فصل: الجزء الخامس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد الثاني والخمسون بعد الستمائة

وهو من شواهد المفصل‏:‏ الطويل

فقالت‏:‏ أكل الناس أصبحت مانح *** لسانك كيما أن تغر وتخدعا

على أن كي عند الأخفش حرف جر دائماً، ونصب الفعل بعدها بأن مضمرة، وقد تظهر كما في البيت‏.‏

نقل ابن المستوفي عن صاحب المفصل، أنه قال في الحواشي‏:‏ لما دخل عليها حرف الجر تعينت أنها حرفٌ ناصب للفعل‏.‏ فإذا جاءت كي ومعها أن كان شاذاً، للجمع بين المنوب والنائب، كالجمع بين العوض والمعوض عنه‏.‏

وهذا عند ابن عصفور ضرورة، قال في كتاب الضرائر‏:‏ ومنها زيادة أن، كقولك‏:‏ الطويل

أردت لكيما أن تطير بقربتي

أن فيه زائدة غير عاملة، لأن لكيما تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب‏.‏

وأما قول حسان‏:‏ الطويل

فقالت أكل الناس أصبحت مانح ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فأن فيه ناصبة لا زائدة، أظهرت للضرورة، لأن كيما إذا لم تدخل عليها اللام، كان الفعل بعدها منتصباً بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام‏.‏

ومثله لابن هشام، قال في المغني‏:‏ ولا تظهر أن بعد كي بلا لام إلا في الضرورة‏.‏ وأنشد البيت ثم قال‏:‏ وعن الأخفش أن كي جارةٌ دائماً، وأن النصب بعدها بأن ظاهرة ومضمرة‏.‏ ويرده نحو‏:‏ لكيلا تأسوا‏.‏ فإن زعم أن كي تأكيدٌ للام كقوله‏:‏ الوافر

ولا للما بهم أبداً دواء

رد بأن الفصيح المقيس لا يخرج على الشاذ‏.‏

وقال ابن يعيش‏:‏ ويروى‏:‏

لسانك هذا كي تغر وتخدعا

وقال السيوطي‏:‏ رأيته في ديوان جميل، كما قال ابن يعيش، فلا شاهد ولا ضرورة‏.‏

وكذا قال ابن المستوفي‏:‏ هكذا هو في شعره، ولعل ما أورده الزمخشري روايةٌ أخرى‏.‏ والمعنى أنها قالت له‏:‏ أهكذا منحت لسانك هذا لتغرهم كما تغرني، وتخدعهم كما تخدعني‏.‏

والصحيح أن البيت من قصيدة لجميل العذري صاحب بثينة، لا لحسان بن ثابت‏.‏ وهذا مطلع القصيدة‏:‏ الطويل

عرفت مصيف الحي والمتربع *** كما خطت الكف الكتاب المرجعا

معارف أطلالٍ لبثنة أصبحت *** معارفها قفراً من الحي بلقعا

معارف للخود التي قلت أجملي *** إلينا فقد أصفيت بالود أجمعا

فقالت‏:‏ أفق ما عندنا لك حاجةٌ *** وقد كنت عنا ذا عزاءٍ مشيعا

فقلت لها‏:‏ لو كنت أعطيت عنكم *** عزاءً لأقللت الغداة التضرعا

فقالت‏:‏ أكل الناس أصبحت مانح *** لسانك هذا كي تغر وتخدعا

المصيف موضع الإقامة في الصيف‏.‏ والمتربع‏:‏ موضع الإقامة في الربيع‏.‏ وقوله‏:‏ كما خطت إلخ، حال منهما‏.‏ أراد أن الآثار قد انمحت كالخط القديم الذي قد روجع للقراءة فيه مراتٍ كثيرة‏.‏

والمعارف‏:‏ الأماكن المعروفة‏.‏ والبلقع‏:‏ الخالي من الأنيس‏.‏ والخود بالفتح‏:‏ الجارية الناعمة، والجمع خود بالضم‏.‏ وأجملي‏:‏ أمرٌ من الإجمال وهو المعاملة بالجميل‏.‏

وأصفيت مجهول أصفيته الود، أي‏:‏ أخلصته له‏.‏ والعزاء‏:‏ الصبر‏.‏ والمشيع، بفتح المثناة التحتية المشددة‏.‏ يقال‏:‏ قلبٌ مشيع، أي‏:‏ مشجع، أي‏:‏ ذو شيعة، وهم الأنصار والأتباع‏.‏

وقوله‏:‏ فقالت أكل الناس إلخ، الهمزة للاستفهام التقريري، وكل‏:‏ مفعول ثان لمانحاً، وفيه تقديم مفعول معمول أصبح عليه، لأن مانحاً خبر أصبح‏.‏ والمنح‏:‏ الإعطاء، يتعدى لمفعولين‏.‏ يقال‏:‏ منحه كذا بفتح النون في الماضي، وتفتح وتكسر في المستقبل‏.‏ ولسانك‏:‏ مفعوله الأول‏.‏ ومنح اللسان عبارةٌ عن التلطف والتودد وغره‏:‏ خدعه‏.‏

وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل‏:‏ وروى‏:‏ ماتحاً بالمثناة من فوق، من متح الماء من البئر، إذا استقى منها‏.‏ وجعله هنا بمعنى سقى، فعداه إلى مفعولين‏.‏ ويصبح أن يكون لسانك منصوباً بنزع الخافض، أي‏:‏ بلسانك‏.‏ هذا كلامه‏.‏ وما في كيما زائدة‏.‏

وزعم العيني أنها مصدرية وكافة‏.‏ ولا وجه لهما‏.‏ فتأمل‏.‏

وغرته الدنيا غروراً، من باب قعد‏:‏ خدعته بزينتها‏.‏ فمفعوله محذوف، أي‏:‏ تغرهم‏.‏ وكذا ما بعده‏.‏ وخدعه‏:‏ مكر به، بفتح الدال في الماضي والمستقبل، والألف للإطلاق‏.‏

وترجمة جميل العذري تقدمت في الشاهد الثاني والستين من أوائل الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثالث والخمسون بعد الستمائة

الطويل

أردت لكيما أن تطير بقربتي *** فتتركها شناً ببيداء بلقع

لما تقدم قبله‏.‏

وقال ابن الأنباري في مسائل الخلاف‏:‏ ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي توكيداً لكي‏.‏

وذهب بعضهم إلى أن العامل في جئت لكي أن أكرمك، اللام، وكي وأن توكيدان لها‏.‏ وقالوا‏:‏ يدل على جواز إظهارها النقل، كقوله‏:‏

أردت لكيما أن تطير بقربتي

والقياس على تأكيد بعض الكلمات لبعض، فقد قالوا‏:‏ لا، ما، إن رأيت مثل زيد‏.‏ فجمعوا بين ثلاثة من أحرف الجحد، المبالغة‏.‏

وقال البصريون‏:‏ لا يخلو إظهار أن بعد كي، إما لأنها كانت مقدرة فظهرت، وإما لأنها زائدة‏.‏ والأول باطل، لأن كي عاملةٌ بنفسها، ولو كانت تعمل بتقدير أن لكان ينبغي إذا ظهرت أن يكون العمل لأن، فلما أضيف العمل إلى كي دل على أنها العامل‏.‏

وكذا الثاني باطل، لأن زيادتها ابتداء ليس بمقيس، فوجب أن لا يجوز إظهار أن بحال‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ إنما لم يجز إظهار أن بعد كي وحتى لأنهما صارتا بدلاً من اللفظ بأن، كما صارت ما بدلاً عن الفعل في قولهم‏:‏ أما أنت منطلقاً انطلقت معك، والتقدير‏:‏ أن كنت منطلقاً، فحذف الفعل وجعل ما عوضاً عنه‏.‏

وأما قوله‏:‏

أردت لكيما أن تطير بقربتي

فلا حجة فيه، لأن قائله مجهول‏.‏ وإن علم، فإظهار أن بعد كي لضرورة الشعر، ولأن أن بدلٌ من كي، لأنهما بمعًنى واحد‏.‏

والجيد هو الجواب الثاني‏.‏ وأما الأول والثالث ففاسدان‏.‏

والذاهب إلى أن العامل اللام، وكي وأن مؤكدان لها، هو الفراء، قال في تفسيره، عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريد الله ليبين لكم‏:‏ مثله في موضع آخر‏:‏ والله يريد أن يتوب عليكم ‏.‏ والعرب تجعل اللام التي على معنى كي في موضع أن، في أردت وأمرت، فتقول‏:‏ أردت أن تذهب وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم وأمرتك لتقوم‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأمرنا لنسلم لرب العالمين ، وقال في موضع آخر‏:‏ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ‏.‏ وقال‏:‏ يريدون ليطفئوا وأن يطفئوا ‏.‏ وإنما صلحت اللام في موضع أن في أمرت وأردت، لأنهما يطلبان المستقبل ولا يصلحان مع الماضي‏.‏

ألا ترى أنك تقول‏:‏ أمرتك أن تقوم، ولا يصلح أمرتك أن أقمت، وكذلك أردت‏.‏ فلما رأوا أن في غير هذين تكون للماضي وللمستقبل، استوثقوا لمعنى الاستقبال بكي وباللام التي في معنى كي‏.‏ وربما جمعوا بينهما، وربما جمعوا بين ثلاثهن‏.‏

أنشدني أبو ثروان‏:‏ الطويل

أردت لكيما أن ترى لي عثرةً *** ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل

فجمع بين اللام، وكي، وأن‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لكيلا تأسوا ‏.‏ وقال الآخر في الجمع بينهن‏:‏

أردت لكيما أن تطير بقربتي‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

وإنما جمع بينهن لاتفاقهن في المعنى، واختلاف لفظهن‏.‏ قال رؤبة‏:‏ الرجز

بغير لا عصفٍ ولا اصطراف

وربما جمعوا بين ما ولا وإن التي على معنى الجحد، أنشدني الكسائي في بعض البيوت‏:‏

لا ما إن رأيت مثلك

فجمع بين ثلاثة أحرف‏.‏ وربما جعلت العرب اللام مكان أن فيما أشبه أردت وأمرت، مما يطلب المستقبل‏.‏ أنشدني أبو الجراح الأنفي، من بني أنف الناقة، من بني سعد‏:‏ الطويل

