فصل: الجزء الأول

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


الجزء الأول

سورة الفاتحة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏}‏ أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، فأثبتها الشافعي في طائفة، ونفاها أبو حنيفة في آخرين‏.‏

واختُلِفَ في قوله‏:‏ ‏{‏بِسْمِ‏}‏‏:‏

فذهب أبو عبيدة وطائفة إلى أنها صلة زائدة، وإنما هو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، واستشهدوا بقول لبيد‏:‏

إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُما *** وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ

فذكر اسم السلام زيادة، وإنما أراد‏:‏ ثم السلام عليكما‏.‏

واختلف من قال بهذا في معنى زيادته على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ لإجلال ذكره وتعظيمه، ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين، وهذا قول قطرب‏.‏

والثاني‏:‏ ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك، وهذا قول الأخفش‏.‏

وذهب الجمهور إلى أن «بسم» أصل مقصود، واختلفوا في معنى دخول الباء عليه، فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ دخلت على معنى الأمر وتقديره‏:‏ ابدؤوا بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قول الفراء‏.‏

والثاني‏:‏ على معنى الإخبار وتقديره‏:‏ بدأت بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قولُ الزجَّاج‏.‏

وحُذِفت ألف الوصل، بالإلصاق في اللفظ والخط، لكثرة الاستعمال كما حُذفت من الرحمن، ولم تحذف من الخط في قوله‏:‏ ‏{‏إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ آية1‏]‏ لقلَّة استعماله‏.‏

الاسم‏:‏ كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ، والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة، فإن جعلت الصفة اسماً، دلَّت على الأمرين‏:‏ على الإشارة والإفادة‏.‏

وزعم قوم أن الاسم ذاتُ المسمى، واللفظ هو التسمية دون الاسم، وهذا فاسد، لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ، لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال، وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات‏.‏

واختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مشتق من السمة، وهي العلامة، لما في الاسم من تمييز المسمى، وهذا قول الفرَّاء‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مشتق من السمو، وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه من غيره، وهذا قول الخليل والزجَّاج‏.‏

وأنشد قول عمرو بن معدي كرب‏:‏

إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْراً فَدَعْهُ *** وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ

وَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ *** سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ

وتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلاً، أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية، حتى صار مقصوداً عند ذكر الله في كل تسمية، ولهم فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الباء بهاؤه وبركته، وبره وبصيرته، والسين سناؤه وسموُّه وسيادته، والميم مجده ومملكته ومَنُّه، وهذا قول الكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ أن الباء بريء من الأولاد، والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات، وهذا قول سليمان بن يسار‏.‏

والثالث‏:‏ أن الباء بارئ الخلق، والسين ساتر العيوب، والميم المنان، وهذا قول أبي روق‏.‏

ولو أن هذا الاستنباط يحكي عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره، لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه، لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكياً، لا محققاً ليكون الكتاب جامعاً لما قيل‏.‏

ويقال لمن قال «بسم الله» بَسْمَلَ على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ، وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة‏:‏

لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا *** فَيَا حَبَّذا ذَاكَ الْحَبِيبُ المُبَسْمِلُ

فأما قوله‏:‏ «الله»، فهو أخص أسمائه به، لأنه لم يتسَمَّ باسمه الذي هو «الله» غيره‏.‏

والتأويل الثاني‏:‏ أن معناه هل تعلم له شبيهاً، وهذا أعمُّ التأويلين، لأنه يتناول الاسم والفعل‏.‏

وحُكي عن أبي حنيفة أنه الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، لأن غيره لا يشاركه فيه‏.‏ واختلفوا في هذا الاسم هل هو اسم عَلَمٍ للذات أو اسم مُشْتَقٌّ من صفةٍ، على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم علم لذاته، غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يكن بُدٌّ من أن يختص باسم ذاتٍ، يكون علماً لتكون أسماء الصفات والنعوت تبعاً‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه مشتق من أَلَهَ، صار باشتقاقه عند حذف همزِهِ، وتفخيم لفظه الله‏.‏

واختلفوا فيما اشْتُقَ منه إله على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مشتق من الَولَه، لأن العباد يألهون إليه، أي يفزعون إليه في أمورهم، فقيل للمألوه إليه إله، كما قيل للمؤتمِّ به إمام‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه مشتق من الألوهية، وهي العبادة، من قولهم فلان يتألَّه، أي يتعبد، قال رؤبةُ بن العجاج‏:‏

لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدَّهِ *** لَمَّا رَأَيْنَ خَلِقَ الْمُمَوَّهِ

سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألهِي ***

أي من تعبد، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ ‏{‏وَيَذَرَكَ وءالِهَتَكَ‏}‏ أي وعبادتك‏.‏

ثم اختلفوا، هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهاً لم يزل، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته، لأنه لم يزل مستحقّاً للعبادة، فلم يزل إلهاً، وهذا أصح القولين، لأنه لو كان مشتقّاً من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى عليه السلام إلهاً، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا دليل، على اشتقاقه من استحقاق العبادة، لا من فعلها، فصار قولنا «إله» على هذا القول صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل‏.‏

وأما «الرحمن الرحيم»، فهما اسمان من أسماء الله تعالى، والرحيم فيها اسم مشتق من صفته‏.‏

وأما الرحمن ففيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه اسم عبراني معرب، وليس بعربي، كالفسطاط رومي معرب، والإستبرق فارسي معرب، لأن قريشاً وهم فَطَنَةُ العرب وفُصَحَاؤهم، لم يعرفوهُ حتى ذكر لهم، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 60‏]‏، وهذا قول ثعلب واستشهد بقول جرير‏:‏

