن الورع يمنع صاحبه من أن يقع في الحرام، أو ما لا يجوز له فعله ‏{‏ومن يؤت الحكمة‏}‏ يعني ومن يؤته الله الحكمة ‏{‏فقد أوتي خيراً كثيراً‏}‏ تنكير تعظيم معناه فقد أوتي أي خير كثير‏.‏ ‏{‏وما يذكر إلاّ أولو الألباب‏}‏ أي وما يتعظ بما وعظه الله إلاّ ذوو العقول الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏270- 271‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏270‏)‏ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏271‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما أنفقتم من نفقة‏}‏ يعني فيما فرضه الله عليكم من إعطاء زكاة وغيرها ‏{‏أو نذرتم من نذر‏}‏ يعني به ما أوجبتموه على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به والنذر أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً ليس بواجب يقال نذرت لله نذراً وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه النذر من خوف التقصير في الأمر المهم، والنذر في الشرع على ضربين مفسر، وغير مفسر‏.‏ فالمفسر أن يقول لله على صوم أو حج أو عتق أو صدقة فيلزمه الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر وهو أن يقول‏:‏ نذرت لله أفعل كذا ثم يفعله أو يقول لله على نذر من غير تسمية شيء فيلزمه فيه كفارة يمين ‏(‏خ‏)‏ عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً فأطاقه فليف به» أخرجه أبو داود عن عمران بن حصين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم» أخرجه النسائي ‏(‏ق‏)‏ عن ابن عمر‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» قال بعض العلماء‏:‏ يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزماً مالاً فيأتي به تكلفاً من غير نشاط أو يكون سببه كونه يأتي به على سبيل المعارضة عن الأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى وقال بعضهم يحتمل أن يكون النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النظر يرد القدر أو يمنع من حصول المقدور فنهى عنه خوفاً من اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكد هذا، وقوله‏:‏ في بعض روايات الحديث أنه لا يأتي بخير معناه أنه لا يرد شيئاً من القدر‏.‏ وقوله‏:‏ فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعاً محضاً مبتداً وإنما يأتي بها في مقابلة شيء يريده كقوله إن شفى الله مريضي فللّه على كذا ونحو ذلك مما يحصل بالنذر والله أعلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن الله يعلمه‏}‏ أي يعلم ما أنفقتم ونذرتم فيجازيكم به وإنما قال‏:‏ يعلمه ولم يقل يعلمهما لأنه رد الضمير على الآخر منهما فهو كقوله‏:‏ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً وقيل‏:‏ إن الكناية عادت على‏:‏ «ما» في قوله وما أنفقتم لأنها أسم فهو كقوله‏:‏

