فصل: تفسير الآية رقم (29)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏}‏ قال مجاهد‏:‏ نزلت الآية حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي‏:‏ نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين والمعنى قاتلوا إيها المؤمنون القوم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏.‏

فإن قلت اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏؟‏

قلت‏:‏ إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله‏.‏ وقيل‏:‏ من اعتقد أن عزيزاً ابن الله وأن المسيح ابن الله فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك بالله‏.‏ وقيل‏:‏ من كذب رسولاً من رسل الله فليس بمؤمن بالله واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء فليسوا بمؤمنين بالله‏.‏ وأما إيمانهم باليوم الآخر، فليس كإيمان المؤمنين، وذلك أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله‏}‏ يعني‏:‏ ولا يحرمون الخمر والخنزير‏.‏ وقيل‏:‏ معناه أنهم لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم رسوله في السنة‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم ‏{‏ولا يدينون دين الحق‏}‏ يعني‏:‏ ولا يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق‏.‏ وقيل‏:‏ الحق هو الله تعالى ومعناه‏:‏ ولا يدينون دين الله ودينه الإسلام وهو قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقيل معناه ولا يدينون دين أهل الحق وهم المسلمون ولا يطيعون الله كطاعتهم ‏{‏من الذين أوتوا الكتاب‏}‏ يعني أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى ‏{‏حتى يعطوا الجزية‏}‏ وهي ما يعطى المعاهد من أهل الكتاب على عهده وهي الخراج المضروب على رقابهم سميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم ‏{‏عن يد‏}‏ يعني عن قهر وغلبة يقال لكل من أعطى شيئاً كرهاً من غير طيب نفس أعطى عن يد وقال ابن عباس‏:‏ يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وقيل‏:‏ يعطونها نقداً لا نسيئة‏.‏ وقيل‏:‏ يعطونها مع إقرارهم بإنعام المسلمين عليهم بقبولها منهم ‏{‏وهم صاغرون‏}‏ من الصغار وهو الذل والإهانة يعني يعطون الجزية وهم أذلاء مقهورون وقال عكرمة‏:‏ يعطون الجزية وهم قائمون والقابض جالس‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ تؤخذ الجزية من أحدهم وتوطأ عنقه وقال الكلبي‏:‏ إذا أعطي يصفع قفاه وقال هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه ويقال له أدِّ حق الله يا عدو الله وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه‏:‏ الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم‏.‏

‏(‏فصل في بيان أحكام الآية‏)‏

اجتمعت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عرباً واختلفوا في أهل الكتاب العرب وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب فتؤخذ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً ولا تؤخذ من عبدة الأوثان بحال واحتج بما روي عن أنس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيد ردومة فأخذوه فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية أخرجه أبو داود وقال الشافعي‏:‏ وهو رجل من العرب يقال إنه من غسان وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب وذهب مالك والأوزاعي إلى أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ تؤخذ من أهل الكتاب على العموم وتؤخذ من مشركي العجم ولا تؤخذ من مشركي العرب وقال أبو يوسف‏:‏ لا تؤخذ من العربي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من العجمي كتابياً كان أو مشركاً وأما المجوس فاتفقت الصحابة على جواز الأخذ منهم ويدل عليه ما روي عن بجالة بن عبيدة ويقال عبدة‏:‏ لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر‏.‏ أخرجه البخاري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «سنوابهم سنة أهل الكتاب» أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر أخرجه مالك في الموطأ وفي امتناع عمر من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منهم دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك وإنما تؤخذ من أهل الكتاب واختلفوا في أن المجوس هل هم من أهل الكتاب‏.‏ فروي عن علي بن أبي طالب أنه قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم واتفقوا على تحريم ذبائحهم ومناكحتهم بخلاف أهل الكتاب وأما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين فينظر فإن كانوا قد دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل فإنهم يقرون بالجزية وتحل مناكحتهم وذبائحهم وإن كانوا دخلوا فيه بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعتهم بشريعته فإنهم لا يقرون بالجزية ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم ومن شككنا في أمرهم هل دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله يقرون بالجزية تغليباً لحقن الدم ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم تغليباً للتحريم ومنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب أقرهم عمر على الجزية‏.‏

وقال‏:‏ لا تحل لنا ذبائحهم وأما الصابئة والسامرة فسبيلهم سبيل أهل الكتاب فهم في أهل الكتب كأهل البدع في المسلمين وأما قدرالجزية فأقلها دينار ولا يجوز أن يقنص عنه ويقبل الدينار من الغني والفقير والمتوسط ويدل عليه ما روي عن معاذ بن جبل‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم أي محتلم ديناراً أو عدله من المغافرية ثياب تكون باليمن» أخرجه أبو داود فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل محتلم وهو البالغ ديناراً ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط وفيه دليل على أنه لا تؤخذ الجزية من الصبيان والنساء وإنما تؤخذ من الأحرار البالغين وذهب قوم إلى أن على كل موسر أربعة دنانير وعلى كل متوسط دينارين وعلى كل فقير ديناراً وهو قول أصحاب الرأي ويدل عليه ما روي عن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهماً ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام أخرجه مالك في الموطأ‏:‏ قال أصحاب الشافعي‏:‏ أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي فإذا رضي أهل اذمة بالزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير قال العلماء‏:‏ إنما أقر أهل الكتاب على دينهم الباطل بخلاف أهل الشرك حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين من شريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل وأيضاً لإن بأيديهم كتباً قديمة فربما تفكروا فيها فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته فأمهلوا لهذا المعنى وليس المقصود من أخذ الجزية من أهل الكتاب إقرارهم على كفرهم بل المقصود من ذلك حقن دمائهم وإمهالهم رجاء أن يعرفوا الحق فيرجعوا إليه بأن يؤمنوا ويصدقوا إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة دلائله وكثرة الداخلين فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله‏}‏ الآية لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أن اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق بينه في هذه الآية فأخبرهم عنهم أنهم أثبتوا لله ولداً ومن جوز ذلك على الله فقد أشرك به لأنه لا فرق بين من يعبد صنماً وبين من يعبد المسيح فقد بان بهذا أنهم لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق وقد تقدم سبب أخذ الجزية منهم وإبقائهم على هذا الشرك وهو حرمة الكتب القديمة التي بأيديهم ولعلهم يتفكرون فيها ويعرفون الحق فيرجعون إليه‏.‏ روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله فأنزل الله هذه الآية‏:‏ وقال عبيد بن عمير إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال إن الله فقير ونحن أغنياء فعلى هذين القولين القائل لهذه المقالة جماعة من اليهود أو واحد وإنما نسب ذلك إلى اليهود في وقالت اليهود جرياً على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد تقول العرب فلان يركب الخيل وإنما يركب فرساً واحداً منها‏.‏ وتقول العرب‏:‏ فلان مجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا واحداً منهم وروى عطية العوفي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إنما قالت اليهود ذلك من أجل أن عزير كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه التوارة فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت غليه فأذن في قومه وقال يا قوم قد أتاني الله التوراة وردها إليّ فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزير على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ إن بختنصر لما غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذا ذاك صغيراً فلم يقتله لصغره فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية بعدما أماته الله مائة سنة قال فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إن رجلاً منهم قال إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود‏:‏ عزير ابن الله فعلى هذين القولين أن هذا القول كان فاشياً في اليهود جميعاً ثم إنه انقطع واندرس فأخبر الله تعالى به عنهم وأظهره عليهم ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن خبر الله عز وجل أصدق وأثبت من إنكارهم وأما قول النصارى المسيح ابن الله فكان السبب فيه أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم قال بولص لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا فنحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس كان يقاتل عليه فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه ثم أتى إلى النصارى فقالوا له من أنت قال‏:‏ أنا عدوكم بولص فقد نوديت من السماء أنه ليس لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه السكينة ونصروه وأدخلوه بيتاً منها لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال قد نوديت أن الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال اسم الواحد منهم نسطور والآخر يعقوب والآخر ملكان فعلم نسطور أن عيسى ومريم والإله ثلاثة وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن الله وعلم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له‏:‏ أنت خالصتي وادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ثم قال لهم‏:‏ إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وقال لكل واحد منهم‏:‏ إني سأذبح نفسي تقرباً إلى عيسى ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرقوا واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله‏.‏

وقال الإمام فخر الدين الرازي، بعد أن حكى هذه الحكاية‏:‏ والأقرب عندي أن يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال قبلوا ذلك مهم وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام والله أعلم بحقيقة الحال ‏{‏ذلك قولهم بأفواههم‏}‏ يعني أنهم يقولون ذلك القول بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه قال أهل المعاني‏:‏ لم يذكر الله قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلا كان ذلك اقول زوراً وكذباً لا حقيقة له ‏{‏يضاهئون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يشابهون والمضاهاة المشابهة‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ يواطؤون وقال الحسن‏:‏ يوافقون ‏{‏قول الذين كفروا من قبل‏}‏ قال قتادة والسدي‏:‏ معناه ضاهت النصارى قول اليهود من قبلهم فقالوا‏:‏ المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معناه يضاهئون قول المشركين من قبل لأن المشركين كانوا يقولون‏:‏ الملائكة بنات الله وقال الحسن‏:‏ شبه الله كفر اليهود والنصارى بكفر الذين مضوا من الأمم الخالية الكافرة‏.‏ وقال القتيبي‏:‏ يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولوهم ‏{‏قاتلهم الله‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لعنهم الله وقال ابن جريج‏:‏ قتلهم الله وقيل ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب أي حق أن يقال لهم هذا القول تعجباً من بشاعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلاً يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله ‏{‏أنى يؤفكون‏}‏ يعني أنى يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد فجعلوا له ولداً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأن الله سبحانه وتعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطبتهم فالله سبحانه وتعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله‏}‏ يعني اتخذ اليهود والنصارى علماءهم وقراءهم والأحبار العلماء من اليهود والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى أرباباً من دون الله يعني أنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها فاتخذوهم كالأرباب لأنهم عبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية‏.‏ عن عدي بن حاتم قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال‏:‏ «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن» وسمعته يقرأ في سورة براءة ‏{‏اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله‏}‏ فقال‏:‏ أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه‏}‏ أخرجه الترمذي وقال‏:‏ حديث غريب‏.‏ قال عبد الله بن المبارك‏:‏

وهل بدل الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها

‏{‏والمسيح ابن مريم‏}‏ يعني اتخذوه إلهاً وذلك لما اعتقدوا فيه النبوة والحلول اعتقدوا فيه الإلهية ‏{‏وما أمروا‏}‏ يعني وما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم ‏{‏إلا ليعبدوا إلهاً واحداً‏}‏ لأنه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة لا غيره ‏{‏لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون‏}‏ أي تعالى الله وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏(‏32‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏يريدون‏}‏ يعني يريد رؤساء اليهود والنصارى ‏{‏أن يطفئوا نور الله بأفواههم‏}‏ يعني يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بتكذيبهم إياه‏.‏ وقيل المراد‏:‏ من النور الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وهي أمور أحدها المعجزات الباهرات الخارقة للعادة التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه وثانيها القرآن العظيم الذي نزل عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على الأبد دالة على صدقه وثالثها أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه واتباع طاعته والأمر بعبادته والتبرئ من كل معبود سواه فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله ثم إن الله سبحانه وتعالى وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بمزيد النصر وإعلاء الكلمة وإظهار الدين بقوله‏:‏ ‏{‏ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون‏}‏ يعني ويأبى الله أن يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ولو كره ذلك الكافرون‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏هو الذي أرسل رسوله‏}‏ يعني أن الله الذي يأبى إلا أن يتم نوره هو الذي أرسل رسوله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏بالهدى‏}‏ يعني بالقرآن الذ أنزله عليه وجعله هادياً إليه ‏{‏ودين الحق‏}‏ يعني دين الإسلام ‏{‏ليظهره‏}‏ يعني ليعليه ‏{‏على الدين كله‏}‏ يعني على سائر الأديان وقال ابن عباس‏:‏ الهاء في ليظهره عائدة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها وقال غيره من المفسرين الهاء راجعة إلى الدين الحق والمعنى ليظهر دين الإسلام على الأديان كلها وهو ألا يعبد الله إلا به وقال أبو هريرة والضحاك ذلك عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة في حديث نزول عيسى عليه السلام قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم «ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام» عن المقداد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز أو بذل ذليل إما أن يعزهم فيجعلهم من أهله فيعزوا به وإما أن يذلهم فيدينون له» أخرجه البغوي بغير سند ‏(‏م‏)‏ عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

«لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقلت يا رسول الله إني كنت أظن حين أنزل الله تعالى هو الذين أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله إن ذلك تام قال «إنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث ريحاً طيبة تتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» قال الشافعي‏:‏ وقد أظهر الله دين رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل وقال وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً وقتل أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه فهذا هو ظهوره على الدين كله ‏{‏ولو كره المشركون‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏34‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان‏}‏ قد تقدم معنى الأحبار والرهبان وإن الاحبار من اليهود والرهبان من النصرى وفي قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏إن كثيراً‏}‏ دليل على ان الأقل من الأحبار والرهبان لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولعلهم الذين كانوا قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليأكلون أموال الناس بالباطل‏}‏ لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصد واختلفوا في السبب الذي من أجله أكلوا أموال الناس بالباطل فقيل إنهم كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم في تخفيف الشرائع والمسامحة في الأحكام وقيل إنهم كانوا يكتبون بأيديهم كتباً يحرفونها ويبدلونها ويقولون هذه من عند الله ويأخذون بها ثمناً قليلاً وهي المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته في كتبه لأنهم كانوا يخافون لو آمنوا به وصدقوه لذهب عنهم تلك المآكل وقيل إن التوارة كانت مشتملة على آيات دالة على نعت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأحبار والرهبان يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة باطلة ويحرفون معانيها طلباً للرياسة وأخذ الأموال ومنع الناس عن الإيمان به وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويصدون عن سبيل الله‏}‏ يعني ويمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في دين الإسلام ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة‏}‏ أصل الكنز في اللغة جعل المال بعضه على بعض وحفظه ومال مكنوز مجموع واختلفوا في المراد بهؤلاء الذين ذمهم الله بسبب كنز الذهب والفضة فقيل هم أهل الكتاب‏.‏ قال معاوية بن أبي سفيان‏:‏ لأن الله سبحانه وتعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بالباطل ثم وصفهم بالبخل الشديد وهو جمع المال ومنع إخراج الحقوق الواجبة منه‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريق الأحبار والرهبان في الحرص على أخذ الأموال بالباطل حذر المسلمين من ذلك وذكر وعيد من جمع المال ومنع حقوق الله منه‏.‏ وقال أبو ذر‏:‏ نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين‏.‏ ووجه هذا القول أن الله سبحانه وتعالى وصف أهل الكتاب بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ثم ذكر بعده وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء كان من أهل الكتاب أو من المسلمين ‏(‏خ‏)‏

عن زيد بن وهب قال‏:‏ مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت‏:‏ ما أنزلك هذا المنزل‏؟‏ قال‏:‏ كنت في الشأم فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله‏}‏ فقال معاوية‏:‏ نزلت في أهل الكتاب‏.‏

فقلت‏:‏ نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال إن شئت تنحيت فكنت قريباً فذاك الذين أنزلني هذا المنزل ولو أمر على عبد حبشي لسمعت وأطعت واختلف العلماء في معنى الكنز فقيل هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته وروي عن ابن عمر‏:‏ أنه قال له أعرابي أخبرني عن قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم‏}‏ قال ابن عمر من كنزها فلم يؤد زكاتها ويل له هذا كان قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهراً للأموال‏.‏ أخرجه البخاري‏.‏ وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار قال‏:‏ سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال‏:‏ هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة ورواه الطبري بسنده عن ابن عمر قال‏:‏ كل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً وكل مال لم تؤد زكاته فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفوناً‏.‏ وروي عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ أربعة آلاف فما فوقها كنز وما دونها نفقة‏.‏ وقيل‏:‏ الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه‏.‏ وروي الطبري بسنده عن أبي أمامة قال‏:‏ توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيتان كان هذا في أول الإسلام قبل أن تفرض الزكاة فكان يجب على كل من فضل معه شيء من المال إخراجه لاحتياج غيره إليه فلما فرضت الزكاة نسخ ذلك الحكم‏.‏

عن ابن عباس قال‏:‏ «لما نزلت هذه الآية‏:‏ والذين يكنزون الذهب والفضة، كبر على المسلمين فقال عمر‏:‏ أنا أفرج عنكم‏.‏ فانطلق فقال‏:‏ يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية‏.‏ فقال‏:‏» إن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم‏.‏ قال‏:‏ فكبر عمر ثم قال له‏:‏ ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء‏؟‏ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته «

أخرجه أبو داود عن ثوبان قال» لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة فلو علمنا أي المال خيراً اتخذناه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن والصحيح من هذه الأقوال القول الأول وهو ما ذكرنا عن ابن عمر أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر وإن كان كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب عليه وإن قل إذا كان مما تجب فيه الزكاة ويستحق على منع الزكاة والوعيد من الله إلا أن يتفضل الله عز وجل عليه بعفوه وغفرانه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره كلما ردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقتضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» قيل يا رسول الله فالإبل قال‏:‏ «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها إلا إذا كان يوم القيامة بطح له بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا غضباء تنطحه بقرونها وتطؤه باظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار أخرجه مسلم بزيادة فيه قوله كلما ردت أعيدت له هكذا هو في بعض نسخ صحيح مسلم ردت بضم الراء وفي بعضها بردت بالباء وهذا هو الصواب والرواية الأولى هي رواية الجمهور قوله حلبها هو بفتح اللام على المشهور وحكى إسكانها وهو ضعيف قوله بقاع قرقر هو المستوى من الأرض الواسع الأملس والعقصاء هي الشابة الملتوية القرنين وإنما استثناها لأنها لا تؤلم بنطحها وكذا الجلحاء وهي الشاة التي لا قن لها وكذا العضباء وهي الشاة المكسورة القرن ‏(‏خ‏)‏ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا قوله سبحانه وتعالى ‏{‏ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم‏}‏»

الآية الشجاع الحية والأقرع صفة له بطول العمر لأن مَن طال عمره تمزق شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات والزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين واللهزمتان عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا ينفقونها في سبيل الله‏}‏ يعني ولا يؤدون زكاتها وإنما قال ولا ينفقونها ولم يقل ينفقونهما لأنه رد الكناية إلى المال المكنوز وهي أعيان الذهب والفضة وقيل رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب أموال الناس ‏{‏فبشرهم بعذاب أليم‏}‏ يعني الكافرين الذين لا يؤدون زكاة أموالهم ‏(‏ق‏)‏‏.‏

عن أبي ذر قال‏:‏ «انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال‏:‏» هم الأخسرون ورب الكعبة «قال فجئت حتى جلست فلم أتقار حتى قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي منهم‏؟‏ قال‏:‏» هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يده ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس «هذا لفظ مسلم وفرقه البخاري في موضعين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏

‏{‏يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ‏(‏35‏)‏ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يحمى عليها‏}‏ يعني الكنوز فتدخل النار فيوقد عليها حتى تبيض من شدة الحرارة ‏{‏في نار جهنم فتكوى بها جباههم‏}‏ يعني الكنوز جباه كانزيها ‏{‏وجنوبهم وظهورهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدته‏.‏ قال بعض العلماء‏:‏ إنما خص هذه الأعضاء، بالكي من بين سائر الأعضاء لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئاً تبدو منه آثار الكراهة والمنع فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه ثم إن كرر السائل الطلب نأى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانباً ثم إن كرر الطلب وألح في السؤال ولاه ظهره وأعرض عنه واستقبل جهة أخرى وهي النهاية في الرد والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل وهذا دأب ما نعى البر والإحسان‏.‏ وعادة البخلاء فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة‏.‏

وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏هذا ما كنزتم لأنفسكم‏}‏ أي يقال لهم ذلك يوم القيامة ‏{‏فذوقوا ما كنتم تكنزون‏}‏ أي فذوقوا عذاب ما كنزتم في الدنيا من الأموال ومنعتم حق الله منها ‏(‏ق‏)‏ عن الأحنف بن قيس قال‏:‏ قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب خشن الجسد خشن الوجه فقام عليهم فقال بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل قال فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم فقال‏:‏ إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً هذا لفظ مسلم وفيه زيادة لم أذكرها‏.‏ وزاد البخاري قلت‏:‏ من هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ أبا ذر‏.‏ قال‏:‏ فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقول قبيل فقال ما قلت إلا شيئاً سمعته من نبيهم صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً‏}‏ هي‏:‏ المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وهذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمس وخمسون يوماً والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة تامة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الحج والصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف‏.‏

قال المفسرون‏:‏ وسبب نزول هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية فكان يقع حجهم تارة في وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر وتارة في غيره من الشهور فأعلم الله عز وجل أن عدة الشهور سنة المسلمين التي يعتدون بها اثنا عشر شهراً على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله تبارك وتعالى إن عدة الشهور عند الله يعني في علمه وحكمه اثنا عشر شهراً ‏{‏في كتاب الله‏}‏ يعني في اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال الخلق وما يأتون وما يذرون‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بكتاب الله القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر وقيل أراد بكتاب الله الحكم الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به ‏{‏يوم خلق السموات والأرض‏}‏ يعني أن هذا الحكم حكم به وقضاه يوم خلق السموات والأرض أن السنة اثنا عشر شهراً ‏{‏منها‏}‏ يعني من الشهور ‏{‏أربعة حرم‏}‏ وهي رجب فرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية وإنما سميت حرماً لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها وتحرم فيها القتال حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه وابنه وأخيه في هذه الأربعة الأشهر لم يهجه ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيماً ولأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف وكذلك السيئات أيضاً أشد من غيرها فلا يجوز انتها حرمة الأشهر الحرم ‏{‏ذلك الدين القيم‏}‏ يعني ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي فالدين هنا بمعنى الحساب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الكيس من دان نفسه» يعني‏:‏ حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالدين القيم الحكم الذي لا يغير ولا يبدل‏.‏ والقيم هنا‏:‏ بمعنى الدائم الذي لا يزول‏.‏ فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم وحجهم وأعيادهم وبياعاتهم وأجل ديونهم وغير ذلك من سائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور ‏(‏ق‏)‏ عن أبي بكر أن البني صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس البلد الحرام‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فأي يوم هذا‏؟‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه‏.‏ قال‏:‏ أليس يوم النحر‏.‏ قلنا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم قال‏:‏ ألا هل بلغت ألا هل بلغت قلنا نعم قال‏:‏ اللهم اشهد»

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏}‏ قيل‏:‏ الكناية في فيهن ترجع إلى جميع الأشهر أي لا تظلموا أنفسكم في جميع أشهر السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات لأن المقصود منع الإنسان من الإقدام على المعاصي والفساد مطلقاً في جميع الأوقات إلى الممات‏.‏ وقيل‏:‏ إن الكناية ترجع إلى الأشهر الحرم وهو قول أكثر المفسرين‏.‏ وقال قتادة‏:‏ العمل الصالح أعظم أجراً في الأشهر الحرم والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل عظيماً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ لا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن وقال محمد بن إسحاق بن يسار‏:‏ لا تجعلوا حلالها حراماً ولا حرامها حلالاً كفعل أهل الشرك وهو النسئ‏.‏ وقيل‏:‏ إن الأنفس مجبولة بطبعها على الظلم والفساد والامتناع عنه على الإطلاق شاق على النفس لا جرم أن الله خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ليمتنع الإنسان في تلك الأوقات من فعل الظلم والقبائح والمنكرات فربما تكرها في باقي الأوقات فتصير هذه الأوقات الشريقة والأشهر المحرمة المعظمة سبباً لترك الظلم وفعل المعاصي في غيرها من الأشهر فهذا وجه الحكمة في تخصيص بعض الأشهر دون بعض بمزيد التشريف والتعظيم‏.‏ وكذلك الأمكنة أيضا‏.‏ وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة‏}‏ يعني قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة والمعنى تعاونوا وتناصروا على قتالهم ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة أعدائكم من المشركين واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم كان كبيراً حراماً ثم نسخ بقوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوا المشركين كافة‏}‏ يعني في الأشهر الحرم وفي غيرهن وهذا قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري‏.‏ قالوا‏:‏ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفاً بالطائف وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة‏.‏ وقال آخرون‏:‏ إنه غير منسوخ‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها ‏{‏واعلموا أن الله مع المتقين‏}‏ يعني بالنصر والمعونة على أعدائه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏إنما النسئ زيادة في الكفر‏}‏ النسئ‏:‏ في اللغة، عبارة عن التأخير في الوقت ومنه النسيئة في البيع ومعنى النسئ المذكور في الآية هو تأخير شهر حرام إلى شهر آخر وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تعقتد حرمة الأشهر الحرم وتعظيمها وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية وربما وقعت حروف في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال فنسؤوا يعني أخروا تحريم شهر إلى شهر آخر فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيستحلون المحرم ويحرمون صفر فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع الأول فكانوا يصنعون هكذا يؤخرون شهراً بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجة شهر ذي الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسئ قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض وهو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» الحديث المتقدم‏.‏ وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام واختلفوا في أول من نسأ النسئ‏.‏ فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد‏:‏ أول من نسأ النسئ بنو مالك بن كنانة وكان يليه جنادة بن عوف بن أمية الكناني وقال الكلبي‏:‏ أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان يقوم على الناس في الموسم فإذا همَّ الناس بالصدر قام فخطف الناس فيقول لا مرد لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له المشركون لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهراً يغيرون فيه فيقول‏:‏ إن صفر في هذا العام حرام فإذا قال ذلك، حلّوا الأوتار، ونزعوا الأسنة، والأزجة من الرماح، وإن قال‏:‏ حلال، عقدوا أوتار القسي، وركبوا الأسنة في الرماح، وأغاروا وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له جنادة بن عوف‏:‏ وهو الذين أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو رجل من بني كنانة يقال له القلمس قال شاعرهم‏:‏

وفينا ناسئ الشهر القلمس *** وكانوا يفلعون ذلك إذا اجتمعت العرب في الموسم وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من سن النسئ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف والذي صح من حديث أبي هريرة وعائشة أن عمر بن لحي أول من سيب السوائب وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ رأيت عمر بن لحي يجر قصبه في النار فهذا ما ورد في تفسير النسئ الذي ذكره الله في قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر يعني زيادة كفر على كفرهم وسبب هذه الزيادة أنهم أمروا بإيقاع كل فعل في وقته من الأشهر الحرم ثم إنهم بسبب إغراضهم الفاسدة أخروه إلى وقت آخر بسبب ذلك النسئ فأوقعوه في غير وقته من الأشهر الحرم فكان ذلك الفعل زيادة في كفرهم ‏{‏يضل به الذين كفروا‏}‏ وقرئ‏:‏ يضل بفتح الياء وكسر الضاد ومعناه يضل الله به الذين كفروا أو يضل به الشيطان الذين كفروا بتزيين ذلك لهم وقيل يضل بالنسئ الذين كفروا وقرئ يضل بضم الياء وفتح الضاد ومعناه أن كبارهم أضلوهم وحملوهم عليه وقرئ يضل به الذين كفروا بضم الياء وكسر الضاد ومعناه يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأفعالهم وهذا الوجه أقوى الوجهين في تفسير قراءة من قرأ يضل بضم الياء وكسر الضاد ‏{‏يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً‏}‏ يعني يحلون ذلك الإنساء عاماً ويحرمونه عاماً والمعنى يحلون الشهر المحرم عاماً فيجعلونه حلالاً ليغيروا في ويحرمونه عاماً فيجعلونه محرماً فلا يغيرون فيه ‏{‏ليواطئوا‏}‏ يعني ليوافقوا ‏{‏عدة ما حرم الله‏}‏ يعني أنهم ما أحلوا شهراً من المحرم إلا حرموا شهراً مكانه من الحلال ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة كما حرم الله فيكون ذلك موافقة في العدد لا في الحكم فذلك قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فيحلوا ما حرم الله زين له سوء أعمالهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ زين له الشيطان هذا العمل ‏{‏والله لا يهدي القوم الكافرين‏}‏ يعني أنه سبحانه وتعالى لا يرشد من هو كافر أثيم لما سبق له في الأزل أنه من أهل النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 40‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ‏(‏38‏)‏ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏39‏)‏ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض‏}‏ نزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الظلال ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز وعدداً كثيراً وجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذ قيل لكم يعني قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ انفروا في سبيل الله، أي اخرجوا إلى الجهاد‏.‏ يقال‏:‏ استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ومنه قوله صلى لله عليه وسلم‏:‏ «وإذا استنفرتم فانفروا»

والإثم النفير اثاقلتم أي تثاقلتم وتباطأتم عن الخروج إلى الغزو إلى الأرض يعني لزمتم أرضكم ومساكنكم وإذنما استثقل ذلك الغزو لشدة الزمان وضيق الوقت وشدة الحر وبعد المسافة والحاجة إلى كثرة الاستعداد من العدد والزاد وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة وطيب ظلالها وكان العدو كثيراً فاستثقل الناس تلك الغزوة فعاتبهم الله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة‏}‏ يعني أرضيتم بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة ‏{‏فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل‏}‏ يعني أن لذات الدنيا ونعيمها فان زائل ينفد عن قليل ونعيم الآخرة باق على الأبد فلهذا السبب كان متاع الدنيا قليلاً بالنسبة إلى نعيم الآخرة وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن الله سبحانه وتعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجباً لما عاتبهم على ذلك التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور الآية الآتية وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا تنفروا‏}‏ يعني إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما استنفركم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه‏:‏ ‏{‏يعذبكم عذاباً إليماً‏}‏ يعني في الآخرة لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ إن المراد به احتباس المطر في الدنيا‏.‏ قال نجدة بن نفيع‏:‏ سألت ابن عباس عن هذه الآية فقال‏:‏ استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله تعالى عنهم المطر فكان ذلك عذابهم ‏{‏ويستبدل قوماً غيركم‏}‏ يعني خيراً منكم وأطوع‏.‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ هم أبناء فارس‏.‏

وقيل‏:‏ هم أهل اليمن نبه سبحانه وتعالى على أنه قد تكفل بنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه فإن سارعوا معه إلى الخروج إلى حيث استنفروا حصلت النصرة بهم ووقع أجرهم على الله عز وجل وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه حصلت النصرة بغيرهم وحصلت العتبى لهم لئلا يتوهموا أن إعزاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته لا تحصل إلا بهم وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تضروه شيئاً‏}‏ قيل‏:‏ الضمير راجع إلى الله تعالى يعني ولا تضروا الله شيئاً لأنه غني عن العالمين وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني‏:‏ ولا تضروا محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً فإن لله ناصره على أعدائه ولا يخذله ‏{‏والله على كل شيء قدير‏}‏ يعني أنه تعالى قادر على كل شيء فهو ينصر نبيه ويعز دينه قال الحسن وعكرمة هذا الآية منسوخة بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال الجمهور هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس وعلى هذا التقدير فلا نسخ‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إلا تنصروه فقد نصره الله‏}‏ يعني إلا تنصروا محمداً صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون هذا خطاب لمن تثاقل عن الخروج معه إلى تبوك فأعلم الله عز وجل أنه هو المتكفل بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه وإعلاء كلمته أعانوه أو لم يعينوه وإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد ‏{‏إذ أخرجه الذين كفروا‏}‏ يعني أنه تعالى نصره في الوقت الذي أخرجه فيه كفار مكة من مكة حين مكروا به وأرادوا قتله ‏{‏ثاني اثنين‏}‏ يعني هو واحد اثنين وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ‏{‏إذ هما في الغار‏}‏ يعني إذ رسول الله صلى الله عله وسلم وأبو بكر في الغار والغار نقب عظيم يكون في الجبل وهذا الغار في جبل ثور وهو قريب من مكة ‏{‏إذ يقول لصاحبه لا تحزن‏}‏ يعني يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق لا تحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهم فجزع من ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن ‏{‏إن الله معنا‏}‏ يعني بالنصر والمعونة قال الشعبي‏:‏ عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعاً في هذه الآية غير أبي بكر وقال الحسن بن الفضل‏:‏ من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً ولا يكون كافراً‏.‏