ألم تسأل الأنفي يوم يسوقني *** ويزعم أني مبطل القول كاذبه

أحاول إعناتي بما قال أم رج *** ليضحك مني وليضحك صاحبه

والكلام‏:‏ رجا أن يضحك‏.‏ ولا يجوز ظننت لتقوم، وذلك أن أن التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي، نحو‏:‏ أظن أن قد قام زيد، فلم تجعل اللام في موضعها ولا كي إذ لم تطلب المستقبل وحده‏.‏ وكلما رأيت أن تصلح مع المستقبل والماضي فلا تدخلن كي ولا اللام‏.‏

هذا كلام الفراء‏.‏

وظهر منه أن أن لا تكون إلا مع كي المسبوقة باللام، مع تقدم أحد الفعلين من أمر وأراد، وما أشبههما، وأن لام كي لا تكون إلا مسبوقة بأحد هذين الفعلين‏.‏

وقال ابن هشام في المغني‏:‏ كي تكون بمنزلة أن المصدرية معنًى وعملاً، نحو‏:‏ لكيلا تأسوا، يؤيده صحة حلول أن محلها، وأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل‏.‏ ومن ذلك‏:‏ جئتك كي تكرمني، إذا قدرت اللام قبلها، فإن لم تقدر فهي تعليلية جارة، ويجب حينئذ إضمار أن‏.‏ ومثله في الاحتمالين قوله‏:‏

أردت لكيما أن تطير بقربتي

فكي إما تعليلة مؤكدة للام، ومصدرية مؤكدة بأن، ولا تظهر أن بعد كي إلا في الضرورة، كقوله‏:‏

كيما أن تغر وتخدعا

وقوله‏:‏ أردت لكيما إلخ، ما‏:‏ صلة وزائدة‏.‏ والطيران هنا مستعارٌ للذهاب السريع‏.‏ والقربة‏:‏ بكسر القاف معروفة‏.‏

وتتركها‏:‏ منصوب بالعطف على تطير‏.‏ والترك يستعمل بمعنى التخلية، ويتعدى لمفعول واحد، وبمعنى التصيير ويتعدى لمفعولين، وهنا محتملٌ لكلٍّ منهما‏.‏ فشناً على الأول حال من الهاء، وعلى الثاني هو المفعول الثاني‏.‏

وببيداء‏:‏ عليهما متعلق بالترك، وهو المفعول الثاني، وشناً‏:‏ حال‏.‏ وبلقع‏:‏ بالجر صفة بيداء‏.‏

وقال العيني‏:‏ شناً حال بتأويل متشننة، من التشنن وهو اليبس في الجلد‏.‏ والباء في ببيداء تتعلق بمحذوف، تقديره شناً كائنةً ببيداء‏.‏ هذا كلامه‏.‏

والشن، بفتح المعجمة وتشديد النون‏:‏ القربة الخلق‏.‏ والبيداء‏:‏ الفلاة التي يبيد من يدخلها، أي‏:‏ يهلك‏.‏ والبلقع‏:‏ القفر‏.‏

وهذا البيت قلما خلا منه كتابٌ نحوي، ولم يعرف قائله‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الرابع والخمسون بعد الستمائة

المديد

كي لتقضيني رقية م *** وعدتني‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

على أن الأخفش يعتذر لتقدم اللام على كي في لكيما وتأخرها عنها في كي لتقضيني أن المتأخر بدلٌ من المتقدم‏.‏

وهذا يرد على الكوفيين في زعمهم أن كي ناصبة دائماً، لأن لام الجر لا تفصل بين الفعل وناصبه‏.‏ كذا قال ابن هشام في المغني‏.‏

وقال الدماميني‏:‏ هذا الرد على الكوفيين ظاهر‏.‏ أما إذا جعل النصب بأن مضمرة كما يقال البصريون، وكي جارةٌ تعليلية أكدت بمرادفها وهي اللام، انتفى هذا المحذور‏.‏ نعم يلزم الشذوذ من جهة هذا التأكيد، ولكنه سمع في كلامه، بل هو أحق، من نحو قوله‏:‏

ولا للما بهم أبداً دواء

لاختلاف الحرفين لفظاً‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وهو خلاف ما في التذكرة لأبي علي، قال فيها‏:‏ كي هنا بمعنى أن، ولا تكون الجارة، لأن حرف الجر، لا يتعلق‏.‏ وإذا كانت الأخرى كانت زائدة، كالتي في قوله‏:‏ الطويل

كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارق السلم

وقال النيلي في شرح الكافية‏:‏ ويحتمل أن يكون أراد‏:‏ لكي تقضيني، فقدم، وأخر‏.‏

والبيت من أبياتٍ لابن قيس الرقيات، محذوف الآخر‏.‏

وقبله‏:‏

ليتني ألقى رقية في *** خلوةٍ من غير ما أنس

كي لتقضيني رقية م *** وعدتني غير مختلس

ورقية‏:‏ اسم محبوبته‏.‏ والأنس، بفتحتين، بمعنى الإنس، بكسر الهمزة وسكون النون‏.‏ وما‏:‏ زائدة، وفيه مضاف محذوف تقديره من غير حضور أنس‏.‏

وقوله‏:‏ لتقضيني علة لقوله ألقى‏.‏ والقضاء‏:‏ الأداء، يقال‏:‏ قضيت الحج والدين، أي‏:‏ أديتهما‏.‏ فهو متعدٍّ لمفعول واحد‏.‏ فما في البيت بدل اشتمال من الياء‏.‏ وكون ما موصوفةً أحسن من كونها موصولة‏.‏ فتأمل‏.‏

وقال العيني‏:‏ مفعول ثانٍ لتقضيني، وهي يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي‏:‏ وعدتني إياه‏.‏ ويجوز أن تكون مصدرية، أي‏:‏ لتقضيني وعدها لي‏.‏

وهو في هذا محتاجٌ إلى أن يثبت قضى متعدياً إلى مفعولين، ولا سبيل إليه إلا بتضمين، وهو غير مقيس‏.‏

والمختلس، بفتح اللام‏:‏ مصدر ميمي، يقال‏:‏ خلست الشيء خلساً، من باب ضرب، واختلسته اختلاساً، أي‏:‏ اختطفته بسرعة على غفلة‏.‏ وغير‏:‏ مفعول مطلق، أي‏:‏ لتقضيني قضاءً غير اختلاس‏.‏ والمراد‏:‏ لأنال من وصلها في أمنٍ من الرقباء‏.‏

وقد تقدمت ترجمة ابن قيس الرقيات في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الخمسمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الخامس والخمسون بعد الستمائة

الطويل

فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا

على أن الحرف قد يبدل من مثله الموافق له في المعنى، كما في البيت، فإن ثم بدلٌ من الفاء‏.‏

وذهب ابن جني في سر الصناعة، وتبعه ابن هشام في المغني إلى أن الفاء زائدة‏.‏ قال‏:‏ لأن الفاء قد عهد زيادتها‏.‏

وكذا في كتاب الضرائر لابن عصفور، قال‏:‏ ومن زيادة الفاء قوله‏:‏ الطويل

يموت أناسٌ ويشيب فتاهم *** ويحدث ناسٌ والصغير فيكبر

يريد‏:‏ والصغير يكبر‏.‏

وقول أبي كبير‏:‏ الكامل

فرأيت ما فيه فثم رزئته *** فلبثت بعدك غير راضٍ معمري

يريد‏:‏ ثم رزئته‏.‏

وقول الأسود بن يعفر‏:‏ الكامل

فلنهشلٌ قومي ولي في نهشلٍ *** نسبٌ لعمر أبيك غير غلاب

زد الفاء في أول الكلام لأن البيت أول القصيدة‏.‏

وقال النيلي في شرح الكافية‏:‏ الذي أراه أن الفاء للترتيب المتصل في الحكم، وكأن الشاعر أخبرنا بالحكم الثاني عقب إخباره بالحكم الأول‏.‏

ونقل السيوطي في شرح أبيات المغني‏:‏ عن السيرافي أنه قال‏:‏ الأجود فثم، بفتح المثلثة، لكراهة دخول عاطف على عاطف‏.‏

والبيت من قصيدةٍ لزهير بن أبي سلمى، وهي‏:‏ الطويل

ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى *** من الأمر ويبدو لهم ما بدا ليا

بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم *** وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا

وأني متى أهبط من الأرض تلعةً *** أجد أثراً قبلي جديداً وعافيا

أراني إذا ما بت بت على هوًى *** فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا

إلى حفرةٍ أهوي إليها مقيمةٍ *** يحث إليها سائقٌ من ورائيا

كأني وقد خلفت تسعين حجةً *** خلعت بها عن منكبي ردائيا

بدا لي أني عشت تسعين حجةً *** تباعاً وعشراً عشتها وثمانيا

بدا لي أن الله حقٌّ فزادني *** من الحق تقوى الله ما قد بدا ليا

بدا لي أني لست مدرك ما مضى *** ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا

أراني إذا ما شئت لاقيت آيةً *** تذكرني بعض الذي كنت ناسيا

وما إن أرى نفسي تقيها كريمتي *** وما إن تقي نفسي كريمة ماليا

ألا لا أرى على الحوادث باقي *** ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا

وإلا السماء والبلاد وربن *** وأيامنا معدودةً واللياليا

ألم تر أن الله أهلك تبع *** وأهلك لقمان بن عادٍ وعاديا

وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى *** وفرعون أردى كيده والنجاشيا