‏{‏وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به‏}‏ ولم يقل بهما ‏{‏وما للظالمين‏}‏ يعني الواضعين الصدقة في غير موضعها وقيل‏:‏ الذين يريدون بصدقاتهم الرياء والسمعة وقيل‏:‏ هم الذين يتصدقون بالمال الحرام ‏{‏من أنصار‏}‏ أي من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى‏:‏ ففيه وعيد عظيم لكل ظالم قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن تبدوا الصدقات‏}‏ أي تظهروا الصدقات والصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة فيدخل فيه الزكاة الواجبة، وصدقة التطوع ‏{‏فنعمّا هي‏}‏ أي فنعمت الخصلة هي وقيل فنعم الشيء هي وقيل‏:‏ معناه فنعم شيئاً إبداء الصدقات ‏{‏وإن تخفوها‏}‏ أي تسروا الصدقة ‏{‏وتؤتوها الفقراء‏}‏ أي وتعطوها الفقراء في السر ‏{‏فهو خير لكم‏}‏ يعني إخفاء الصدقة أفضل من العلانية وكل مقبول إذا كانت النية صادقة، واختلفوا في المراد بالصدقة المذكورة في الآية فقال الأكثرون المراد بها صدقة التطوع، واتفق العلماء على أن كتمان صدقة التوع أفضل وإخفاؤها خير من إظهارها، لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص، ولأن فيه بعداً عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة، وفي صدقة السر أيضاً فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ وهي أنه إذا أعطى في السر زال عنده الذل والانكسار وإذا أعطى في العلانية يحصل له الذل والإنكسار ويدل على أن صدقة السر أفضل ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله تعالى اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من خشية الله تعالى ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال‏:‏ إني إخاف الله ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» أخرجاه في الصحيحين ووجه جواز إظهار الصدقة يكون ممن قد أمن على نفسه من مداخلة الرياء في عمله أو يكون ممن يقتدى به في أفعاله فإذا أظهر الصدقة تابعه غيره على ذلك، وأما الزكاة فإظهار أخراجها أفضل من كتمانها كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل وصلاة التطوع في البيت أفضل ولكن في إظهار الزكاة نفي التهمة عن المزكي وقيل إن الآية واردة في زكاة الفرض، وكان إخفاؤها خيراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا لا يظنون بأحد انه يمنع الزكاة، فأما اليوم في زماننا إظهار الزكاة أفضل حتى لا يساء الظن به وقيل إن الآية عامة في جميع الصدقات الواجبة والتطوع والإخفاء أفضل في كل صدقة من زكاة غيرها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونكفر عنكم من سيئاتكم‏}‏ قيل إن من صلة زائدة تقديره ونكفر عنكم سيئاتكم قال ابن عباس جميع سيئاتكم وقيل أدخل من للتبغيض ليكون العباد على وجل ولا يتكلوا والمعنى ونفكر عنكم الصغائر من سيئاتكم وأصل التكفير في اللغة التغطية والستر ‏{‏والله بما تعملون خبير‏}‏ يعني من إظهار الصدقات وإخفائها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏272‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‏(‏272‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ليس عليك هداهم‏}‏ قيل سبب نزول هذه الآية‏:‏ أن ناساً من المسلمين كان لهم قرابات وأصهار في اليهود وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم قبل أن يسملوا فلما أسلموا كرهوا أن ينفعهم وأرادوا بذلك أن يسلموا وقيل كانوا يتصدقون على فقراء أهل المدينة فلما كثر المسلمون نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة إلى الدخول في الإسلام لحرصه صلى الله عليه وسلم على سلامهم فنزل ليس عليك هداهم ومعناه ليس عليك هداية من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فحينئذٍ نتصدق عليهم فأعلمه الله تعالى أنه إنما بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك إليك ‏{‏ولكن الله يهدي من يشاء‏}‏ يعني أن الله تعالى يوفق من يشاء فيهديه إلى الإسلام وأراد بالهداية هنا هداية التوفيق وأما هداية البيان والدعوة فكانت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية أعطوهم وتصدقوا عليهم ‏{‏وما تنفقوا من خير‏}‏ أي من مال ‏{‏فلأنفسكم‏}‏ أي ما تفعلوا تنفعوا به أنفسكم ‏{‏وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله‏}‏ ظاهره خبر ومعناه نهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وقال الزجاج‏:‏ هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله تعالى أنه قد علم أن مرادهم بنفقتهم ما عنده وقيل معناه لستم في صدقاتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلاّ وجه الله وقد علم هذا من قلوبكم فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة الرحم وسد خلة مضطر قال بعض العلماء‏:‏ لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلاّ إلى المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وخالفه سائر العلماء في ذلك فعلى هذا تكون الآية مختصة التطوع أباح الله تعالى أن تصرف إلى فقراء المسلمين وفقراء أهل الذمة فأما زكاة الفرض فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة بحال ‏{‏وما تنفقوا من خير يوف أليكم‏}‏ أي يوفر لكم جزاؤه وقال ابن عباس‏:‏ يجازيكم به يوم القيامة ومعناه يؤدي إليكم يوم القيامة ولهذا حسن إدخال إلى مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ‏{‏وأنتم لا تظلمون‏}‏ أي لا تنقصون شيئاً من ثواب أعمالكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏273‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏273‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏للفقراء‏}‏ اختلفوا في موضع اللام في قوله للفقراء فقيل‏:‏ هو مردود على موضع اللام من قوله فلأنفسكم فكأنه قال‏:‏ وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنما تنفقون لأنفسكم، وقيل معناه الصدقات التي سبق ذكرها الفقراء‏.‏ وقيل خبر محذوف تقديره للفقراء الذين من صفتهم كذا وكذا حق واجب وهم فقراء المهاجرين كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر وكانوا يأوون إلى صفة في المسجد يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الصفة فحث الله تعالى الناس على مواساتهم فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى وقوله‏:‏ ‏{‏الذين أحصروا في سبيل الله‏}‏ يعني هم الذين حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله وقيل‏:‏ حبسوا أنفسهم على طاعة الله ‏{‏لا يستطيعون ضرباً في الأرض‏}‏ يعني لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش والكسب، وهم أهل الصفة الذين تقدم ذكرهم وقيل حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقيل هم قوم أصابتهم جراحات في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى حصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله ‏{‏يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف‏}‏ أي يظن من لم يختبر حالهم أنهم أغنياء من التعفف وهو تفعل من العفة وهي ترك الشيء والكف عنه‏.‏ يقال‏:‏ تعفف إذا ترك السؤال ولزم القناعة والمعنى يظنهم من لم يعرف حالهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة ‏{‏تعرفهم بسيماهم‏}‏ السيماء والسيمياء والسمة العلامة التي يعرف بها الشيء واختلفوا في معناها فقيل‏:‏ هي الخضوع والتواضع وقيل هي أثر الجهد من الحاجة والفقر وقيل‏:‏ هي صفرة ألوانهم من الجوع ورثاثة ثيابهم من الضر ‏{‏لا يسألون الناس إلحافاً‏}‏ يعني إلحاحاً قيل‏:‏ إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لا يسأل غداء وقيل لا يسألون الناس أصلاً لأنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهو ترك المسألة فعلم بذلك أنهم لا يسألون الناس أصلاً لأنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهو ترك المسألة فعلم بذلك أنهم لا يسألون ألبتة ولأنه قال تعالى‏:‏ ‏{‏تعرفهم بسيماهم‏}‏ ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت من معرفتهم بالعلامة حاجة فمعنى الآية ليس يصدر منهم سؤال حتى يقع فيهم إلحاف‏.‏ فهم لا يسألون الناس إلحافاً ولا غير إلحاف ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم قال‏:‏ «ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» ‏(‏ق‏)‏ عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل»

