فصل: تفسير الآيات (29- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (29- 50):

{انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)}
لا ظليل: لا يقي من الحر. ولا يغني من اللهب: لا يقي الإنسان من لهب النار. بشررٍ كالقصر: إن جهنم ترمي بشرر من النار كل واحدة كالقصر الكبير. جمالة: جمال. صفر: لونها أصفر. ظلال: واحدها ظل، وهي ظلال الاشجار، والبيوت وغير ذلك، ويعبر بالظلال عن الرفاهية والنعيم. وعيون: مياه جارية عذبة تسر الناظرين. اركعوا: صلوا.
يبين الله تعالى في الآيات من رقم 29 {انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} إلى رقم 40، نوعَ ذلك العذاب الشديد الهائل، فأخبر تعالى بأنهم يقال لهم: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون في الدنيا، إلى ظلٍ من دخانِ جهنم، المتشعبِ لكثرته وتفرقه إلى ثلاثِ شعب عظيمة. وهو مع ذلك لا يُظلُّهم، ولا يمنع عنهم حرَّ اللهب الذي تقذف به جهنم، حيث ترمي بشررٍ عظيم كل واحدة كالقصر الكبير، وكأنه جمالٌ صفر تنطلق وتتفرق في أعداد غير محصورة. ثم أتبع ذلك بأن الويلَ للمكذبين بذلك اليوم الذي اقسَم الله تعالى بأنه وقاع لا محالة. وهم في ذلك اليوم لا ينطِقون من شدة الدهشة والخوف والحيرة، ولا يُسمح لهم بالاعتذار فيعتذرون. وكرر أن لهم الويل والهلاك يومئذٍ، حيث يتم الفصل بين المُحقِّ والمبطِل ويجازَى كل واحد بما يستحق.
ثم بين كيف يكون الفصل في ذلك اليوم فقال: {هذا يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ}
لقد جمعنا بينكم وبين من تقدَّمكم من الأمم، فان كان لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخلِّصوا أنفسكم منه، ولكن هيهات {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} بوعيد الله.
ثم بين ما يكون للمؤمنين من السعادة والنعيم والكرامة في ذلك اليوم، فانهم يكونون في ترفٍ ونعيم، ويأكلون فواكه مما يشتهون، فيقال لهم: {كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الصالحات {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين} وكما جزينا هؤلاء المتقين، نجزي أهل الاحسان لطاعتهم وعبادتهم لنا، فلا نضيع لهم اجرا. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}.
وفي كل هذا تهديد ووعيد.. كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية فان البقاء فيها قليل، وأنتم مجرمون لا تستحقون التكريم. وهلاكٌ يومئذ للمكذبين، فهم إذا قيل لهم صلّوا لله واخشَعوا، لا يُصلّون ولا يخشعون، بل يصرّون على كفرهم واستكبارهم فالهلاك لهم في ذلك اليوم.
ثم ختم السورة بالتعجب من هؤلاء الجاحدين الذين لم يؤمنوا ولم يستجيبوا لنصح الداعي ولم يتبعوا المرسلين، فقال: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}
اذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل والمعجزات، ولم يستمعوا لهذا القرآن العظيم، فبأي كلامٍ بعده يصدّقون.

.قراءات:

قرأ الجمهور: {فقدرنا} بفتح الدال من غير تشديد. وقرأ نافع والكسائي: {فقدّرنا} بتشديد الدال المفتوحة. وقرأ الجمهور: {جمالات} بكسر الجيم والجمع، وقرأ حفص وحمزة والكسائي: {جمالة}. وقرأ الدمهور: {فبأيّ حديث بعده يؤمنون} بالياء. وقرأ ابن عامر ويعقوب: {تؤمنون} بالتاء.