إذا أعجبتك الدهر حالٌ من امرىءٍ *** فدعه وواكل حاله واللياليا

ألا لا أرى ذا إمةٍ أصبحت به *** فتتركه الأيام وهي كما هيا

ألم تر للنعمان كان بنجوةٍ *** من الشر لو أن امرأً كان ناجيا

فغير عنه ملك عشرين حجةً *** من الدهر يومٌ واحدٌ كان غاويا

فلم أر مسلوباً له مثل ملكه *** أقل صديقاً معطي ومواسيا

فأين الذين كان يعطي جياده *** بأرسانهن والحسان الغواليا

وأين الذين كان يعطيهم القرى *** بغلاتهم والمئين العواديا

وأين الذين يحضرون جفانه *** إذا قدمت القوا عليها المراسيا

رأيتهم لو يشركوا بنفوسهم *** منيته لما رأوا أنها هيا

سوى أن حياً من رواحة حافظو *** وكانوا أناساً يتقون المخازيا

فساروا له حتى أناخوا ببابه *** كرام المطايا والهجان المتاليا

فقال لهم خيراً وأثنى عليهم *** وودعهم وداع أن لا تلاقيا

وأجمع أمراً كان ما بعده له *** وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا

قال صعوداء، والأعلم الشنتمري في شرحيهما لديوان زهير‏:‏ هذه القصيدة قالها زهير يذكر النعمان بن المنذر، حيث طلبه كسرى ليقتله، ففر فأتى طيئاً، وكانت ابنة أوس بن حارثة بن لأم عنده، فأتاهم فسألهم أن يدخلوه جبلهم فأبوا عليه‏.‏

وكانت له يدٌ في بني عبس في مروان بن زنباع وكان أسر فكلم فيه عمرو بن هند عمه وشفع له فشفعه، وحمله النعمان بن المنذر وكساه‏.‏ فكانت بنو عبس يشكرون ذلك للنعمان فلما هرب من كسرى، ولم تدخله طيىءٌ جبلها لقيته بنو رواحةً من عبس وهم رهط مروان بن زنباع فقالوا له‏:‏ أقم فينا فإنا نمنعك من كسرى ومما نمنع منه أنفسنا‏.‏ فقال لهم‏:‏ لا طاقة لكم بكسرى وجنوده‏.‏ فأبى وساروا معه، فأثنى عليهم خيراً، وودعهم‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ ليست لزهير، ويقال هي لصرمة الأنصاري‏.‏ ولا تشبه كلام زهير‏.‏

وقوله‏:‏ ولا أرى الدهر فانيا، قال صعوداء‏:‏ يقال إن الدهر هو الله جل وعز ثناؤه، وإنما يراد بذلك أن الذي يحدثه الدهر، إنما هو من تقدير الله، فلا ينبغي أن يسب الدهر، لأنه يرجع إلى سب ما قدر الله‏.‏

وقوله‏:‏ وأني متى أهبط إلخ، قال الأعلم‏:‏ التلعة‏:‏ مجرى الماء إلى الروضة، وتكون فيما علا عن السيل وفيما سفل عنه‏.‏ ودون التلعة الشعبة‏.‏

والعافي‏:‏ الدارس‏.‏ يقول‏:‏ حيثما سار الإنسان من الأرض فلا يخلو من أن يجد فيه أثراً قديم وحديثاً‏.‏

وقوله‏:‏ أراني إذا ما بت إلخ، مع البيت بعده‏:‏ قال صعوداء‏:‏ على هوًى، أي‏:‏ على أمر‏.‏ يقول‏:‏ أراني إذا ما بت على أمرٍ، وحاجة أريدها، ثم أغدو وأدع‏.‏

وقال الأعلم‏:‏ أي‏:‏ لي حاجةً لا تنقضي أبداً، لأن الإنسان ما دام حياً فلا بد من أن يهوى شيئاً، ويحتاج إليه‏.‏

ولم يتعرض كلٌّ منهما إلى قوله فثم‏.‏

وفي جميع النسخ‏:‏ غاديا بالغين المعجمة‏.‏ وروى البيت في مغني اللبيب كذا‏:‏

أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى *** فثم إذا أمسيت أمسيت عاديا

قال ابن الملا‏:‏ أراني من أفعال القلوب التي يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها الأول ضميرين متصلين متحدي المعنى‏.‏

والهوى‏:‏ إرادة النفس، أي‏:‏ أصبح مريداً لشيءٍ، وأمسي تاركاً له، متجاوزاً عنه‏.‏ يقال‏:‏ عدا فلان الأمر، إذا تجاوزه‏.‏

قال الشمني‏:‏ وهذا يدل على أن عادياً بالعين المهملة‏.‏ وهو مضبوطٌ في بعض نسخ المغني وغيره بالمعجمة‏.‏

قال ابن القطاع‏:‏ غدا إلى كذا‏:‏ أصبح إليه‏.‏ ورواية الإعجام أنسب بالبيت بعده‏:‏ إذ يقال غدا إلى كذا بمعنى صار إليه‏.‏ وإن صح أن يقال‏:‏ المعنى متجاوزاً إلى حفرة‏.‏ ووصف الحفرة بكونها مقيمةً إما على معتقد الجاهلية من أنه لا فناء للعالم ولا بعث، والمقيمة عبارةٌ عن ذات المدة الطويلة‏.‏