أو تتركون إلى القسّين هجرتكم *** ومسحكم صلبهم رحمن قربانا

قال‏:‏ ولذلك جمع بين الرحمن والرحيم، ليزول الالتباس، فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم الرحيم على الرحمن لعربيته، لكن قدَّم الرحمن لمبالغته‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الرحمن اسم عربي كالرحيم لامتزاج حروفهما، وقد ظهر ذلك في كلام العرب، وجاءت به أشعارهم، قال الشنفري‏:‏

أَلاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا *** أَلاَ ضَرَبَ الرًّحْمنُ رَبِّي يَمِينَهَا

فإذا كانا اسمين عربيين فهما مشتقان من الرحمة، والرحمة هي النعمة على المحتاج، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏، يعني نعمةً عليهم، وإنما سميت النعمةُ رحمةً لحدوثها عن الرحمة‏.‏

والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم، لأن الرحمن يتعدى لفظه ومعناه، والرحيم لا يتعدى لفظه، وإنما يتعدى معناه، ولذلك سمي قوم بالرحيم، ولم يتَسَمَّ أحدٌ بالرحمن، وكانت الجاهليةُ تُسمِّي اللهَ تعالى به وعليه بيت الشنفرى، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمَّى بالرحمن، واقتطعه من أسماء الله تعالى، قال عطاء‏:‏ فلذلك قرنه الله تعالى بالرحيم، لأن أحداً لم يتسمَّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره، فيكون الفرق في المبالغة، وفرَّق أبو عبيدة بينهما، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم‏.‏

واختلفوا في اشتقاق الرحمن والرحيم على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهما مشتقان من رحمة واحدةٍ، جُعِل لفظ الرحمن أشدَّ مبالغة من الرحيم‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنهما مشتقان من رحمتين، والرحمة التي اشتق منها الرحمن، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم، ليصح امتياز الاسمين، وتغاير الصفتين، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أن الرحمن مشتق من رحمة الله لجميع خلقه، والرحيم مشتق من رحمة الله لأهل طاعته‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة، والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة‏.‏

والقول الثالث‏:‏ أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏2‏)‏ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏

أما ‏{‏الحمد لله‏}‏ فهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله، والشكرُ الثناء عليه بإنعامه، فكلُّ شكرٍ حمدٌ، وليسَ كلُّ حمدٍ شكراً، فهذا فرقُ ما بين الحمد والشكر، ولذلك جاز أن يَحْمِدَ الله تعالى نفسه، ولم يَجُزْ أن يشكرها‏.‏

فأما الفرق بين الحمد والمدح، فهو أن الحمد لا يستحق إلا على فعلٍ حسن، والمدح قد يكون على فعل وغير فعل، فكلُّ حمدٍ مدحٌ وليْسَ كل مدحٍ حمداً، ولهذا جاز أن يمدح الله تعالى على صفته، بأنه عالم قادر، ولم يجز أن يحمد به، لأن العلم والقدرة من صفات ذاته، لا من صفات أفعاله، ويجوز أن يمدح ويحمد على صفته، بأنه خالق رازق لأن الخلق والرزق من صفات فعله لا من صفات ذاته‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏رب‏}‏ فقد اختُلف في اشتقاقه على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه مشتق من المالك، كما يقال رب الدار أي مالكها‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مشتق من السيد، لأن السيد يسمى ربّاً قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 41‏]‏ يعني سيده‏.‏

والقول الثالث‏:‏ أن الرب المدَبِّر، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ‏}‏ وهم العلماء، سموا ربَّانيِّين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم، وقيل‏:‏ ربَّهُ البيت، لأنها تدبره‏.‏

والقول الرابع‏:‏ الرب مشتق من التربية، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي في حُجُورِكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ فسمي ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها‏.‏

فعلى هذا، أن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل لأنه مدبِّر لخلقه، ومُربِّيهم، فذلك صفة من صفات فعله، ومتى أدْخَلت عليه الألف واللام‏.‏ اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركاً بين الله وبين عباده‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏العالمين‏}‏ فهو جمع عَالم، لا واحد له من لفظه، مثل‏:‏ رهط وقوم، وأهلُ كلِّ زمانٍ عَالَمٌ قال العجاج‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ

واختُلِف في العالم، على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنّه ما يعقِل‏:‏ من الملائكة، والإنس، والجنِّ، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن العالم الدنيا وما فيها‏.‏

والثالث‏:‏ أن العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا قول أبي إسحاق الزجَّاج‏.‏

واختلفوا في اشتقاقه على وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مشتق من العلم، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لما يعقل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مشتق من العلامة، لأنه دلالة على خالقه، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لكُلِّ مخلوقٍ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ قرأ عاصم والكسائي ‏{‏مالِكِ‏}‏ وقرأ الباقون ‏{‏مَلِك‏}‏ وفيما اشتقا جميعاً منه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن اشتقاقهما من الشدة، من قولهم ملكت العجين، إذا عجنته بشدة‏.‏

والثاني‏:‏ أن اشتقاقهما من القدرة، قال الشاعر‏:‏

مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا *** يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا

والفرق بين المالك والملك من وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المالك مَنْ كان خاصَّ المُلكِ، والملِك مَنْ كان عَامَّ المُلْك‏.‏

والثاني‏:‏ أن المالك من اختص بملك الملوك، والملك من اختص بنفوذ الأمر‏.‏

واختلفوا أيهما أبلغ في المدح، على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن المَلِك أبلغ في المدح من المالك، لأنَّ كلَّ مَلِكٍ مالِكٌ، وليسَ كلُّ مالِكٍ ملِكاً، ولأن أمر الملِكِ نافذ على المالِكِ‏.‏

