فصل: سورة مريم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الشعراوي



.سورة مريم:

.تفسير الآية رقم (1):

{كهيعص (1)}
هذه خمسة حروف مقطعة، تُنطق باسم الحرف لا بمُسمَّاه، لأن الحرف له اسم وله مُسمَّى، فمثلاً كلمة(كتب) مسماها(كتب) أما بالاسم فهي كاف، تاء، باء. فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ.
وفي القرآن الكريم سور كثيرة ابتُدِئَتْ بحروف مُقطعة تُنطق باسم الحرف لا مُسمَّاه، وهذه الحروف قد تكون حَرفاً واحداً مثل: ن، ص، ق. وقد تكون حرفين مثل: طه، طس. وقد تكون ثلاثة أحرف مثل: الم، طسم. وقد تأتى أربعة أحرف مثل: المر. وقد تأتى بخمسة أحرف مثل: كهيعص، حمعسق.
لذلك نقول: لابد في تعلُّم القرآن من السماع، وإلاَّ فكيف تُفرِّق بين الم في أول البقرة فتنطقها مُقطَّعة وبين {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] فتنطقها موصولة؟ وصدق الله تعالى حين قال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} [القيامة: 18].
ونلاحظ في هذه الحروف أنه يَنطِق بالمسمّى المتعلم وغير المتعلم، أما الاسم فلا ينطق به ولا يعرفه إلا المتعلّم الذي عرف حروف الهجاء. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميّاًَ لم يجلس إلى معلم، وهذا بشهادة أعدائه، فمن الذي علمه هذه الحروف؟
إذن: فإذا رأيت هذه الحروف المقطعة فاعلم أن الحق سبحانه وتعالى نطق بها بأسماء الحروف، ونحن نتكلم بمُسمَّيات الحروف لا بأسمائها.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ}

.تفسير الآية رقم (2):

{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)}
الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء ابتداءً، والحديث عن شيء لم يكُنْ لك به سابق معرفة، ومنه التذكير بشيء عرفته أولاً، ونريد أن نُذكِّرك به، كما في قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين} [الذاريات: 55].
ويُطلَق الذكْر على القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وفي القرآن أفضل الذكر، وأصدق الأخبار والأحداث. كما يُطلق الذكر على كل كتاب سابق من عند الله، كما جاء في قوله تعالى: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
والذكْر هو الصِّيت والرِّفْعة والشرف، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10] أي: فيه صِيتكم وشرفكم، ومن ذلك قولنا: فلان له ذِكْر في قومه.

