فصل: تفسير الآيات رقم (27- 29)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ‏(‏27‏)‏ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ‏(‏28‏)‏ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ المبذرين‏}‏ أي‏:‏ المنفقين أموالهم في غير طاعة الله تعالى ‏{‏كَانُواْ إخوان الشياطين‏}‏ يعني‏:‏ أعوان الشياطين ‏{‏وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا‏}‏ أي‏:‏ كافراً ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏}‏ أي‏:‏ عن قرابتك في الرحم وغيرهم ممن يسألك حياء منه ورحمة له ‏{‏ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا‏}‏ أي‏:‏ انتظار رزق من ربك أن يأتيك أو قدوم مال غائب عنك ترجو حضوره ‏{‏فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا‏}‏ أي‏:‏ هيناً ليناً‏.‏ يعني‏:‏ عِدْهُمْ عدة حسنة وقال مقاتل‏:‏ نزلت الآية في خباب بن الأرت وبلال وعمَّار ونحوهم من أصحاب الصُّفة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجد شيئاً يعطيهم فيعرض عنهم فنزلت الآية‏.‏ وقال السدي‏:‏ معناه لا تعرض عن قرابتك وعن المساكين وابن السبيل ابتغاء أن تصيب مالاً «فقل لهم قولاً ميسوراً» أي قل لهم نعم وكرامة‏.‏ ليس عندنا اليوم شيء فإِن أتانا شيء نعرف حقكم‏.‏ وقال محمد بن الحنفية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول لشيء لا، فإِذا سئل وأراد أن يفعل‏.‏ يقول نعم وإذا لم يرد أن يفعل سكت‏.‏ فكان قد علم ذلك منه قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ‏}‏ يقول‏:‏ لا تمسك يدك في النفقة من البخل بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه ‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط‏}‏ في الإسراف فتعطي جميع ما عندك فيجيء الآخرون ويسألونك فلا تجد ما تعطيهم‏.‏ وهذا قول ابن عباس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ لا تمسكها عن طاعة الله وعن حقه ولا تبسطها كل البسط يقول لا تنفقها في المعصية وفيما لا يصلح‏.‏ وقال مقاتل في قوله‏:‏ لا تبسطها كل البسط‏.‏ أي‏:‏ في العطية ولا يبقى عندك شيء فإِذا سئلت لم تجد ما تعطيهم‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كالوالد‏.‏ ولا ينبغي للوالد أن يعطي جميع ماله لبعض ولده ويترك الآخرين فنهاه الله تعالى أن يعطي جميع ماله المسكين الواحد وأمره أن يقسم بالسوية كي لا ييأسوا منه ثم قال تعالى ‏{‏فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً‏}‏ يعني‏:‏ لو أعطيت جميع مالك فتبقى مَلُوماً يلومك الناس وتلوم نفسك، مَحْسُوراً‏.‏ منقطعاً عن المال فلا مال لك، والمحسور في اللغة المنقطع‏.‏ وروي في الخبر أن امرأة بعثت ابنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له‏:‏ قل له إن أمي تستكسيك درعاً، فإِن قال حتى يأتينا شيء فقل له إنها إِذَنْ تستكسيك قميصك‏.‏ فأتاه فقال له إن أمي تستكسيك درعاً فقال له‏:‏ حتى يأتينا شيء‏.‏ فقال‏:‏ إنها تستكسيك قميصك‏.‏ قال‏:‏ فنزع قميصه ودفعه إليه ولم يبق له قميص يخرج به إلى الصلاة فنزلت هذه الآية‏.‏ يعني‏:‏ تبقى عرياناً لا تقدر أن تخرج إلى الصلاة‏.‏

قال الفقيه‏:‏ إذا أردت أن تعرف أن البخل قبيح فانظر إلى هذه الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى قميصه حتى عجز عن الخروج إلى الصلاة عاتبه الله على ذلك فبدأ بالنهي عن الإمساك فقال ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً‏}‏ فنهاه أولاً عن البخل ثم نهاه عن دفع الكل وهو التبذير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ‏(‏32‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء‏}‏ أي‏:‏ يوسع الرزق على من يشاء من كان صلاحه في ذلك ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ أي‏:‏ يضيق على من يشاء، ويقدر لمن يشاء ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏ من البسط، والتقتير، يعلم صلاح كل واحد من خلقه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق‏}‏ أي‏:‏ مخافة الفقر ط ‏{‏نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ *** حُوباً كَبِيراً‏}‏ أي‏:‏ ذنباً عظيماً‏.‏ وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أي الذنب أعظم‏؟‏ قال‏:‏ «أن تَجْعَلَ لله نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» قال‏:‏ يا رسول الله ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ «أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»‏.‏ قال‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»‏.‏ قرأ ابن عامر ‏{‏***خَطْأً‏}‏ بنصب الخاء، وجزم الطاء‏.‏ وقرأ ابن كثير‏:‏ خِطَاءً بكسر الخاء، وفتح الطاء، ومد الألف‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏***خِطْأً‏}‏ بكسر الخاء، وجزم الطاء بغير مد يعني‏:‏ إثماً كبيراً‏.‏ ويقال‏:‏ خَطِئ يَخْطَأُ خِطْأً مثل أَثم يأْثم إثماً‏.‏ ومن قرأ بالنصب معناه‏:‏ إنَّ قتلهم كان غير صواب‏.‏ يقال‏:‏ أَخْطَأَ يُخْطِئ خَطْأً وإِخْطَاءً‏.‏ وقرأ بعضهم بنصب الخاء والطاء، وهي قراءة شاذة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كَبِيرًا وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً‏}‏ أي‏:‏ معصية ‏{‏وَسَاء سَبِيلاً‏}‏ أي‏:‏ بئس المسلك‏.‏ وروى عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ لا أحد أغير من الله، وبذلك حرم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن‏.‏ ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى‏.‏ ولذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العُذْر من الله تعالى، ولذلك بعث الرسل، وأنزل الكتب‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق‏}‏ يعني إلا بإحدى ثلاث مواضع‏.‏ إذا قتل أحداً فيقتص به، أو زنى وهو محصن فيرجم، أو يرتد فيقتل‏.‏ ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا‏}‏ أي‏:‏ سبيلاً وحجة عليه‏.‏ إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية‏.‏ يعني‏:‏ إذا اصطلحا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كل سلطان في القرآن فهو حجة، وكل ظن في القرآن فهو يقين‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُسْرِف فّى القتل‏}‏ يعني‏:‏ لا يقتل غير القاتل حمية، ولا يقتل بالواحد اثنين، ولا يقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية ‏{‏إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا‏}‏ أي‏:‏ معاناً من الله تعالى في كتابه‏.‏ جعل الأمر إليه في القَوَدِ‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏***تُسْرِفْ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏ وقرأ الباقون بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 38‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‏(‏34‏)‏ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏35‏)‏ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ‏(‏36‏)‏ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ‏(‏37‏)‏ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏‏}‏

ثم قال ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ أي‏:‏ إلا على وجه التجارة، لينمو مال اليتيم بالأرباح، أو ينمو على وجه المضاربة ‏{‏حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ حتى يتم خلقه‏.‏ وقال القتبي‏:‏ أشد الرجل، غير أشد اليتيم، وإن كان لفظهما واحداً‏.‏ لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏ إنَّما هو الاكتمال، وذلك ثلاثون سنة‏.‏ وأشد الغلام أن يشتد خلقه، وذلك ثمان عشرة سنة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هذه الآية منسوخة بقوله‏:‏ ‏{‏فِى الدنيا والاخرة وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 220‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ‏}‏ يعني‏:‏ الذي بينكم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينكم وبين الناس ‏{‏إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً‏}‏ يعني‏:‏ إن ناقض العهد يسأل عنه يوم القيامة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ‏}‏ لغيركم ‏{‏وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم‏}‏ أي‏:‏ بالميزان العدل‏.‏ بلغة الروم‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص ‏{‏بالقسطاس‏}‏ بكسر القاف‏.‏ والباقون، بالضم‏.‏ وهما لغتان يعني‏:‏ الميزان‏.‏ ويقال‏:‏ هو القبان‏.‏ ‏{‏ذلك خَيْرٌ‏}‏ أي‏:‏ الوفاء بجميع ما أمركم الله تعالى به، ونهاكم عنه، خير من البخس والنقصان‏.‏ ‏{‏وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ أي‏:‏ عاقبة، ومرجعاً في الآخرة ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ يقول‏:‏ لا تقل ما لم تعلم، فتقول‏:‏ علمت ولم تعلم، ورأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع‏.‏ أي‏:‏ كأنك تقفو الأمور‏.‏ يقال‏:‏ قفوت أثره، والقائف الذي يعرف الآثار ويتبعها‏.‏