والثاني‏:‏ أن مالك أبلغ في المدح من مَلِك، لأنه قد يكون ملكاً على من لا يملك، كما يقال ملك العرب، وملك الروم، وإن كان لا يملكهم، ولا يكون مالكاً إلا على من يملك، ولأن المَلِك يكون على الناس وغيرهم‏.‏

والثالث‏:‏ وهو قول أبي حاتم، أن مَالِك أبلغ في مدح الخالق من مَلِك، ومَلِك أبلغ من مدح المخلوق من مالك‏.‏

والفرق بينهما، أن المالك من المخلوقين، قد يكون غير ملك، وإن كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً، فإن وُصف الله تعالى بأنه ملك، كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك، كان من صفات أفعاله‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ ففيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه الجزاء‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الحساب‏.‏

وفي أصل الدين في اللغة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ العادة، ومنه قول المثقَّب العَبْدِي‏:‏

تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي *** أَهذَا دِينُهُ أَبَداً وَدينِي

أي عادته وعادتي‏.‏

والثاني‏:‏ أنَّ أصل الدين الطاعة، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى‏:‏

لَئِن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ *** في دِينِ عَمْرٍو وَمَالتْ بَيْنَنَا فَدَكُ

أي في طاعة عمرو‏.‏

وفي هذا اليوم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه يوم، ابتداؤه طلوع الفجر، وانتهاؤه غروب الشمس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ضياء، يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه، فيستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار‏.‏

وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه يوم ليس فيه ملك سواه، فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك، وهذا قوله الأصم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لما قال‏:‏ ‏{‏رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏، يريد به ملك الدنيا، قال بعده‏:‏ ‏{‏مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ يريد به ملك الآخرة، ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ‏}‏ هو كناية عن اسم الله تعالى، وفيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف، وهذا قول الخليل‏.‏

والثاني‏:‏ أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف، وهذا قول الأخفش‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى، لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر‏.‏

والثاني‏:‏ أن العبادة الطاعة‏.‏

والثالث‏:‏ أنها التقرب بالطاعة‏.‏

والأول أظهرها، لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏6‏)‏ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم‏}‏ إلى آخرها‏.‏

أما قوله‏:‏ ‏{‏اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ‏}‏ ففيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا‏.‏

والثاني‏:‏ معناه وفقنا، وهذا قول ابن عباس‏.‏

وأما الصراط ففيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير‏:‏

أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ *** إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم

والثاني‏:‏ أنه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 86‏]‏ وقال الشاعر‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ

وهو مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام، وهو ممره في الحلق‏.‏

وفي الدعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هُدُوا‏.‏

والثاني‏:‏ معناه زدنا هدايةً‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة، ورجاءً لثواب الدعاء‏.‏ واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم، على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه كتاب الله تعالى، وهو قول علي وعبد الله، ويُرْوَى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الذي لا عوج فيه، وهو قول ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ‏}‏ خمسة أقاويل‏:‏ أحدها‏:‏ أنهم الملائكة‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الأنبياء‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم المؤمنون بالكتب السالفة‏.‏

والرابع‏:‏ أنهم المسلمون وهو قول وكيع‏.‏

والخامس‏:‏ هم النبي صلى الله عليه وسلم، ومَنْ معه مِنْ أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد‏.‏

وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير‏:‏ ‏(‏صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏)‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ فقد روى عن عديِّ بن حاتم قال‏:‏ سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن المغضوب عليهم، فقال‏:‏ «هُمُ اليَهُود» وعن الضالين فقال‏:‏ «هُمُ النَّصارى

»‏.‏ وهو قول جميع المفسرين‏.‏

وفي غضب الله عليهم، أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ الغضب المعروف من العباد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه إرادة الانتقام، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى‏.‏

والثالث‏:‏ أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم‏.‏

والرابع‏:‏ أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً‏.‏

والضلال ضد الهدى، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب، لأنهم أشد عداوة‏.‏

وقرأ عمر بن الخطاب ‏(‏غَيْرِ الْمغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّآلِّين‏)‏

سورة البقرة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الم ‏(‏1‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الم‏}‏ اختلف فيه المفسرون على ثمانية أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه اسم من أسماء القرآن كالفرقان والذكر، وهو قوله قتادة وابن جريج ‏(‏88‏)‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنه من أسماء السور، وهو قول زيد ابن أسلم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه اسم الله الأعظم، وهو قول السدي والشعبي‏.‏

والرابع‏:‏ أنه قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه، وبه قال ابن عباس وعكرمة‏.‏

والخامس‏:‏ أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال، فالألف من أنا واللام من الله، والميم من أعلم، فكان معنى ذلك‏:‏ أنا الله أعلم، وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن جبير، ونحوه عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والسادس‏:‏ أنها حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ مختلفة، فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، والألف آلاء الله، والميم مجدُه، والألِفُ سَنَةٌ، واللامُ ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة، آجال قد ذكرها الله‏.‏

