فصل: سورة الكهف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


سورة الكهف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ‏(‏1‏)‏ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ‏(‏2‏)‏ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ‏(‏3‏)‏ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ‏(‏4‏)‏ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ‏(‏5‏)‏ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏، يقول‏:‏ الشكر لله والألوهية لله‏.‏ ‏{‏الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب‏}‏، أي أنزل على عبده محمدٍ صلى الله عليه وسلم القرآن‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا‏}‏، أي لم ينزله متناقضاً‏.‏ ‏{‏قَيِّماً‏}‏، بل أنزله مستقيماً؛ ويقال‏:‏ في الآية تقديم، ومعناه الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً أي مستقيماً، ولم يجعل له عوجاً؛ أي لم ينزله مخالفاً للتوراة والإنجيل‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ «عوجاً بكسر العين في الأقوال وبنصب العين في الأشخاص»؛ ويقال‏:‏ في كلامه عوج، وفي هذه الخشبة عوج‏.‏ ‏{‏لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا‏}‏، أي لينذركم ببأس شديد، كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 175‏]‏ أي بأوليائه وهذا قول القتبي»؛ وقال الزجاج‏:‏ أي لينذرهم بالعذاب البئيس‏.‏ ‏{‏مِن لَّدُنْهُ‏}‏، أي من قبله؛ ويقال‏:‏ ‏{‏لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا‏}‏، أي يخوفهم بالعذاب الشديد بما في القرآن ‏{‏مِن لَّدُنْهُ‏}‏، أي من عنده‏.‏ قرأ عاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏مِن لَّدُنْهُ‏}‏ بجزم الدال؛ وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد‏.‏

‏{‏وَيُبَشّرُ المؤمنين‏}‏، بالجنة‏.‏ ثم وصف المؤمنين، فقال‏:‏ ‏{‏الذين يَعْمَلُونَ الصالحات‏}‏، فيما بينهم وبين ربهم‏.‏ ثم بيّن الذي يبشرهم به، فقال‏:‏ ‏{‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا‏}‏ في الْجَنَّةِ، ‏{‏مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا‏}‏؛ أي مقيمين في الثواب والنعيم خالداً مخلداً و‏{‏مَّاكِثِينَ‏}‏ منصوب على الحال في معنى خالدين‏.‏

‏{‏وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ‏}‏، أي يخوف بالقرآن الذين قالوا‏:‏ ‏{‏اتخذ الله وَلَدًا‏}‏، وهم المشركون والنصارى‏.‏ ‏{‏مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏}‏، أي ليس لهم بذلك القول بيان ولا حجة، ‏{‏وَلاَ لائَبَائِهِمْ‏}‏؛ أي ولا حجة لآبائهم الذين مضوا، فأخبر أنهم أخذوا دينهم من آبائهم بالتقليد لا بالحجة والبيان، لأنهم قالوا كان آباؤُنا على هذا‏.‏ ‏{‏كَبُرَتْ كَلِمَةً‏}‏، أي عظمت الكلمة‏.‏ قرأ الحسن بالضم، ومعناه عظمت كلمة وهي قولهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والارض كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116‏]‏ ‏{‏تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ‏}‏، فصارت نصباً بالتفسير‏.‏ ‏{‏إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا‏}‏، أي ما يقولون إلا كذباً‏.‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ‏}‏، أي قاتل نفسك أسفاً وحزناً ‏{‏على ءاثارهم‏}‏، أي على أعمالهم‏.‏ ‏{‏إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً‏}‏، أي بهذا القرآن أسفاً؛ والأسف المبالغة في الحزن والغضب، وهو منصوب لأنه مصدر في موضع الحال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 10‏]‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ‏(‏8‏)‏ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ‏(‏9‏)‏ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا‏}‏، أي ما على وجه الأرض من الرجال زينة لها، أي للأرض؛ ويقال‏:‏ جعلنا ما على الأرض من النبات والأشجار والأنهار زينة لها أي للأرض ‏{‏لِنَبْلُوَهُمْ‏}‏، أي لنختبرهم ‏{‏أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏، أي أخلص؛ ويقال‏:‏ أيهم أخلص في الزهد في الدنيا وأترك لها‏.‏ ‏{‏وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا‏}‏، أي ما على الأرض في الآخرة من شيء من الزهرة‏.‏ ‏{‏صَعِيداً جُرُزاً‏}‏، أي تراباً أملس لا نبات فيه وقال القتبي‏:‏ الصعيد المستوي قال‏:‏ ويقال وجه الأرض، ومنه يقال للتراب صعيد، لأنه وجه الأرض والجرز الذي لا نبات فيه‏.‏ يقال أرض جرز وسنة جرز، إذا كان فيه جدوبة‏.‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف‏}‏، أي غار في الجبل ‏{‏والرقيم‏}‏ الكتاب؛ وقال قتادة‏:‏ دراهمهم؛ وقال عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ كل القرآن أعلمه إلا أربعة غسلين، وحنان، والأواه، والرقيم، وقال القتبي‏:‏ الرقيم لوح كتب فيه خبر أصحاب الكهف، ونصب على باب الكهف؛ والرقيم الكتاب وهو فعيل بمعنى مفعول «وبِهِ كِتَابٌ مَرْقُومٌ» أي مكتوب؛ وقال الزجاج‏:‏ هو اسم الجبل الذي فيه الكهف؛ وقال كعب الأحبار‏:‏ الرَّقِيمُ اسم القرية‏.‏

روي عن ابن عباس أن قريشاً اجتمعوا وكان فيهم الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل السهمي، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأبي أبناء خلف والأسود بن عبد المطلب، وسائر قريش، فبعثوا منهم خمسة رهط إلى يهود يثرب أي يهود المدينة فسألوهم عن محمد وعن أمره وصفته، وأنه خرج من بين أظهرنا ويزعم أنه نبي مرسل، واسمه محمد، وهو فقير يتيم‏.‏ فلما قدموا المدينة، أتوا أحبارهم وعلماءهم، فوجدوهم قد اجتمعوا في عيد لهم، فسألوهم عنه؛ ووصفوا لهم صفته فقالوا لهم‏:‏ نجده في التوراة كما وصفتموه لنا، وهذا زمانه‏.‏ ولكن سلوه عن ثلاث خصال؛ فإن أخبركم بخصلتين ولم يخبركم بالثالثة، فاعلموا أنه نبي فاتبعوه؛ فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هؤلاء، فلم يدر ما هن، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة الكذاب‏.‏ سلوه عن أصحاب الكهف، أي قصوا عليه أمرهم؛ وسلوه عن ذي القرنين أن كان ملكاً وكان أمره كذا وكذا؛ وسلوه عن الروح‏:‏ فإن أخبركم عن قليل أو كثير فهو كاذب‏.‏

ففرحوا بذلك، فلما رجعوا وأخبروا أبا جهل، ففرح وأتوه، فقال أبو جهل‏:‏ إنا سائلون عن ثلاث خصال‏.‏ فسألوه عن ذلك، فقال لهم‏:‏ ارجعوا غداً أخبركم، ولم يقل‏:‏ إن شاء الله‏.‏ فرجعوا ولم ينزل عليه جبريل إلى ثلاثة أيام وفي رواية الكلبي إلى خمسة عشر يوماً، وفي رواية الضحاك إلى أربعين يوماً فجعلت قريش تقول‏:‏ يزعم محمد أنه يخبرنا غداً بما سألناه، وقد مضى كذا وكذا يوماً؛ فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم أتاه جبريل، فقال لجبريل‏:‏ لقد علمت ما سألني عنه قومي، فلم أبطأت علي‏؟‏ فقال‏:‏ أنا عبد مثلك ‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 64‏]‏؛ وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنِّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لاًّقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 23/24‏]‏‏.‏ وكان المشركون يقولون‏:‏ إن ربه قد ودعه وأبغضه، فنزل‏:‏ ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 3‏]‏ ونزل‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم‏}‏ ‏{‏كَانُواْ مِنْ ءاياتنا عَجَبًا‏}‏‏.‏ فلما قرأ عليهم، قالوا‏:‏ هذان ساحران، يعني‏:‏ محمداً وموسى عليهما السلام ولم يصدقوه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَجَبًا‏}‏ يقول هم عجب، وأمرهم أعجب، وغيرهم مما خلقت أعجب منهم، الشمس والقمر والجبال والسموات والأرض أعجب منهم‏.‏ ثم بيَّن أمرهم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف‏}‏، أي صاروا إِليه وجعلوه مأواهم‏.‏ والفتية جمع فتى، غلام وغلمة، وصبي وصبية‏.‏ ‏{‏فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً‏}‏، أي ثبتنا على الإسلام‏.‏ ‏{‏وَهَيّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا‏}‏، أي هب لنا من أمرنا مخرجاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 13‏]‏

‏{‏فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ‏(‏11‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ‏(‏12‏)‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ‏}‏، أي أنمناهم وألقينا عليهم النوم؛ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ‏}‏؛ أي منعناهم أن يسمعوا، لأن النائم إذا سمع انتبه‏.‏ ‏{‏فِى الكهف سِنِينَ عَدَدًا‏}‏؛ ويراد بذكر العدد التأكيد، لأن الكثير يحتاج أن يعد‏.‏ وإنما صار نصباً، لأنه مصدر‏.‏

قال ابن عباس في حديث أصحاب الكهف أنه قال‏:‏ إن مدينة كانت بالروم ظهر عليها ملك من الملوك يقال له دقيانوس، غلب على مدينتهم وأرضهم؛ وكانت المدينة تسمى أفسوس، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان ويقتلهم على ذلك؛ فمن كفر بالله واتبع دينه، تركه‏.‏ فهدى الله شاباً من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام، فجعل يدعوهم سراً حتى تابعه على ذلك سبعة غلمة، ففطن لهم الملك، فأرسل إليهم وأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم، حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم‏.‏ فأَرسل إليهم فهربوا، فقالت آباؤهم‏:‏ والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس، فما ندري أَين هم‏.‏ فمروا بغلام راعٍ ومعه كلب له، فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك، فتابعهم عليه‏.‏ فمضى معهم واتبعه كلبه، حتى أَتوا غاراً أي كهفاً فدخلوا فيه‏.‏ ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، ليشتري لهم طعاماً من السوق فركب الملك والناس معه في طلبهم، وهم يسألون عنهم‏.‏ فسمع رسولهم بذلك، فعجَّل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا؛ فاشترى بعضه وأتاهم فأخبرهم أن الملك والناس في طلبهم، فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا‏.‏ ثم ناموا على وجوههم، فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عدداً‏.‏

وسار الملك والناس معه، حتى انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين؛ فدخلوا الكهف فأعمى الله عليهم، فطلبوهم فلم يجدوا شيئاً‏.‏ فقال الملك‏:‏ سدوا عليهم باب الكهف، حتى يموتوا فيه، فيكون قبرهم إن كانوا فيه‏.‏ ثم انصرف الملك والناس معه، فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص، فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنهم خرجوا فراراً من دقيانوس الملك الكافر؛ فمن ظهر عليهم، يعلم بأنهم مسلمون‏.‏ وأَلْزَقَاهُ في السد من داخل الكهف‏.‏

وقال في رواية السدي، في قصة أصحاب الكهف‏:‏ كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجاً له وخرج الفتية ومنهم واحد له كلب، وليس منهم أحد إلا وهو يقول في نفسه‏:‏ إن رأيت أحداً استضعف، دعوته إلى الإيمان بالله‏.‏ فلما رجع الناس، تخلف الفتية فاجتمعوا على باب المدينة، وقد أغلق الباب دونهم، فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ إني أسر إليكم أمراً، فإن تابعتموني عليه رشدتم‏.‏ فقص عليهم أمره، فقالوا جميعاً نحن على هذا آنذاك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ * السموات والارض‏}‏ الآية، فصاروا إلى الكهف فدخلوه ورقدوا فيه، ورقد الكلب بفناء الكهف؛ فضرب الله على آذانهم بالنوم‏.‏

فلما فقدهم أهلوهم، انطلقوا إلى الملك فأخبروه‏.‏ فدعا بصخرة، فكتب فيها أسماءهم وكتب فيها أنهم هلكوا في زمن كذا، ثم ضربها في سور المدينة على الباب وهو الرقيم‏.‏

وفي رواية وهب بن منبه قال‏:‏ جاء حواريّ من حواريي عيسى ابن مريم عليهما السلام إلى مدينة أَصحاب الكهف، فأَراد أن يدخلها فقيل له‏:‏ إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إِلاَّ سجد له‏.‏ فكره أن يدخلها؛ وأتى حماماً كان قريباً من تلك المدينة، فكان يعمل فيه يعني‏:‏ أجّرَ نفسه من صاحب الحمام فرأى صاحب الحمام‏.‏ في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، واجتمع إليه فتية من أهل المدينة، فكان يخبرهم بخبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدقوه‏.‏ وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، فكانوا في ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فماتا في الحمام جميعاً‏.‏ فأتي الملك، فقيل له‏:‏ صاحب الحمام قتل ابنك‏:‏ فالتمسه، فلم يقدر عليه‏.‏ فقال‏:‏ من كان يصحبه فسموا الفتية، فالتمسوهم فخرجوا من المدينة‏.‏

فمروا بصاحب لهم في زرع له، وكان على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا؛ فانطلق معهم ومعه الكلب، حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه، وقالوا‏:‏ نبيت ها هنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله، فترون رأيكم‏.‏ فضرب على آذانهم‏.‏ فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوا آثارهم وقد دخلوا الكهف، فلما أراد رجل منهم أن يدخل الكهف، أرب فلم يطق أحد أن يدخل عليهم، فقال له قائل‏:‏ ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم‏؟‏ فسد عليهم باب الكهف ودعهم حتى يموتوا عطشاً وجوعاً، ففعل ذلك‏.‏

ثم إن راعياً احتاج أن يبني حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد وبنى عليه لغنمه، فصار باب الكهف مفتوحاً‏.‏ وكلما غزا تلك المدينة فظهر عليها، أظهر علامته‏.‏ إن كان مسلماً أظهر علامة المسلمين، وإن كان كافراً أظهر علامة المشركين‏.‏ ثم مات دقيانوس، وملك ملك آخر مسلم، فأظهر علامة المؤمنين بالمدينة، وكان يقال له‏:‏ ستفاد الملك‏.‏

ثم إن أصحاب الملك استيقظوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فنظر واحد منهم إلى الشمس وقد دنت إلى الغروب ويقال‏:‏ عند زوال الشمس فقال‏:‏ كم لبثتم‏؟‏ قالوا‏:‏ لبثنا يوماً أو بعض يوم‏.‏ ‏{‏فقال كبيرهم‏:‏ لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا‏.‏ ثم قال‏:‏ فقال الآخرون‏:‏ ‏{‏وكذلك بعثناهم لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏، أي أحلَّ وأظهر، لأنهم كانوا يذبحون الخنازير‏.‏

فدفعوا الدراهم إلى رجل يقال له تمليخا‏.‏

فلما انتهى إلى باب الكهف، رأى حجارة مكسرة على بابه فقال‏:‏ إن هذا شيء ما رأيناه بالأمس‏.‏ فلما خرج، أنكر الطريق، فدنا إلى باب المدينة، فلم يعرفها‏.‏ فلما دخل المدينة لم يعرف أحداً من الناس، فأشكل عليه فقال‏:‏ لعل هذه غير تلك المدينة‏.‏ فسأل إنساناً، فقال‏:‏ أي مدينة هذه‏؟‏ فقال‏:‏ أقسوس‏.‏ فقال‏:‏ لقد أصابني شر وتغير عقلي؛ فهذه مدينتنا، ولا أعرفها ولا أعرف أحداً من أهلها‏.‏ فأخرج الدراهم، وجاء إلى الخباز ودفعها إليه؛ فأخذ الخباز الدراهم فأنكرها، وقال‏:‏ من أين لك هذه الدراهم‏؟‏ لقد وجدت كنزاً لتخبرني، وإلا دفعتك إلى الملك‏.‏

وكان كل ملك يحدث بعد آخر، يضرب دراهم على سكته وختمه؛ فمن وجد معه دراهم غير تلك الدراهم، علم أنه كنز‏.‏ فلما وجدوا معه تلك الدراهم، قالوا‏:‏ هذا كنز‏.‏ فقال‏:‏ هذه الدراهم ما أخرجت من المدينة إلا أمس‏.‏ فظن الخباز أنه يتجانن عليه ليرسله، فقال له‏:‏ لقد علمت أنك تتجانن علي‏.‏ لا أرسلك حتى تعطيني من هذا الكنز، وإلا دفعتك إلى الملك‏.‏

اجتمع الناس عليه وذهبوا به إلى الملك، فجعل تمليخا يبكي خوفاً من الملك، وأن يرفع إلى ملكهم الجبار الذي فرّ منه فلما رأى أنّ الذي أدخل على غيره سكن فقال له الملك‏:‏ من أين لك هذه الدراهم‏؟‏ فقال‏:‏ خرجت بها عشية أمس أنا وأصحاب لي فراراً من دقيانوس الملك‏.‏ فقال‏:‏ إنك رجل شاب، وذلك الملك قد مضى عليه دهر طويل‏.‏ فما أنا بالذي أرسلك، حتى تخبرني من أين لك هذه الدراهم‏؟‏ فقص عليه أمره وأمر أصحابه، فقال‏:‏ أُنَاسٌ من المسلمين قد أخبروا بقصتهم، أن آباءنا أخبرونا أن فتية قد خرجوا بدينهم وهم مسلمون فراراً من دقيانوس الملك؛ وإنا والله لا ندري ولعله صادق‏.‏ فاركب وانظر لعله شيء أراد الله أن يظهرك عليه، أو يكون في ولايتك، فركب الملك وركب معه الناس، المسلم والكافر، حتى انتهوا إلى الكهف‏.‏ فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم، عانق بعضهم بعضاً يبكون ولا يشكون، إلا أنه الملك الجبار الكافر، فقال لهم تمليخا‏:‏ امكثوا حتى أدخل أولاً‏.‏ فدخل عليهم، فأخبرهم بالقصة‏.‏

قال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ دخل عليهم الملك والناس، فسألوهم عن أمرهم، فقصوا عليهم قصتهم، فنظروا فإذا اللوح الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم، فقال الملك‏:‏ هم قوم هلكوا في زمن دقيانوس؛ وأحياهم الله في زماني، فلم يبق أحد من الكفار مع الملك، إلا أسلموا كلهم إذا رأوهم‏.‏ فبينما هم يتحدثون، إذ ماتوا كلهم؛ وقال في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ إن القوم لما انتهوا إلى الكهف، قال لهم الفتى‏:‏ مكانكم حتى أدخل على أصحابي، لا تهجموا عليهم فيفزعوا منكم‏.‏

فدخل فعمي عليهم المكان، فلم يدروا أين ذهب ولم يقدروا على الدخول عليهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا‏}‏، فجعلوا عليهم مسجداً وصاروا يصلون فيه‏.‏

فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِى الكهف سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بعثناهم‏}‏، أي أيقظناهم‏.‏ ‏{‏لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ‏}‏، يعني‏:‏ أي الفريقين المسلم والكافر ‏{‏أحصى‏}‏، أي أحفظ‏.‏ ‏{‏لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا‏}‏، يعني‏:‏ لما مكثوا أجلاً؛ وكان المسلمان كتبا في اللوح، فظهر لهم مقدار ما لبثوا فيه، ولم يعلم الكفار مقدار ذلك؛ ويقال‏:‏ ‏{‏أَيُّ الحِزْبَيْنِ‏}‏، يعني‏:‏ الذين كانوا مؤمنين قبل ذلك، والذين أسلموا في ذلك الوقت؛ ويقال‏:‏ أي الفريقين أصدق قولاً، لأنهم قد اختلفوا في البعث منهم من كان ينكر ذلك، فظهر لهم أن البعث حق‏.‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم‏}‏، أي ننزل عليك في القرآن خبر الفتية ‏{‏بالحق‏}‏، أي بالصدق‏.‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم‏}‏، أي صدقوا بتوحيد ربهم‏.‏ ‏{‏وزدناهم هُدًى‏}‏، أي يقيناً وبصيرة في أمر دينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 17‏]‏

‏{‏وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ‏(‏14‏)‏ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ‏(‏15‏)‏ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ‏(‏16‏)‏ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ‏}‏، أي حفظنا قلوبهم على الإيمان‏:‏ وقيل‏:‏ ألهمناهم الصبر حتى ثبتوا على دينهم‏.‏ ‏{‏إِذْ قَامُواْ‏}‏ من نومهم‏:‏ ويقال‏:‏ قاموا بإثبات الحجة؛ ويقال‏:‏ خرجوا من عند الملك‏.‏ ‏{‏فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ * السموات والارض ****لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها‏}‏، أي لم نقل من دون الله رباً وإن فعلنا ‏{‏فَقَدْ *** قُلْنَا إِذًا شَطَطًا‏}‏، أي كذباً وجوراً؛ ويقال‏:‏ ‏{‏شَطَطًا‏}‏، أي علواً، يقال‏:‏ قد أشط إذا علا في القول، أي جاوز الحد‏.‏ ‏{‏هَؤُلاء قَوْمُنَا اتخذوا‏}‏، أي عبدوا‏.‏ ‏{‏مِن دُونِهِ ءالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بسلطان بَيّنٍ‏}‏، يعني‏:‏ هلا يأتون بحجة بينة على عبادة آلهتهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى‏}‏، أي اختلق ‏{‏عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ أن له شريكاً‏.‏ ‏{‏وَإِذِ اعتزلتموهم‏}‏، يقول بعضهم لبعض‏:‏ لو تركتموهم وما يعبدون إلا الله، يعني‏:‏ لو تركتم ما يعبدون‏.‏ ‏{‏وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله‏}‏؛ ويقال‏:‏ لو اعتزلتم عبادتهم إلا الله، يعني‏:‏ قولهم‏:‏ الله خالقنا، ويقال‏:‏ ‏{‏وَإِذِ اعتزلتموهم‏}‏؛ هذا قولهم ثم قال حكاية عن قولهم، فقالَ‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله‏}‏ يعني‏:‏ أَصحاب الكهف‏.‏ ‏{‏فَأْوُواْ إِلَى الكهف‏}‏، أي فارجعوا إلى الكهف؛ ويقال‏:‏ فادخلوا الكهف‏.‏ ‏{‏يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ‏}‏، أي يهب لكم ربكم من نعمته؛ ويقال‏:‏ يبسط لكم من رزقه‏.‏ ‏{‏وَيُهَيّئ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا‏}‏، أي يجعل لكم من أَمركم الذي وقعتم فيه ما يرفق بكم ويصلحكم؛ ويقال‏:‏ مخرجاً ونجاة‏.‏

‏{‏وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ‏}‏، أي تميل وتنحرف عن كهفهم‏.‏ ‏{‏ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ‏}‏، أي تجاوزهم؛ ويقال‏:‏ تتركهم وتمر بهم‏.‏ وأصل القرض القطع، ومنه سمي المقراض‏.‏ ‏{‏ذَاتَ الشمال‏}‏، أي شمال الكهف‏.‏ ‏{‏وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ‏}‏، أي في ناحية من الغار؛ ويقال‏:‏ في متسع منه‏.‏ فأخبر أنه بوأهم كهفاً مستقبلاً بنات نعش، والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم، ولا يحلفهم سمومها فيغير ألوانهم وأبدانهم، وكانوا في متسع منه ينالهم نسيم الريح، وينفس عنهم غمة الغار، وكربه‏.‏ الغمة الهواء العفن، ويجوز الرفع النصب‏.‏

‏{‏ذلك مِنْ آيات الله‏}‏، أي ذلك الخبر والذكر؛ ويقال‏:‏ ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ولطفه وكرمه‏.‏ ‏{‏مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد‏}‏، أي من يوفقه الله للهدى فهو المهتدي‏.‏ ‏{‏وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا‏}‏، أي موفقاً يرشده إلى التوحيد‏.‏ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا‏}‏ بنصب الميم وكسر الفاء، والباقون بكسر الميم ونصب الفاء ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏، ومعناهما واحد وهو ما يرتفق به؛ وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏تَّزَاوَرُ‏}‏ بتشديد الزاي مع الألف، لأن أصله تتزاور أي‏:‏ تميل، فأدغم وشدد الزاي، وقرأ ابن عامر ‏{‏***تَزْورُّ‏}‏ بجزم الزاي وتشديد الراء؛ ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل، ويجوز الرفع والنصب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 21‏]‏

‏{‏وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ‏(‏18‏)‏ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ‏(‏19‏)‏ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏20‏)‏ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏مُّرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ‏}‏ لأن عيونهم مفتحة؛ ويقال‏:‏ من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال‏.‏ ‏{‏وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال‏}‏؛ وذلك أن جبريل عليه السلام كان يقلبهم في كل سنة مرة؛ لكيلا تأكل الأرض لحومهم؛ وهو قول ابن عباس؛ وقال مجاهد‏:‏ مكثوا ثلاثمائة عام على شق واحد وقلبوا في التسع سنين‏.‏ ‏{‏وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد‏}‏، أي مَاداً ذراعيه بفناء الباب‏.‏ ‏{‏لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا‏}‏، أي لو هجمت عليهم اليوم، لأدبرت فراراً من هيئتهم‏.‏

وروى سعيد بن جابر، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ غزا معاوية غزوة نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف؛ فقال‏:‏ لو كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس‏:‏ قد منع الله ذلك عمن هو خير منك، يعني‏:‏ قال للنبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا‏}‏ ‏{‏وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا‏}‏؛ فقال معاوية‏:‏ لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناساً، فقال‏:‏ اذهبوا فادخلوا الكهف، فلما ذهبوا ودخلوا، بعث الله تعالى ريحاً فأخرجتهم‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك بعثناهم‏}‏، أي أيقظناهم من نومهم جياعاً كما رقدوا‏.‏ ‏{‏لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ‏}‏، أي ليتحدثوا بينهم‏.‏ ‏{‏قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ‏}‏، أي كم مكثتم في نومكم‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا‏}‏؛ فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا‏:‏ ‏{‏أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة‏}‏‏.‏ وروى مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل‏.‏ قرأ ابن كثير ونافع ‏{‏وَلَمُلِئْتَ‏}‏ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان؛ وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر ‏{‏بِوَرِقِكُمْ‏}‏ بجزم الراء؛ وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان‏.‏

‏{‏فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا‏}‏، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة؛ وهذا قول ابن عباس؛ ويقال‏:‏ أي أهلها أزكى طعاماً؛ وقال عكرمة‏:‏ أي أكثر وأرخص طعاماً‏.‏ ‏{‏فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ‏}‏، أي بطعام مِنْهُ؛ وَيُقَالُ‏:‏ أَزْكَى طعاماً أي‏:‏ لم يكن غصباً ولا من جهة لا تحل‏.‏ ‏{‏وَلْيَتَلَطَّفْ‏}‏، أي وليرفق في الشراء‏.‏ ‏{‏وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا‏}‏، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس‏.‏ ‏{‏إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏، يعني‏:‏ إن يطلعوا عليكم ‏{‏يَرْجُمُوكُمْ‏}‏، أي يقتلوكم‏.‏ ‏{‏أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا‏}‏، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى‏.‏

‏{‏وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏، يقول‏:‏ أطلعنا الملك عليهم‏.‏ قال القتبي‏:‏ وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه فاستعير العثار مكان التبين والظهور ‏{‏لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏، يعني‏:‏ البعث بعد الموت؛ وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً‏.‏

فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن‏.‏ ‏{‏وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ إذ يختلفون فيما بينهم؛ وقال بعضهم‏:‏ اختلفوا فيما بينهم هو ما ذكر بعد هذا في عددهم؛ وقال بعضهم‏:‏ اختلفوا‏.‏ فقال المؤمنون‏:‏ فيما بينهم نبني مسجداً‏؟‏ وقالت النصارى‏:‏ نبني كنيسة‏.‏ فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا‏}‏، أي مسجداً‏.‏ ‏{‏رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏}‏، أي عالم بهم‏.‏ ‏{‏قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ‏}‏، يعني‏:‏ الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون‏.‏ ‏{‏لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا‏}‏؛ قال الزجاج‏:‏ فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً؛ والمسجد يكون للمسلمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 24‏]‏

‏{‏سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏22‏)‏ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ‏(‏23‏)‏ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُم‏}‏؛ قال بعضهم‏:‏ اختلفوا في أمرهم في ذلك الوقت؛ ويقال‏:‏ هذا الاختلاف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخبر الله تعالى نبيه أنه لو سأل أهل الكتاب يختلفون عليه‏.‏ فسألهم، فاختلفوا وذلك أن أهل نجران، السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانياً فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه‏:‏ ثلاثة رابعهم كلبهم‏.‏ ‏{‏***‏}‏؛ قال بعضهم‏:‏ اختلفوا في أمرهم في ذلك الوقت؛ ويقال‏:‏ هذا الاختلاف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخبر الله تعالى نبيه أنه لو سأل أهل الكتاب يختلفون عليه‏.‏ فسألهم، فاختلفوا وذلك أن أهل نجران، السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانياً فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه‏:‏ ثلاثة رابعهم كلبهم‏.‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏، أي العاقب وأصحابه‏:‏ ‏{‏خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب‏}‏، أي ظناً بالغيب لا علم لهم‏.‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏، أي صنف منهم‏:‏ ‏{‏سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏‏.‏

قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏؛ وهذا إخبار من الله أن عدتهم سبعة‏.‏ قال ابن عباس، وفي رواية أخرى أنه قال‏:‏ أظن القوم كانوا ثلاثة‏.‏ قال واحد منهم‏:‏ كم لبثتم‏؟‏ فقال الثاني‏:‏ لبثنا يوماً أو بعض يوم‏.‏ فقال الثالث‏:‏ ربكم أعلم بما لبثتم‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال إنهم سبعة وذكر أسماءهم، فقال‏:‏ مكسلينا وهو أكبرهم، وتمليخاً، ومطرونس، وسارينوس، ونوانس، وكشطود، وبيونس، وبطنبور، وليونس‏.‏ وذكر في رواية وهب أسماؤهم بخلاف هذا إلا تمليخا، فقد اتفقوا على اسمه؛ وقال ابن عباس‏:‏ كان اسم الكلب قطمير؛ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كان اسمه فرفدين؛ ويقال‏:‏ كان لونه خليج؛ ويقال‏:‏ كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق؛ وقال بعض المحدثين‏:‏ إن كلب أهل الكهف يكون معهم في الجنة؛ وقال بعضهم‏:‏ يصير تراباً مثل سائر الحيوانات‏.‏ وإنما الجنة للمؤمنين خاصة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا‏}‏؛ قال قتادة‏:‏ ‏{‏فَلاَ تُمَارِ‏}‏، يقول حسبك ما أعلمناك من خبرهم‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً‏}‏، أي لا تسأل عن أصحاب الكهف من النصارى أحداً‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء الله‏}‏، يعني‏:‏ إلا أن تستثني، فتقول‏:‏ إن شاء الله‏.‏ ‏{‏واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ‏}‏، يعني‏:‏ إذا نسيت الاستثناء، فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن‏.‏

وهذا في غير اليمين؛ وأما في اليمين، فاتفق الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولاً إلا رواية عن ابن عباس، روى عنه مجاهد قال‏:‏ يستثني الرجل في يمينه متى ذكر‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ‏}‏‏.‏ وهذه الرواية غير مأخوذة‏.‏

وروى أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ مِائةُ امْرأَة، فَقَالَ‏:‏ لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله، وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ‏:‏ إِنْ شَاءَ الله‏.‏ فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ امْرأَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِشِقِّ غُلامٍ‏.‏ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وَالَّذِي نَفْسِي بِيِدِهِ، لَوْ قَالَ‏:‏ إِنْ شَاءَ الله، لَوُلِدَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَركاً له فِيْ حَاجَتِهِ»‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ عسى أَن *** يَهْدِيَنِى *** رَبّى‏}‏، أي يرشدني ‏{‏لاِقْرَبَ‏}‏، أي لأسرع ‏{‏مّنْ هذا‏}‏ الميعاد الذي وعدت لكم، ‏{‏رَشَدًا‏}‏؛ أي صواباً؛ وهذا قول مقاتل؛ وقال الزجاج‏:‏ معناه عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلائل على النبوة، ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب الكهف‏.‏ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ‏{‏أَن يَهْدِيَنِى‏}‏ بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بحذف الياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 28‏]‏

‏{‏وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ‏(‏25‏)‏ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ‏(‏26‏)‏ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ‏(‏27‏)‏ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةِ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا‏}‏، قرأ حمزة والكسائي ‏{‏ثلاث * مِاْئَةِ‏}‏ بشسكسر الهاء بغير تنوين على معنى الإضافة؛ وقرأ الباقون بالتنوين‏.‏ ‏{‏لَهُ غَيْبُ * السموات والارض‏}‏، أي عالم بما لبثوا في رقودهم؛ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ‏}‏، أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم‏.‏ ‏{‏مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ‏}‏؛ أي أصحاب الكهف‏.‏ ‏{‏وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا‏}‏؛ قرأ ابن عامر ‏{‏وَلاَ تُشْرِكُواْ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه أنه قد جرى ذكر علمه وقدرته، وأعلم أنه لا يشرك في حكمه أحداً‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 26/27‏]‏، ومن قرأ بالتاء يقول‏:‏ لا تنسبن أحداً إلى عالم الغيب، ومعناه أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بين رجلين بغير حكم الله، فيما حكم أو دل عليه حكم الله؛ فليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه‏.‏

‏{‏واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ‏}‏، يقول‏:‏ اقرأ عليهم الذي أنزل إليك ‏{‏مِن كتاب رَبّكَ‏}‏، يعني‏:‏ القرآن‏.‏ ‏{‏لاَ مُبَدّلَ لكلماته‏}‏؛ يقول‏:‏ لا مغير لنزول القرآن ولا خلف له؛ ويقال‏:‏ ولا ينقص منه ولا يزاد فيه‏.‏ ‏{‏وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا‏}‏، أي لا ملجأ يمنعك منه؛ ويقال‏:‏ ‏{‏مُلْتَحَدًا‏}‏، أي مانعاً يمنعك؛ ويقال‏:‏ معدلاً‏.‏ وإنما سمي اللحد لحداً، لأنه في ناحية؛ ويقال‏:‏ معناه وإن زدت فيه أو نقصت منه، لن تجد من عذابه ملجأ‏.‏ ‏{‏واصبر نَفْسَكَ‏}‏، يقول‏:‏ واحبس نفسك ‏{‏مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم‏}‏، أي يصلون لله تعالى ‏{‏بالغداة والعشى‏}‏، يعني‏:‏ الصلوات الخمس‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ نزلت الآية في سلمان، وصهيب، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قالوا‏:‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ذات يوم، عنده سلمان على بساط منسق بالخوص أي منسوجاً إذ دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري، فجعل يدفعه بمرفقه وينحيه، حتى أخرجه من البساط‏.‏ وكان على سلمان شملة قد عرق فيها فقال عيينة‏:‏ إنَّ لنا شرفاً، فإذا دخلنا عليك فأخرج هذا واضربه؛ فوالله إنه ليؤذيني ريحه‏.‏ أما يؤذيك ريحه‏؟‏ فإذا خرجنا من عندك، فأدخلهم وأذن لهم بالدخول إن بدا لك أن يدخلوا عليك أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فنزل‏:‏ ‏{‏واصبر نَفْسَكَ‏}‏ إلى ‏{‏يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏، أي يطلبون رضاه‏.‏

‏{‏وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ‏}‏، أي لا يتجاوزهم إلى زينة الحياة الدنيا ويقال‏:‏ لا تحتقرهم ولا تزدرهم‏.‏ ‏{‏تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا‏}‏، أي ما قال عيينة بن حصن الفزاري وأمثاله ‏{‏وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا‏}‏، أي عن القرآن، ‏{‏واتبع هَوَاهُ‏}‏ في عبادة الأصنام‏.‏ ‏{‏وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا‏}‏، أي ضياعاً؛ وقال السدي‏:‏ هلاكاً‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ندماً؛ وقال القتبي‏:‏ أصله من العجلة والسبق‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أي سرفاً؛ وقال الزجاج‏:‏ تفريطاً وهو العجز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ‏(‏30‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ‏}‏، أي القرآن، يعني‏:‏ الذي أعطاكم به الحق من ربكم وهو قول‏:‏ لا إله إلا الله، يعني‏:‏ ادعهم إلى الحق‏.‏ ‏{‏فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ‏}‏، أي من شاء فليقل‏:‏ لا إله إِلا الله؛ ويقال‏:‏ معناه من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر؛ ويقال‏:‏ ‏{‏فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن‏}‏ من لفظه لفظ المشيئة، والمراد به الأمر، يعني‏:‏ آمنوا؛ ومن شاء فليكفر لفظه لفظ المشيئة والمراد به الخبر ومعناه ومن كفر‏.‏ ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا‏}‏، يعني‏:‏ للكافرين ‏{‏أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا‏}‏، يعني‏:‏ أن دخانها محيط بالكافرين، قال الكلبي ومقاتل‏:‏ يخرج عنق من النار، فيحيط بهم كالحظيرة‏.‏

‏{‏وَإِن يَسْتَغِيثُواْ‏}‏ من العطش، ‏{‏يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل‏}‏، أي أسودَ غليظاً كرديء الزيت؛ وهذا قول الكلبي والسدي وابن جبير‏.‏ وروى عكرمة، عن ابن عباس مثله؛ ويقال‏:‏ هو الصفر المذاب أو النحاس المذاب، إذ بلغ غايته في الحر؛ وروى الضحاك، عن ابن مسعود‏:‏ أنه أذاب فضة من بيت المال، ثم بعث إلى أهل المسجد وقال‏:‏ من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا‏:‏ وقال مجاهد‏:‏ المهل القيح والدم الأسود كعكر الزيت‏.‏ ‏{‏يَشْوِى الوجوه‏}‏، يعني‏:‏ إذا هوى به إلى فيه أنضج وجهه‏.‏ ‏{‏بِئْسَ الشراب‏}‏ المهل‏.‏ ‏{‏وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا‏}‏، يقول بئس المنزل النار، رفقاؤهم فيها الشياطين والكفار‏.‏ ‏{‏وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا‏}‏، أي مجلساً‏.‏ وأصل الارتفاق الاتكاء على المرفق‏.‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً‏}‏، أي لا نبطل ثواب من أحسن عملاً في الآخرة‏:‏ ثم بيّن ثوابهم فقال‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ‏}‏، العدن الإقامة؛ ويقال‏:‏ العدن بطنان الجنة وهي وسطها ‏{‏تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ‏}‏، السندس ما لطف من الديباج، والاستبرق ما ثخن من الديباج؛ وقال القتبي‏:‏ يقول قوم‏:‏ هو فارسي معرب، أصله استبرك، وقال الزجاج في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏‏:‏ يجوز أن يكون خبره‏:‏ ‏{‏إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً‏}‏، كأنه يقول‏:‏ إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن يكون الجواب قوله‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ‏}‏ ويجوز أن يكون جوابه لم يذكر، وقد بيَّن ثواب من أحسن عملاً في موضع آخر، وهو قوله‏:‏ ‏{‏مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً‏}‏ وقوله ‏{‏أَسَاوِرَ‏}‏ جمع أسورة، واحدها سوار والأسورة جمع الجمع‏.‏ ‏{‏مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الارائك‏}‏، أي على السرر في الحجال، ولا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا السرير والحجلة‏.‏ ‏{‏نِعْمَ الثواب‏}‏ الجنة، ‏{‏وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً‏}‏، أي منزلاً في الجنة قُرناؤهم الأنبياء والصالحون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 34‏]‏

‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ‏(‏32‏)‏ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ‏(‏33‏)‏ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ‏}‏ أي صف لأَهل مكة صفة رجلين أخوين من بني مخزوم، أحدهما مؤمن واسمه أبو مسلمة بن عبد الأسد، والآخر كافر ويقال له أسود بن عبد الأسد؛ وهما من هذه الأمة‏.‏ وآخرين أيضاً من بني إسرائيل مؤمن وكافر، فالمؤمن اسمه تمليخا، ويقال يهوذا، والكافر اسمه أبو قطروس‏.‏ هكذا روي عن ابن عباس؛ ويقال‏:‏ هذا المثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر به؛ وروي عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ كانا مشركين من بني إسرائيل‏:‏ أَحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم؛ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ كانا أَخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان؛ وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين‏.‏

وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جَعَلْنَا لاِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب‏}‏، أي بساتين‏.‏ قال السدي‏:‏ كان بستاناً واحداً عليه جرار واحد، وكان في وسطه نهر؛ فلذلك قال‏:‏ جنتين لمكان النهر الذي بينهما، وسماه جنة للمكان الدائر الذي عليه‏.‏ ‏{‏وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ‏}‏، يعني‏:‏ الجنتين‏.‏ ثم قال ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا‏}‏، أي مزرعاً يقال‏:‏ كان حول البستان نخيل وأشجار، وداخل الأشجار كروم، وداخل الكروم موضع الزرع والرطاب ونحو ذلك‏.‏ ‏{‏كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا‏}‏، أي أعطت وأَخرجت حملها وثمارها‏.‏ ‏{‏وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا‏}‏، أي لم تنقص من ثمر الجنتين شيئاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ‏{‏كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا‏}‏، لأن لفظ كلتا واحد، والمعنى أن كل واحدة منهما آتت أكلها، يعني‏:‏ أعطت وَأَخْرَجَتْ حَمْلَهَا وَثَمَرَتَهَا ‏{‏وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا‏}‏، يعني‏:‏ لم ينقص من ثمر الجنتين شيئاً، ولو قال‏:‏ أتت، لكان جائزاً‏.‏ ‏{‏وَفَجَّرْنَا خلالهما‏}‏، أي أجرينا وسطها ‏{‏نَهَراً‏}‏، والنهر بنصب الهاء والجزم بمعنى واحد في اللغة إلا أن قراءة النصب أصح‏.‏

‏{‏وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ‏}‏؛ قرأ أبو عمرو ‏{‏ثَمَرٌ‏}‏ بضم الثاء وجزم الميم، وقرأ الباقون غير عاصم بضم الثاء والميم، ومعناهما واحد، وقرأ عاصم بنصب الثاء والميم‏.‏ فمن قرأ بالنصب، فهو ما يخرج من الشجر؛ ومن قرأ بالضم، فهو المال‏.‏ يقال‏:‏ قد أثمر فلان مالاً، ويقال‏:‏ الثمر جمع ثمار؛ ويقال‏:‏ ثمرة وثمار، وجمع الثمار ثمر‏.‏ ‏{‏فَقَالَ لصاحبه‏}‏، يعني‏:‏ قال الكافر للمؤمن ‏{‏وَهُوَ يحاوره‏}‏، أي يفاخره ويراجعه، وذلك أن أخاه احتاج فأتاه يسأله منه شيئاً، فلم يعطه شيئاً، وعاتبه بدفع ماله؛ وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالَ لصاحبه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ‏}‏‏:‏ ‏{‏أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً‏}‏، يعني‏:‏ وأكثر خدماً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 42‏]‏

‏{‏وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ‏(‏35‏)‏ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ‏(‏36‏)‏ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ‏(‏37‏)‏ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏38‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏39‏)‏ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ‏(‏40‏)‏ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ‏(‏41‏)‏ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وَدَخَلَ جَنَّتَهُ‏}‏ وهو آخذ بيد أخيه المسلم‏.‏ ‏{‏وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ‏}‏ بالشرك، فمن كفر بالله فهو ظالم لنفسه، لأنه أوجب لها العذاب الدائم‏.‏ ‏{‏قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً‏}‏، لأن أخاه المؤمن عرض عليه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فأجابه الكافر‏:‏ فَ ‏{‏قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً‏}‏، يعني‏:‏ لن تفنى هذه أبداً‏.‏ ‏{‏وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً‏}‏، أي كائنة‏.‏ ‏{‏وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى‏}‏، أي إن كان الأمر كما يقول، ورجعت إلى ربي في الآخرة، ‏{‏لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً‏}‏ في الآخرة، أي مرجعاً‏.‏ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ‏{‏خَيْرًا * مِنْهُمَا‏}‏ لأنها كناية عن الجنتين، وقرأ الباقون ‏{‏مِنْهَا‏}‏، لأنه كناية عن قوله‏:‏ ‏{‏وَدَخَلَ جَنَّتَهُ‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ لَهُ صاحبه‏}‏، أي أخاه المسلم، ‏{‏وَهُوَ يحاوره‏}‏، أي يكلمه ويعظه في الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ‏}‏، يعني‏:‏ آدم‏.‏ عليه السلام ‏{‏ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً‏}‏، يعني‏:‏ خلقك معتدل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لَكُنَّا *** هُوَ الله رَبّى‏}‏؛ قرأ ابن عامر ونافع في إحدى الروايتين ‏{‏لَكُنَّا‏}‏ بالألف وتشديد النون، لأن أصله لكن أنا، فأدغم فيه؛ وقرأ الباقون ‏{‏لَكِنِ‏}‏، وفي مصحف الإمام ‏{‏لَكِنِ *** أَنَاْ ***** هُوَ الله رَبّى‏}‏، فهذا هو الأصل في اللغة، ومعناه لكن أنا أقول‏:‏ هو الله ربي‏.‏ ‏{‏وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ‏}‏، يقول‏:‏ فهلا إذ دخلت بستانك، ‏{‏قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله‏}‏، يعني‏:‏ بقوة الله أعطانيها لا بقوتي‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، لَمْ ير فِيهِ مَا يَكْرَهُ»‏.‏ ‏{‏إِن تَرَنِ‏}‏، يعني‏:‏ إن رأيتني ‏{‏أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا‏}‏ في الدنيا، ‏{‏فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ‏}‏ هذه في الآخرة، ‏{‏وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا‏}‏؛ أي على جنتك ‏{‏حُسْبَانًا مِّنَ السماء‏}‏، أي ناراً من السماء‏.‏ وهذا قول الكلبي أيضاً ومقاتل، وقال القتبي‏:‏ ‏{‏حُسْبَاناً‏}‏، أي مرامي واحدها حسبانة؛ وقال الزجاج‏:‏ الحسبان أصله الحساب كقوله‏:‏ ‏{‏الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 5‏]‏، أي بحساب، وهكذا قال هنا حسباناً أي حساباً بما كسبت يداك؛ وقال بعض أهل اللغة‏:‏ الحسبان في اللغة سهم فارق وهو ما يرقى به‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا‏}‏، أي فتصير تراباً أملس لا نبات فيها‏.‏ ‏{‏أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا‏}‏، أي غائراً، يقال‏:‏ غار ماؤها فلم يقدر عليه ‏{‏فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا‏}‏، أي حِيلَةً‏.‏ ‏{‏وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ‏}‏، أي فأهلك جميع ماله، والاختلاف في الثمر كما ذكرنا‏.‏ ‏{‏فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ‏}‏ أي يصفق يده على الأخرى ندامة ‏{‏عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا‏}‏ من المال، ‏{‏وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا‏}‏؛ أي ساقطة على سقوفها، ‏{‏وَيَقُولُ‏}‏ في الآخرة‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا‏}‏ في الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏

‏{‏وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ‏(‏43‏)‏ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ‏(‏44‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله‏}‏، أي جنداً وقوماً وأعواناً يمنعونه من عذاب الله‏.‏، أي جنداً وقوماً وأعواناً يمنعونه من عذاب الله‏.‏ ‏{‏وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً‏}‏، أي ممتنعاً هو بنفسه؛ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏وَلَمْ يَكُن‏}‏ بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث وقال الزجاج‏:‏ لو قال نصره، لجاز وإنما ينصره على المعنى أي أقواماً ينصرونه‏.‏

‏{‏هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق‏}‏، أي عند ذلك وهو يوم القيامة، يعني‏:‏ السلطان والحكم لله لا ينازعه أحد في ملكه يومئذٍ؛ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 19‏]‏‏.‏ فمن قرأ ‏{‏الحق‏}‏ بكسر القاف جعله نعتاً لله؛ ومن قرأ بالضم جعله نعتاً للولاية‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏هُنَالِكَ الولاية‏}‏ بكسر الواو وضم القاف، وقرأ الباقون ‏{‏الولاية لِلَّهِ الحق‏}‏، وقال بعضهم‏:‏ الولاية بالكسر والنصب لغتان، وقيل بالكسر مصدر الوالي، يقال‏:‏ والي بين الولاية وبالنصب مصدر الولي بين الولاية‏.‏ ‏{‏هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا‏}‏، أي خير من أثاب العبد؛ ‏{‏وَخَيْرٌ عُقْبًا‏}‏، أي خير من أعقب‏.‏ قرأ حمزة وعاصم ‏{‏عُقْبًا‏}‏ بجزم القاف، وقرأ الباقون بضم القاف، ومعناهما واحد وهو العاقبة، فبيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا وبيّن حالهما في الآخرة، في سورة الصافات في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 51‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فاطلع فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الجحيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 55‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا‏}‏، أي للمشركين شبه ما في الدنيا من الزينة والزهرة‏.‏ ‏{‏كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء‏}‏، وهو المطر‏.‏ ‏{‏فاختلط بِهِ نَبَاتُ الارض‏}‏، أي اختلط الماء بالنبات، لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به النبات، فكأنه اختلط به، ‏{‏فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرياح‏}‏‏.‏ وفي الآية مضمر، ومعناه فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن، حتى إذا بلغ أرسل الله آفة فأيبسته فصار هشيماً، أي صار يابساً متكسراً بعد حسنه‏.‏ قال القتبي‏:‏ وأَصْلُهُ من هشمت الشيء إذا كسرته؛ ومنه سمي الرجل هاشماً ‏{‏تَذْرُوهُ الرياح‏}‏، أَي ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء، فكذلك الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة‏.‏ ‏{‏وَكَانَ الله على كُلّ شَئ مُّقْتَدِرًا‏}‏، أي قادراً من البعث وغيره‏.‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون الرياح بلفظ الجماعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 48‏]‏

‏{‏الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ‏(‏46‏)‏ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏47‏)‏ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏الْمَالُ والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا‏}‏، أي غروراً لا يبقى كما لا يبقى الهشيم حين ذرته الريح، وإنما يبقى في الآخرة‏.‏ ‏{‏والباقيات الصالحات‏}‏، أي الصلوات الخمس‏.‏ هكذا روي عن أبي الهيثم ومسروق؛ وقال مسروق‏:‏ ‏{‏يَعْمَلُونَ الصالحات‏}‏ هي الخمس صلوات، وهي الحسنات يذهبن السيئات، وكذلك قال ابن أبي مليكة‏:‏ وروى سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قوله ‏{‏والباقيات الصالحات‏}‏ قال‏:‏ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر‏.‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ وَقَالَ خُذُوا جُنَّتكُمْ، قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ الله أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ، قَالَ‏:‏ لاَ بَلْ مِنَ النَّارِ‏.‏ قَالُوا‏:‏ وَمَا جُنَّتُنَا مِنَ النَّارِ‏؟‏ قَال‏:‏ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلاَ إله إِلاَّ الله والله أَكْبَرُ‏.‏ ويقال‏:‏ كل طاعة يبقى ثوابها، فهي الباقيات الصالحات‏:‏ الصلاة والصدقة والتسبيح وجميع الطاعات‏.‏ ‏{‏خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً‏}‏، أي خير من هذه الزينة والغرور عند الله تعالى، وخير ما يثبت الله العبد، وخير أملاً أي خير ما يوصل العبد الصلاة والتسبيح، أي أفضل رجاء مما يرجو الكافر، لأن ثواب الكافر النار ومرجعه إلى النار‏.‏

‏{‏وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال‏}‏، أي نزيلها عن وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كقوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَئ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 88‏]‏‏.‏ ‏{‏وَتَرَى الارض بَارِزَةً‏}‏، أي ظاهرة من تحت الجبال، ويقال‏:‏ بارزة أي خالية مما فيها من الكنوز والأموات، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ‏{‏وَيَوْمَ * مِنْهُ الجبال‏}‏ بالتاء مع الضمة ونصب الياء وضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون ‏{‏نُسَيّرُ‏}‏ بالنون ونصب اللام، كما قال‏:‏ ‏{‏وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً‏}‏، أي لم نترك منهم أحداً ولا نخلف منهم أحداً‏.‏ ‏{‏وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا‏}‏، يقول‏:‏ جميعاً، كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 64‏]‏، أي جميعاً‏.‏ يقول الله تعالى ذكره‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ جِئْتُمُونَا‏}‏ فرادى عراة حفاةً، ‏{‏كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ بلا أهل ولا مال‏.‏ ‏{‏بَلْ زَعَمْتُمْ‏}‏، أي قد قلتم في الدنيا‏:‏ ‏{‏أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا‏}‏، أي لن نبعثكم في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ‏(‏49‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وَوُضِعَ الكتاب‏}‏ أي وضع كتاب كل امرئ منهم بيمينه أو بشماله، ‏{‏فَتَرَى المجرمين‏}‏؛ أي المشركين والمنافقين والعاصين‏.‏ ‏{‏مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ‏}‏، أي خائفين مما في الكتاب من الإحصاء‏.‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ ياويلتنا‏}‏، يا ندامتنا ‏{‏مَّالِ * هذا ***** الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً‏}‏‏؟‏ يعني‏:‏ الزلل والكبائر ويقال‏:‏ تبسماً وضحكاً، ‏{‏إِلاَّ أَحْصَاهَا‏}‏؛ يقول‏:‏ حفظها عليهم، ‏{‏وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ‏}‏ في الكتاب ‏{‏حَاضِرًا‏}‏ من خير أو شر مكتوباً‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏، أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزيد في سيّئاتهم‏.‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا للملائكة‏}‏ الذين كانوا في الأرض مع إبليس‏:‏ ‏{‏اسجدوا لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن‏}‏، قال بعضهم‏:‏ كان أصله من الجن فلحق بالملائكة وجعل يتعبد معهم، وقال مقاتل‏:‏ كان من الجن وهو جنس من الملائكة يقال لهم الجن‏.‏ روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة الذين هم خزان الجنان، ويقال‏:‏ كان من الجن أي صار من الجن، كقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ سآوى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ المآء قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 43‏]‏‏.‏ ‏{‏فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ‏}‏، أي تعظم من طاعة ربه وخرج عن طريق ربه؛ يقال‏:‏ فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها‏.‏ ‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى‏}‏‏؟‏ أفتطيعونه وتتركون أمر الله، ‏{‏وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ‏}‏‏؟‏ أي أعداء، كقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 4‏]‏ ‏{‏بِئْسَ للظالمين بَدَلاً‏}‏، أي بئس ما استبدلوا عبادة الشيطان بعبادة الله، ويقال‏:‏ بئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ولاية الشيطان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 56‏]‏

‏{‏مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ‏(‏51‏)‏ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ‏(‏52‏)‏ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ‏(‏53‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏(‏54‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ‏(‏55‏)‏ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ‏(‏56‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والارض‏}‏، أي ما استعنت بهم على خلق السموات والأرض، يعني‏:‏ إبليس وذريته ‏{‏وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ‏}‏، أي ولا استعنت بهم على خلق‏.‏ ‏{‏وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين‏}‏، أي ما كنت أتخذ الذين يضلون الناس عرفاً يعني‏:‏ الشياطين، ‏{‏عَضُداً * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ‏}‏، أي لعباد الأوثان وهو يوم القيامة، نادوا شركائي أي ادعوا آلهتكم، ‏{‏الذين زَعَمْتُمْ‏}‏ في الدنيا أنهم لي شركاء، ليمنعوكم مني من عذابي‏.‏ ‏{‏فَدَعَوْهُمْ‏}‏، يعني‏:‏ الآلهة، ‏{‏فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ‏}‏؛ أي لم يجيبوهم‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً‏}‏؛ قال مجاهد‏:‏ وادٍ في جهنم، وهكذا قال مقاتل، وقال القتبي‏:‏ أي مهلكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال‏:‏ أَوبقته ذنوبه ويقال‏:‏ موعداً، وقال الزجاج‏:‏ وجعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي وجعلنا بينهم وبين شركائهم الذين أضلوهم موبقاً أي مهلكاً‏.‏ قرأ حمزة ويوم ‏{‏نَّقُولُ‏}‏ بالنون وقرأ الباقون بالياء‏.‏

‏{‏وَرَأَى المجرمون النار‏}‏، أي رآها المشركون من مكان بعيد، ‏{‏فَظَنُّواْ‏}‏؛ أي علموا واستيقنوا ‏{‏أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا‏}‏، أي داخلوها، ‏{‏وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا‏}‏؛ أي معدلاً ولا ملجأً ولا مفراً يرجعون إليه‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا‏}‏، أي بيّنا ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان لِلنَّاسِ مِن‏}‏، أي من كل وجه ونوع ليتعظوا فلم يتعظوا، ويقال‏:‏ بينا من كل وجه يحتاجون إليه‏.‏ ‏{‏وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَئ جَدَلاً‏}‏ من أمر الباطل، يعني‏:‏ من أمر البعث مثل أبيّ بن خلف وأصحابه‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدثنا يحيى بن محمد الصاعد قال‏:‏ حدثنا العباس بن محمد الدوري قال‏:‏ حدثنا محمد بن بشر قال، للحجاج بن دينار قال، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ»‏.‏ والدليل على أن الإنسان أراد به الكافر ما قال في سياق الآية ‏{‏ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل‏}‏ الآية‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ‏}‏؛ يقول‏:‏ لم يمنع المشركون أن يصدقوا‏.‏ ‏{‏إِذْ جَاءهُمُ الهدى‏}‏، يعني‏:‏ الرسول والكتاب والدلائل والحجج‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ‏}‏، أي وما منعهم من الاستغفار والرجوع عن شركهم، ‏{‏إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاولين‏}‏، أي عذاب الأمم الخالية‏.‏ ‏{‏أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً‏}‏، أي عياناً بالسيف‏.‏ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ‏{‏قُبُلاً‏}‏ بضم القاف والباء، وقرأ الباقون بكسر القاف ونصب الباء‏.‏ فمن قرأ بالضم فهو بمعنى فعل من قبل، أي مما يقابلهم، ويجوز أن يكون جمع قبيل هو أن يأتيهم العذاب أنواعاً، ومن قرأ بالكسر معناه عياناً‏.‏

‏{‏وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ‏}‏، أي للمؤمنين بالجنة، ‏{‏وَمُنذِرِينَ‏}‏؛ أي للكافرين بالنار ‏{‏ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل‏}‏ أي يخاصموا بالباطل ‏{‏لِيُدْحِضُواْ بِهِ‏}‏ أي ليزيلوا ويذهبوا به ‏{‏الحق‏}‏ ومنه يقال‏:‏ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ إذا زالت عن الحجة وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏لِيُدْحِضُواْ بِهِ‏}‏ أي ليبطلوا به الحقَّ، يعني‏:‏ القرآن والإسلام، يعني‏:‏ يريدون أن يفعلوا إن قدروا عليه‏.‏ ‏{‏واتخذوا ءاياتى‏}‏، يعني‏:‏ القرآن ‏{‏وَمَا أُنْذِرُواْ‏}‏، أي وما خوفوا به ‏{‏هُزُواً‏}‏ أي سخرية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 59‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏57‏)‏ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ‏}‏ أي فلا أحد أظلم؛ ويقال‏:‏ أشد في كفره ‏{‏مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ‏}‏، أي وعظ بالقرآن، ‏{‏فَأَعْرَضَ عَنْهَا‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ فكذب بها ولم يؤمن بها، ‏{‏وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ‏}‏؛ أي نسي ذنوبه التي أسلفها‏.‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً‏}‏، أي جعلنا أعمالهم على قلوبهم أكنة ‏{‏أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏، أي لكيلا يعرفوه ولا يفهموه‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ‏}‏، أي صمماً وثقلاً مجازاة لكفرهم‏.‏ ‏{‏وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى‏}‏، أي إِلى الإسلام، ‏{‏فَلَنْ يَهْتَدُواْ‏}‏؛ أي لن يؤمنوا‏.‏ ‏{‏إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الغفور‏}‏، أي المتجاوز إن رجعوا‏.‏ ‏{‏ذُو الرحمة‏}‏، أي بتأخير العذاب عنهم، ‏{‏لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ‏}‏؛ أي لو يعاقبهم بكفرهم، ‏{‏لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب‏}‏ في الدنيا، ‏{‏بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ‏}‏، أي أجلاً‏.‏ ‏{‏لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً‏}‏، أي ملجأً يلجؤون إليه ولا منجى منه‏.‏

‏{‏وَتِلْكَ القرى‏}‏، أي أهلها يعني‏:‏ ‏{‏أهلكناهم لَمَّا ظَلَمُواْ‏}‏، يعني‏:‏ القرون الماضية حين أقاموا وثبتوا على كفرهم‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا‏}‏، أي لهلاكهم أَجلاً يهلكون فيه قرأ عاصم في رواية أبي بكر ‏{‏لِمَهْلِكِهِم‏}‏ بنصب الميم واللام، وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون بضم الميم ونصب اللام، ومعنى ذلك كله واحد قال الزجاج‏:‏ يكون للمصدر ويجوز للوقت وإن كان مصدراً، فمعناه جعلنا لوقت هلاكهم أجلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 65‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه‏}‏، أي لتلميذه وهو يوشع بن نون؛ وقال أَهل الكتاب‏:‏ إنما هو موسى بن إفراتيم بن يوسف بن يعقوب، وذكر عن القتبي أنه قال‏:‏ زعم أهل التوراة أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وقال عامة المفسرين‏:‏ هو موسى بن عمران الذي هو أخو هارون‏.‏ قال الفقيه رضي الله عنه‏:‏ حدثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدثنا أبو العباس قال‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى قال‏:‏ حدثنا أبو المغيرة قال‏:‏ حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن منبه، أن ابن عباس تمارى هو وقيس، وجبر بن قيس الفزاري في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه قال ابن عباس‏:‏ هو الخضر إذ مر أبي بن كعب، فناداه ابن عباس فقال‏:‏ تماريت أنا وهذا في صاحب موسى، فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلإِ بَنِي إسْرَائِيلَ، إذْ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ‏:‏ هَلْ تَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ مِنْكَ‏؟‏ فَقَالَ لا، فَأَوْحَى الله إلَيْهِ بَلْ عَبْدِي الخَضِرُ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إلَى لِقَائِهِ، فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيةً‏.‏ فَقَالَ‏:‏ إذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا ما قَصَّ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ»‏.‏ وروى سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ إن نوف البكالي زعم أن موسى نبي بني إسرائيل‏.‏ ليس هو موسى صاحب الخضر، فقال ابن عباس‏:‏ كذب عدو الله‏.‏ أخبرنا أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «قَامَ مُوسَى خَطِيباً في بَنِي إسْرَائِيلَ» وذكر نحو الحديث الأول‏.‏

وروى أسباط، عن السدي قال‏:‏ بلغنا أن موسى بن عمران نبي الله خطب خطبة فأبلغ فيها، فدخله بعض العجب وتعجبت بنو إسرائيل لبلاغته فقالوا‏:‏ يا نبي الله هل تعلم أحداً أبلغ منك فأوحى الله تعالى إليه أن لي عبداً في الأرض هو أعلم منك فاطلبه قال‏:‏ وما علامته‏؟‏ قال‏:‏ تنطلق معك بزاد، فإذا تعبت في سفرك أي أعييت وفقدت زادك، فعند ذلك تلقاه‏.‏ فانطلق موسى وفتاه يوشع بن نون وحملا معهما خبزاً وحوتاً، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه لا أَبْرَحُ‏}‏‏.‏ قال الكلبي‏:‏ وإنما سماه موسى فتًى لأنه كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه، وكان يوشع من أشراف بني إسرائيل، وهو الذي استخلفه موسى على بني إسرائيل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان فتاه يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى من سبط يوسف‏.‏

‏{‏لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين‏}‏، أي بحر الملح وهو بحر فارس وبحر الروم والبحر العذب؛ وقد قيل‏:‏ معناه آتي الموضع الذي يجتمع فيه بين العالمين يعني‏:‏ موسى والخضر، وهما بحران في العلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 71‏]‏

‏{‏قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ‏}‏، أي أصحبك ‏{‏على أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً‏}‏، أي هدى وصواباً‏.‏ قرأ أبو عمرو وابن عامر ‏{‏رَشَدًا‏}‏ بالنصب، وقرأ الباقون بالضم عن عاصم ونافع، ومعناهما واحد‏.‏ فقال له الخضر‏:‏ إن لك فيما في التوراة كفاية من طلب العلم في بني إسرائيل وفضل أنت سترى مني أشياء تنكرها ولا ينبغي للرجل الصالح أن يرى شيئاً منكراً لا يغيره؛ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏، يعني‏:‏ إنك ترى مني أشياء لا تصبر عليها‏.‏ ‏{‏وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً‏}‏‏؟‏ أي ما لم تعلم به علماً‏.‏ ويقال‏:‏ معناه كيف تصبر على ما ظاهره منكر‏؟‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً‏}‏، أي لا أترك أمرك فيما أمرتني‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ الخضر‏:‏ ‏{‏فَإِنِ اتبعتنى‏}‏، أي صحبتني ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَئ‏}‏ فعلت، ‏{‏حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً‏}‏؛ أي حتى أخبرك منه خبراً، يعني‏:‏ إن أنكرته فلا تعجل عليّ بالمسألة‏.‏ فأمر موسى يوشع أن يرجع إلى بني إسرائيل وأقام موسى مع الخضر‏.‏

قرأ نافع ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنى‏}‏ بتشديد النون مع إثبات الياء والتقدير للتأكيد للنهي، وقرأ ابن عامر ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنى‏}‏ بتشديد النون بغير ياء لأن الكسرة تدل عليه، وقرأ الباقون ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنى‏}‏ بالتخفيف وإثبات الياء، وقرأ بعضهم بالتخفيف بغيره‏.‏

‏{‏فانطلقا‏}‏، يعني‏:‏ موسى والخضر، وذلك أن موسى رد يوشع إلى بني إسرائيل وذهب موسى مع الخضر‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة‏}‏؛ وذلك أنهما لما أتيا السفينة، قال أهل السفينة؛ لا يدخل علينا هذان الرجلان، فإنا لا نعرفهما ونخاف على متاعنا منهما‏.‏ فقال الملاح؛ بل سيماهما سيما الزهاد، فحملهما في السفينة بغير نول أي مجاناً‏.‏ فأخذ الخضر فأساً لما ركب السفينة، وجعل يثقب السفينة ويخرقها، فقال أهل السفينة؛ الله الله لا تخرق سفينتنا فتغرق‏.‏ فقال موسى؛ حملنا بغير نول وتخرق السفينة وتغرق أهلها‏؟‏ فذلك قوله؛ ‏{‏حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة‏}‏ ‏{‏خَرَقَهَا‏}‏، أي ثقبها‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى؛ ‏{‏أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا‏}‏‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏***ليُغْرِقَ‏}‏ بالياء والنصب ‏{‏أَعِزَّةَ أَهْلِهَا‏}‏ بضم اللام، وقرأ الباقون بالتاء والضم وكسر الراء والنصب في اللام؛ فمن قرأ برفع التاء فالأهل هو المفعول‏.‏ ‏{‏لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا‏}‏، أي منكراً شديداً‏.‏ قال القتبي‏:‏ ‏{‏أمْراً‏}‏ أي داهية وكذلك ‏{‏نُّكْراً‏}‏، إلا أن النكر أشد استعظاماً بالعين وإنكاراً بالقلب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 74‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ له الخضر‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏‏.‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ قال له موسى‏:‏ يا عبد الله، إنه لا يحل لك أن تخرق سفينة القوم فتغرقهم‏.‏ فلم يكلمه الخضر، وجعل يخرق السفينة حتى خرقها، فتنحى موسى وجلس فقال‏:‏ وما كنت أمنع أن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء القوم، وقد كنت في بني إسرائيل أقرأ عليهم كتاب الله غدوة وعشية، ويقبلون مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم‏.‏ فقال الخضر‏:‏ يا موسى، أتدري ما حدثت به نفسك‏؟‏ فقال موسى‏:‏ ما هو‏؟‏ قال الخضر‏:‏ قلت‏:‏ كنت في بني إسرائيل أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية، يقبلونه مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم‏.‏ قال له‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏‏.‏