الناس لفظ ‏(‏خ‏)‏ عن الزبير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير له» من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه عن أبن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح وقيل‏:‏ يا رسول الله ما يغنيه‏؟‏ قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» أخرجه أبو داود وقال‏:‏ زاد هشام في حديثه وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهماً وفي رواية عطاء بن يسار من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل الناس وله أربعون درهماً فهو ملحف» أخرجه النسائي ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم‏}‏ يعني أن الله تعالى يعلم مقادير الإنفاق ويجازي عليها ففيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏274‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏274‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية‏}‏ قال ابن عباس في رواية عنه‏:‏ نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً سراً وبدرهم علانية وفي رواية عنه قال‏:‏ «لما نزل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله» بعث عبدالرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث على بن أبي طالب في الليل بوسق من تمر فأنزل الله فيهما‏:‏ ‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار‏}‏ يعني بنفقة الليل نفقة علي وبالنهار نفقة عبدالرحمن وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار وقدم السر على العلانية وقيل‏:‏ نزلت الآية في الذين يربطون الخيل للجهاد في سبيل الله لأنهم يعلفونها بالليل والنهار وفي السر‏:‏ والعلانية ‏(‏خ‏)‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً بوعده كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» يعني حسنات وقيل‏:‏ إن الآية عامة في الذين ينفقون أموالهم في جميع الأوقات ويعمون بها أصحاب الحاجات والفاقات‏.‏ ‏{‏فلم أجرهم عند ربهم‏}‏ أي جزاء أعمالهم ‏{‏ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ يعني في الأخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏275‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏275‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الذين يأكلون الربا‏}‏ أي يعاملون به وإنما خص الأكل لأنه معظم الأمر المقصود من المال لأن المال لا يؤكل إنما يصرف في المأكول ثم يؤكل فمنع الله التصرف في الربا بما ذكر فيه من الوعيد ‏(‏م‏)‏ عن جابر قال‏:‏ «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال‏:‏ هم سواء» وأصل الربا في اللغة الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر فالربا الزيادة في المال ‏{‏لا يقومون‏}‏ يعني من قبورهم يوم القيامة ‏{‏إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان‏}‏ أي يصرعه، وأصل الخبط الضرب والوطء وهو ضرب على غير استواء يقال ناقة خبوط للتي تضرب الأرض بقوائمها وتطأ الناس بأخفافها ومنه قولهم‏:‏ يخبط خبط عشواء للرجل الذي يتصرف في الأمور على غير اهتداء وتمييز وتدبر، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل وجنون ‏{‏من المس‏}‏ يعني من الجنون يقال‏:‏ مس الرجل فهو ممسوس إذا كان به جنون، ومعنى الآية أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مثل المصروع الذي لا يستطيع الحركة الصحيحة لأن الربا ربا في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإسراع‏.‏ قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة وروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال‏:‏ «فانطلق بي جبريل إلى رجال كثير كل رجل بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة، قال‏:‏ وآل فرعون يقولون‏:‏ اللهم لا تقم الساعة أبداً‏.‏ قال‏:‏ ويوم القيامة يقول أدخلوا آل فرعون أشد العذاب قلت‏:‏ يا جبريل من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» قوله‏:‏ بطنه مثل البيت الضخم أي العظيم الكبير الغليظ، وقوله‏:‏ منضدين أي موضوعين بعضهم على بعض والسابلة الطريق، وقوله مثل الإبل المنهومة، النهم بالتحريك إفراط في الشهوة بالطعام من الجوع‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا‏}‏ أي ذلك الذي نزل بهم من العذاب بقولهم هذا واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه يطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق زدني في الأجل التأخير فكذبهم الله تعالى‏.‏