والسابع‏:‏ أنها حروف من حساب الجمل، لما جاء في الخبر عن ‏(‏91‏)‏ عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، قال‏:‏ مَرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة‏:‏ ‏{‏الم‏.‏ ذلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ فأتى أخاه حُيَيَّ بْنَ أَخْطبَ في رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا محمد ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل اللهُ عليك‏:‏ ‏{‏الم‏.‏ ذلك الكِتَابُ‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بلى»، فقالوا‏:‏ «أجاءك بها جبريل من عند الله»‏.‏ قال‏:‏ «نعم»، قالوا‏:‏ «لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلم أنه بُيِّنَ لنبي منهم مدة ملكه وما أُكل أمته غيرك»، فقال حُيَيُّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم‏:‏ «الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة»، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ «يا محمد هل كان مع هذا غيره»‏؟‏، قال‏:‏ «نعم»، قال‏:‏ «ماذا»‏؟‏ قال‏:‏ «المص»، قال هذه أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، فهل مع هذا يا محمد غيره «، قال‏:‏» نعم «، قال‏:‏» ماذا «قال‏:‏» الر «قال‏:‏» هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنةٍ، فهل مع هذا يا محمد غيره «، قال‏:‏» نعم «قال‏:‏» ماذا «‏؟‏، قال‏:‏» المر «، قال هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة‏.‏‏.‏، ثم قال‏:‏» لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً «، ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيَّ بن أخطبَ ولمن معه من الأحبار‏:‏» ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة «، قالوا‏:‏» لقد تشابه علينا أمره «‏.‏ فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ‏}‏‏.‏

والثامن ‏(‏92‏)‏‏:‏ أنه حروف هجاء أَعلم الله تعالى بها العَرَب حين تحداهم بالقرآن، أنه مُؤلَف من حروف كلام، هي هذه التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم، إذ لم يخرج عن كلامهم‏.‏

فأما حروف أبجدَ فليس بناء كلامهم عليها، ولا هي أصل، وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الأيام الستة، التي خلق الله تعالى فيها الدنيا، وهذا قول الضحاك بن مزاحم ‏(‏93‏)‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنها أسماء ملوك مَدْيَن، وهذا قول الشعبي وفي قول بعض شعراء مَدْيَن دليل على ذلك قال شاعرهم‏:‏

أَلاَ يَا شُعَيْبٌ قَدْ نَطَقْتَ مَقَالةً *** سَبَبْتَ بِهَا عَمْراً وَحَيَّ بني عَمْرو

مُلُوكُ بني حطّى وَهَوَّزُ مِنْهُمُ *** وَسَعْفَصُ أَصْلٌ لِلْمَكَارِمِ وَالْفَخْرِ

هُمُ صَبَّحُوا أَهْلَ الحِجَازِ بغارَةٍ *** كَمِثْل شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ مَطْلَعِ الْفَجْرِ

والثالث‏:‏ ما روى ميمون بن مهران ‏(‏94‏)‏، عن ابن عباس، أن لأبي جاد حديثاً عجباً‏:‏ ‏(‏أبى‏)‏ آدمُ الطاعة، و‏(‏جد‏)‏ في أكل الشجرة، وأما ‏(‏هوّز‏)‏، فنزل آدم فهوى من السماء إلى الأرض، وأما ‏(‏حطي‏)‏ فحطت خطيئته، وأما ‏(‏كلمن‏)‏ فأكل من الشجرة، ومَنَّ عليه بالتوبة، وأما ‏(‏سعفص‏)‏ فعصى آدم، فأُخرج من النعيم إلى النكد، وأما قرشت فأقرّ بالذنب، وسَلِمَ من العقوبة ‏(‏95‏)‏‏.‏

والرابع‏:‏ أنها حروف من أسماء الله تعالى، روى ذلك معاوية بن قرة ‏(‏96‏)‏، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏97‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ الكِتَابُ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني التوراة والإنجيل، ليكون إخباراً عن ماضٍ‏.‏

والثاني‏:‏ يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة، وهذا قول الأصم‏.‏

والثالث‏:‏ يعني هذا الكتاب، وقد يستعمل ذلك في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب، قال خُفاف بن ندبة‏:‏

أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ *** تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا

ومن قال بالتأويل الأول‏:‏ أن المراد به التوراة والإنجيل، اختلفوا في المخاطب به على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل، هو الذي أنزلته عليك يا محمد‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن المخاطب به اليهود والنصارى، وتقديره‏:‏ أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فيهِ‏}‏ وفيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الريب هو الشك، وهو قول ابن عباس، ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى‏:‏

لَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ *** إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ

والتأويل الثاني‏:‏ أن الريب التهمة ومنه قول جميل‏:‏

بُثَيْنَةُ قالتْ‏:‏ يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ *** فَقُلْتُ‏:‏ كِلاَنَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب

قوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏}‏، يعني به هدىً من الضلالة‏.‏

وفي المتقين ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدَّوا ما افترض عليهم، وهذا قول الحسن البصري‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم الذين يحذرون من الله تعالى عقوبته ويرجون رحمته وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا فاسد، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق وإنما خص به المتقين، وإن كان هدىً لجميع الناس، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يصدقون بالغيب، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ يخشون بالغيب، وهذا قول الربيع بن أنس ‏(‏100‏)‏‏.‏

وفي الأصل الإيمان ‏(‏101‏)‏ ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا‏}‏ أي بمصدِّق لنا‏.‏

والثاني‏:‏ أن أصله الأمان فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه‏.‏

والثالث‏:‏ أن أصله الطمأنينة، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن‏.‏ وفي الإيمان ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنّ الإيمان اجتناب الكبائر‏.‏

والثاني‏:‏ أن كل خصلة من الفرائض إيمان‏.‏

والثالث‏:‏ أن كل طاعةٍ إيمان‏.‏

وفي الغيب ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ ما جاء من عند الله، وهو قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه القرآن، وهو قول زر بن حبيش‏.‏

والثالث‏:‏ الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور‏.‏

‏{‏وَيُقِيمونَ الصَّلوة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُقِيمُون الصَّلاَةَ‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يؤدونها بفروضها‏.‏

والثاني‏:‏ أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها، وهذا قول ابن عباس‏.‏

واختُلف لِمَ سُمِّي فعل الصلاة على هذا الوجه إقامةً لها، على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها، لما فيها من القيام فلذلك قيل‏:‏ قد قامت الصلاة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ‏}‏ ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ إيتاء الزكاة احتساباً لها، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ نفقة الرجل على أهلِهِ، وهذا قول ابن مسعود‏.‏