قال‏:‏ فجاء عصفور فوقع على جانب السفينة، فنقر من البحر نقرة من الماء ثمّ طار فقال الخضر‏:‏ والله ما ذهبت أنا وأنت من العلم في علم الله تعالى، إلا مثل ما يغرف هذا العصفور من الماء من هذا البحر‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى‏:‏ ‏{‏لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ‏}‏، أي بما تركت من وصيتي‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هذا من معاريض الكلام، لأن موسى لم ينس ولكن قال‏:‏ ‏{‏لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ‏}‏ يقول إذا كان مني نسيان فلا تؤاخذني به‏.‏ ‏{‏وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً‏}‏، يعني‏:‏ لا تكلفني من أمري شدة‏.‏ ‏{‏فانطلقا‏}‏، أي خرجا من السفينة ومضيا، ‏{‏حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا‏}‏؛ قال الكلبي‏:‏ كان اسمه خشنوذ‏.‏ وقال غيره‏:‏ كان اسمه خربث بن كاذري فقتله، أي أخذ برأسه قرعة‏.‏ قال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ كان رجلاً إلا أنه لم يهتك بعد، وكان كافراً يقطع الطريق؛ وقال سعيد بن جبير في رواية ابن عباس‏:‏ كان صبياً غير مدرك فمر بغلمان يلعبون، فأخذ برأس غلام منهم فقطعه؛ وقال في بعض الروايات‏:‏ خنقه؛ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَقَتَلَهُ‏}‏‏.‏ وروي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس أن النبي نهى عن قتل الصبيان في دار العرب، وأن صاحب موسى قد قتل صبيّاً قكتب إليه ابن عباس‏:‏ إنك لو علمت من الصبيان ما علم صاحب موسى، جاز لك أن تقتله‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ له موسى‏:‏ ‏{‏أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏، أي طاهرة بغير ذنب‏؟‏ ويقال‏:‏ زكية لم تجن عليك بغير نفس، يقول‏:‏ بغير دم وجب عليها‏.‏ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ‏{‏***زَاكِيَةً‏}‏ بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف؛ ومعناهما واحد مثل قاسية وقسية، وقال القتبي الزكية المطهرة التي لم تذنب قط‏.‏ ‏{‏نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً‏}‏، أي منكراً أي أَمراً فظيعاً‏.‏ قال القتبي‏:‏ إنما قال ها هنا نكراً، لأن قتل النفس أشد استعظاماً من خرق السفينة؛ وقال الزجاج‏:‏ نكراً أقل من إمراً، لأن إغراقه من في السفينة كان أعظم عنده من قتل النفس الواحدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 79‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ الخضر‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً‏}‏؛ وقد زاد هنا لك للتأكيد‏.‏ قيل‏:‏ لأنه قد سبق منه الزجر مرة‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى‏:‏ ‏{‏إِن سَأَلْتُكَ عَن شَئ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى‏}‏، يعني‏:‏ إن طلبت صحبتك فلا تبايعني؛ وقد قرئ ‏{‏فَلا‏}‏ أبداً‏.‏ ‏{‏تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً‏}‏؛ يقول‏:‏ قد أعذرت فيما بيني وبينك في الصحبة‏.‏ ‏{‏فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ‏}‏؛ قال ابن عباس‏:‏ وهي أنطاكية، ‏{‏استطعما أَهْلَهَا‏}‏، أي‏:‏ استضافاً، قال بعضهم‏:‏ سألاهم؛ وقال بعضهم‏:‏ لم يسألاهم ولكن كان نزولهما بين ظهرانيهم بمنزلة السؤال منهما‏.‏ ‏{‏فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا‏}‏، يعني‏:‏ لم يطعموهما‏.‏ ‏{‏فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً‏}‏، يعني‏:‏ في تلك القرية‏.‏ ‏{‏يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ‏}‏؛ وهذا كلام مجاز لأن الجدار لا يكون له إرادة، ومعناه كاد أن يسقط، ‏{‏فَأَقَامَهُ‏}‏؛ يعني‏:‏ سواه الخضر‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ موسى‏:‏ ‏{‏لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً‏}‏، أي جعلاً خبزاً تأكله‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏***لَتَخِذْتُ‏}‏ بغير ألف وكسر الخاء؛ والباقون ‏{‏شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ‏}‏ ومعناهما واحد‏.‏ وقرأ نافع ‏{‏مِن لَّدُنّى‏}‏ بنصب اللام وضم الدال وتخفيف النون؛ وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو ‏{‏مِن لَّدُنّى‏}‏ بتشديد النون وهي اللغة المعروفة، والأول لغة لبعض العرب‏:‏ واختلف الروايات عن عاصم‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ الخضر‏:‏ ‏{‏هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ‏}‏، أي هذا شرط الفراق بيني وبينك وأنت حكمت على نفسك‏.‏ ‏{‏سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ‏}‏، أي بتفسير ‏{‏مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً‏}‏، أي تعلم ما رأيتني أصنع فأنكرت لتغرق أهلها وتأويله‏.‏

‏{‏أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر‏}‏، ويكسبون قوتهم، ‏{‏فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا‏}‏؛ أي أجعلها معيبة‏.‏ ‏{‏وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ‏}‏، أي أمامهم ملك‏.‏ روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ‏:‏ وَكَانَ أَمَامَهُمْ ملك‏:‏ ‏{‏يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً‏}‏؛ وكان ابن عباس يقرأ أيضاً كل سفينة صالحة غصباً أَي‏:‏ كل سفينة بغير عيب‏.‏ وكان اسم الملك جلنذا، يعني‏:‏ أنها لو كانت بغير عيب أخذها الملك؛ فإذا كانت مع العيب تبقى للمساكين‏.‏ قال الفقيه أبو الليث‏:‏ فيه دليل أن للوصي أن ينقض مال اليتيم إذا رأى فيه صلاحاً، وهو أنه لو كانت له دار نفيسة، فخاف أن يطمع فيها بعض السلاطين، فأراد أن يخرب بعضها ليبقيها لليتيم جاز‏.‏ وروي عن أبي يوسف أنه كان يجيز مصانعة الوصي في مال اليتيم، وهو يدفع من ماله شيئاً إلى السلطان ليدفعه عن بقية ماله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 82‏]‏

‏{‏وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا‏}‏، أي يقول يكلفهما ‏{‏طغيانا وَكُفْراً‏}‏، يقول؛ تمادياً وإثماً‏.‏ ‏{‏فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا‏}‏ قرأ نافع وأبو عمرو ‏{‏يُبْدِلَهُمَا‏}‏ بتشديد الدال، وقرأ الباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد‏.‏ يقال‏:‏ بدل وأبدل بمعنى واحد أي يعطيهما ولداً غير هذا الولد‏.‏ ‏{‏رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ‏}‏، أي أفضل‏.‏ ‏{‏زكواة‏}‏، أي ولداً صالحاً‏.‏ ‏{‏وَأَقْرَبَ رُحْماً‏}‏، أي أوصل رحماً ويقال رحماً‏.‏ ويقال‏:‏ أقرب رحمة وعطفاً عليهما‏.‏ قال الكلبي‏:‏ فولدت امرأته جارية فتزوجها نبي من الأنبياء، فهدى الله على يده أمة من الأمم‏.‏

‏{‏وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة‏}‏ أحدهما أصرم والآخر صريم، ‏{‏وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا‏}‏؛ قال الكلبي‏:‏ أي مال لهما، وقال مقاتل ومجاهد‏:‏ كل شيء في القرآن من كنز فهو مال غير هنا، فإنه الصحف التي فيها علم؛ وقال الضحاك‏:‏ كنز لهما أي علم لهما قال الفقيه‏:‏ حدّثني أبي بإسناده عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وجد تحت الجدار الذي قال الله تعالى ‏{‏وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا‏}‏ لوح من ذهب؛ والذهب لا يصدأ ولا ينقص مكتوب فيه بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏.‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ كان في اللوح خمس كلمات وذكر نحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا‏}‏ ذا أمانة واسمه كاشح، فحفظا بصلاح أبيها ولم يذكر منهما صلاحاً‏.‏ روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إنّ الله تَعَالَى لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ الرَّجُلِ أهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَأَهْلَ الدُّوَيْرَاتِ حوله»‏.‏ ‏{‏فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا‏}‏، أي يبلغا مبلغ الرجال، ‏{‏وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رَّبّكَ‏}‏؛ أي نعمة من ربك‏.‏ ‏{‏وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى‏}‏ أي من قبل نفسي ولكن الله أمرني به‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ تَأْوِيلُ‏}‏، أي تفسير ‏{‏مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً‏}‏‏.‏ تستطع وتسطع بمعنى واحد، يقال‏:‏ اسطاع واستطاع‏.‏

قال الفقيه رضي الله عنه‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمد الدوري قال‏:‏ حدّثنا الحجاج الأعور قال‏:‏ حدّثنا حمزة الزيات، عن أبي إسحق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه وقال‏:‏ «رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى فَلَوْ كَانَ صَبَرَ لَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا»‏.‏ وفي رواية أخرى‏:‏ «لَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا العَجَائِبَ» فلما أراد موسى أن يرجع، قال للخضر‏:‏ أوصني‏.‏ فقال له الخضر‏:‏ إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين بخطاياهم، وابكِ على خطيئتك يا ابن عمران‏.‏ قال مجاهد‏:‏ إنما سمي الخضر خضراً، لأنه لا يكون بأرض إلا اخضرت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 86‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين‏}‏، وكان اسمه اسكندر‏.‏ وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له‏:‏ لم سمي ذا القرنين‏؟‏ فقال‏:‏ اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم‏:‏ لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم‏:‏ لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقال بعضهم‏:‏ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، فسماه الملك الذي عند قاف ذا القرنين، ويقال‏:‏ رأى في المنام أنه دنا من الشمس وأخذ منها، فقصَّ رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين، وقال الزجاج‏:‏ سمي ذا القرنين لأنه كان له ضفيرتان‏.‏ وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال‏:‏ ضرب على قرني رأسه، وقيل‏:‏ لأنه بلغ قطر الأرض؛ وقال عكرمة‏:‏ كان ذو القرنين نبياً ولقمان نبياً والخضر نبياً، وروى مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص كان ذو القرنين نبياً؛ وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال‏:‏ كان رجلاً صالحاً ولقمان كان رجلاً حكيماً؛ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذي القرنين فقال‏:‏ هو ملك يسبح في الأرض؛ وقال مجاهد‏:‏ ملك الأرض أربعة، اثنان مؤمنان واثنان كافران‏.‏ أما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً‏}‏، أي خبراً وعلماً من الله تعالى‏.‏ ‏{‏إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الارض‏}‏، أي ملكناه وأعطيناه ‏{‏واتيناه مِن كُلّ شَئ سَبَباً‏}‏، أي علماً؛ ويقال‏:‏ أعطيناه علم الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها، ويقال‏:‏ علماً بالطريق ‏{‏فَأَتْبَعَ سَبَباً‏}‏، أي أخذ طريقاً فسار إلى المغرب، ‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏؛ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ‏{‏***حَامِئَةٍ‏}‏ بالألف، وقرأ الباقون ‏{‏عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ بغير ألف‏.‏ فمن قرأ ‏{‏***حَامِئَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ جائرة، ومن قرأ بغير ألف يعني‏:‏ من طينة سوداء منتنة‏.‏ وروي أن معاوية قرأ ‏{‏فِى عَيْنٍ‏}‏ فقال ابن عباس‏:‏ ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو‏:‏ كيف تقرؤها‏؟‏ فقال‏:‏ كما قرأتها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ في بيتي نزل القرآن، فبعث معاوية إلى كعب يسأله‏:‏ أين تجد الشمس تغرب في التوراة‏؟‏ قال‏:‏ في ماء وطين وقال‏:‏ في مذرة سوداء‏.‏ قال القتبي ‏{‏عَيْنٍ حَمِئَةٍ‏}‏ ذات حمات، والحامية حارّة‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع ‏{‏فَأَتْبَعَ‏}‏ بتشديد التاء وكذلك ما بعده وقرأ الباقون فأتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد‏.‏

‏{‏وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً‏}‏، أي عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين وكافرين فظهر عليهم‏.‏ ‏{‏قُلْنَا ياذا *** ذَا **القرنين‏}‏؛ قال مقاتل‏:‏ أوصى الله تعالى إليه، وقال ابن عباس‏:‏ ألهمه الله تعالى‏.‏ ‏{‏إِمَّا أَن تُعَذّبَ‏}‏، يعني‏:‏ أن تقتل من كان كافراً؛ ‏{‏وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً‏}‏، يعني‏:‏ تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمناً؛ وقال بعضهم‏:‏ كانوا كلهم كفاراً قيل له‏:‏ إما أن تعذب من لم يؤمن، وإما أن تتخذ فيهم حسناً لمن آمن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 93‏]‏

‏{‏قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ‏(‏93‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ ذو القرنين‏:‏ ‏{‏أَمَّا مَن ظَلَمَ‏}‏، أي كفر بالله، ‏{‏فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ‏}‏؛ أي نقتله إن لم يتب‏.‏ ‏{‏ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ‏}‏ في الآخرة، ‏{‏فَيْعَذّبُهُ‏}‏ في النار ‏{‏عَذَاباً نُّكْراً‏}‏؛ يقول شديداً‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ امَنَ‏}‏ صدق بالله، ‏{‏وَعَمِلَ صالحا‏}‏ فيما بينه وبين الله تعالى، ‏{‏فَلَهُ جَزَاء الحسنى‏}‏‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ‏{‏جَزَاء‏}‏ بنصب الألف والتنوين، وقرأ الباقون بضم الألف بغير تنوين؛ فمن قرأ بالنصب فمعناه أن له الحسنى جزاء، صار الجزاء نصباً للحال؛ ومن قرأ بالضم جزاءً للإضافة بغير جزاء إحسان‏.‏ ‏{‏وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً‏}‏، أي سنعد له في الدنيا معروفاً عدة، ويقال‏:‏ وسنقول له قولاً جميلاً‏.‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏، أي أخذ طريقاً‏.‏ وقال القتبي‏:‏ السبب أصله الحبل، ثمّ كل شيء توصلت به إلى موضع أو حاجة فهو سبب‏.‏ تقول‏:‏ فلان سببي إليك، أي وصلتي، وتسمى الطريق سبباً، لأنه يصل إلى الموضع الذي يريده‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً‏}‏، أي لم يكن لهم من دون الشمس شيء يظلهم، لا شجر ولا جبل ولا ثوب، إلا عراة عماة عن الخلق؛ وكانوا في مكان لا يستقر عليه البناء وقال قتادة‏:‏ يقال إنهم الزنج، وكانوا في مكان لا ينبت فيه نبات، وكانوا يدخلون سرباً إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم ويخرجون في معايشهم‏.‏

‏{‏كذلك‏}‏ يعني‏:‏ هكذا بلغ مطلع الشمس أيضاً، كما بلغ مغربها‏.‏ ثم استأنف فقال‏:‏ ‏{‏وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً‏}‏، أي بما عنده علماً‏.‏ وهذا قول مقاتل ‏{‏كذلك‏}‏ أي‏:‏ كما أخبرتك بهذا الخبر، كذلك كان علمنا محيطاً به قبل ذلك‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً‏}‏، أي أخذ طريقاً‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ‏}‏، أي بين الجبلين؛ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ‏{‏السَّدَّيْنِ‏}‏ بضم السين وكذلك الثاني والذي في سورة يس، وروى حفص عن عاصم أنه نصب كله، وابن كثير وأبو عمرو نصبا هاهنا ورفعا في يس، وحمزة والكسائي رفعا بين السدين ونصبا ما سوى ذلك وقال بعض أهل اللغة‏:‏ ما كان مسدوداً خلقة فهو سَد بالنصب، وما كان بعمل الناس فهو سد بالضم‏.‏ وروي عن ابن عباس ومجاهد وقيل‏:‏ إن المراد هاهنا طرفا الجبل‏.‏ ‏{‏وَجَدَ مِن دُونِهِمَا‏}‏، أي من قبل الجبلين ‏{‏قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً‏}‏، أي كلاماً غير كلامهم ولساناً غير لسانهم‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏يَفْقَهُونَ‏}‏ بضم الياء وكسر القاف، يعني‏:‏ أن كلامهم لا يفهمه أحد غيرهم؛ وقرأ الباقون ‏{‏يَفْقَهُونَ‏}‏ بالنصب، يعني‏:‏ أنهم لا يفقهون قول غيرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 97‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ يأَبَانَا ذَا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الارض‏}‏، أي يخرجون إلى أرضنا ويأكلون رطبنا ويحملون يابسنا ويقتلون أولادنا‏.‏ وكان يأجوج رجلاً ومأجوج رجلاً، وكانا أخوين من بني يافث بن نوح، فكثر نسلهما فنسب إليهما‏.‏ ويقال‏:‏ سمي يأجوج ومأجوج لكثرتهم وازدحامهم، لأنهم يموجون بعضهم في بعض‏.‏ ‏{‏فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً‏}‏؛ قرأ عاصم‏:‏ ‏{‏يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ‏}‏ بهمز الألف، وقرأ الباقون بغير همز، وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏***خَرَاجاً‏}‏ بالألف وقرأ الباقون ‏{‏لَكَ خَرْجاً‏}‏ بغير ألف، ويقال‏:‏ الخراج هو الضريبة، والخرج هو الجعل؛ ويقال‏:‏ أحدهما اسم والآخر مصدر‏.‏ ‏{‏على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا سَدّا‏}‏، أي حاجزاً‏.‏

ف ‏{‏قَالَ‏}‏ ذو القرنين‏:‏ ‏{‏مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ‏}‏؛ قرأ ابن كثير ‏{‏مَا‏}‏ بنونين وهو الأصل في اللغة، وقرأ الباقون ‏{‏مَا مَكَّنّى‏}‏ فأدغم إحدى النونين في الأخرى وأقيم التشديد مقامه، أي ما ملَّكني وأعطاني فيه ربي من القوة والمال خير من جعلكم في الدنيا، ويقال‏:‏ ما يعطيني الله تعالى في الأخرى من ثواب خير‏.‏ ‏{‏فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ‏}‏ قالوا‏:‏ وما تريد‏؟‏ قال‏:‏ آلة العمل وهي آلة الحدادين‏.‏ ‏{‏أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا‏}‏‏.‏ قالوا‏:‏ وَمَا هِيَ‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏زُبَرَ الحديد حتى‏}‏، أي قطع الحديد ‏{‏أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ *** سَدّا‏}‏ قرأ عاصم في إحدى الروايتين ‏{‏***إيتُونِي‏}‏ على معنى جيئوني، وقرأ الباقون ‏{‏رَدْمًا ءاتُونِى‏}‏ بمد الألف أي أعطوني‏.‏ فأتوه بقطع الحديد فبناه‏.‏

‏{‏حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين‏}‏؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ‏{‏الصدفين‏}‏ بضم الصاد والدال، وقرأ عاصم بضم الصاد وجزم الدال، وقرأ الباقون بنصب الصاد والدال؛ وهما ناحيتا الجبل‏.‏ فأخذ قطع الحديد وجعل بينهما حطباً وفحماً، ووضع المنافخ وقال‏:‏ انفخوا‏.‏ فنفخوه حتى صار كهيئة النار‏.‏ ثم أتى بالصفر ويقال بالنحاس، فأذابه وأفرغ عليه حتى صار جبلاً من حديد ونحاس، فذلك قوله ‏{‏حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين‏}‏ أي بين الجبلين‏.‏ ‏{‏قَالَ انفخوا‏}‏، فنفخوا‏.‏ ‏{‏حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً‏}‏، أي صيَّر الحديد ناراً، ‏{‏قَالَ اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً‏}‏، وهو الصفر المذاب أصبُبْ عليه‏.‏ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة ‏{‏قَالَ ائتونى‏}‏ بجزم الألف والباقون بالمد ‏{‏فَمَا اسطاعوا‏}‏، أي فما قدروا ‏{‏أَن يَظْهَرُوهُ‏}‏، يعني‏:‏ أن يعلوا فوق السد‏.‏ ‏{‏وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا‏}‏، أي ما قدروا على نقب السد‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏مَا * استطاعوا لَهُ نَقْبًا‏}‏ أي ما تحت السد في الأرض، لأنه بناه في الأرض إلى السماء‏.‏

قال الفقيه رضي الله عنه‏:‏ حدّثنا عمرو بن حمد قال‏:‏ حدّثنا أبو بكر الواسطي قال‏:‏ حدّثنا إبراهيم بن يوسف قال‏:‏ حدّثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال‏:‏

«إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ الرَّدْمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إذا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْس، قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُهُ غَداً، فَيُعِيدُهُ الله كَمَا كَانَ‏.‏ حَتَّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُه غَداً إنْ شَاءَ الله تَعَالَى‏.‏ فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَإذا هُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِيَاهَ وَتُحَصَّنُ النَّاسُ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَبْعَثُ الله عَلَيْهِمْ نغفاً فِي أَقْفِيَتِهِمْ فَيُهْلِكُهُمُ الله بِهَا»‏.‏ وروى أبو صالح، عن ابن عباس أن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يلد لصلبه ألف ابن، وذكر أن يأجوج ومأجوج، كما ذكرنا، وهما ابنا يافث بن نوح، فإذا انكسر السد، وذلك عند اقتراب الساعة، يخرجون فيمرون ببحيرة طبرية بأرض الشام وهي مملوءة ماء فيشربها أولهم، ثم يمر آخرهم فيقولون لقد كان هاهنا مرة ماء‏.‏ قال‏:‏ والسد نحو بنات نعش، ثم يمرون بالبحر فيأكلون ما في جوفه من سمك وسرطان وسلحفاة ودابة، ثم يأكلون ورق الشجر، ويأكلون ما في الأرض من شيء، ويهرب الناس منهم فيقتلون من قدروا عليه، ولا يستطيعون أن يأتوا أربعة مساجد‏:‏ المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد طور سيناء‏.‏ ثم لا يرون على الأرض غيرهم، ثم يقولون‏:‏ لقد قتلنا أهل الأرض وبقي أهل السماء، فيرمون سهامهم نحو السماء فتصيب الطير في جو السماء، فترجع سهامهم مختضبة بالدماء فيقولون‏:‏ لقد قتلنا أهل السماء وأهل الأرض ولم يبقَ غيرنا‏.‏ فيبعث الله تعالى عليهم دوداً يُسمَّى النغف، فيدخل في آذانهم فيقتلهم، فتنتن الأرض من جيفهم، ثم يرسل الله تعالى أربعين يوماً حتى يحمل السيل جيفهم فيرميها إلى البحر، ويعود البحر كما كان‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏فَمَا اسطاعوا‏}‏ بتشديد الطاء والباقون بالتخفيف‏.‏ فلما فرغ ذو القرنين من بناء السد‏.‏