ثم حذرهم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ أي‏:‏ يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة، فيشهدن عليه‏.‏ ويقال‏:‏ معناه صاحب السمع، والبصر، والفؤاد، يسأل يوم القيامة عن السمع والبصر والفؤاد‏.‏ ويقال‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ أي‏:‏ لا تقل ما لم تعلم، ولا تسمع اللغو، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تحكم على الظن ‏{‏كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ يعني‏:‏ عن الكلام باللسان، والتسمع بالسمع، والتبصر بالبصر على وجه الإخبار، وهو من جوامع الكلم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَمْشِ فِى الارض مَرَحًا‏}‏ يعني‏:‏ بالتكبر والفخر ‏{‏إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ‏}‏ يعني‏:‏ لن تدخل ‏{‏الارض‏}‏ ولن تجاوزها ‏{‏وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً‏}‏ قال القتبي‏:‏ يعني‏:‏ لا تقدر أن تقطعها، حتى تبلغ إلى آخرها‏.‏ يقال‏:‏ فلان أخرق إلى الأرض من فلان، إذا كان أكثر أسفاراً، ‏{‏وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً‏}‏ يريد، أنه ليس للعاجز أن يمدح نفسه، ويستكبر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كُلُّ ذلك‏}‏ أي‏:‏ كل ما أمرتك به، ونهيتك عنه ‏{‏كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ ترك ذلك معصية عند الله ‏{‏مَكْرُوهًا‏}‏ أي‏:‏ منكراً‏.‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، سَيِّئَةً بنصب الهاء مع التنوين، يعني‏:‏ خطيئة‏.‏ ومعناه‏:‏ ما ذكر في الآية، تركه كان معصية وسيئة‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏سَيّئُهُ‏}‏ بضم الهاء على معنى الإضافة‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وبهذه القراءة نقرأ، وحجته قراءة أُبَيّ، كان يقرأ سَيِّئَاتِهِ على معنى الإضافة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 44‏]‏

‏{‏ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏43‏)‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ذلك مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ‏}‏، أي مما بيّن الله تعالى وأمر ونهى‏.‏ كان ذلك مكتوباً في اللوح وأوحى إليك ربك‏.‏ ‏{‏مِنَ الحكمة‏}‏، أي بيان الحلال والحرام‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ‏}‏، أي لا تقل‏.‏ ‏{‏مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته‏.‏ ‏{‏فَتَلَقَّى‏}‏، أي فتطرح ‏{‏فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا‏}‏، أي يلومك الناس‏.‏ ‏{‏مَّدْحُورًا‏}‏، أي مقصيّاً من كل خير‏.‏ وقال القتبي‏:‏ مدحوراً، أي مبعداً‏.‏ يقال في الدعاء‏:‏ اللَّهُمَّ ادْحَرْ عَنِّي الشَّيْطَانَ، أي ابعده مني‏.‏ ‏{‏أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين‏}‏، أي أفاختاركم بالبنين‏.‏ ‏{‏واتخذ‏}‏ لنفسه ‏{‏مِنَ الملئكة إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا‏}‏ في العقوبة، ويقال‏:‏ قولاً منكراً قبيحاً‏.‏

قوله ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا‏}‏، لقد بينا ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا‏}‏، أي ليتعظوا بالقرآن، ويقال‏:‏ في القرآن من كل شيء يحتاج إليه الناس، ويقال‏:‏ بيّنا في هذا القرآن من كل وعد ووعيد، ليتعظوا بما في القرآن فينتهوا عن عبادة الأوثان‏.‏ ‏{‏وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا‏}‏، أي القرآن لا ينفعهم إلا تباعداً عن الإيمان‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏لّيَذْكُرُواْ‏}‏ بالتخفيف، يعني‏:‏ ليذكروا ما فيه؛ وقرأ الباقون بالتشديد، لأن أصله ليتذكروا فادغم التاء في الذال وشدد‏.‏

قوله ‏{‏قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ لأهل مكة‏.‏ ‏{‏كَمَا يَقُولُونَ‏}‏ من الأوثان‏.‏ ‏{‏إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً‏}‏، أي طريقاً فكانوا كهيئته؛ وقال قتادة‏:‏ أي لعرفوا فضل ذي العرش ومزيته عليهم؛ ويقال‏:‏ ابتغوا طريقاً للوصول إليه، وقال مقاتل‏:‏ لطلبوا سبيلاً ليقهروه كفعل الملوك بعضهم مع بعض‏.‏

ثم نزه نفسه عن الشريك، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه‏}‏، أي تنزيهاً له‏.‏ ‏{‏وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ‏}‏، أي عما يقول الظالمون إن معه شريكاً‏.‏ ‏{‏عُلُوّاً كَبِيراً‏}‏، أي بعيداً عما يقول الكفار‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏تُسَبّحُ لَهُ السموات **السبع والارض وَمَن فِيهِنَّ‏}‏ من الخلق؛ ‏{‏وَإِن مّن شَئ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ‏}‏، أي ما من شيء إلا يسبح بأمره وبعلمه؛ وقال الكلبي‏:‏ كل شيء ينبت يسبح من الشجر وغير ذلك، فإِذا قطع منه صار ما قطع منه ميتاً لا يسبح؛ وقال قتادة‏:‏ كل شيء فيه الروح يسبح من شجر أو غيره؛ وقال السدي‏:‏ ليس شيء في أصله الأول إلا وهو يسبح‏.‏

وروي عن الحسن أنه قيل له‏:‏ أيسبح هذا الخوان‏؟‏ قال‏:‏ كان يسبح في شجره، فأَمَّا الآن فلا‏.‏ ويقال‏:‏ إذا قطع الشجر، فإِنه يسبح ما دام رطباً، بدليل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بقبرين، فقال‏:‏ «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ في القَبْرِ، ومَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ‏.‏ فَأَمَّا أَحَدَهُمَا كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ عن البَوْلِ»‏.‏

ثم أخذ جريدتين من شجر، وغرس إحداهما في قبر والأُخرى في قبر الآخر، فقال‏:‏ «لَعَلَّهُمَا لا يُعَذَّبَانِ ما دَامَتَا رَطْبَتَيْنِ»‏.‏ قال الحكماء‏:‏ الحكمة في ذلك أنهما ما دامتا رطبتين تسبحان الله تعالى، ويقال‏:‏ معناه ما من شيء إلا يسبح بحمده، ويقال‏:‏ معناه وإن من شيء يسبح بحمده، إلا يدل على وحدانية الله تعالى، ويسبحه وأن الله خالقه‏.‏

‏{‏ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ أثر صنعه فيهم، ولكن هذا بعيد‏.‏ وهو خلاف أقاويل المفسرين، ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا‏}‏، حيث لم يجعل العقوبة لمن اتخذ معه آلهة‏.‏ ‏{‏غَفُوراً‏}‏ لمن تاب منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 47‏]‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ‏(‏45‏)‏ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ‏(‏46‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان‏}‏، يعني‏:‏ أخذت في قراءة القرآن‏.‏ ‏{‏جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا‏}‏؛ قال بعضهم‏:‏ الحجاب المستور، هو أن يمنعهم عن الوصول إليه؛ كما روي أن امرأة أبي لهب جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان عنده أبو بكر فدخلت فقالت لأبي بكر‏:‏ هجاني صاحبك‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ والله هو ما ينطق بالشعر ولا يقوله‏.‏ فرجعت، فقال أبو بكر‏:‏ أما رأتك يا رسول الله‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لَمْ يَزَلْ بَيْنِي وَبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا حَتَّى رَجَعَتْ»‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الحجاب المستور هو الأكنة؛ وقال مقاتل‏:‏ الحجاب هو قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏ يعني جعلنا أعمالهم على قلوبهم أغطية، حتى لا يرغبوا في الحق؛ ويقال‏:‏ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعني‏:‏ الجن والشياطين حجاباً مستوراً، فلا يصلون إليك؛ وقال الكلبي‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا القرآن، ستره الله وحجبه عن المشركين بثلاث آيات، إذا قرأهن حجب عنهم‏.‏ إحداهن في سورة الكهف ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بأايات رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 57‏]‏ والآية الثانية في النحل ‏{‏أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم وأولئك هُمُ الغافلون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 108‏]‏ والثالثة في حم الجاثية ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 23‏]‏ الآية‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ‏}‏، أي صمماً وثقلاً لا يسمعون الحق‏.‏ قرأ ابن كثير ‏{‏قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 42‏]‏ بالياء، وكذلك في قوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 43‏]‏، وكذلك ‏{‏فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36‏]‏ الثلاثة كلها بالياء على معنى المغايبة؛ وقرأ حمزة والكسائي كلهن بالتاء على معنى المخاطبة ولفظ التأنيث؛ وقرأ نافع وابن عمر الأول خاصة بالتاء والآخرين بالياء، وقرأ أبو عمرو الأوسط بالياء، واختلفوا عن عاصم في رواية حفص الآخر خاصة بالياء، وروى أبو بكر مثل ابن عامر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏، يعني‏:‏ وحدانيته، قول لا إله إلا الله‏.‏ ‏{‏وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً‏}‏، أي أعرضوا تباعداً عن الإيمان؛ وقال القتبي‏:‏ ولوا على أدبارهم هرباً وهو مثل ما قال مقاتل؛ وذلك حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«قُولُوا لا إله إلاَّ اللَّهُ تَتَمَلَّكُوا بِهَا العَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ» فنفروا من ذلك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ‏}‏، يعني‏:‏ بالقرآن‏.‏ ‏{‏إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏}‏ أي إلى قراءتك القرآن‏.‏ ‏{‏وَإِذْ هُمْ نجوى‏}‏، يعني‏:‏ يتناجون فيما بينهم‏.‏ ‏{‏إِذْ يَقُولُ الظالمون‏}‏، أي يقول المشركون للمؤمنين‏:‏ ‏{‏إِن تَتَّبِعُونَ‏}‏، يعني‏:‏ ما تطيعون ‏{‏إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا‏}‏، يعني‏:‏ مقلوب العقل‏.‏ وذكر القتبي، عن مجاهد أنه قال‏:‏ مسحوراً أي مخدوعاً، لأن السحر حيلة وخديعة، كقوله ‏{‏سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 89‏]‏ أي من أين تخدعون‏.‏ وذكر عن أبي عبيدة قال‏:‏ السَّحر الرئة‏.‏ يقال للرجل‏:‏ انتفخ سَحرك، إذا جبن، يعني‏:‏ إن تتبعون إلا رجلاً ذا رئة، أي بشراً مثلكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 49‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏49‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الامثال‏}‏، أي وصفوا لك الأمثال حيث قالوا‏:‏ ساحر أو مجنون‏.‏ ‏{‏فُضّلُواْ‏}‏، أي أخطأوا في المقالة فتحيروا‏.‏ ‏{‏فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً‏}‏، أي لا يجدون مخرجاً مما قالوا لتناقض قولهم، لأنهم قالوا مرة‏:‏ ساحر والساحر عندهم المبالغ في العلم، ومرة قالوا‏:‏ مجنون والمجنون عندهم من هو في غاية الجهل‏.‏ قال ابن الصائب‏:‏ وذلك أن أبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث وغيرهم، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه‏:‏ ما أدري ما يقول محمد، غير أني أرى شفتيه تتحركان‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ هو مجنون؛ وقال أبو لهب‏:‏ بل هو كاهن؛ وقال حويطب‏:‏ بل هو شاعر‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ *** أَءذَا كُنَّا عظاما‏}‏، أي صرنا عظاماً ‏{‏ورفاتا‏}‏، أي تراباً‏.‏ ‏{‏أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏}‏‏؟‏ أي لمجيئون ‏{‏خَلْقاً جَدِيداً‏}‏‏.‏ والاختلاف في قوله‏:‏ ‏{‏***أئنا‏}‏ في القرآن مثل ما ذكرنا في الرعد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 53‏]‏