والثالث‏:‏ التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى، وهذا قول الضحاك‏:‏

وأصل الإنفاق الإخراج، ومِنْهُ قيل‏:‏ نَفَقَتِ الدابة إذا خرجت رُوحها‏.‏

واختلف المفسرون، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه، على ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم، لأنه قال بعد هذا‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ يعني به أهْلَ الكتاب، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب، لأنه ذكرهم في بعضها‏.‏

والثالث‏:‏ أن الآيات الأربع من أول السورة، نزلت في جميع المؤمنين، وروى ابن أبي نجيح ‏(‏103‏)‏، عن مجاهد قال‏:‏ «نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثَلاَث عَشْرَةَ في المُنافقين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏}‏ وما بعدها‏.‏

أما قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏}‏ يعني القرآن، ‏{‏وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏}‏ يعني به التوراة والإنجيل، وما تقدم من كتب الأنبياء، بخلاف ما فعلته اليهود والنصارى، في إيمانهم ببعضها دون جميعها‏.‏

‏{‏وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني الدار الآخرة‏.‏

والثاني‏:‏ يعني النشأة الآخرة وفي تسميتها بالدار الآخرة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لتأخرها عن الدار الأولى‏.‏

والثاني‏:‏ لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا لدنِّوها من الخلق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يُوقِنُونَ‏}‏ أي يعلمون، فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُولئِكَ على هُدىً مِنْ رَبِّهُمْ‏}‏ يعني بيان ورشد‏.‏

‏{‏وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الفائزون السعداء، ومنه قول لبيد‏:‏

لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكُ الْفَلاَحِ *** أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ

والثاني‏:‏ المقطوع لهم بالخير، لأن الفلح في كلامهم القطع، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر‏:‏

لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ *** أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ

واختلف فيمن أُرِيدَ بهم، على ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل على محمد، وعلى من قبله من سائر الأنبياء من غير العرب‏.‏

والثاني‏:‏ هم مؤمنو العرب وحدهم‏.‏

والثالث‏:‏ جميع المؤمنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَروا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ وأصل الكفر عند العرب التغطية، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَعْجَبَ الكُفَّار نَبَاتُهُ‏}‏ يعني الزُّرَّاع لتغطيتهم البذر في الأرض، قال لبيد‏:‏

في لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي غطَّاها، فسمي به الكافر بالله تعالى لتغطيته نعم الله بجحوده‏.‏

وأما الشرك فهو في حكم الكفر، وأصله في الإشراك في العبادة‏.‏

واختلف فِيمَنْ أُرِيدَ بذلك، على ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم اليهود الذين حول المدينة، وبه قال ابن عباس، وكان يسميهم بأعيانهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم مشركو أهل الكتاب كلهم، وهو اختيار الطبري‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في قادة الأحزاب، وبه قال الربيع بن أنس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ‏}‏ الختم الطبع، ومنه ختم الكتاب، وفيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ وهو قول مجاهد ‏(‏105‏)‏‏:‏ أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإصبع، فإذا أذنب ثانياً ضم منه كالإصبع الثانية، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع‏.‏

والثاني‏:‏ أنها سمة تكون علامة فيهم، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق، تشبيهاً بما قد انسدَّ وختم عليه، فلا يدخله خير‏.‏

والرابع‏:‏ أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه، والغشاوة‏:‏ تعاميهم عن الحق‏.‏ وسُمِّي القلب قلباً لتقلُّبِهِ بالخواطر، وقد قيل‏:‏

ما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ *** وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ، والإنْسَانُ أَطْوَارُ

والغشاوة‏:‏ الغطاء الشامل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏8‏)‏ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُخَادِعُونَ اللهَ والَّذينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ يعني المنافقين يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بأن يُظهروا من الإيمان خلاف ما يبطنون من الكفر، لأن أصل الخديعة الإخفاء، ومنه مخدع البيت، الذي يخفى فيه، وجعل الله خداعهم لرسوله خداعاً له، لأنه دعاهم برسالته‏.‏

‏{‏وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ‏}‏ في رجوع وباله عليهم‏.‏

‏{‏وَمَا يَشْعُرُون‏}‏ يعني وما يفطنون، ومنه سُمِّي الشاعر، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره، ومنه قولهم ليت شعري‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ شك، وبه قال ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ نفاق، وهو قول مقاتل، ومنه قول الشاعر‏:‏

أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى *** صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها

والثالث‏:‏ أن المرض الغمُّ بظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وأصل المرض الضعف، يقال‏:‏ مرَّض في القول إذا ضعَّفه‏.‏

‏{‏فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه دعاء عليهم بذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أنه إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم عند نزول الفرائض، والحدود‏.‏ ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ يعني مؤلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ‏(‏11‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأَرضِ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الكفر‏.‏

والثاني‏:‏ فعل ما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر بحفظه‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ممالأة الكفار‏.‏

وكل هذه الثلاثة، فساد في الأرض، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها‏.‏

واختلف فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت في قوم لهم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وإنما يجيئون بعد، وهو قول سليمان‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في المنافقين، الذين كانوا موجودين، وهو قول ابن عباس ومجاهد‏.‏

‏{‏قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم ظنوا أن في ممالأة الكفار صلاحاً لهم، وليس كما ظنوا، لأن الكفار لو يظفرون بهم، لم يبقوا عليهم، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أنكروا بذلك، أن يكونوا فعلوا ما نهوا عنه من ممالأة الكفار، وقالوا إنما نحن مصلحون في اجتناب ما نهينا عنه‏.‏