.سورة النبأ:

.تفسير الآيات (1- 16):

{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)}
عم، أصلها عن ما: عن أي شيء يتساءلون. النبَأ: الخبر، نبأ الشيء نبْئاً ونبوءاً ارتفع، وظهر. وعلى القومِ، طلع عليهم. ونبأ الرجل نبئا: أخبر. والنبوءة: النبوَّة. والنبيءُ، النبيّ المخبر عن الله عز وجل. كلا: للردع ونفي الزعم الباطل. مهادا: فراشا ممهدا للناس، وقد جعل الله الأرض موطئا للناس وجميع المخلوقات يقيمون عليها، فهي فراش لهم. أوتادا: جمع وتد، والجبال كالأوتاد المغروزة في الأرض تحفظ توازنها، وتمنعها من الاضطراب والميلان. ازواجا: ذكرا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على هذه الحياة وحفظ النسل وتكميله بالتربية. سباتا: راحة، سَبَتَ سَبْتا: نام واستراح وسكن. لباسا: سترا، لباس الجسم ما يستره. والليل شبيه باللباس لأنه يستر الاشخاص بظلمته. معاشا: وقتا لتحصيل اسباب المعاش. سبعا شدادا: سموات قوية محكَمة. سراجا وهاجا: وهذا السراج العظيم هو الشمس. المعصِرات: السحب التي تجيء بالمطر الذي يحيي الأرض ويغيث الناس. ثجّاجا: منصبّا بكثرة، وهو المطر الغزير. حَبا: وهو ما يقتات به الناس من جميع انواع الحبوب. ونباتا: جميع انواع الخضار. جنات: واحدها جنة، وهي الحدائق والبساتين، الفافا: ملتفة الاغصان، كثيرة الشجر.
كان الناس في مكة وغيرها في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يسأل بعضُهم بعضا عن رسالة النبي، ويسألون غيرهم ممن عنده عِلم فيقولون: هل هو رسول من عند الله؟ وما هذا الخبر الذي جاء به ويدعي أنه مرسَل من قِبل الله، ويدعو إلى توحيده والى الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر؟ وكان هذا شيئا جديدا عليهم، فردّ الله عليهم بقوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}
عن أي شيء يتساءلون؟ عن هذا الخبر العظيم الذي اختلفوا فيه، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته. إنهم لم يسمعوا به من قبل، لذلك استغربوا خبرَ البعث والحياة بعد الموت. وقالوا: هذا مستحيل، {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر} [الجاثية: 24]؟
ثم ردّ الله عليهم الإنكارَ والترددَ بقوله: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}
ليس الأمرُ كما يزعم هؤلاء المنكِرون للبعث بعد الموت، ستنكشِفُ لهم الحقيقةُ وسيعلمون حقيقةَ الأمرِ حين يُبعثون ويَرَون صحةَ الخبر، يومَ تقومُ الساعة ويفصِل الله بينهم في كل ما اختلفوا فيه.
ثم شرع يبيّن لهم عظيمَ قُدرته، وآياتِ رحمته التي غَفَل عنها أولئك المنكِرون مع أنها أمامهم وبين أعينِهم في كل حِين. فذكر من مظاهرِ قدرته تسعةَ أمور يشاهِدونها فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً}
1- الم نبسُط لهم هذه الأرضَ التي يعيشون عليها، ونمهّدها لهم لِيسيرَ الناسُ عليها والحيوان، ويستقروا بها.
2- {والجبال أَوْتَاداً} فالجبالُ جعلها الله مثلَ الأوتاد، تحفظ توازنَ الأرض، اذ يبلغ سُمكُ الجزء الصلب من القشرة الأرضية نحو ستين كيلومتراً، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث تتكون الجبالُ، وينخفض لتكونَ بطونُ البحار وقيعان المحيطات والأودية.