والسائق‏:‏ الذي يحث على العدو إلى تلك الحفرة، وهو الزمان، فإنه المفني المبيد عندهم‏.‏

وقوله‏:‏ كأني وقد خلفت إلى آخره، قال الأعلم‏:‏ أي لا أجد مس شيءٍ مضى، فكأنما خلعت به ردائي عن منكبي‏.‏

وقوله‏:‏

بدا لي أني لست مدرك ما مضى

يأتي إن شاء الله شرحه في الجوازم‏.‏

وقوله‏:‏ أراني إذا ما شئت إلخ، أي‏:‏ إذا غفلت عن حوادث الدهر، من موت وغيره، ونسيتها رأيت آيةٌ مما تصيب غيري، فذكرتني ما كنت نسيت‏.‏ والآية‏:‏ العلامة‏.‏

وقوله‏:‏ وما إن رأى إلخ، قال صعوداء‏:‏ كريمة ماله‏:‏ أهله وخاصته‏.‏ وروى الأعلم‏:‏ كريهتي، وقال‏:‏ لا تقي نفسي من الموت كريهتي، أي‏:‏ شدتي وجراءتي، ولا تقيها كرائم مالي‏.‏

وقوله‏:‏ ألم تر أن الله أهلك تبعاً إلى آخره، تبع‏:‏ ملك اليمن‏.‏

وعادياء أبو السموءل بن حيا بن عادياء‏.‏ وكان له حصن بتيماء وهو الذي استودعه امراء القيس أدراعه‏.‏

وقال صعوداء‏:‏ عادياء ابن عاد‏.‏ وأول من سن الدية لقمان بن عاد‏.‏ وأول من تكلم بالعربية العمالقة بمكة، ملوك كان يقال لهم العمالقة، ولا يدرى لأي شيء سموا بذلك‏.‏ اه‏.‏

والنجاشي‏:‏ ملك الحبشة‏.‏ والأمة بالكسر‏:‏ النعمة والحالة الحسنة، أي‏:‏ من كان ذا نعمة، فالأيام لا تتركه ونعمته كما عهدت، أي‏:‏ لابد من أن تغيرها الأيام‏.‏

وقوله‏:‏ كان بنجوة من الشر، أي‏:‏ كان بمعزل منه‏.‏ يقال‏:‏ فلانٌ بنجوةٍ من السيل، إذا كان بموضع مرتفع حيث لا يدركه السيل‏.‏ وروى صعوداء‏:‏ بنجوة من العيش، وقال‏:‏ أي كان بمرتفع من السلطان والملك‏.‏

وقوله‏:‏ فغير عنه ملك إلخ، والحجة بالكسر‏:‏ السنة‏.‏ والغاوي هنا‏:‏ الواقع في هلكة‏.‏ وقال صعوداء‏:‏ نسب اليوم إلى الغي لأن الغي كان فيه‏.‏

وقوله‏:‏ فلم أر مسلوباً إلخ، يقول‏:‏ لم أر إنساناً سلب النعيم والملك، وله عند الناس أيادٍ ونعم كثيرة، فلم يف له أحدٌ ولم يواسه، كالنعمان حين لم يجره من استجار به‏.‏

والباذل‏:‏ المعطي‏.‏ وقوله‏:‏ والمئين الغواديا، أي‏:‏ كان يهب المئين من الإبل، فتغدو عليهم‏.‏

وقوله‏:‏ ألقوا عليها المراسيا، أي‏:‏ ثبتوا عليها آكلين منها‏.‏ والمراسي‏:‏ جمع مرسًى، وهو من رسا يرسو، إذا ثبت وأقام، ومنه مرسى السفينة‏.‏ والجفان‏:‏ القصاع‏.‏

وقوله‏:‏ لم يشركوا بنفوسهم، أي‏:‏ لم يواسوه في الموت، ومعناه لم يخلطوه بأنفسهم، حين استجار بهم من كسرى‏.‏

والهجان‏:‏ البيض من الإبل، وهي أكرمها‏.‏ والمتالي‏:‏ التي تتلوها أولادها، جمع متلية‏.‏

وقوله‏:‏ فقال لهم خيراً، أي‏:‏ قال النعمان لبني رواحة خيراً، لما دعوه إلى مجاورتهم، وودعهم وداع من يتيقن بالموت‏.‏

وقوله‏:‏ وأجمع أمراً إلخ، ما بعده‏:‏ أي‏:‏ من ثنائه‏.‏ واخلولج‏:‏ التوى ولم يستقم‏.‏ والماضي‏:‏ النافذ في الأمر العازم عليه‏.‏

وترجمة زهير تقدمت في الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد السادس والخمسون بعد الستمائة

الطويل

إذا أنت لم تنفع فضر فإنم *** يراد الفتى كيما يضر وينفع

على أن يضر بالرفع، وما‏:‏ كافة، وقيل‏:‏ مصدرية، وكي‏:‏ جارة، أي‏:‏ لمضرته ومنفعته‏.‏

وهذان الوجهان أجازهما أبو علي في التذكرة القصرية وفي البغداديات كما ننقله في البيت بعده‏.‏