والثالث‏:‏ معناه أن ممالأتنا الكفار، إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والرابع‏:‏ أنهم أرادوا أن ممالأة الكفار صلاح وهدى، وليست بفساد وهذا قول مجاهد‏.‏

فإن قيل‏:‏ فكيف يصح نفاقهم مع مجاهدتهم بهذا القول؛ ففيه جوابان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم عرَّضوا بهذا القول، وكَنُّوا عنه من غير تصريح به‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قالوا سراً لمن خلوا بهم من المسلمين، ولم يجهروا به، فبقوا على نفاقهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ‏}‏ يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏قَالُوا أَنُؤْمن كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم عنوا بالسفهاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أرادوا مؤمني أهل الكتاب‏.‏

والسفهاء جمع سفيه، وأصل السَّفَهِ الخِفَّةُ، مأخوذ من قولهم ثوب سفيه، وإذا كان خفيف النسيج، فسمَّي خفةُ الحلم سفهاً، قال السَمَوْأَلُ‏:‏

نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلاَمُنَا *** فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الْخَامِلِ

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 15‏]‏

‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ‏(‏14‏)‏ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ‏}‏ في شياطينهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم اليهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب، وهو قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ رؤوسهم في الكفر، وهذا قول ابن مسعود‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏إلى شَيَاطِينِهِمْ‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معناه مع شياطينهم، فجعل «إلى» موضع «مع»، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 52‏]‏ أي مع الله‏.‏

والثاني‏:‏ وهو قول بعض البصريين‏:‏ أنه يقال خلوت إلى فلان، إذا جعلته غايتك في حاجتك، وخلوت به يحتمل معنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ هذا‏.‏

والآخر‏:‏ السخرية والاستهزاء منه فعلى هذا يكون قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ‏}‏ أفصح، وهو على حقيقته مستعمل‏.‏

والثالث‏:‏ وهو قول بعض الكوفيين‏:‏ أن معناه إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله‏:‏ ‏{‏إلى‏}‏ مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به‏.‏

فأما الشيطان ففي اشتقاقه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه فيعال من شطن، أي بَعُدَ، ومنه قولهم‏:‏ نوى شطون ‏(‏108‏)‏ أي بعيدة، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنه مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك كما قال الشاعر‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ

أي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة‏.‏

والقول الفاصل‏:‏ أنه فعلان من الشيط وهو الاحتراق، كأنه سُمِّي بما يؤول إليه حاله‏.‏

‏{‏قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ‏}‏ أي على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة، ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ‏}‏ أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللهُ يَسْتَهْزئُ بِهِمْ‏}‏ فيه خمسة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معناه أنه يحاربهم على استهزائهم، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم‏:‏

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا

والثاني‏:‏ أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء ‏[‏بهم‏]‏‏.‏

والرابع‏:‏ أنه لما حسن أن يقال للمنافق‏:‏ ‏{‏ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 49‏]‏، صار القول كالاستهزاء به‏.‏

والخامس‏:‏ ما حكي‏:‏ أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهاذ نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ‏}‏ وفي يمدهم تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يملي لهم، وهو قول ابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ يزيدهم، وهو قول مجاهد‏.‏

يقال مددت وأمددت، فحُكِيَ عن يونس أنه قال‏:‏ مددت فيما كان من الشر، وأمددت فيما كان من الخير، وقال بعض الكوفيين‏:‏ يقال‏:‏ مددتُ فيما كانت زيادته منه، كما يقال مَدّ النصر، وأَمَدَّه نهر آخر، وأمددت فيما حدثت زيادته من غيره، كقولك أمْدَدْتُ الجيش بمددٍ، وأمِد الجرح، لأن المدة من غيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الِّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ‏}‏ الضلالة‏:‏ الكفر، والهدى‏:‏ الإيمان‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود‏.‏

‏{‏فَمَا رَبِحَت تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ وما كانوا مهتدين، في اشتراء الضلالة‏.‏

والثاني‏:‏ وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون‏.‏

والثالث‏:‏ أنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء، مبالغة في ذمهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏17‏)‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً‏}‏ المثل بالتحريك والتسكين، والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة، والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام، وهو قول الأخفش‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء، والنار مشتقة من النور‏.‏

‏{‏فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ‏}‏ يقال ضاءت في نفسها، وأضاءت ما حولها قال أبو الطمحان‏:‏

أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ *** دُجَى الَّليْلِ حَتَّى نَظَّمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ نور المستوقِد، لأنه في معنى الجمع، وهذا قول الأخفش‏.‏

والثاني‏:‏ بنور المنافقين، لأن المثل مضروب فيهم، وهو قول الجمهور‏.‏

وفي ذهاب نورهم وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ وهو قول الأصم ذهب الله بنورهم في الآخرة، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عَنّى النور الذي أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم من قلوبهم بالإسلام‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لم يخرجهم منه، كما يقال تركته في الدار، إذا لم تَخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين‏.‏

وفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏صَمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ وهذا جمع‏:‏ أصم، وأبكم، وأعمى، وأصل الصَّمَمُ الإنسداد، يقال قناة صماء، إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة، إذا سددتها، فالأصم‏:‏ من انسدَّتْ خروق مسامعه‏.‏

أما البَكَمُ، ففيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه آفة في اللسان، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الذي يولد أخرس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه المسلوب الفؤاد، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه‏.‏

والرابع‏:‏ أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد‏.‏

ومعنى الكلام، أنهم صمٌّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عُمْيٌ عن الإبصار له، رَوَى ذلك قتادة، ‏{‏فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ يعني إلى الإسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 20‏]‏

‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ‏(‏19‏)‏ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبَرْقٌ‏}‏ في الصيِّبِ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه المطر، وهو قول ابن عباس وابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ أنه السحاب، قال علقمة بن عبدة‏:‏

كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ *** صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ

فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ *** سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ

وفي الرعد ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏

أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، فَسُمِّيَ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك، وبه قال الخليل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ريح تختنق تحت السحاب فَتُصَوِّبُ ذلك الصوت، وهو قول ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه صوت اصطكاك الأجرام‏.‏

وفي البرق ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ضربه بسوطٍ من نور، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ما ينفدح من اصطكاك الأجرام‏.‏

والصواعق جمع صاعقة، وهو الشديد من صوت الرعد تقع معه قطعة نار، تحرق ما أتت عليه‏.‏

وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه مَثَلٌ للقرآن، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل، والدعاء إلى الجهاد في العاجل، وهذا المعنى عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مَثَلٌ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلاً بظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من الظلمات بصلابته، وما فيه من البرق بنور إيمانه، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ‏}‏ معناه يستلبها بسرعة‏.‏

‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا‏}‏ وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين، وفيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه، وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه‏.‏

والثاني‏:‏ معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيراً، اتبعوا المسلمين، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً، قعدوا عن الجهاد‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ‏}‏ فالمراد الجمع وإن كان بلفظ الواحد‏.‏ كما قال الشاعر‏:‏

كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا *** فَإِنَّ زَمَانَكُم زَمَنٌ خَمِيصُ

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏21‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أنْداداً‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ، وهذا قول ابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ الأشباه، وهو قول ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ الأضداد، وهو قول المفضل‏.‏

‏{‏وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وهذا قول ابن عباس وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد، وهذا قول مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏23‏)‏ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ يعني في القرآن، على عبدنا‏:‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل، وسُمي المملوك من جنس ما يعقل عبداً، لتذلله لمولاه‏.‏

‏{‏فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني من مثله من القرآن، وهذا قول مجاهد وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ فأتوا بسورة من مثل محمد صلى الله عليه وسلم من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم‏.‏

‏{‏وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني أعوانكم، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم، وهذا قول الفراء‏.‏

والثالث‏:‏ ناساً يشهدون لكم، وهذا قول مجاهد‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ‏}‏ الوَقود بالفتح الحطب، والوُقود بالضم التوقُّد، والحجارة من كبريتٍ أسود، وفيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار، التي وقودها الناس، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحجارة وقود النار مع الناس، ذكر ذلك تعظيماً للنار، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ‏}‏ قولان‏:‏

الأول‏:‏ أنها وإن أعدت للكافرين، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين، وهي نار واحدة، وإنما يتفاوت عقابهم فيها‏.‏

والثاني‏:‏ أن هذه النار معدة للكافرين خاصة، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ‏}‏ بشر من البشارة، أو خبر يرد عليك بما يَسُرُّ، وقيل بما يُسرُّ ويُغِمُّ، وإنما كثر استعماله فيما يَسُرُّ، حتى عُدِلَ به عما يُغِمُّ، وهو مأخوذ من البَشْرَةِ وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر ‏[‏يرد عليه‏]‏‏.‏

والجنات جمع جنة، وهي البستان ذو الشجر، وسمي جنة لأن ما فيه من الشجر يستره، وقال المفضل‏:‏ الجنة كل بستان فيه نخل، وإن لم يكن فيه شجر غيره، فإن كان فيه كَرْمٌ فهو فردوس، كان فيه شجر غير الكرم أو لم يكن‏.‏

‏{‏تَجْرِي مِنْ تَحْتَها الأَنْهَارُ‏}‏ يعني من تحت الشجر، وقيل‏:‏ إن أنهار الجنة تجري من غير أخدود‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏، يعني بقوله‏:‏ ‏{‏رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً‏}‏ أي من ثمار شجرها‏.‏

‏{‏قَالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن معناه‏:‏ أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها، استخلف مكانها مثلها، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِه عليهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل‏}‏، وهو قول أبي عبيد ويحيى بن أبي كثير‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا، التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا، وإن خالفتها في الطعم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والربيع بن أنس‏.‏

والثالث‏:‏ أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وهذا قول ابن الأشجعي وليس بشيء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ‏}‏ في الأبدان، والأخلاق، والأفعال، فلا يَحِضْن، ولا يلدْن، ولا يذهَبْن إلى غائطٍ ولا بولٍ، وهذا قول جميع أهل التفسير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 27‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ‏(‏26‏)‏ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَة فما فوقها‏}‏‏.‏

في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْتَحْيِي‏}‏ ثلاثةُ تأويلاتٍ‏:‏

أحدها‏:‏ معناه لا يترك ‏(‏121‏)‏‏.‏

والثاني‏:‏ ‏[‏يريد‏]‏ لا يخشى‏.‏

والثالث‏:‏ لا يمتنع، وهذا قول المفضل‏.‏

وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من موَاقَعَةِ القبح‏.‏

والبعوضة‏:‏ من صفار البقِّ سُميت بعوضة، لأنها كبعض البقَّة لصِغَرِها‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏مَا بَعُوضَةً‏}‏ ثلاثةُ أوجُهٍ‏:‏

أحدها‏:‏ أن «ما» بمعنى الذي، وتقديره‏:‏ الذي هو بعوضة‏.‏

والثاني‏:‏ أن معناه‏:‏ ما بين بعوضة إلى ما فَوْقها‏.‏

والثالث‏:‏ أن «ما» صلةٌ زائدةٌ، كما قال النابغة‏:‏

قَالَتْ أَلاَ لَيْتُمَا هذَا الْحَمَامُ لَنَا *** إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِ

‏{‏فَمَا فَوْقَهَا‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ فما فوقها في الكبر، وهذا قول قتادة وابنِ جُريجٍ‏.‏