‏{‏قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ‏(‏50‏)‏ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ‏(‏51‏)‏ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏52‏)‏ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏53‏)‏‏}‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏جَدِيداً قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً‏}‏ اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر، يعني‏:‏ لو كنتم من الحجارة‏.‏ ‏{‏أَوْ حَدِيداً‏}‏ أو من الحديد‏.‏ ‏{‏أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ‏}‏؛ قال مجاهد‏:‏ حجارة أو حديداً أو ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله الذي فطركم أول مرة كما كنتم؛ ويقال‏:‏ ‏{‏أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى‏}‏ يعني‏:‏ السماء والأرض والجبال؛ وقال الكلبي‏:‏ معناه لو كنتم الموت لأماتكم‏.‏ وعن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا‏:‏ ‏{‏حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ‏}‏، يعني‏:‏ الموت، فيبعثكم كما خلقكم أول مرة‏.‏ قالوا‏:‏ لو كنا من الحجارة أو من حديد أو من الموت فمن يعيدنا؛ وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ‏}‏ يا محمد‏:‏ فسيعيدكم الله ‏{‏الذى فَطَرَكُمْ‏}‏، أي خلقكم ‏{‏أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ‏}‏، يهزون إليك رؤوسهم تعجباً من قولك؛ وقال القتبي‏:‏ يعني‏:‏ يحركونها استهزاء بقولك؛ وقال الزجاج‏:‏ أي سيحركون رؤوسهم تحريك من يستثقله ويستبطئه‏.‏

‏{‏وَيَقُولُونَ متى هُوَ‏}‏، يعنون البعث‏.‏ ‏{‏قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏‏.‏ وكل ما هو آت فهو قريب، وعسى من الله واجب‏.‏ قالوا يا محمد‏:‏ فمتى هذا القريب‏؟‏ فنزل‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَدْعُوكُمْ‏}‏؛ يعني‏:‏ إسرافيل، وهي النفخة الأخيرة‏.‏ ‏{‏فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ‏}‏؛ يقول‏:‏ تخرجون من قبوركم بأمره وتقصدون نحو الداعي، وقال مقاتل‏:‏ يوم يدعوكم من قبوركم فتستجيبون للداعي بأمره؛ وذلك أن إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن‏:‏ أيتها العظام البالية، واللحوم المتفرقة، والعروق المتقطعة اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏، أي ما لبثتم في القبور إلا يسيراً‏.‏ قال الكلبي‏:‏ وذلك أنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة فينسون العذاب، فيظنون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا يسيراً؛ وروي ذلك عن ابن عباس‏.‏ وهذا أصح ما قيل فيه، لأن بعض المبتدعين قالوا‏:‏ إذا وضع الميت في قبره، لا يكون عليه العذاب إلى وقت البعث، فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ التى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏؛ قال ابن عباس‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذيهم المشركون بمكة بالقول، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل ‏{‏وَقُل لّعِبَادِى‏}‏، أي المسلمين ‏{‏يَقُولُواْ التى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏، أي يجيبوا بجواب حسن، برد السلام بلا فحش‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 61‏]‏ ‏{‏وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 63‏]‏؛ ويقال‏:‏ نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه سبّه رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله تعالى بالكف عنه؛ ويقال‏:‏ نزلت في شأن عمر رضي الله عنه كان بينه وبين كافر كلام‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي يوسوس ويوقع بينهم العداء لعنه الله ليفسد أمرهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا‏}‏، أي ظاهر العداوة‏.‏ وهذا كقوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 57‏]‏

‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏54‏)‏ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏55‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ‏(‏56‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏(‏57‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ‏}‏، أي أعلم بأحوالكم وما أنتم فيه من أذى المشركين‏.‏ ‏{‏إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ‏}‏، فينجيكم من أهل مكة إذا صبرتم على ذلك‏.‏ ‏{‏أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ‏}‏، فيسلطهم عليكم إذا جزعتم ولم تصبروا‏.‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً‏}‏، يعني‏:‏ مسلطاً‏.‏ وهذا قبل أن يؤمر بالقتال؛ ويقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً‏}‏، أي ليست المشيئة إليك في الهدى والضلالة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى *** السموات والارض‏}‏، أي ربك عالم بأهل السموات وأهل الأرض، وهو أعلم بصلاح كل واحد منهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ‏}‏، منهم من فضل الله بالكلام، وهو موسى عليه السلام ومنهم من اتخذه خليلاً، وهو إبراهيم عليه السلام ومنهم من رفعه مكاناً عليّاً، وهو إدريس عليه السلام ومنهم من اصطفاه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وَءاتَيْنَا * دَاوُودُ ***** زَبُوراً‏}‏، أي كتاباً‏.‏ قال مقاتل‏:‏ الزبور مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا فريضة إنما ثناء على الله تعالى‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏زَبُوراً‏}‏ بضم الزاي، وقرأ الباقون بالنصب؛ وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مّن دُونِهِ‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ إن ناساً من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وهم يرون أنهم هم الملائكة، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مّن دُونِهِ‏}‏ يعني‏:‏ تعبدون من دون الله‏.‏ ‏{‏فَلاَ يَمْلِكُونَ‏}‏، لا يقدرون ‏{‏كَشَفَ الضر عَنْكُمْ‏}‏؛ يقول‏:‏ صرف السوء عنكم من الأمراض والبلاء إذا نزل بكم‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَحْوِيلاً‏}‏؛ يقول‏:‏ ولا تحويله إلى غيره ما هو أهون منه، ويقال‏:‏ ولا يحولونه إلى غيرهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏، يعني‏:‏ الملائكة ‏{‏الذين يَدْعُونَ‏}‏، أي يعبدونهم ويدعونهم آلهة‏.‏ قرأ ابن مسعود ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة‏.‏ ‏{‏يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة‏}‏، يقول‏:‏ يطلبون إلى ربهم القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة‏.‏ ‏{‏أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏، أكرم على الله تعالى، وأقرب في الفضيلة والكرامة‏.‏ ‏{‏وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ‏}‏، أي جنته‏.‏ ‏{‏ويخافون عَذَابَهُ‏}‏، أي ناره‏.‏ ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏، يعني‏:‏ لم يكن لأحد أمان من عذاب الله تعالى، ويقال‏:‏ ‏{‏مَحْذُورًا‏}‏ أي ينبغي أن يحذر منه‏.‏

وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ كان ناس من الإنس يعبدون قوماً من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ‏}‏، يعني‏:‏ الجن ‏{‏يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏‏.‏ وروى السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ‏}‏ عيسى وعزيراً والملائكة، وما عبد من دون الله وهو لله مطيع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 61‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏58‏)‏ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ‏(‏60‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ‏(‏61‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة‏}‏؛ قال ابن عباس‏:‏ يعني‏:‏ نميت أهلها‏.‏ ‏{‏أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏، يعني‏:‏ بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق‏.‏ ‏{‏كَانَ ذلك فِى الكتاب مَسْطُورًا‏}‏، أي في الذكر الذي عند الله، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏مُهْلِكُوهَا‏}‏ أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء؛ ما من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك‏.‏ روى حماد بن سلمة، عن أبي العلاء، عن مكحول أنه قال‏:‏ أول أرض تصير خراباً أرض أرمينية؛ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ أول أرض تصير خراباً أرض الشام؛ وروى ابن سيرين‏:‏ عن ابن عمر أنه قال‏:‏ البصرة أسرع الأرضين خراباً وأخبثهم تراباً؛ عن عليّ أنه قال‏:‏ أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة حمش الساقين، قاعداً عليها يهدمها حجراً حجراً‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالايات‏}‏، وذلك أن قريشاً طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، فنزل ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا‏}‏ أي ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عندما سألوها‏.‏ ‏{‏إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاولون‏}‏، يعني‏:‏ تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات، فلم يؤمنوا فأتاهم العذاب‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا أبو العباس بن السراج قال‏:‏ حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال‏:‏ حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الصفا لهم ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له‏:‏ إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نتخير منهم ذرية، وإن شئت أن نريهم الذي سألوا، فإن كفروا، أهلكوا كما هلك من كان قبلهم‏.‏ فقال‏:‏ «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ» فنزل ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالايات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاولون‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ‏}‏، أي معاينة يبصرونها، ويقال‏:‏ علامة لنبوته‏.‏ ‏{‏فَظَلَمُواْ بِهَا‏}‏، أي جحدوا بها فعقروها، فعذبوا؛ فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا نُرْسِلُ بالايات إِلاَّ تَخْوِيفًا‏}‏ لهم ليؤمنوا، فإِن أَبَوا أتاهم العذاب‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس‏}‏؛ قال الكلبي‏:‏ أحاط علمه بالناس، ويقال‏:‏ هم في قبضته، أي قادر عليهم؛ وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله تعالى؛ وقال السدي‏:‏ معناه إن ربك مطهرك على الناس‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏؛ قال‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي قال‏:‏ حدّثنا أبو عبد الله قال‏:‏ حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ قال‏:‏ هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به‏.‏

‏{‏والشجرة الملعونة فِى القرءان‏}‏؛ قال‏:‏ هي شجرة الزقوم‏.‏ قال الكلبي‏:‏ هي ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، فنشر له الأنبياء كلهم، فصلى بهم ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ حين كذبوه يعني أهل مكة‏.‏ قال عكرمة أمَا إنَّهَا رؤيا يقظة ليست برؤيا منام؛ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ أُرِي النبي صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له‏:‏ إنّما هي دنيا يعطونها‏.‏ فقرَّت عينه، فنزل‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ‏}‏ يعني‏:‏ بني أمية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏والشجرة الملعونة فِى القرءان‏}‏، يعني‏:‏ ذكر الشجرة الملعونة في القرآن فتنة لهم، يعني‏:‏ بلية لهم؛ وذلك أن المشركين قالوا‏:‏ يخبرنا هذا أنَّ في النار شجرة، وكيف يكون في النار شجرة‏؟‏ والنّار تأكل الشجرة‏.‏ فصار ذلك فتنة لهم، يعني‏:‏ بلية لهم؛ ويقال‏:‏ لما نزل‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الاثيم‏}‏ قالوا فيما بينهم‏:‏ وما شجرة الزقوم‏؟‏ قالوا‏:‏ التّمر والزبد‏.‏ فرجع أبو جهل إلى منزله، فقال لجاريته‏:‏ زقمينا‏.‏ وأمرها أن تأتي بالتمر والزبد، فخرج به إلى الناس وقال‏:‏ كلوا فإِن محمداً يخوفكم بهذا‏.‏ فصار ذكر الشجرة فتنة لهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنُخَوّفُهُمْ‏}‏ أي بذكر شجرة الزقوم‏.‏ ‏{‏فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏، يعني‏:‏ تمادياً في المعصية‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}‏ فتعظم عن السجود لآدم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 64‏]‏

‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ‏(‏63‏)‏ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ‏}‏‏.‏ في الآية مضمر، معناه فلعنه الله تعالى‏.‏ قال إبليس‏:‏ أرأيتك هذا الذي لعنتني لأجله وفضلته عليَّ‏؟‏ ‏{‏لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة‏}‏، يعني‏:‏ لئن أجلتني إلى يوم البعث‏.‏ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع ‏{‏أَخَّرْتَنِى‏}‏ بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسرة تقوم مقامه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ‏}‏، أي لأستزلنَّ ذريته‏.‏ يقول‏:‏ أطلب زلتهم؛ وقال القتبي‏:‏ لاستأصلنهم، يقال‏:‏ احتنك الجراد ما على الأرض، إذا أكله كله؛ ويقال‏:‏ هو من حنك الدابة يحنكها حنكاً، إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به، أي لأقودنهم حيث شئت‏.‏ ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏؛ يعني‏:‏ الأنبياء والمخلصين لله، ويقال‏:‏ إِلاَّ من عصمته مني‏.‏

‏{‏قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ‏}‏، أي من أطاعك ‏{‏مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ‏}‏، يعني‏:‏ نصيبكم من العذاب في النار‏.‏ ‏{‏جَزَاء مَّوفُورًا‏}‏، أي نصيباً وافراً لا يفتر عنهم‏.‏ قوله ‏{‏واستفزز‏}‏، يقول استزلّ ‏{‏مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ‏}‏؛ يقول‏:‏ بدعائك ووسوستك، ويقال‏:‏ بأصوات الغناء والمزامير‏.‏ ‏{‏وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ‏}‏، يعني‏:‏ استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين ‏{‏وَرَجِلِكَ‏}‏، يعني‏:‏ الشياطين الذين يوسوسون للناس، ويقال‏:‏ خيل المشركين ورجالتهم، وكل خيل تسعى في معصية الله تعالى، فهي من خيل إبليس؛ وكل راجل يمشي في معصية الله، فهو من رجالته‏.‏ قرأ عاصم في رواية حفص ‏{‏وَرَجِلِكَ‏}‏ بفتح الراء وكسر الجيم، يعني‏:‏ راجلك‏.‏ فدل الواحد على الجنس؛ وقرأ الباقون بجزم الجيم وهو جمع الراجل‏.‏

‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِى الاموال‏}‏، أي ما أكل من الأموال بغير طاعة الله تعالى وما جمع من الحرام؛ ويقال‏:‏ ‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِى الاموال‏}‏ وهو ما جعلوا من الحرث والأنعام نصيباً لآلهتهم؛ ويقال‏:‏ كل طعام لم يذكر اسم الله عليه فللشيطان فيه شركة‏.‏ قال الفقيه رضي الله عنه حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال‏:‏ حدّثنا أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدّثنا سفيان بن يحيى قال‏:‏ حدّثنا أبو مطيع، عن الربيع بن زيد، عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال‏:‏ قال إبليس لربه‏:‏ يا رب جعلت لبني آدم بيوتاً فما بيتي‏؟‏ قال الحمام‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم مجالس فما مجلسي‏؟‏ قال‏:‏ السوق‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم قرآناً فما قرآني‏؟‏ قال الشعر‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم حديثاً فما حديثي‏؟‏ قال‏:‏ الكذب‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم أذاناً فما أذاني‏؟‏ قال‏:‏ المزمار‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم رسلاً فما رسلي‏؟‏ قال‏:‏ الكهنة‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم كتاباً فما كتابي‏؟‏ قال الوشم‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم طعاماً فما طعامي‏؟‏ قال‏:‏ كل ما لم يذكر عليه اسم الله‏.‏ قال‏:‏ وجعلت لهم شراباً فما شرابي‏؟‏ قال‏:‏ كل مسكر‏.‏

قال وجعلت لهم مصايد فما مصايدي‏؟‏ قال‏:‏ النساء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِى الاموال‏}‏، يعني‏:‏ كل نفقة في معصية الله تعالى‏.‏ ‏{‏والاولاد‏}‏، أي أولاد الزنى، فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير؛ ويقال‏:‏ هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث؛ ويقال كل معصية بسبب الولد؛ ويقال‏:‏ إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله تعالى، جامع معه الشيطان؛ ويقال‏:‏ المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان، فيكون له شركة في الولد‏.‏ قال الفقيه أبو الليث‏:‏ هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة، إنما يراد به المثل‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَعَدَّهُمْ‏}‏، أي مَنِّهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث‏.‏ ‏{‏وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً‏}‏، أي باطلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 69‏]‏

‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ‏(‏65‏)‏ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏66‏)‏ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ‏(‏67‏)‏ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ‏(‏68‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان‏}‏، أي حجة ويقال‏:‏ نفاذ الأمر‏.‏ ‏{‏وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً‏}‏، أي كفيلاً على ما قال؛ ويقال‏:‏ حفيظاً لهم؛ وقال أبو العالية‏:‏ إنَّ عبادي الَّذين لا يطيعونك‏.‏ ثم ذكر الدلائل والنعم ليطيعوه ولا يطيعوا الشيطان‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى لَكُمُ الفلك‏}‏، أي يسيِّر لكم الفلك‏.‏ ‏{‏فِى البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ‏}‏، أي من رزقه‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏، أي رحيم بكم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر‏}‏، أي إذا أصابكم الخوف وأهوال البحر‏.‏ ‏{‏ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ‏}‏، أي بطل من تدعون من الآلهة وتخلصون بالدعاء لله تعالى‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر‏}‏، يعني‏:‏ من أهوال البحر‏.‏ ‏{‏أَعْرَضْتُمْ‏}‏، أي تركتم الدعاء والتضرع ورجعتم إلى عبادة الأوثان‏.‏ ‏{‏وَكَانَ الإنسان كَفُورًا‏}‏، أي الكافر كفوراً بأنعم الله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنتُمْ‏}‏ إن عصيتموه ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمُ‏}‏ أي يغور بكم، ‏{‏جَانِبَ البر‏}‏، يعني‏:‏ إلى الأرض السفلى؛ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ ناحية من البر‏.‏ ‏{‏أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا‏}‏، أي حجارة من فوقكم كما أرسل على قوم لوط‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً‏}‏، أي مانعاً يمنعكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ‏}‏، أي البحر ‏{‏تَارَةً أخرى‏}‏، يعني‏:‏ مرة أخرى‏.‏ ‏{‏فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مّنَ الريح‏}‏، أي ريحاً شديداً؛ ‏{‏فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ‏}‏ بالله وبنعمه، ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا‏}‏، أي من يتبعنا ويطالبنا بدمائكم، كقوله ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَئ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بإحسان ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏، أي مطالبة حسنة؛ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ ثائراً ولا ناصراً، لينتقم لكم مني‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏ءانٍ *** نَخْسِفْ *** بِكُمْ‏}‏ ‏{‏أَوْ * نُرْسِلُ‏}‏ ‏{‏ءانٍ * نُعِيدُكُمْ‏}‏ هذه الخمسة كلها بالنون، وقرأ الباقون كلها بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‏(‏70‏)‏ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏71‏)‏ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏72‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى ‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ‏}‏ بعقولهم؛ وقال الضحاك‏:‏ بالعقل والتمييز؛ ويقال‏:‏ إن الله تعالى خلق نبات الأرض والأشجار وجعل فيها الروح، لأنه ينمو ويزداد بنفسه ما دام فيه الروح؛ فإذا يبس، خرج منه الروح وانقطع نماؤه وزيادته؛ وخلق الدواب وجعل لهن زيادة روح تطلب بها رزقها، وتسمع بها الصوت‏.‏ وخلق بني آدم وجعل لهم زيادة روح، يعقلون بها ويميزون ويعلمون‏.‏ وخلق الأنبياء وجعل لهم زيادة روح، يبصرون بها الملائكة ويأخذون بها الوحي ويعرفون أمر الآخرة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وحملناهم فِى البر والبحر‏}‏ يعني‏:‏ في البر على الرطوبة يعني‏:‏ الدواب وفي البحر على اليبوسة وهي السفن ‏{‏وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات‏}‏، يعني‏:‏ الحلالات ويقال‏:‏ من نبات الحبوب والفواكه والعسل، وجعل رزق البهائم التبن والشوك‏.‏ ‏{‏وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً‏}‏، يعني‏:‏ على الجن والشياطين والبهائم‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة، وهم جبريل وميكاييل وإسرافيل وأشباههم منهم، وروي عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم‏}‏، أي أذكر يوم ندعو كل أناس بكتابهم، ويقال بداعيهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى يدعى إمامهم قبلهم؛ وقال أبو العالية‏:‏ بإمامهم أي بأعمالهم، وقال مجاهد‏:‏ بنبيهم؛ وقال الحسن‏:‏ بكتابهم الذي فيه أعمالهم‏.‏ ‏{‏فَمَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم‏}‏، يعني‏:‏ يقرؤون حسناتهم ويعطون ثواب حسناتهم‏.‏ ‏{‏وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً‏}‏، يعني‏:‏ لا يمنعون من ثواب أعمالهم مقدار الفتيل، وهو ما فتلته من الوسخ بين أصبعيك‏.‏

ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن كَانَ فِى هذه أعمى‏}‏، أي من كان في هذه النعم أعمى، يعني‏:‏ لم يعلم أنها من الله، ‏{‏فَهُوَ فِى الاخرة أعمى‏}‏ عن حجته، ‏{‏وَأَضَلُّ سَبِيلاً‏}‏؛ يعني‏:‏ عن حجته‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ فِى *** هذه الدنيا *** أعمى‏}‏ عن الحجة فهو في الآخرة أعمى عن الحجة ‏{‏وَأَضَلُّ سَبِيلاً‏}‏، أي أخطأ طريقاً؛ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ فِى *** هذه الدنيا *** أعمى‏}‏ عمَّا عاين من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو في الآخرة التي هي غائبة عنه ولم يرها أعمى؛ وقال مقاتل‏:‏ فيه تقديم ومعناه ‏{‏وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً‏}‏‏.‏ ومن كان عن هذه النعم أعمى، فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة أعمى؛ وقال الزجاج‏:‏ معناه إذا عمي في الدنيا وقد تبين له الهدى وجعل إليه التوبة فعمي عن رشده، فهو في الآخرة لا يجد متاباً ولا مخلصاً مما هو فيه، فهو أشد عمًى وأضلّ سبيلاً أي أضل طريقاً، لأنه لا يجد طريقاً إلى الهداية فقد حصل على عمله‏.‏ وذكر عن الفرّاء أنه قال‏:‏ تأويله من كان في هذه النعم التي ذكرتها أعمى، لا يعرف حقها ولا يشكر عليها وهي محسوسة، فهو في الآخرة أعمى؛ يعني‏:‏ أشد شكاً في الذي هو غائب عنه في الآخرة من الثواب والعقاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ‏(‏73‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏، أي‏:‏ وقد كادوا ليصرفونك عن الذي أوحينا إليك إن قدروا على ذلك؛ وذلك أن ثقيفاً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ نحن إخوانك وأصهارك وجيرانك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَاذَا تُرِيدُونَ‏؟‏» قالوا‏:‏ نريد أن نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وَمَا هُنَّ‏؟‏» قالوا‏:‏ لا ننحني في الصلاة، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتَّعنا بالطاغية سنة يعني‏:‏ بطاعة الأصنام سنة‏.‏ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أمّا قَوْلُكُمْ لا نَنْحَنِي فِي الصَّلاةِ، فَإنَّهُ لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ وَلا سُجُودٌ»‏.‏ قالوا‏:‏ فإنا نفعل ذلك وإن كان فيه دناءة‏.‏ «وَأمَّا قَوْلُكُمْ‏:‏ إنا لا نَكْسِرُ أصْنَامَنَا بِأيْدِينَا، فَإنَّا سَنَأْمُرُ مَنْ يَكْسِرُهَا»‏.‏ قالوا‏:‏ فتمتَّعنا باللات سنة فقال‏:‏ «إنِّي غَيْرُ مُمَتِّعكُمْ بِهَا»‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله فإنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكره أن يقول لا، مخافة أن يأبوا الإسلام، فنزل ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ‏}‏‏.‏

وقال السدي‏:‏ إن قريشاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك ترفض آلهتنا كل الرفض، فلو أنك تأتيها فتلمسها أو تبعث بعض ولدك فيمسها، كان أرق لقلوبنا وأحرى أن نتبعك؛ فأراد أن يبعث ابنه الطاهر فيمسح، فنهاه الله تعالى عن ذلك ونزل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ‏}‏ وروى أبو العالية، عن أصحابه منهم القرظي قال‏:‏ لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فبلغ ‏{‏ومناة الثالثة الاخرى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 20‏]‏، جرى على لسانه تلك الغرانيق العلى وأنَّ شفاعتهن لترتجى؛ فلما بلغ السجدة، سجد وسجد معه المشركون، ثم جاء جبريل فقال‏:‏ ما جئتك بهذا فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً‏}‏، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم مغموماً حتى نزل‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ‏}‏ الآية‏.‏

وروى سعيد بن جبير، عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، وكان في قولهم أن قالوا‏:‏ يا محمد إنك تأتي بشيء لم يأت به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، فما زالوا يكلمونه حتى كاد أن يقاربهم‏.‏ ثم إن الله تعالى منعه وعصمه عن ذلك، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 74‏]‏ الآية؛ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ في القرآن‏.‏ ‏{‏لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ‏}‏، يعني‏:‏ لتقول أو تفعل غير الذي أمرتك في القرآن‏.‏ ‏{‏وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً‏}‏، أي صفياً وصديقاً؛ ويقال‏:‏ إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اطرد عن مجلسك سقاط الناس ومواليهم حتى نجلس معك، فهمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ من تقريب المسلمين‏.‏ ‏{‏وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً‏}‏ لو فعلت ما طلبوا منك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 76‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ‏(‏74‏)‏ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏76‏)‏‏}‏

ثم قال ‏{‏وَلَوْلاَ أَن ثبتناك‏}‏، يقول‏:‏ عصمناك، ويقال‏:‏ حفظناك‏.‏ ‏{‏لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ‏}‏، يعني‏:‏ لقد هممت أن تميل إليهم‏.‏ ‏{‏شَيْئًا قَلِيلاً‏}‏، وتعطي أمنيتهم شيئاً قليلاً‏.‏ ‏{‏إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة‏}‏، أي عذاب الدنيا، ‏{‏وَضِعْفَ الممات‏}‏؛ يعني‏:‏ عذاب الآخرة، وهذا قول ابن عباس‏.‏ وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال‏:‏ ضعف الحياة عذابها أي عذاب الدنيا، وضعف الممات أي عذاب الآخرة، وهذا مثل الأول؛ ويقال‏:‏ ضعف الممات أي عذاب القبر؛ ويقال‏:‏ هذا وعيد للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني‏:‏ إنك لو فعلت ذلك، يضاعف لك العذاب على عذاب غيرك؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يانسآء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 30‏]‏، لأن درجة النبي صلى الله عليه وسلم ودرجة من وصفهم فوق درجة غيرهم، فجعل لهم العذاب أشد‏.‏ وروي عن مالك بن دينار أنه قال سألت أبا الشعثاء عن قوله‏:‏ ‏{‏ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات‏}‏، فقال‏:‏ ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا‏}‏؛ يقول‏:‏ مانعاً يمنعك من ذلك، ويقال‏:‏ مانعاً يمنع من العذاب‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ‏}‏ وقد كادوا ‏{‏لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الارض لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا‏}‏، أي ليستزلونك ليخرجوك من أرض مكة‏.‏ ‏{‏وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك‏}‏، أي بعدك ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏، فيهلكهم الله تعالى‏.‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر أنه قال‏:‏ قد فعلوا ذلك فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً؛ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الارض‏}‏، يعني‏:‏ من أرض المدينة‏.‏ نزلت الآية في حيي بن أخطب وغيره من اليهود حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حسدوه وقالوا‏:‏ إنك لتعلم أن هذه ليست من أرض الأنبياء إنما أرض الأنبياء الشام، فإن كنت نبياً فاخرج منها، فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الارض لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا‏}‏، أي من أرض المدينة إلى الشام ‏{‏وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ وأمر بالرجوع إلى المدينة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 78‏]‏