ورد عليهم ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وأحل الله البيع وحرم الربا‏}‏ يعني وأحل الله لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده وهو مالكهم يحكم فيهم بما يشاء ويستعبدهم بما يريد ليس لأحد أن يعترض عليه في شيء مما حل أو حرم، وإنما على كافة الخلق الطاعة والتسليم لحكمه وأمره ونهيه‏.‏ وذكر بعض العلماء الفرق بين البيع الربا فقال إذا باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً للعشرين فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض، أما إذا باع عشرة دراهم بعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة بغير عوض ولا يمكن أن يقال‏:‏ إن العوض هو الإمهال في مدة الأجل لأن الأمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة فقد ظهر الفرق بين الصورتين‏.‏

فصل في حكم الربا

وفيه مسائل

المسألة الأولى‏:‏ ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً‏:‏ أحدها‏:‏ أن الربا يقتضي أخذ مال الغير بغير عوض، لأن من يبيع درهماً بدرهمين نقداً كان أو نسيئة فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض فهو حرام‏.‏ الوجه الثاني‏:‏ إنما حرم عقد الربا لأنه يمنع الناس من الاشتغال بالتجارة لأن صاحب الدراهم إذا تمكن من عقد الربا خف عليه تحصيل الزيادة من غير تعب ولا مشقة، فيقضي ذلك إلى انقطاع منافع الناس بالتجارات وطلب الأرباح‏.‏ الوجه الثالث‏:‏ أن الربا هو سبب إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، فلما حرم الربا طابت النفوس بقرض الدراهم للمحتاج واسترجاع مثله لطلب الأجر من الله تعالى‏.‏ الوجه الرابع‏:‏ أن تحريم الربا قد ثبت بالنص ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق فوجب القطع بتحريم الربا وإن كنا لا نعلم وجه الحكمة في ذلك‏.‏

المسألة الثانية‏:‏ اعلم أن الربا في اللغة هو الزيادة، وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام فثبت أن الزيادة المحرمة هو الربا وهو على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ق‏)‏ عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الذهب بالورق رباً إلاّ هاء وهاء والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء والشعير بالشعير رباً إلاّ هاء وهاء والتمر بالتمر رباً إلاّ هاء وهاء» وفي رواية‏:‏ «الورق بالورق رباً إلاّ هاء وهاء والذهب بالذهب رباً إلاّ هاء وهاء» ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد واستزاد فقد أربى»