والثاني‏:‏ فما فوقها في الصغر، لأن الغرض المقصود هو الصغر‏.‏ وفي المثل ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه وارد في المنافقين، حيث ضَرَبَ لهم المَثَلَيْنِ المتقدِّمين‏:‏ مثَلَهُمْ كمثل الذي استوقد ناراً، وقوله‏:‏ أو كصيِّب من السماء، فقال المنافقون‏:‏ إن الله أعلى مِنْ أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا‏}‏، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن هذا مثلٌ مبتدأ ضَرَبَهُ الله تعالى مثلاً للدنيا وأهلها، وهو أن البعوضة تحيا ما جاعت، وإذا شبعت ماتت، كذلك مثل أهل الدنيا، إذا امتلأوا من الدنيا، أخذهم الله تعالى عند ذلك، وهذا قول الربيع بن أنس‏.‏

والثالث‏:‏ أن الله عز وجل حين ذكر في كتابه العنكبوت والذباب وضربهما مثلاً، قال أهل الضلالة‏:‏ ما بال العنكبوت والذباب يذكران، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول قتادةَ، وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً‏}‏ فيه ثلاثةُ تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه بالتكذيب بأمثاله، التي ضربها لهم كثيراً، ويهدي بالتصديق بها كثيراً‏.‏

والثاني‏:‏ أنه امتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ‏}‏‏.‏

أما النقض، فهو ضد الإبرام، وفي العهد قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الوصيَّة‏.‏

والثاني‏:‏ الموثق‏.‏

والميثاق ما وَقَعَ التوثق به‏.‏

وفيما تضمنه عهده وميثاقه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن العهد وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعة، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصية في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك بترك العمل به‏.‏

والثاني‏:‏ أن عهده ما خلقه في عقولهم من الحجة على توحيده وصدق رسله بالمعجزات الدالة على صدقهم‏.‏

والثالث‏:‏ أن عهده ما أنزله على أهل الكتاب ‏[‏من‏]‏، على صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والوصية المؤكدة باتباعه، فذلك العهد الذي نقضوه بجحودهم له بعد إعطائهم الله تعالى الميثاق من أنفسهم، ليبينه للناس ولا يكتمونه، فأخبر سبحانه، أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً‏.‏

والرابع‏:‏ أن العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏‏.‏

وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره من بعد ميثاق الله‏.‏

والثاني‏:‏ أنها كناية ترجع إلى العهد وتقديره من بعد ميثاق العهد‏.‏

وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب، ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ المنافقون‏.‏

والثاني‏:‏ أهل الكتاب‏.‏

والثالث‏:‏ جميع الكفار‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل، هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري‏.‏

والثاني‏:‏ أنَّه الرحمُ والقرابةُ، وهو قول قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل‏.‏

قوله عز وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ‏}‏ وفي إفسادهم في الأرض قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ هو استدعاؤهم إلى الكفر‏.‏

والثاني‏:‏ أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الخسران هو النقصان، ومنه قول جرير‏:‏

إِنَّ سليطاً في الْخَسَارِ إِنَّهُ *** أَوْلاَدُ قَوْمٍ حلفوا افنه

يعني بالخَسَار، ما ينقُصُ حظوظهم وشرفهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن الخسران ها هنا الهلاك، ومعناه‏:‏ أولئك هم الهالكون‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ كل ما نسبه الله تعالى من الخسران إلى غير المسلمين فإنما يعني الكفر، وما نسبه إلى المسلمين، فإنما يعني به الذنب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏‏.‏

في قوله‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه خارج مخرج التوبيخ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خارج مخرج التعجب، وتقديره‏:‏ اعجبوا لهم، كيف يكفرون‏!‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏}‏ ستة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً‏}‏ أي لم تكونوا شيئاً، ‏{‏فَأَحْيَاكُمْ‏}‏ أي خلقكم، ‏{‏ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏ عند انقضاء آجالكم، ‏{‏ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏}‏ يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً‏}‏ يعني في القبور ‏{‏فَأَحْيَاكُمْ‏}‏ للمساءلة، ‏{‏ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏ في قبوركم بعد مساءلتكم، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ، وهذا قول أبي صالح‏.‏

والثالث‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً‏}‏ يعني في أصلاب آبائكم، ‏{‏فَأَحْيَاكُمْ‏}‏ أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، ‏{‏ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏ الموتة التي لا بد منها، ‏{‏ثُم يُحْيِيكُمْ‏}‏ للبعث يوم القيامة، وهذا قول قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْواتاً‏}‏ يعني‏:‏ أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق على آدم وذريته، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وهو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 6‏]‏ فقوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً‏}‏ يعني بعد أخذ الميثاق، ‏{‏فَأَحْيَاكُمْ‏}‏ بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء، ‏{‏ثم يُمِيتُكُمْ‏}‏ بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا، ‏{‏ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏}‏ بالنشور للبعث يوم القيامة، ‏[‏وهذا‏]‏ قول ابن زيدٍ‏.‏

والخامس‏:‏ أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سويّاً، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرُد في جسده روحه، فيعود حياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان‏.‏

والسادس‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً‏}‏ خاملي الذكر دارسي الأثر، ‏{‏فَأَحْيَاكُمْ‏}‏ بالظهور والذكر، ‏{‏ثُمَّ يُمِيتُكُمْ‏}‏ عند انقضاء آجَالكم، ‏{‏ثُمَّ يُحييكُمْ‏}‏ للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ‏:‏

وَأَحْيَيْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خامِلاً *** وَلكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِنْ بَعْضِ

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم‏.‏

والثاني‏:‏ إلى المجازاة على الأعمال‏.‏