‏{‏سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ‏(‏77‏)‏ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏(‏78‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا‏}‏، أي هكذا سنتي فيمن قد مضى أن أهلك من عصوا الرسول ولم يتبعوه، ولا أهلكهم ونبيهم بين أظهرهم؛ فإذا خرج نبيهم من عندهم، عذبوا‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً‏}‏، يعني‏:‏ تغييراً أو تبديلاً‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك‏}‏، وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏خَلْفَكَ‏}‏ ومعناهما قريب، يعني بعدك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة‏}‏، يعني أتمم الصلاة ودم عليها ‏{‏لِدُلُوكِ الشمس‏}‏ يعني‏:‏ بعد زوالها الظهر والعصر ‏{‏أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ‏}‏ يعني‏:‏ إلى دخول الليل وهي المغرب والعشاء‏.‏ وروى سالم، عن ابن عمر أنه قال‏:‏ دلوكها زيفها بعد نصف النهار أي تزوالها؛ وقال قتادة‏:‏ زيفها عن كبد السماء؛ وروى ابن طاوس، عن أبيه أنه قال‏:‏ دلوكها غروبها؛ وروى معمر، عن الشعبي، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ‏{‏لِدُلُوكِ الشمس‏}‏ حين نزول الشمس؛ وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ دلوكها غروبها؛ وقال ابن مسعود‏:‏ غروبها؛ وقال القتبي‏:‏ إلى غسق الليل‏.‏ الغسق ظلامه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة‏}‏، أي صلاة الغداة؛ وإنَّما سميت صلاة الغداة قرآناً، لأن القراءة فيها أكثر وأطول‏.‏ ويقال‏:‏ لأنه يقرأ كلتا الركعتين، وفي كلتا الركعيتن القراءة فريضة‏.‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى‏}‏، أي صلاة الغداة مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار؛ ويقال‏:‏ كان بمعنى صار، يعني صار مشهوداً، لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة، فينزل ملائكة النهار والقوم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل؛ فإذا فرغ الإمام من صلاته، عرجت ملائكة الليل فيقولون‏:‏ ربنا إنا تركنا عبادك وهم يصلون لك‏.‏ ويقول الآخرون‏:‏ ربنا أدركنا عبادك وهم يصلون لك‏.‏ ‏{‏وَقُرْءانَ‏}‏ صار نصباً، لأن معناه أقم قرآن الفجر؛ ويقال‏:‏ صار نصباً على وجه الإغراء أي عليك بقرآن الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 81‏]‏

‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏(‏79‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏(‏80‏)‏ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ‏(‏81‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ‏}‏، يعني‏:‏ قم بالليل بعد النوم والتهجد القيام بعد النوم؛ ‏{‏نَافِلَةً لَّكَ‏}‏؛ روى شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أنه قال‏:‏ كانت النافلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة؛ وقال مجاهد‏:‏ لم تكن النافلة إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ ويقال‏:‏ ‏{‏نَافِلَةً لَّكَ‏}‏، أي فضلاً لك؛ ويقال‏:‏ خاصة لك ‏{‏عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا‏}‏؛ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ إن الشفاعة لأصحاب الأعراف يحمده الخلق كلهم؛ ويقال‏:‏ إخراج قوم من النار‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا محمد بن معاوية الأنماطي قال‏:‏ حدّثنا الحسن بن الحسين، عن عطية العوفي قال‏:‏ حدّثنا أبو حنيفة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله‏:‏ ‏{‏عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا‏}‏ قال‏:‏ «يُخْرِجُ الله أقْوَاماً مِنَ النَّارِ مِنْ أهْلِ الإيمانِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فذلك المَقَامُ المَحْمُودُ، فَيُؤْتَى بِهِمْ نَهَراً يُقَالُ لَهُ الحَيَوَانُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهِ؛ فَيُنْبَتُونَ كَمَا ينبتُ التَّقَاريرُ‏.‏ ثم يُخْرَجُونَ فَيُدْخَلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الجَهَنَّمِيُّونَ‏.‏ قال‏:‏ ثم يطلبونَ إلى الله تعالى أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمْ هذا الاسْمَ، فَيُذْهِبَهُ عَنْهُمْ»‏.‏ وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال‏:‏ يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم المنادي، فيقول‏:‏ يا محمد، فيقول‏:‏ «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ»‏.‏ وهو المقام المحمود، ويغبطه به الأولون والآخرون‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏، أي قال هذا حين أمره الله تعالى بالرجوع إلى المدينة بعدما خرج منها، فأمره الله بأن يقول حين دخل المدينة‏:‏ ‏{‏رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏، أي أدخلني في المدينة إدخال صدق‏.‏ ‏{‏وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏، يعني‏:‏ من المدينة إلى مكة إخراج صدق؛ ويقال‏:‏ ‏{‏أَدْخِلْنِى‏}‏ في الدين ‏{‏مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏، أي ثبتني على الدين ‏{‏وَأَخْرِجْنِى‏}‏، أي احفظني من الكفر؛ ويقال‏:‏ أخرجني من الدنيا إخراج صدق وأدخلني في الجنة؛ ويقال‏:‏ أدخلني بعز وشرف وإظهار الإسلام؛ ويقال‏:‏ أدخلني في القبر مدخل صدق وأخرجني من القبر مخرج صدق؛ وقال مجاهد‏:‏ أدخلني في النبوة والرسالة مدخل صدق؛ وقال الحسن‏:‏ مخرج صدق من مكة إلى المدينة ومدخل صدق الجنة وقال السدي‏:‏ أدخلني المدينة وأخرجني من مكة؛ وعن أبي صالح‏:‏ أدخلني في الإسلام وارفعني بالإسلام‏.‏

‏{‏واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ‏}‏، يعني‏:‏ من عندك ‏{‏سلطانا نَّصِيرًا‏}‏، أي ملكاً مانعاً لا زوال فيه ولا يرد قولي ويقال‏:‏ حجة ثابتة ظاهرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ جَاء الحق‏}‏، ظهر الإسلام والقرآن، ‏{‏وَزَهَقَ الباطل‏}‏؛ يقول هلك الشرك وأهله‏.‏ ‏{‏إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا‏}‏، يعني‏:‏ الشرك كان هالكاً لم يكن له قرار ولا دوام‏.‏ روي عن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول‏:‏ ‏{‏وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 81‏]‏ ‏{‏جَاء الحق وَمَا يُبْدِئ الباطل وَمَا يُعِيدُ‏}‏ وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك والصنم ينكب لوجهه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 85‏]‏

‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ‏(‏83‏)‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ‏(‏84‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏85‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء‏}‏، أي بيان من العمى؛ ويقال‏:‏ شفاء للبدن، إذا قرئ على المريض يبرأ أو يهون عليه‏.‏ ‏{‏وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ‏}‏، أي ونعمة من العذاب لمن آمن بالقرآن‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا‏}‏، أي المشركين ما نزل من القرآن ما يزيدهم إلاَّ خساراً، أي تخسيراً وغبناً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان‏}‏، أي إذا وسعنا على الكافر الرزق ورفعنا عنه العذاب في الدنيا، ‏{‏أَعْرَضَ‏}‏ عن الدعاء؛ ويقال‏:‏ النعمة هي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، أعرض عنه الكافر‏.‏ ‏{‏وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏، يعني‏:‏ تباعد عن الإيمان فلم يقربه‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏***وَنَاءَ‏}‏ بمد الألف على وزن باع؛ وقرأ أبو عمرو بنصب النون وكسر الألف؛ وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون والألف؛ وقرأ الباقون بنصب النون والألف‏.‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ‏}‏، يعني‏:‏ إذَا أصابه الفقر في معيشته والسقم في الجسم، كان آيساً من رحمة الله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏يَئُوساً قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ‏}‏؛ قال القتبي‏:‏ على خليقته وطبيعته وهو من الشكل؛ وقال الحسن‏:‏ ‏{‏على شَاكِلَتِهِ‏}‏ على بنيته وكذلك قال معاوية بن قرة؛ وقال الكلبي‏:‏ على ناحيته ومنهاجه وحديثه وأمره الذي هو عليه‏.‏ ‏{‏فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً‏}‏، أي بمن هو أصوب ديناً، ويقال‏:‏ هو عالم بمن هو على الحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏، أي لا علم لي فيه؛ وقال مجاهد‏:‏ الروح خلق من خلق الله تعالى، له أيْدٍ وأرجل؛ وقال مقاتل‏:‏ الروح ملك عظيم على صورة الإنسان، أعظم من كل مخلوق‏.‏ وروى معمر، عن قتادة والحسن أنهما قالا‏:‏ الروح هو جبريل؛ وقال قتادة‏:‏ كان ابن عباس يكتمه، أي يجعله من المكتوم الذي لا يفسر‏.‏

وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم‏:‏ سلوه عن الروح، وقال بعضهم‏:‏ لا تسألوه‏.‏ فقالوا‏:‏ يا محمد ما الروح‏؟‏ فقام متوكئاً على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه، فنزل‏:‏ ‏{‏وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏، فقال بعضهم لبعض‏:‏ قد قلنا لكم لا تسألوه‏.‏