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر‏:‏ «أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار» أخرجه الترمذي‏.‏ وقال‏:‏ حديث حسن غريب ‏(‏ق‏)‏‏.‏

عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال‏:‏ «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» قال الشيخ محيي الدين النووي معناه‏:‏ ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها اللفظ الدال على أن الله ثالثهما ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك‏.‏

روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده أبو بكر فقال‏:‏ وددت أن عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما فليلته ليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال والله لا تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكنسه ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به وبقي منهما ثقبان فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «مالك يا أبا بكر» فقال‏:‏ لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته وأما يومه فلما قبض صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، وقالوا‏:‏ لا نؤدي الزكاة فقال لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم‏.‏ قال‏:‏ لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام أنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي أخرجه في جامع الأصول ولم يرقم عليه علامة لأحد قال البغوي وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مالك يا أبا بكر»

‏؟‏ فقال‏:‏ أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي بين يديك فلما انتها إلى الغار قال‏:‏ مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار فدخل فاستبرأه ثم قال انزل يا رسول الله فنزل وقال له‏:‏ «إن أقتل فأنا رجل واحد من المسلمين وإن قتلت هلكت الأمة»

‏(‏ذكر سياق حديث الهجرة وهو من أفراد البخاري‏)‏

عن عائشة قالت‏:‏ لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشياً فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال‏:‏ اين تريد يا أبا بكر‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ اخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي‏.‏ فقال ابن الدغنة‏:‏ فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إنا أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيق ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وفي رواية فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقال لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاسعلان‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فأتى ابن الدغنى إلى أبي بكر، فقال‏:‏ قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر‏:‏ فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين‏:‏

«إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين» وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل الميدنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال «نعم» فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر هو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب‏:‏ قال عروة قالت عائشة‏:‏ فبينا نحن جلوس يوماً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏:‏ «اخرج من عندك» فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فإني قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم» قال أبو بكر‏:‏ فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بالثمن‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من الشعاء فيبيتان في رسل حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هادياً خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل وفي رواية طريق الساحل‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول‏:‏ جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس‏.‏ فقال‏:‏ يا سراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل أرها محمداً وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له‏:‏ إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكبر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ الأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال أخف عنا ما استطعت فسألته أن يكتب لي كتبا أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب‏:‏ فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشأم فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على ظهر أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السارب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه قال فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً فطفق من جاء من الأنصار لمن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقال لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول‏:‏

هذا الحمال لا حمال خيبر *** هذا أبر ربنا وأطهر

ويقول‏:‏ «اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة»، فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي‏.‏ قال ابن شهاب‏:‏ ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت أخرجه البخاري بطوله‏.‏

‏(‏شرح غريب ألفاظ الحديث‏)‏

قولها‏:‏ لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، يعني، أنهما كانا ينقادان إلى الطاعة، وبرك الغماد بفتح الباء من برك وكسر الغين المعجمة اسم موضع بينه وبين مكة خمس ليال مما يلي ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار‏.‏ وقيل‏:‏ هو قليب ماء لبني ثعلبة‏.‏ قوله‏:‏ تكسب المعدوم فيه قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه لقوة سعده وحظه من الدنيا لا يتعذر عليه كسب كل شيء حتى المعدوم الذي يتعذر كسبه على غيره‏.‏

والقول الثاني‏:‏ إنه يملك الشيء المعدوم المتعذر لمن لا يقدر عليه ففيه وصفة بالإحسان والكرم والكل ما يثقل حمله من حقوق الناس وصلة الأرحام والقيام بأمر العيال وإقراء الضيف ونوائب الحق ما ينوب الإنسان من المغارم وقضاء الحقوق لمن يقصده أنا لك جار أي حام وناصر ومدافع عنك والاستعلان إظهار المخفي‏.‏

وقوله‏:‏ فينقذف النساء عليه يعني يزدحمن عليه والذمة العهد والأمان وإخفاؤها نقضها‏.‏ واللابة‏:‏ الجبل‏.‏ والحرة‏:‏ الأرض التي تعلوها حجارة سود‏.‏ يقال‏:‏ افعل الشيء على رسلك بكسر الراء أي على هينتك‏.‏ والراحلة‏:‏ البعير القوي على الحمل والسير، والظهيرة‏:‏ وقت شدة الحر والنطاق‏:‏ حبل أو نحوه تشد به المرأة وسطها وترفع ثوبها من تحته فتطعف طرفاً من أعلاه إلى أسفله لئلا يصل إلى الأرض‏.‏ وقولها‏:‏ ثقف لقن‏.‏ يقال‏:‏ ثقف الرجل ثقافة إذا صار حاذقاً فطناً واللقن السريع الفهم‏.‏ والإدلاج‏:‏ بتخفيف الدال سير أول الليل وبتشديدها سير آخره والمنحة الشاة ذات اللبن والرسل بكسر الراء وسكون السين هو اللبن يقال‏:‏ نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتجتمع إليه‏.‏ والغلس‏.‏ ظلام آخر الليل‏.‏ والخريت‏:‏ تقدم شرحه في الحديث وهو الماهر بالهداية وأراد به هداية الطريق فهو الدليل‏.‏ وقد غمس حلفاً يقال‏:‏ غمس فلان حلفاً في آل فلان إذا أخذ بنصيب من عهدهم وحلفهم والأسودة الأشخاص‏.‏ والأكمة‏:‏ التل المرتفع من الأرض‏.‏ يقال‏:‏ قرب الفرس يقرب تقريباً إذا عدا عدواً دون الإسراع والكناية هي الجعبة التي تجعل فيها السهام والأزلام القداح التي كانوا يستقسمون بها عند طلب الحوائج كالفأل والعثان الغبار‏.‏ يقال‏:‏ ما رزأت فلاناً شيئاً أي ما أصبت منه شيئاً والمراد أنهم لم يأخذوا منه شيئاً وقوله أوفى أي أشرف وأطلع‏.‏