وهو في حالة التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال.. فقشرةُ الأرض اليابسة تُرسيها الجبال، فهي كالأوتاد التي تحفظ الخيمةَ من السقوط. ولولا الجبالُ لكانت الأرض دائمةَ الاضطراب بما في جوفها من المواد الشديدة الغليان، الدائمة الجَيَشان، والتي نشاهد بعضاً منها عندما تنفجر البراكين.
3- {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} جعلناكم ذكراً وأنثى لحِفظ النسل، وليتمَّ التعاون على سعادةِ هذه الحياة، وتربية النسل.
4- {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} وجعلنا النومَ راحةً لكم من عَناءِ الأعمال التي تزاولونها في النهار، وانقطاعاً عن السعي. وفيه نعمةٌ كبيرة على الانسان، ففيه يتوقف نشاط الجزء المدرِك الواعي من المخّ، ويحصل هبوط كبير في نشاط كافة أعضاء الجسم وأنسجته مما يترتب عليه انخفاضٌ في توليد طاقة الجسم وحرارته. وهكذا يأخذ الجسم أثناءَ النوم نصيباً من الهدوء والراحة بعد عناء المجهودات العضلية والعصبية، فتهبط جميع وظائف الجسم الحيويّة، ما عدا عمليات الهضم وإفراز البول من الكليتين، والعَرق من الجلد... أما التنفس فيبطئ ويصير أكثر عمقا، كما ينخفض ضغطُ الدم، وتبطئ سرعة النبض، ويقل مقدار الدم الذي يدفعه من القلب. وكل هذا يسبّب الراحةَ للإنسان في مدة نومه، ويحدّد نشاطه حين يفيق.
5- {وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً} وجعلْنا الليلَ بظلامه ساتراً لكم، كاللّباس الذي يغطي الجسمَ ويستُره، اللّيل شبيه باللّباس لأنه يستر الأشخاصَ بظُلمته. وللناسِ في هذا السَّتر فوائدُ اللباس.
6- {وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً} وجعلنا النهارَ وقتَ سعيٍ لكم، تسعون فيه لتحصيل ما به تعيشون وتتصرّفون. فكما كان النومُ انقطاعاً عن الحياة، كانت اليقظةُ حياة. والنهارُ زمنُ هذه الحياة، فيه يستيقظ الناس ويتقلبون في حوائجهم ومكاسبهم.
7- {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} وأقمنا فوقكم سبعَ طرائق للكواكبِ السيّارة التي تشاهدونها.. وقد خصّها بالذِكر لظُهورها ومعرفةِ العامة لها، ولم يفصِّل ما في هذا الكونِ العجيب الواسع من عوالمَ ومجررّاتٍ لا حصرَ لها لأنهم لا خبرة لهم فيها، ولا علم. فاكتفى بما يرون ويشاهدون من إحكام الصنعة ودقة نظام دورانها وسَبْحها في هذا الفضاء.
8- {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} وخلقنا لكم في نظامِكم هذا شمساً منيرةً ساطعة الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها المشِعّ ستةَ آلاف درجة مطلقة، اما المركز فتزيدُ فيه درجة الحرارة على ثلاثين مليون درجة، بسبب الضغوطِ العالية في الموادّ التي فيه، فهي سِراج وهّاجٌ حقيقةً لما فيها من الحرارة.
9- {وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً} وانزلنا من السُحب والغبوم ماءً دافقاً منهمِراً بشدة.
ثم بيّن عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال: {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} لنخرِجَ لكم بهذا الماءِ العظيمِ حَبّاً ونباتا، غذاءً لكم وللحيوان، وحدائقَ وبساتينَ ذاتَ أشجارٍ ملتفة، وأغصانٍ متشابكة.
والمطرُ هو المصدر الوحيد للماءِ العذْب على الأرض. والأصل فيه تكاثُف أبخِرةِ الماء المتصاعدة من المحيطات والبحار وتشكُّله في صورة سحب، تتحولُ إلى نقط من الماء أو قطع من الثلج، وتتساقط على الأرض بقدرة الله تعالى على هيئة مطر أو ثلج أو بَرَد.

.قراءات:

قرأ الجمهور: {كلا سيعلمون} بالياء، وقرأ ابن عامر: {ستعلمون} بالتاء.

.تفسير الآيات (17- 30):

{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)}
يوم الفصل: يوم القيامة لأن الله تعالى يفصل فيه بين الناس. ميقاتا: وقتاً للحساب والجزاء. أفواجا: جماعات، واحده فوج. وسُيرت الجبال: زالت عن أماكنها. سرابا: السراب ما يرى في نصف النهار كأنه ماء وهو خيال ليس بشيء، وكذلك تسير الجبال. مرصادا: مكان الارتقاب والانتظار. للطاغين: للمعتدين الظالمين. مآبا: مرجعاً. لابثين: مقيمين. أحقابا: واحدها: حُقب وحِقب، وهو المدة الطويلة من الدهر. حميما: ماء حارا. غسّاقا: صديدا وعرقا دائم السيلان من اجسادهم. وِفاقا: وفق أعمالهم السيئة. كِذّابا: تكذيبا. كتابا: كتابة.
بعد أن نبّه الله عبادَه إلى هذه الظواهر الباهرة، ووجه انظارهم إلى آياته في هذا الكون العجيب- أخذ يبيّن ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله وهو يومُ الفصل، ويذكُر لهم بعضَ ما يكون فيه، تخويفاً لهم من الاستمرار على التكذيب بعد ما وضَحت الأدلةُ واستبانَ الحق.
{إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً} إن يوم القيامة هو يومُ الفصلِ بين الخلائق، وهو ميعاد مقدَّر للبعث.
ثم بيّن هذا اليومَ وزاد في تهويله فقال: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}
في ذلك اليومِ يُنفخ في البوق فتُبعثون من قبورِكم وتأتون إلى المَحْشَرِ جماعاتٍ جماعاتٍ. {وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً} وانشقّت السماءُ من كل جانب وتصدّعت فصارت أبوابا، وذلك هو خرابُ العالم ونهايتُه. وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا ان نَعلم ما في حقيقة ذلك الصور، لأن الحياةَ الآخرة وجميعَ ما فيها تختلف عن حياتنا الدنيا.
{وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً}
وزالت الجبالُ عن أماكنها وتفتَّتَتْ صخورُها وذهبت هَباءً كالسراب. فالآخرةُ عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر عنها ولا نبحث. فالنشأةُ الاخرى قد تكون غير هذه الحياة فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابا ندخُل من أيها شئنا بإذن الله. وقد يكون معنى تفتُّح السماء ما عنى بقوله: إذا السماءُ انشقّت.. إذا السماءُ انفطرت.. يوم تَشَقَّقُ السماءُ بالغمام.. يعني يومَ يقعُ الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسُك بينها ولا يكون فيها ما يسمّى سماء الا مسالكَ وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خرابُ الكون.
وقد ذُكر زوالُ الجبال في القرآن في عدة آيات منها قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14].
وقوله: {وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة: 5]، وقوله {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} [الواقعة: 5، 6].
وبعد أن عدّد الله تعالى وُجوهَ إحسانه، ودلائلَ قدرته على إرسال رسوله الكريم، وذكَرَ يومَ الفصل وما فيه من أهوال وشدائد- ذكر هُنا وعيدَ المكذّبين وبيانَ ما يلاقونه فقال: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً...}
ان جهنّم تترصَّد وتنتظر الجاحدين، وهي منزلُهم، ومرجعُهم إليها، حيث يستقرّون دهوراً متلاحقة كلّما انقضى زمن تجدَّد لهم زمن آخر.
أما أحوالهم فيها وما يذوقونه من عذاب فقد بيّنه بقوله: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً.....}
إنهم لا يذوقون في جهنّم نَسيماً يُنَفِّسُ عنهم حَرَّها، ولا شراباً يسكِّن عطشهم فيها، بل يجدون ماء بالغاً الغاية من الحرارة، وصديداً مُنِتنا يزيد في عذابهم، وهو جزاء موافق لأعمالهم السيئة. والسببُ في ذلك كله: إنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالبعثِ والحساب والجزاء. كما أنهم: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}
أي بالغوا في التكذيب بآياتنا وما فيها من براهينَ وبيّنات.
ثم بين الله تعالى أن كل شيء من أعمالهم مكتوبٌ يُنْشَر يومَ القيامة.
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً}
أي أحصيناه مكتوباً في كتابٍ {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49].
{فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}
فذوقوا ما أنتم فيه من العذابِ الأليم، فلنْ يكون لكم منا إلا عذابٌ أشدّ وأقوى. وكما جاء في قوله تعالى: {هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 57، 58].
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لم ينزِل على أهل النار آيةٌ أشدّ من هذه الآية {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}.

.قراءات:

قرأ أهل الكوفة: {وفتحت السماء} بالتخفيف، وقرأ الباقون: {وفتّحت} بتشديد التاء. وقرأ حمزة وروح: {لَبِثينَ} بكسر الباء من غير الف بعد اللام، وقرأ الباقون: {لابثين} بالف بعد اللام. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: {غسّاقا} بالتشديد، والباقون {غَسَاقا} بفتح الغين والسين من غير تشديد.