ومن الذكْر ذِكْر الإنسان لربه بالطاعة والعبادة، وذكْر الله لعبده بالمثوبة والجزاء والرحمة ومن ذلك قوله تعالى: {فاذكروني أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152].
فقوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [مريم: 2] أي: هذا يا محمد خبر زكريا وقصته ورحمة الله به.
والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته، إذن: فكلُّ راحم ولو من البشر، وكلُّ مرحوم ولو من البشر، ماذا يصنع؟ يعطى غيره شيئاً من النصائح تُعينه على أداء مهمته على اكمل وجه، فما بالك إنْ كانت الرحمة من الخالق الذي خلق الخلق؟ وما بالك إذا كانت رحمة الله لخير خَلْقه محمد؟
إنها رحمة عامة ورحمة شاملة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء وأكرمهم وخاتمهم، فلا وَحْيَ ولا رسالة من بعده، ولا إكمال. إذن فهو أشرف الرسل الذين هم أشرف الخَلْق، ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار مهمته، ومهمة محمد أكرم المهمات.
وكلمة(رَحْمَة) هنا مصدر يؤدي معنى فعله، فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول، كما نقول: آلمني ضَرْب الرجل ولدَه، فمعنى: {رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] أي: رحم ربُّك عبده زكريا.
لذلك قال تعالى: {رَحْمَةِ رَبِّكَ} [مريم: 2] لأنها أعلى أنواع الرحمة، وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا، فقد خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به، بل هي رحمة عامة لجميع العاملين، وهذه منزلة كبيرة عالية.
فالمراد من {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] يعنى هذا الذي يُتلَى عليك الآن يا محمد هو ذِكْر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجلُّ الرحمات بعبده زكريا.
وسبق أن أوضحنا أن العبودية للخَلْق مهانة ومذلَّة، وهي كلمة بشعة لا تُقبل، أما العبودية لله تعالى فهي عِزٌّ وشرف، بل مُنتهَى العِزّ والشرف والكرامة، وعللنا ذلك بأن العبودية التي تسوء وتُحزِن هي عبودية العبد لسيد يأخذ خيره، أما العبودية لله تعالى فيأخذ العبد خير سيده.
لكن، ما نوع الرحمة التي تجلى الله تعالى بها حين أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بخبر عبده زكريا؟
قالوا: لأنها رحمة تتعلق بطلاقة القدرة في الكون، وطلاقة القدرة في أن الله تبارك وتعالى خلق للمسبِّبات أسباباً، ثم قال للأسباب: أنت لست فاعلة بذاتك، ولكن بإرادتي وقدرتي، فإذا أردتُك ألاَّ تفعلي أبطلْتُ عملك، وإذا كنت لا تنهضين بالخير وحدك فأنا أجعلك تنهضين به.
ومن ذلك ما حدث في قصة خليل الله إبراهيم حين ألقاه الكفار في النار، ولم يكن حظ الله بإطفاء النار عن إبراهيم، أو بجَعْل النار بَرْداً وسلاماً على إبراهيم أن يُنجي إبراهيم؛ لأنه كان من الممكن ألاَّ يُمكّنَ خصوم إبراهيم عليه السلام من القبض عليه، أو يُنزِل مطراً يُطفئ ما أوقدوه من نار، لكن ليست نكاية القوم في هذا، فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم، أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا: لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا كذا وكذا، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا.
إذن: شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء، وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلاً، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69].
وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلاً على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسباباً، فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبِّب، ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب، وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب.
وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى، ويخلق حواء من ذكر دون أنثى، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر.
فالقدرة الإلهية إذن غير مُقيَّدة بالأسباب، وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة، فنرى الرجل والمرأة زوجين، لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه، فهو القائل: {لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49- 50].
وطلاقة القدرة في قصة زكريا عليه السلام تتجلى في أن الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أنْ يرزقَه الولد. قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2].
أي: رحمه الله، لكن متى كانت هذه الرحمة؟
يقول الحق تبارك وتعالى: {إِذْ نادى رَبَّهُ}

.تفسير الآية رقم (3):

{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)}
أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداءً خفياً.
والنداء لَوْن من ألوان الأساليب الكلامية، والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر، وهو أن تخبر عن شيء بكلام يحتمل الصدق أو الكذب. وإنشاء، وهو أنْ تطلب بكلامك شيئاً، والإنشاء قَوْلٌ لا يحتمل الصدق أو الكذب.
والنداء من الإنشاء؛ لأنك تريد أن تنشئ شيئاً من عندك، فلو قُلْت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالاً عليك، فالنداء إذن طلبُ الإقبال عليك، لكن هل يصح أن يكون النداء من الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادى إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنية منك.
فكيف تنادى ربك تبارك وتعالى وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجوداً في كل وقت، فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من النداء: الدعاء.
ووَصْف النداء هنا بأنه: {نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق، يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع، إنه نداء لله تبارك وتعالى الذى يستوي عنده السر والجهر، وهو القائل: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [الملك: 13].
ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].
وهو سبحانه {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7] أي: وما هو أَخْفى من السر؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرّاً، علم أنه سيكون سراً.
لذلك، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء، إنْ سمعه غيره ربما استنقصه، فجعل الدعاء خَفياً بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس.
أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين، وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس، وليكون طليقاً في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه. وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شئ، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته.
لكن لماذا أخفي زكريا دعاءه؟
دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته.
أخفاه أيضا؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده، إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه؛ لذلك جاء دعاؤه خفياً يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى.
سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً، وأصبحت امرأته عاقراً؟
لقد أوضح زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6].
إذن: فالعِلَّة في طلب الولد دينية مَحْضة، لا يطلبه لمغْنَم دنيوي، إنما شغفه بالولد أنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد.
لذلك قوله:(يرثني) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم.
فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6] أي: النبوة التي تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبداً أن نفهم الميراث على انه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] ففي أيِّ شئ ورثه؟ أورثه في تركته؟ إذن: فما موقف إخوته الباقين؟ لابد أنه ورثه في النبوة والملك، فالمسألة بعيدة كل البعد عن الميراث المادي.
ثم يقول الحق سبحانه أن زكريا عليه السلام قال: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ}