فصل: تفسير الآيات (43- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (43- 50):

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)}
اهل الذكر: أهل العلم. البينات: المعجزات. الزبر: الكتب، مفردها زبور. زبرت الكتاب: كتبته. المكر: السعي بالفساد خفية. في تقلبهم: في سيرهم وسعيهم وتصرفهم. على تخوف: على تنقص. يتفيأ ضلاله: يعود ويرجع. داخرون: صاغرون. من فوقهم: بالقهر والغلبة وهي كناية عن قدرة الله.
{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}.
انكر كفارُ قريش بعثة الرسول الكريم، وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشراً. فردّ الله تعالى عليهم مبيناً أنه لم يرسِل الرسل إلا رجالاً من بني آدم، مؤيَّدين بالوحي، وانه لم يرسل ملائكةً وخلقا آخر. فاسألوا أهل العلم بالكتب السابقة، ان كنتم لا تعلمون ذلك.
{بالبينات والزبر وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
وقد أيَّدنا هؤلاء الرسل بالمعجزات والدلائل المبينّة لصدقهم، وانزلنا إليك أيها النبي القرآنَ لتبين للناس ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام، وتدعوهم إلى التدبر فيه، ولعلّهم يتفكرون في آيات الله، ويتدبرون القرآن ويدركون أسراره واهدافه، ويعلمون انه أُنزل لخيرهم ومصلحتهم.
ثم حذّرهم وخوفهم مغبّة ما هم فيه من العصيان والكفر فقال: {أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.
افأمِن الذين مكروا برسول الله وحاولوا صدَّ أصحابه عن الايمان بالله ان يصيبهم بعقوبة من عنده.
1- إمان بان يخسف بهم الأرض ويبيدهم من صفحة الوجود كما فعل بقارونَ وغيره.
2- أو بأن يأتيهم بعذابٍ من السماء فجأة من حيث لا يشعرون كما فعل بقوم لوط.
3- أو يأخذَهم بعقوبة وهم في أعمالهم أو اسفارِهم يكدحون في الأرض.
4- أو يهلكهم بنقصِ اموالهم أو بنقص انفسِهم رويداً وهم في كل لحظة في عذاب من الخوف منه والترقيب لوقوعه، فلا تتمادوا ايها المشركون وتعتروا بتأخير عقوبتكم، فان الله سبحانه رؤوف رحيم، ورحمة الله واسعة شاملة.
{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}.
أَغَفلَ هؤلاء الناس عن آيات الله حولهم، ولم يروا ما خلقه من الاشياء القائمة تنتقل ظلالها، وتمتد تراة يمينا وتارة شمالا، وكل ذلك خاضع لأمر الله مناقد لإحكام تدبيره والكل ساجد لله وهم صاغرون.

.قراءات:

قرأ حمزة والكسائي وخلق: {الم تروا} بالتاء والباقون بالياء.
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}.
وللهِ وحده يخضع وينقادُ جميع ما خلقه في السموات، وما يدبّ على الأرض ويمشي على ظهرها من مخلوقات، وفي مقدِّمهم الملائكةُ يخضعون له ولا يستكبرون عن طاعته.
{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وهنا موضعُ سجدة.
وكل هؤلاء الذين مر ذكرهم يخافون ربهم القاهرة، ويفعلون ما يأمرهم به.

.تفسير الآيات (51- 55):

{وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)}
الواصب: الدائم. تجأرون: تتضرعون، جأر: رفع صوته بالدعاء والاستغاثة.
{وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ فَإيَّايَ فارهبون}.
يحذّر الله تعالى من الشِرك به، ويقرر وحده الآله، انما الله الاله واحد فلا تعبدوا منعه إلهاً آخر، وخافوني ولا تخافوا غيري.
ثم بين انه هو المالك لهذا الكون، وان الدين له والطاعة فقال: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَلَهُ الدين وَاصِباً أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ}.
ان الله هو المالك الواحد لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، وله الطاعةُ والاخلاص دائما، فتحرروا ايها الناس من عبادة سواه، وأخلصوا له العبادة.. أفبعد أن علمتم هذا ترهبونَ غيرَ الله، وتخافون سواه؟
{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}.
ان كل ما لديكم من نِعم في أبدانكم من صحة وعافية وسلامة، وفي أموالكم- لهي هبة الله، فبيده الخيرُ وهو على كل شيءٍ قدير، إنه هو الملجَأ الوحيد لكم، فإذا لحِقَكم ما يضرُّكم فإليه تتضرعون بالدُّعاء أن يكشفه عنكم.
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.
ثم استجابَ لدعائكم ورفع عنكم ما أصابكم من الضرر، وفرَّج البلاءَ عنكم، إذا جماعة منكم ينسَون ربهم ويجعلون له شركاء، ويعبدون غيره.
{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ}.
ذلك يحدث من بعضهم إذ ينكرون فضلَ خالقهم، ويكفرون بنعمةِ التي لا تحصى، ولذلك هدّدهم وتوعدهم بقوله: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تمتّعوا في هذه الحياة الدنيا، فسوف تعلمون عاقبة كفرهم.

.تفسير الآيات (56- 60):

{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)}
تفترون: تكذبون. كظيم: ممتلئ غيظا وغما. يتوارى: يستخفي. على هون: على ذل. يدسه في التراب: يخفيه في التراب، وهو وأد البنات. مثل السوء: الصفة السيئة. المثل الاعلى: الصفة العليا.
بعد أن بين الله اقوال المشركين، اردف هنا بذكر قبائح افعالهم فقال: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ}.
ويجعل المشركون لالهتهم التي لا عِلْمَ لها، لأنها جاد، شيئاً من أموالهم يتقربون به إليها. وقد مر في سورة الانعام قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً} [الانعام: 136].
{تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}.
هَذا قِسَمٌ من الله عظيمٌ فيه تهديدٌ ووعيد على كذبهم وافترائهم، وأن اللهَ سوف يسألهم عن هذا الكذب.
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}.
وهذا أيضا من افترائهم، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عبادُ الرحمن بناتِ الله، فنسبوا اليه الولد، وهو لم يلدْ ولم يولد. سبحانه تنزّه عن إفكهم. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يختارون لأنفسِهم الذكور، ويأنفون من البنات. وهذا جهلٌ كبير، والحياة تنشأ من الذكر والأنثى، فالأنثى أصلية في نظام الحياة أصالةَ الذكر، بل ربما كانت أشدَّ أصالةً لأنها المستقر، فكيف يأنفون من الأنثى ونظام الحياة يقوم على وجود الزوجين!!
ثم أشار إلى شدة كراهيتهم للاناث بقوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
واذا أُخبر أحدُهم بانه وُلدت له أنثى، اسودَّ وجهه من الغم والغيظ، وحاول الاختفاء عن أعين الناس، وبات بين أمرين: إما أن يبقيها على قيد الحياة مع ما يلحقُه من الذل في زعمه، وإما ان يدفنَها في التراب.. بئسَ ما قالوا، وبئسَ حُكمهم الذي ينسِبون فيه إلى الله ما يكرهون ان يُنسَب اليهم.
{لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء وَلِلَّهِ المثل الأعلى وَهُوَ العزيز الحكيم}.
للذين لا يصدّقون بالمعاد والثواب والعقاب صفةُ السوءِ، وله تعالى الصفةُ العليا، تنزَّه عن الولد، وله العزّة والحكمة، وجميعُ صفات الجلال والكمال.

.تفسير الآيات (61- 64):

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)}
اجل مسمى: يوم القيامة. ما يكرهون: البنات. تصف السنتهم الكذب: يكذبون. لا جرم: حقا. مفرطون: بفتح الراء، معجل بهم. ومفرطون بكسر الراء: متجاوزون الحد. ومفرطون بكسر الراء المشددة: مقصرون وقرئ بالثلاثة كما سيأتي.
لما حكى الله عن المشركين عيمَ كفرهم وقبيح أفعالِهم، بيّن هنا عِلمه بخلْقه مع ظلمهم وأنه يُمهلهم بالعقوبة وإظهاراً لفضله ورحمته.
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى}.
لو أن الله يؤاخذ الكفارَ والعصاة بذنوبهم، ويعاجلُهم بقعوباتهم واستحقاقِ جناياتهم، لما ترك على وجه الأرض أحداً ممن يستحقّ ذلك من الظالمين، وإنما يؤخرهم تفضُّلاً منه ليراجعوا التوبة، ولكن يؤخرهم إلى أجَلٍ سمّاه وعيّنه لهم.
{فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}.
فاذا جاء الوقت الذي عيّنه، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. وقد تقدم في سورة الأعراف {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [33].
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى}.
وينسب هؤلاء المركون إلى اللهِ ما يكروهون لأنفسهم من البنات، وتنطق ألسنتُهم بالكذِب إذ يزعمون أنّهم سيدخُلون الجنة. ورُوي أنهم قالوا: إن كان محمدٌ صادقاً في البعث فإنّ لنا الجنة، فردّ علييهم مقالهم بقوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} حقا ولا شك أنّ لهم جهنّم وأنّهم إليها معجَّلون.

.قراءات:

قرأ نافع: {مفرِطون} بكسر الراء، وقرأ أبو جعفر {مفرِّطون} بكسر الراء المشددة. والباقون {مفرَطون} بفتح الراء كما هو في المصحف.
ثم بيّن الله ان هذا الصنيع الذي صدرَ من قريشٍ قد حدث مثلُه من الأمم السابقة في حق أنبيائهم، فقال مسلّياً رسولَه الكريم على ما كان يناله من الغم بسبب جهالاتهم وعنادِهم.
{تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
يُقسم الله تعالى بأنه أرسل رسُلاً من قبلك أيها الرسول إلى أُمم سابقة فحسَّن لهم الشيطانُ الكفرَ فاتّبعوه وكذّبوا رسلَهم، فهو متولي أمورهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار الأليم.
{وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
القرآن هو الفاصل بين الناس فيما يتنازعون فيه، وهو الهداي إلى سبيل الرشاد لجميع الخلْق، وما أنزلنا عليك هذا القرآن الا لتبيِّن به للناس أجمعين الحقَّ فيما اختلفوا فيه، ولتهديَهم إلى الصراط المستقيم.

.تفسير الآيات (65- 69):

{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)}
الأنعام: يطلق على الجمع ويذكر ولذلك قال هنا مما في بطونه وفي سورة المؤمنين ونسقيكم مما في بطونها بالتأنيث (الآية 21) من بين فرث ودم، الفرث: ما يبقى في كرش الحيوان من بقايا الاكل. سائغا: سهل المرور في الحلق تتخذون منه سكرا: خمرا. ورزقا حسنا: كل ما يستخلص من الثمرات من انواع المربى وغيره. يعرشون: بضم الراء وكسرها. يرفعون العرائش من الكرم وغيرها. ذللا: مفردها ذلول: الطائع المنقاد.
{والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}.
هذه الآية من الحجج الدالّةِ على توحيد الله، وقد ذُكرت في سورة البقرة 22 و164 والانعام 99 وسورة الرعد 19، وسورة ابراهيم 32 وفي سورة النحل هذه 10.
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ}.
ان لكم أيها الناسُ في الأنعام من الإبلِ والبقر والغنَم لموعظة دالّة على قدرة الخالق، إذ يُخرج اللبنَ السائغ اللذيذ الطعم من بين الفرْث والدم، فالعشبُ الذي يأكله الحيوان يتولَّد من الماء والتراب، فهذا الطينُ يصير نباتاص وعشباً، ثم يأكله الحيوانُ فيتحول إلى لبنٍ سائغ للشاربين... وفي هذا كلِّه أكبرُ وأعظمُ دليل على قدرة الخالق سبحانه.

.قراءات:

قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: {نسقيكم} بفتح النون والباقون: {نسقيكم} بضمها والمعنى واحد، سقاهُ وأسقاه.
{وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
ومن هذه النِعم التي أنعم اللهُ بها عليكم ما تتخذون من العنب والتمر، فتصنعون منه خَمْرا، (وكان هذا في مكةَ وقبل تحريم الخمر)، ورزقاً حسنَاً من الثمار وما تعلمون منه من شراب ومربَّى وغير ذلك. وفي هذه آية دالة على قدْرة الله ورحمته لكم لعلّكم تسمعون فتعقلون.
{وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}.
وألهَمَ اللهُ النحل أسبابَ حياتها، ووسائلَ معيشتها، فهي تتَّخِذ بيوتاً في كهوف الجبال، وفي الشجر، وفي عرائشِ الكرم وغيرها.
ومن يرى خليَّةَ النحل وما فيها من نظامٍ وتدبير وهندسة بيوتٍ يجد العَجَبَ في هذه القدرةِ الفائقة والترتيب العجيب. وقد كُتب في ذلك مؤلفاتٌ عديدة، فالخليّة مملكة قائمةٌ بذاتها، لها ملكة واحدة، وعددٌ كبير من الشغّالين منهم من يطعم الملكة التي تبيض لهم، ومنهم من يخدم الصغار ويربيهم، ومنهم من يحرس الخلية، ومنهم من يصنع العسلَ والشمع الذي تُبنى منه البيوتُ السداسية الشكل العجيبةُ في الدقة والصنع.

.قراءات:

قرأ أبو بكر وابن عامر: {يعرُشون} بضم الراء.
والباقون: {يعرِشون} بكسر الراء.
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
ثم هداها الله للأكل من جميع أنواع الثمرات والنبات، وأن تسلكَ الطرق التي هيأها لها الله. وبعد أن تتغذى من شتّى أنواع الثمار تهضم ذلك كلَّه ثم يخرج من بطونها شارب مختلف الالوان، جعل الله فيه شفاءً عظيما للناس، وغذاءً لا مثيل له. ومنيرة العسل انه يُستعمل غذاء ودواء. وقد أُلفت فيه مؤلفاتٌ عديدة، وكان العسل هو الوسيلةَ للتحلية من أقدم العصور إلى ان صار السكّر سلعةً تجارية هامة. وكما قتلُ: إن عسل النحل مغذّ ويمتصه الجسم بسهولة، وينتفع به، ويحتوي على 70- 80% سكراً، والبقية ماء، واملاح معدنية، وآثار من البروتين والأحماض ومواد أخرى.