ويقال‏:‏ الروح، القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا‏}‏ وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الروح ملك له مائة ألف جناح، وكل جناح لو فتحه يأخذ ما بين المشرق والمغرب؛ ويقال‏:‏ إن جميع الملائكة تكون صفاً واحداً والروح وحده يكون صفاً واحداً، كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 38‏]‏ واحداً ويقال‏:‏ معناه يسألونك عن الروح الذي هو في الجسد، كيف هو‏؟‏ قل‏:‏ الروح من أمر ربي؛ ويقال‏:‏ الروح جبريل؛ كقوله‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الروح الامين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 193‏]‏ أي يسألونك عن إتيان جبريل كيف نزوله عليك‏؟‏ ‏{‏قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى‏}‏‏.‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏، أي ما أعطيتموه من العلم مما عند الله إلاَّ يسيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 88‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ‏(‏86‏)‏ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ‏(‏87‏)‏ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏، يعني‏:‏ حفظ الذي أوحينا إليك من القرآن من قلبك؛ ويقال‏:‏ لئن شئنا لمحونا من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً‏}‏، أي لا تجد من تتوكل عليه في ردّ شيء منه؛ ويقال‏:‏ ثم لا تجد لك مانعاً يمنعني من ذلك‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ‏}‏، يعني‏:‏ لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين‏.‏ وروى أبو حازم، عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ سيؤتى على كتاب الله تعالى، فيرفع إلى السماء فلا تصبح على الأرض آية من القرآن، وينزع من قلوب الرجال فيصبحون ولا يدرون ما هو؛ وروي عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ يصبح الناس كالبهائم‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ الآية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا‏}‏، أي بالنبوة والإسلام‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏}‏، أي بمثل هذا القرآن على نظمه وإيجازه ونسقه مع كثير مما ضمن فيه من الأحكام والحدود وفنونها؛ ويقال‏:‏ مثل هذا القرآن من تعريه عن التناقض مع كثرة الأقاصيص والأخبار؛ ويقال‏:‏ ‏{‏على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏}‏، لأن فيه علم ما كان وعلم ما يكون، ولا يعرف ذلك إلاَّ بالوحي؛ ويقال‏:‏ بمثل هذا القرآن، لأنه كلام منثور لا على وجه الشعر، لأن تحت كل كلمة معاني كثيرة‏.‏ ‏{‏وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏، أي معيناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 93‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏89‏)‏ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ‏(‏90‏)‏ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏91‏)‏ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ‏(‏92‏)‏ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏93‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ‏}‏، يعني‏:‏ بينّا للناس‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان‏}‏، أي من كل لون، ومن الحلال والحرام، والأحكام والحدود، والوعد والوعيد‏.‏ ‏{‏فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا‏}‏، أي ثباتاً على الكفر؛ ويقال‏:‏ أبوا عن الشكر إلاَّ كفوراً، أي كفراناً مكانه؛ ويقال‏:‏ لم يقبلوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ‏}‏؛ أي لن نقربك ولن نصدقك، وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لَن نُّؤْمِنَ لَكَ‏}‏‏.‏ ‏{‏حتى تَفْجُرَ لَنَا‏}‏، يعني‏:‏ تشقق الماء ‏{‏مِنَ الارض يَنْبُوعًا‏}‏، أي عيوناً‏.‏ قرأ أهل الكوفة، عاصم وحمزة والكسائي ‏{‏تَفْجُرَ‏}‏ بنصب التاء وجزم الفاء وضم الجيم مع التخفيف، وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏تَفْجُرَ‏}‏ بضم التاء ونصب الفاء مع التشديد؛ وقال أبو عبيدة‏:‏ هذا أحب إليّ، لأنهم اتفقوا في الذي بعده ولا فرق بينهما في اللغة‏.‏ فمن قرأ بالتشديد فللتكثير والمبالغة، كما يقال‏:‏ قَبّل تَقْبيلاً للمبالغة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ‏}‏، أي بستاناً ‏{‏مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ‏}‏، أي الكروم‏.‏ ‏{‏فَتُفَجّرَ الانهار‏}‏، أي تشقق الأنهار ‏{‏خِلاَلَهَا‏}‏، يعني‏:‏ وسطها‏.‏ ‏{‏تَفْجِيرًا‏}‏، أي تشقيقاً‏.‏ ‏{‏أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا‏}‏، أي قطعاً‏.‏ قرأ ابن عامر وعاصم ونافع ‏{‏كِسَفًا‏}‏ بنصب السين، وقرأ الباقون بالجزم؛ ومعناهما واحد، أي تسقط علينا طبقاً‏.‏ واشتقاقه من كسفت الشيء، إذا غطيته‏.‏ ومن قرأ بالنصب، جعلها جمع كسفة وهي القطعة ‏{‏أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً‏}‏، أي ضميناً كفيلاً، والقبيل الكفيل؛ ويقال‏:‏ من المقابلة أي معاينة شهيداً، يشهدون لك بأنك نبي الله تعالى‏.‏ ‏{‏أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ‏}‏، أي من ذهب‏.‏ ‏{‏أَوْ ترقى فِى السماء‏}‏، أي تصعد إلى السماء‏.‏

‏{‏وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ‏}‏، أي لصعودك‏.‏ ‏{‏حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ‏}‏، روى أسباط، عن السدي أنه قال‏:‏ لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، جاءه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية المخزومي أخو أم سلمة، فأبى أن يبايعهما، فقالت أم سلمة‏:‏ ما بال أخي يكون أشقى الناس بك يا رسول الله وابن عمك‏؟‏ فقال‏:‏ «أمَّا ابْنُ عَمِّي، فَإنَّهَ كَانَ يَهْجُونا؛ وأمَّا أَخُوكِ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِي حَتَّى أَرْقَى فِي السَّمَاءِ؛ وَلَوْ رَقِيتُ إلَى السَّمَاءِ، لَنْ يُؤْمِنَ حَتَّى آتِيَهُ بِكِتَابٍ يَقْرَؤُهُ»‏.‏ ثم دعاهما، فقبل منهما وبايعهما‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً‏}‏، فإني لا أقدر على ما تسألوني‏.‏ قرأ ابن كثير وابن عامر ‏{‏قَالَ سبحانك *** رَبّى‏}‏ بالألف على وجه الحكاية وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏قُلْ سبحان‏}‏ بغير ألف على وجه الأمر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 98‏]‏

‏{‏وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏94‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ‏(‏95‏)‏ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏96‏)‏ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ‏(‏97‏)‏ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

ثم قال ‏{‏وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ‏}‏، يعني‏:‏ أهل مكة ‏{‏إِذْ جَاءهُمُ الهدى‏}‏، يعني‏:‏ القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً‏}‏، يعني‏:‏ الرسول من الآدميين، ومعناه أنه ليست لهم حجة سوى ذلك القول‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ‏}‏، أي لو كان سكانٌ ملائكة يمشون ‏{‏مُطْمَئِنّينَ‏}‏، أي مقيمين في الأرض؛ ‏{‏لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً‏}‏، أي لبعثنا عليهم رسولاً من الملائكة‏.‏ وإنما يبعث الملك إلى الملائكة والبشر إلى البشر، فلما قال لهم ذلك، قالوا له‏:‏ من يشهد لك بأنك رسول الله تعالى‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏ بأني رسول الله ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَهْدِ الله‏}‏، أي من يكرمه الله تعالى بالإسلام ويوفقه، ‏{‏فَهُوَ المهتد‏}‏؛ يعني‏:‏ فهو على الهدى وعلى الصواب‏.‏ قرأ نافع وأبو عمرو ‏{‏المهتدى‏}‏ بالياء عند الوصل؛ وقرأ الباقون بغير ياء‏.‏ ‏{‏وَمَن يُضْلِلِ‏}‏، أي ومن يخذله الله عن دينه، ‏{‏فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ‏}‏، أي يهدونهم من الضلالة‏.‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ‏}‏، أي نبعثهم يوم القيامة ونسوقهم منكبين على وجوههم، يسحبون عليها ‏{‏عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا‏}‏، عن الهدى؛ ويقال‏:‏ في ذلك الوقت يكونون عمياً وبكماً وصماً كما وصفهم‏.‏