وكذا قال ابن هشام في المغني‏.‏

وقال العيني‏:‏ إن دخول كي على المصدرية نادر‏.‏

ورأيت في طبقات النحاة لأبي بكر محمد الشهير بالتاريخي عند ترجمة يونس ابن حبيب، أن يونس قال‏:‏ كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فصيحاً، وهو الذي يقول‏:‏

إذا أنت لم تنفع فضر فإنم *** يرجى الفتى كيما يضر وينفعا

فعلى هذه الرواية ما‏:‏ زائدة، ويضر منصوب بكي، واللام مقدرة، وأنت‏:‏ فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، أي‏:‏ إذا لم تنفع الصديق فضر العدو‏.‏ وإنما قدر الفعل واقعاً على هذا المفعول، لأن العاقل لا يأمر بالضر مطلقاً، وحسن المقابلة اقتضى تعيين الأول‏.‏

ويرجى بتشديد الجيم المفتوحة، أي‏:‏ إنما يرجى الكامل في الفتوة لضرر من يستحق الضر، ونفع من يستحق النفع‏.‏

وقيل‏:‏ يمكن حمل البيت على أن المراد الحث على النفع بالأمر بالضرر، لا على أنه مراد، ولا يقدر للفعل متعلق، بملاحظة أن الإنسان إنما يقصد، ويكثر رجاؤه لوصفٍ فيه لا لذاته‏.‏

وروى‏:‏ يراد بدل يرجى‏.‏

قال العيني‏:‏ البيت للنابغة الذبياني، وقيل للنابغة الجعدي‏.‏ والأصح أن قائله قيس بن الخطيم‏.‏ ذكره البحتري في حماسته‏.‏

ولم نسمع أن للبحتري حماسة‏.‏

ونسبه الإمام الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن لقيس بن الخطيم بنصب يضر وينفع‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد السابع والخمسون بعد الستمائة

الرجز

لا تظلموا الناس كما لا تظلموا

على أن المبرد والكوفيين جوزوا نصب المضارع بعد كما على أن أصلها كيما، حذفت الياء تخفيفاً‏.‏

فإن لا تظلموا منصوب بحذف النون بها، وقيل بل نصبه بما المصدرية حملاً على أن المصدرية، كما أن أن تهمل حملاً على ما‏.‏ وهذا من باب التقارض‏.‏

فالكاف حينئذ للتشبيه‏.‏

والبصريون يمنعون ذلك، وينشدون‏:‏

لا تظلم الناس كما لا تظلم

بالتوحيد، فالفعل مرفوع على هذا بعد لا النافية، والكاف‏:‏ للتشبيه، وما‏:‏ كافة‏.‏

قال سيبويه‏:‏ سألت الخليل عن قول العرب‏:‏ انتظرني كما آتيك فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرف واحد وصيرت للفعل كما صيرت للفعل ربما، والمعنى‏:‏ لعلي آتيك‏.‏ فمن ثم لم ينصبوا به الفعل كما لم ينصبوا بربما‏.‏

قال‏:‏ الرجز

لا تشم الناس كما لا تشتم

وقال أبو النجم‏:‏ الرجز

قلت لشيبان ادن من لقائه *** كما تغذي القوم من شوائه

انتهى‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد وقوع الفعل بعد كما لأنها كاف التشبيه ووصلت بما، لوقوع الفعل بعدها، كما فعل بربما، ومعناها هنا‏:‏ لعل، أي‏:‏ لا تشتم الناس لعلك لا تشتم إن لم تشتمهم‏.‏ ومن النحويين من يجعلها بمعنى كي، ويجيز النصب بها، وهو مذهب الكوفيين‏.‏

وقال النحاس‏:‏ هذا قول الخليل وسيبويه‏.‏ وحكى ابن سعدان النصب بكما إذا كانت بمعنى كيما، وقد حكاه الأخفش سعيد‏.‏

وقوله‏:‏ قلت لشيبان إلخ، يأمر ابنه شيبان باتباع ظليمٍ والدنو منه، لعله يصيده، فيطعم أصحابه من شوائه‏.‏

وقال أبو علي في البغداديات بعد أن نقل عبارة سيبويه‏:‏ جعل سيبويه كما في هذا البيت كالتي في البيت الأول‏.‏

وأنشده أبو بكر عن يعقوب وغيره من أهل الثبت في اللغة‏:‏ كيما تغدي القوم‏.‏ وقال شيبان‏:‏ ابنه، أي‏:‏ قلت له اركب في طلبه، كيما تصيده، فتغدي القوم به مشوياً‏.‏ يصف ظليماً‏.‏

وأقول‏:‏ إن ما على هذا الإنشاد تحتمل وجهين‏:‏ يجوز أن تكون زائدة كالتي في قوله‏:‏ فبما رحمةٍ ‏.‏ والفعل منصور‏.‏ بإضمار أن، إلا أنه ترك على الإسكان، وذلك مما يستحسن في الضرورات‏.‏ ويجوز أن تكون ما بمعنى المصدر، في موضع جرٍّ بكي، وتغدي صلته وموضعه رفع‏.‏ ونظير ذلك قول الآخر، أنشده أبو الحسن‏:‏