وفي رواية‏:‏ «التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى إلاّ ما اختلفت ألوانه» ‏(‏م‏)‏ عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على جريان الربا في هذه الستة أشياء وهي النقدان وأربعة أصناف من المطعومات وهي البر والشعير والتمر والملح، فذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا ثبت في هذه الأشياء لأوصاف فيها، فيعتدي إلى كل ما يوجد من تلك الأصناف فيه ثم اختلفوا في تلك الأوصاف فذهب قوم إلى أن المعنى في جميعها هو واحد وهو النفع فأثبتوا الربا في جميع الأموال وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فذهب الشافعي ومالك إلى أنه ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وذهب أصحاب الرأي إلى أنه ثبت بعلة الوزن فأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس والقطن ونحو ذلك، وأما الأربعة أشياء المطعومة فذهب أصحاب الرأي إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الوزن والكيل فأثبتوا الربا في جميع المكيلات والموزونات مطعوماً كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوهما، وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن فكل مطعوم مكيل أو موزون يثبت فيه الربا ولا يثبت فيما سوى ذلك مما ليس بمكيل أو موزون وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي في القديم‏.‏ وقال في الجديد‏:‏ ثبت الربا فيها بوصف الطعم فأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبدالله أرسل غلامه بصاع قمح فقال‏:‏ بعه ثم اشتر به شعيراً، فذهب الغلام فأخذ صاعاً وزيادة بعض من صاع فلما جاء معمراً أخبره بذلك‏.‏ فقال له معمر‏:‏ لم فعلت ذلك انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «الطعام بالطعام مثلاً بمثل» وكان طعامنا الشعير قيل له‏:‏ فإنه ليس بمثله فقال إني أخاف أن يضارع أخرجه مسلم فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمناً أو مطعوماً‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏ الربا نوعان ربا فضل وهو الزيادة وربا نسيئة وهو الأجل، فإن باع ما يدخل فيه الربا بجنسه إن باع أحد النقدين بجنسه كالذهب بالذهب أو المطعوم بجنسه كالحنطة ونحو ذلك فيشترط فيه التماثل والمساواة بمعيار الشرع فإن كان موزوناً كالدراهم والدنانير فيشترط فيه المساواة في الوزن وإن كان مكيلاً كالحنطة والشعير يشترط في بيعه بجنسه المساواة في الكيل، ويشترط التقابض في مجلس العقد فإن باع ما يدخل فيه الربا بغير جنسه ينظر فإن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل إن باع مطعوماً بأحد النقدين فلا ربا فيه كما لو باعه بغير مال الربا فإن باعه بما لا يوافقه في الوصف لا في الجنس مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو كان مطعوماً بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا التفاضل فيجوز بيعه متفاضلاً ويثبت فيه ربا النسيئة فيشترط في بيعه التقابض في المجلس لقوله صلى الله عليه وسلم

«إلاّ يداً بيد» وقوله «هاء وهاء» ففيه اشتراط التقابض في المجلس وتحريم النسيئة وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إلاّ سواء بسواء مثلاً بمثل» ففيه إيجاب المماثلة وتحريم التفاضل عند اتفاق الجنس وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» ففيه إطلاق التبايع مع التفاضل عند اختلاف الجنس مع اشتراط التقابل في المجلس وهو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا كان يداً بيد» والله أعلم‏.‏

المسألة الرابعة‏:‏ في القرض وهو من أقرض شيئاً وشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا يدل عليه ما روي عن مالك قال‏:‏ بلغني أن رجلاً أتى ابن عمر فقال إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبدالله بن عمر‏:‏ فذلك الربا أخرجه مالك في الموطأ‏.‏ قال فإن لم يشترط فضلاً في وقت القرض فرد المستقرض أفضل مما أخذ جاز‏.‏ ويدل على ذلك ما روي عن مجاهد أن ابن عمر استلف دراهم فقضى صاحبها خيراً منها فأبى أن يأخذها وقال هذه خير من دراهمي‏.‏ فقال ابن عمر‏:‏ قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة أخرجه مالك في الموطأ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه‏}‏ أي تذكير وتخويف وإنما ذكر الفعل لأن تأنيثه غير حقيقي فجاز تذكيره وذلك لأن الوعظ والموعظة شيء واحد ‏{‏فانتهى‏}‏ أي عن أكل الربا ‏{‏فله ما سلف‏}‏ أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له ‏{‏وأمره إلى الله‏}‏ يعني بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وإن شاء خذله حتى يعود إلى أكل الربا وقيل معناه وأمره إلى الله فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء‏.‏ وقيل‏:‏ إن الآية فيمن يعتقد تحريم أكل الربا ثم يأكله فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ‏{‏ومن عاد‏}‏ يعني إلى أكل الربا بعد التحريم مستحلاً له ‏{‏فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏‏.‏