‏{‏مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏، أي‏:‏ مصيرهم إلى جهنم ‏{‏كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ كلما سكن لهبها ولم تجد شيئاً تأكله، ‏{‏زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا‏}‏، أي وقوداً، أعيدوا خلقاً جديداً‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن النار إذا أكلتهم، فلم يبقَ منهم شيء غير عظام وصاروا فحماً، سكنت النار فهو الخبو‏.‏ ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتشتعل وتسعر عليهم، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا‏}‏؛ وقال أهل اللغة‏:‏ يقال خبت النار، إذا سكن لهبها، وإذا بقي من جمرها شيء، يقال خمدت، فإذا طفئت ولم يبقَ شيء، قالوا همدت‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُم‏}‏، أي ذلك العذاب عقوبتهم وجزاء أعمالهم‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ‏}‏، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ‏{‏وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا‏}‏، أي تراباً‏.‏ ‏{‏أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً‏}‏ بعد الموت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 102‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ‏(‏100‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ‏(‏101‏)‏ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْاْ‏}‏، يعني‏:‏ أو لم يخبروا في القرآن‏؟‏ ‏{‏أَنَّ الله الذى خَلَقَ *** السموات والارض **قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ يحييهم بعد الموت‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ‏}‏، أي لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائن‏.‏ ‏{‏فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُورًا‏}‏، أي أبى المشركون عن الإيمان، ولم يقبلوا إلاّ الكفر‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى‏}‏، يقول‏:‏ لو تقدرون على مفاتيح رزق ربي، ‏{‏إِذًا لأمْسَكْتُمْ‏}‏؛ أي لبخلتهم وامتنعتم عن الصدقة ‏{‏خَشْيَةَ الإنفاق‏}‏، أي مخافة الفقر‏.‏ ‏{‏وَكَانَ الإنسان قَتُورًا‏}‏، أي ممسكاً بخيلاً‏.‏ قال الزجاج هذا جواب لقولهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 90‏]‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا ابتداء وصف بخلهم‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ‏}‏، أي علامات واضحات، مضيئات بالحجة عليهم وهاديات، إذ جاءهم موسى بالبينات‏.‏ وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ‏}‏، وهي في سورة الأعراف ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 130‏]‏ قال‏:‏ السنين لأهل البوادي، ونقص الثمرات لأهل القرى، فهاتان آيتان‏.‏ والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهذه خمسة؛ ويد موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سوء، وعصاه إذ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا أبو موسى محمد بن إسحاق وخزيمة قالا‏:‏ حدّثنا علي بن حزم بن حشرم قال‏:‏ حدّثنا عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال قال‏:‏ قال يهودي لصاحبه‏:‏ اذهب بنا إلى هذا النبي، فنسأله عن هذه الآيات‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات‏}‏‏.‏ فقال‏:‏ لا تقل نبي، فإنه لو سمعها صارت له أربعة أعين‏.‏ فأتوه فسألوه، فقال‏:‏ «ألاّ تُشْرِكُوا بالله شَيْئاً، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاَّ بِالحَقِّ، وَلا تَسْرِقُوا، ولاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلا تَسْحَرُوا، وَلا تَقْذِفُوا مُحْصَناً أو قال‏:‏ ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَّحْفِ، وَلا تَمْشُوا بَبرِيءٍ إلى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يا مَعْشَرَ اليَهُودِ ألا تَعْتَدوا فِي السَّبْتِ»‏.‏ فقبَّلا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك نبي الله ورسوله‏.‏ فقال‏:‏ «وَمَا يَمْنَعُكُمَا أنْ تُسْلِمَا‏؟‏» فقالا‏:‏ إن داود دعا ربه ألاَّ يزال في ذريته نبي، فنخاف أن يقتلنا اليهود‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاسأل بَنِى إسراءيل‏}‏، يعني‏:‏ سل مؤمني أهل الكتاب عن هذه الآيات‏.‏ ‏{‏إِذْ جَاءهُمُ‏}‏، يعني‏:‏ حين جاءهم موسى، ‏{‏فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنّى لاظُنُّكَ ياموسى *** موسى *** مَّسْحُورًا‏}‏؛ أي مغلوب العقل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ أي موسى‏:‏ يا فرعون، ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء‏}‏؛ الآيات‏.‏ قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏عَلِمَتِ‏}‏ بضم التاء، يعني‏:‏ علمت أنا من أنزل هؤلاء الآيات ‏{‏إِلاَّ رَبُّ *** السموات والارض‏}‏، يعني‏:‏ إن لم تصدقوني، فأنا على يقين من ذلك؛ وقرأ الباقون بالنصب، يعني‏:‏ إنك تعلم ذلك، كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏‏.‏ ‏{‏بَصَائِرَ‏}‏، أي علامات لنبوتي، ويقال‏:‏ علامات بينات‏.‏ ‏{‏وَإِنّى لاظُنُّكَ‏}‏، أي لأعلمنك ‏{‏لاظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا‏}‏، أي ملعوناً هالكاً‏.‏ قال الحسن‏:‏ ‏{‏مَثْبُورًا‏}‏ أي مهلكاً، وكذا قال قتادة‏.‏ وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ ‏{‏مَثْبُورًا‏}‏ أي ملعوناً، وكذا روى الكلبي والضحاك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 106‏]‏

‏{‏فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ‏(‏103‏)‏ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ‏(‏104‏)‏ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏105‏)‏ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مّنَ الارض‏}‏ ‏{‏أي يَسْتَنْزلهُمْ ويخرجهم، ويقال‏:‏ أي يستخفهم من الأرض، يعني‏:‏ من الأردن وفلسطين ومصر‏.‏ ‏{‏فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إسراءيل‏}‏، الذين مع موسى‏:‏ ‏{‏اسكنوا الارض‏}‏، أي انزلوا أرض الأردن وفلسطين ومصر‏.‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ الاخرة‏}‏، أي البعث بعد الموت، ‏{‏جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا‏}‏؛ أي جميعاً‏.‏ واللفيف الجماعة من كل قبيلة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وبالحق أَنْزَلْنَاهُ‏}‏، أي أنزلنا عليك جبريل بالقرآن‏.‏ ‏{‏وبالحق نَزَلَ‏}‏، أي بالقرآن نزل جبريل؛ ويقال‏:‏ أنزلناه بالحق والحكمة والحجة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا‏}‏ بالجنة للمؤمنين ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ بالنار للكافرين‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ‏}‏، حين أنزلنا به جبريل متفرقاً، آية بعد آية، وسورة بعد سورة‏.‏ ‏{‏لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ‏}‏، أي على ترسل، وسهل ليفهموه ويحفظوه‏.‏ وكان ابن عباس يقرأ‏:‏ ‏{‏فَرَقْنَاهُ‏}‏ بالتشديد، أي بيّنا فيه الحلال والحرام؛ ويقال‏:‏ أنزلناه متفرقاً‏.‏ ‏{‏ونزلناه تَنْزِيلاً‏}‏، أي بيّناه تبييناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 111‏]‏

‏{‏قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ‏(‏107‏)‏ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ‏(‏108‏)‏ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ‏(‏109‏)‏ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏110‏)‏ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ‏(‏111‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ ءامِنُواْ بِهِ‏}‏، أي صدقوا بالقرآن‏.‏ ‏{‏أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ‏}‏، يعني‏:‏ أو لا تصدقوا؛ ومعناه إن صدقتم به أو لم تصدقوا، فإنه غني عن إِيمانكم وتصديقكم‏.‏ ‏{‏إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ‏}‏، يعني‏:‏ أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب من قبل القرآن‏.‏ ‏{‏إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ‏}‏، أي يعرض عليهم القرآن عرفوه‏.‏ ‏{‏يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ‏}‏، أي يقعون على الوجه ‏{‏سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا‏}‏، أي تنزيهاً لربنا؛ وقال الكلبي‏:‏ أي نصلي لربنا‏.‏ ‏{‏إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً‏}‏ وقد كان وعد ربنا لمفعولاً أي كائناً ومقدوراً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ‏}‏، أي يقعون على الوجوه‏.‏ ‏{‏يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا‏}‏، أي تواضعاً ومذلة‏.‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏؛ قال الكلبي‏:‏ كان ذكر الرحمن في القرآن قليلاً في بدئ ما نزل من القرآن، وقد كان أسلم ناس من اليهود، منهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وكان ذكره في التوراة كثيراً، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزل‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏‏.‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏ بكسر اللام والواو؛ وقرأ أبو عمرو بكسر اللام في ‏{‏قُلِ ادعوا‏}‏ وضم الواو في ‏{‏أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏، وقرأ الباقون كليهما بالضم، ومعناهما واحد‏.‏ ‏{‏أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاسماء الحسنى‏}‏ يعني‏:‏ بأي الاسمين تدعون، فهو حسن ‏{‏فَلَهُ الاسماء الحسنى‏}‏، أي له الصفات العلى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا‏}‏، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بمكة وكان يصلي بأصحابه، وإذا رفع صوته، أذاه المشركون؛ وإذا خفض لا يسمع صوته الذين خلفه، فأنزل الله تعالى ‏{‏وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏}‏، أي بقراءتك فيؤذيك المشركون ‏{‏وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا‏}‏ في جميع الصلوات، يعني‏:‏ لا تسر بقراءتك فلا يسمع أصحابك قراءتك‏.‏ ‏{‏وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً‏}‏؛ يقول‏:‏ بين الرفع والخفض، ويقال‏:‏ معناه ولا تجهر في جميع الصلوات، ولا تخافت في جميع الصلوات‏.‏ ‏{‏وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً‏}‏، أي اجهر في بعض الصلوات، وخافت في البعض‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا‏}‏؛ قال الكلبي‏:‏ وذلك أنه لما نزل‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏، قالت كفار قريش‏:‏ كان محمد يدعو إلهاً واحداً، وهو اليوم يدعو إلهاين ما نعرف الرحمن إلاَّ صاحب اليمامة مسيلمة الكذاب‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الاحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ‏}‏، يعني‏:‏ ذكر الرحمن، وأمره بأن يقول‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك‏}‏، أي لم يتخذ ولداً فيرث ملكه‏.‏

‏{‏وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك‏}‏ في عظمته؛ وقال أبو العالية‏:‏ معناه وقل الحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتخذ له ولداً، ولم يجعلني ممن يقول له شريك في الملك‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل‏}‏، أي من اليهود والنصارى؛ وهم أذل خليقة الله تعالى، يؤدون الجزية؛ وقال مقاتل‏:‏ معناه لم يذل فيحتاج إلى ولي يعينه، أي لم يكن له ولي ينتصر به من الذل‏.‏

‏{‏وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا‏}‏، أي عظمه تعظيماً، ولا تقل له شريك‏.‏ وروى إبراهيم بن الحكم، عن أبيه أنه قال‏:‏ بلغني أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، إني رجل كثير الدين، كثير الهم‏.‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اقْرَأْ آخِرَ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏ حَتَّى تَخْتِمَهِا، ثُمَّ قُلْ‏:‏ تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ»‏.‏