والأطم‏:‏ البناء المرتفع كالحصن، وقوله‏:‏ مبيضين هو بكسر الياء أي‏:‏ هم ذو ثياب بيض والمربد الموضع يوضع فيه التمر كالبيدر‏.‏ وقوله‏:‏ هذا الحمال هو بالحاء المهملة يعني هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر وأبقى ذخراً وأدوم منفعة في الآخرة لأحمال خيبر يعني ما يحمل من خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها‏.‏ والمعنى‏:‏ أن ذلك الحمل الذي نحمله من اللبن لأجل عمارة المسجد أفضل عند الله مما يحمل من خيبر وقد روى هذا الجمال بالجيم من التجمل، والرواية الأولى أشهر وأكثر والله أعلم قال الزهري‏:‏ لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله سبحانه وتعالى زوجاً من حمام حتى باضتا في أسفل النقب ونسجت العنكبوت بيتاً‏.‏ وقيل‏:‏ أتت يمامة على فم الغار وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللهم أعم أبصارهم» فجعل الطلب يضربون يميناً وشمالاً حول الغار يقولون لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ووجدت في بعض التفاسير شعراً وقد نسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو قوله‏:‏

قال النبي ولم يجزع يوقرني *** ونحن في سدف في ظلمة الغار

لا تخش شيئاً فإن الله ثالثنا *** وقد تكفل لي منه بإظهار

وإنما كيد من تخشى بوادره *** كيد الشياطين قد كادت لكفار

والله مهلكهم بما صنعوا *** وجاعل المنتهى منهم طم إلى النار

وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فإنزل الله سكينته عليه‏}‏ يعني فأنزل الله الطمأنينة والسكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس عن أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ذلك‏.‏

‏(‏فصل في الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على فضل سيدي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه‏)‏

منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختفى في الغار من الكفار كان مطلعاً على باطن أبي بكر الصديق في سره وإعلانه وأنه من المؤمنين الصادقين الصديقين المخلصين فاختار صحبته في ذلك المكان المخوف لعمله بحاله‏.‏ ومنها‏:‏ أن هذه الهجرة كانت بإذن الله فخصّ الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم أبا بكر دون غيره من أهله وعشيرته وهذا التخصيص يدل على شرف أبي بكر وفضله على غيره‏.‏ ومنها‏:‏ أن الله سبحانه وتعالى عاتب أهل الأرض بقوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله سوى أبي بكر الصديق وهذا دليل على فضله‏.‏ ومنها‏:‏ أن سيدنا ابا بكر رضي الله تعالى عنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر بل كان ملازماً له وهذا دليل على صدق محبته وصحة صحبته له ومنها مؤانسته للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار وبذل نفسه له وفي هذا دليل على فضله‏.‏ ومنها‏:‏ أن الله سبحانه وتعالى جعله ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه وتعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وفي هذا نهاية الفضيلة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه‏.‏ وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى الإيمان بالله فكان أبو بكر أول من آمن ثم دعا أبو بكر إلى الإيمان بالله ورسوله فاستجاب له عثمان وطلحة والزبير فآمنوا على يدي أبي بكر ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف في موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه في ذلك الموقف ومنه أنه لما مرض صلى الله عليه وسلم قام مقامه في الإمامة فكان ثانيه ومنها أنه ثانيه في تربته صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل على فضل أبي بكر الصديق ومنها أن الله سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره بقوله سبحانه وتعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن ومنها أن الله سبحانه وتعالى كان ثالثهما ومن كان معه دل على فضله وشرفه على غيره ومنها إنزال السكينة على أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله والله أعلم‏.‏

وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وأيده بجنود لم تروها‏}‏ يعني‏:‏ وأيد النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته‏.‏ وقل‏:‏ ألقى الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا وقال مجاهد والكلبي‏:‏ أعانه بالملائكة يوم بدر فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه نصره وصرف عنه كيد الأعداء وهو في الغار في حالة القلة والخوف ثم نصره بالملائكة يوم بدر ‏{‏وجعل كلمة الذين كفروا السفلى‏}‏ يعني كلمة الشرك فهي سفلى إلى يوم القيامة ‏{‏وكلمة الله هي العليا عزيز حكيم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هي كلمة لا إله إلا الله فهي باقية إلى يوم القيامة عالية‏.‏ وقيل‏:‏ إن كلمة الذين كفروا هي ما كانوا قدروها فيما بينهم من الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وكلمة الله هي ما وعده من النصر والظفر بهم فكان ما وعد الله سبحانه وتعالى حقا وصدقاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏انفروا خفافاً وثقالاً‏}‏ يعني انفروا على الصفة التي يخفف عليكم الجهاد بها وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها وهذان الوصفان يدخل تحتها أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيها‏.‏ فقال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة‏:‏ يعني شباباً وشيوخاً‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ نشاطاً وغير نشاط‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ ركباناً ومشاة‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ خفافاً من المال يعني فقراء وثقالاً يعني أغنياء‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الخفيف الذي لا ضيعة له والثقيل الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته‏.‏

ويروى عن ابن عباس قال‏:‏ خفافاً أهل اليسرة من المال وثقالاً أهل العسرة‏.‏ وقيل‏:‏ خفافاً يعني من السلاح مقلين منه وثقالاً يعني مستكثرين منه‏.‏ وقيلك مشاغيل وغير مشاغيل‏.‏ وقيل‏:‏ أصحاء ومرضى‏.‏ وقيل‏:‏ عزاباً ومتأهلين‏.‏ وقيل‏:‏ خفافاً من الحاشية والأتباع وثقالاً مستكثرين منه‏.‏ وقيل‏:‏ خفافاً يعني مسرعين في الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وثقالاً يعني بعد التروي فيه والاستعداد له والصحيح أن هذا عام لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت قوله تعالى انفروا خفافاً وثقالاً يعني على أي حال كنتم فيهما‏.‏

فإن قلت‏:‏ فعلى هذا يلزم الجهاد لكل أحد حتى المريض والزمن والفقير وليس الأمر كذلك فما معنى هذا الأمر‏.‏

قلت‏:‏ من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ نسخت هذه الآية بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية‏.‏ وقال السدي‏:‏ نسخت بقوله‏:‏ ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب‏.‏ قال مجاهد‏:‏ إن أبا أيوب الأنصاري شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون بعده فقيل له في ذلك، فقال‏:‏ سمعت الله عز وجل يقول انفروا خفافاً وثقالاً ولا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً وقال الزهري‏:‏ خرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له‏:‏ إنك عليل صاحب ضر فقال‏:‏ استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد أو حفظت المتاع‏.‏ وقال صفوان بن عمرو‏:‏ كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال‏:‏ يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه يبتليه والصحيح‏.‏ هو القول الأول أنها منسوخة وأن الجهاد من فروض الكفايات ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك وأن النبي صلى الله عليه وسلم خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان والله أعلم‏.‏

وقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله‏}‏ فيه قولان الأول أن الجهاد إنما يجب على من له مال يتقوى به على تحصيل آلاف الجهاد ونفس سليمة قوية صالحة للجهاد فيجب عليه فرض الجهاد والقول الثاني أن من كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للحرب فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره ممن يصلح للجهاد فيغزو بماله فيكون مجاهداً بماله دون نفسه ‏{‏ذلكم‏}‏ يعني ذلكم الجهاد ‏{‏خير لكم‏}‏ يعني من القعود والتثاقل عنه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه أن الجهاد خير حاصل لكم ثوابه ‏{‏إن كنتم تعلمون‏}‏ يعني أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود عنه ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 45‏]‏

‏{‏لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏42‏)‏ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏43‏)‏ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ‏(‏44‏)‏ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لو كان عرضاً قريباً‏}‏ فيه إضمار تقديره لو كان ما تدعوهم إليه عرضاً يعني غنيمة سهلة قريبة التناول والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها‏.‏ يقال‏:‏ الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ‏{‏وسفراً قاصداً‏}‏ يعني سهلاً قريباً ‏{‏لاتبعوك‏}‏ يعني لخرجوا معك ‏{‏ولكن بعدت عليهم الشقة‏}‏ أي المسافة والشقة السفر البعيد، لأنه يشق على الإنسان سلوكها‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ لو كان العرض قريباً والغنيمة سهلة والسفر قاصداً لاتبعوك طمعاً في تلك المنافع التي تحصل لهم ولكن لما كان السفر بعيداً وكانوا يستعظمون غزو الروم لا جرم أنهم تخلفوا لهذا السبب ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنه إذا رجع النبي عليه السلام من هذا الجهاد يحلفون بالله وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسيحلون بالله‏}‏ يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ‏{‏لو استطعنا لخرجنا معكم‏}‏ يعني إلى هذه الغزوة ‏{‏يهلكون أنفسهم‏}‏ يعني بسبب هذه الأيمان الكاذبة والنفاق وفيه دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها ‏{‏والله يعلم إنهم لكاذبون‏}‏ يعني في أيمانهم وهو قولهم‏:‏ لو استطعنا لخرجنا معكم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏عفا الله عنك لم أذنت لهم‏}‏ قال الطبري‏:‏ هذا عتاب من الله عز وجل عاتب الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أي في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم‏.‏ والمعنى‏:‏ عفا الله عنك يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين اسأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك‏.‏ قال عمرو بن ميمون الأودي‏:‏ اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بشيء فيهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله كما تسمعون وقال سفيان بن عيينة‏:‏ انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب‏.‏

‏(‏فصل‏)‏

استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنوب من الأنبياء وبيانه من وجهين‏:‏ أحدهما، أنه سبحانه وتعالى‏.‏ قال‏:‏ عفا الله عنك والعفو يستدعي سابقة الذنب الوجه الثاني أنه سبحانه وتعالى قال لم أذنت لهم وهذا استفهام معناه الإنكار‏.‏

والجواب عن الأول‏:‏ إنا لا نسلم أن قوله تعالى عفا الله عنك يوجب صدور الذنب بل نقول إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم والتوقير فهو كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً له عفا الله عنك ما صنعت في أمري رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي وعافاك الله وغفر لك كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه تدل على تعظيم المخاطب به قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل‏.‏

عفا الله عنك إلا حرمة *** تعود بفضلك أن أبعدا

ألم تر عبداً عدا طوره *** ومولى عفا ورشيداً هدى

أقلني أقالك من لم يزل *** يقيل ويصرف عنك الردى

والجواب عن الثاني‏:‏ أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله لم أذنت لهم الإنكار عليه وبيانه‏:‏ إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أولاً فإن كان قد صدر عنه ذنب فذكر الذنب بعد العفو لا يليق‏.‏ فقوله‏:‏ عفا الله عنك، يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب امتنع الإنكار عليه فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في الجواب عن قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم‏:‏ أنه أمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولا عده تعالى عليه معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه‏:‏ وقد حاشاه لله من ذلك بل كان مخيراً في أمرين قالوا‏:‏ وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي فكيف وقد قال الله سبحانه وتعالى له فأذن لمن شئت منهم فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس عفا هنا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ولم تجب عليهم قط أي يلزمكم ذلك ونحوه للقشيري قال‏:‏ وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنب‏.‏ قال الداودي‏:‏ إنها تكرمة‏.‏ وقال مكي‏:‏ هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك وحكى السمرقندي أن معناه عفاك الله‏.‏ وقيل معناه‏:‏ أدام الله لك العفو لم أذنت لهم يعني في التخلف عنك وهذا يحمل على ترك الأولى والأكمل لا سيما وهذه كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا ‏{‏حتى يتبين لك الذين صدقوا‏}‏ يعني في اعتذارهم ‏{‏وتعلم الكاذبين‏}‏ يعني فيما يعتذرون به‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة‏.‏

قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏لا يستأنذك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم‏}‏ أي في أن يجاهدوا وإنما حسن هذا الحذف لظهوره ‏{‏والله عليم بالمتقين‏}‏ يعني الذين يتقون لمخالفته ويسارعون إلى طاعته ‏{‏إنما يستأذنك‏}‏ يعني في التخلف عن الجهاد معك يا محمد من غير عذر ‏{‏الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر‏}‏ وهم المنافقون لقوله ‏{‏وارتابت قلوبهم‏}‏ يعني شكت قلوبهم في الإيمان وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لانه محل المعرفة والإيمان أيضاً فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقاً ‏{‏فهم في ريبهم يترددون‏}‏ يعني أن المنافقين متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وقد اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية‏.‏

فقيل‏:‏ إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله سبحانه وتعالى إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم وقيل إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذراً استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر‏.‏