إذا أنت لم تنفع فضر فإنم *** يرجى الفتى كيما يضر وينفع

كأنه وقال‏:‏ للضرر والنفع‏.‏ ويحتمل عندي أن تكون ما كافة لكي، كما كانت كافة لرب‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ابن هشام في المغني‏:‏ اختلف في نحو قوله‏:‏ الطويل

وطرفك إما جئتنا فاحبسنه *** كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

فقال الفارسي‏:‏ الأصل كيما، فحذف الياء‏.‏ وقال ابن مالك‏:‏ هذا تكلف، بل هي كاف التعليل وما الكافة، ونصب الفعل بها، لشبهها بكي في المعنى‏.‏ وزعم أبو محمد الأسود في كتابه المسمى نزهة الأديب أن أبا علي حرف هذا البيت، وأن الصواب فيه‏:‏

إذا جئت فامنح طرف عينك غيرن *** لكي يحسبوا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

انتهى‏.‏

والبيت الذي أورده الشارح المحقق لرؤبة بن العجاج، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليه في الشاهد الأربعين بعد الثمانمائة‏.‏

والمشهور في الاستعمال ما أورده سيبويه، وهو‏:‏ الرجز

لا تشتم الناس كما لا تشتم

وهو لرؤبة بن العجاج أيضاً‏.‏ وتقدمت ترجمته في الشاهد الخامس من أول الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثامن والخمسون بعد الستمائة

وهو من شواهد س‏:‏ الوافر

ولبس عباءة وتقر عيني

هذا صدرٌ، وعجزه‏:‏

أحب إلي من لبس الشفوف

على أن تقر منصوب بأن مضمرة بعد الواو، وأن تقر في تأويل مصدر معطوف على مصدر وهو لبس‏.‏

وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله فيما بعد في الشاهد الثاني والسبعين بعد الستمائة‏.‏

والبيت من أبياتٍ لميسون بنت بحدلٍ الكلبية، وهي‏:‏

لبيتٌ تخفق الأرواح فيه *** أحب إلي من قصرٍ منيف

وبكرٌ يتبع الأظعان سقب *** أحب إلي من بغلٍ زفوف

وكلبٌ ينبح الطراق عني *** أحب إلي من قطٍّ ألوف

ولبس عباءةٍ وتقر عيني *** أحب إلي من لبس الشفوف

وأكل كسيرةٍ في كسر بيتي *** أحب إلي من أكل الرغيف

وأصوات الرياح بكل فجٍّ *** أحب إلي من نقر الدفوف

وخرقٌ من بني عمي نحيفٌ *** أحب إلي من علجٍ عليف

خشونه عيشتي في البدو أشهى *** إلى نفسي من العيش الطريف

فما أبغي سوى وطني بديل *** فحسبي ذاك من وطنٍ شريف

الخفق‏:‏ الاضطراب، وفعله من باب ضرب‏.‏ والمنيف‏:‏ العالي‏.‏ وأورد الحريري هذه الأبيات في درة الغواص لأجل هذا البيت على أنه يقال في جمع ريح أرواح، وقول الناس‏:‏ أرياح، قياساً على رياح خطأٌ‏.‏

والبكر، بفتح الموحدة‏:‏ الفتي من الإبل‏.‏ والأظعان‏:‏ جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في الهودج‏.‏ والسقب‏:‏ الذكر من ولد الناقة، وهو حالٌ مؤكدة‏.‏

وروى‏:‏ صعب فهو صفة لبكر‏.‏ والزفوف بالزاء المعجمة والفاءين، أي‏:‏ المسرع‏.‏

والطراق‏:‏ جمع طارق، وهو الذي يأتي ليلاً‏.‏

وقوله‏:‏ ولبس عباءة في غالب كتب النحو للبس بلامين، وهو خلاف الرواية الصحيحة‏.‏

والعباء، وكذا العباية‏:‏ الجبة من الصوف ونحوها، وقيل‏:‏ كساءٌ مخططٌ‏.‏

وتقر، بفتح القاف، من قولهم‏:‏ عين قريرة، أي‏:‏ باردة من البرد، الذي هو النوم، وقيل من البرد هو ضد الحر، ومن القرار وهو السكون، لأن العين إذا قرت سكنت عن الطموح إلى شيء، والشفوف‏:‏ جمع شف بكسر الشين وفتحها، وهو الثوب الرقيق، سمي بذلك لأنه يستشف ما وراءه، أي‏:‏ يبصر‏.‏

ومثله قول بعض الأعراب‏:‏ الطويل

لعمري لأعرابيةٌ في عباءةٍ *** تحل دماثاً من سويقة وفردا

أحب إلى القلب الذي لج في الهوى *** من اللابسات الخز يظهرنه كيدا

والكسيرة، بالتصغير‏:‏ القطعة من الخبز‏.‏ والكسر، بكسر الكاف‏:‏ طرف الخباء من الأرض‏.‏

والخرق، بكسر الخاء المعجمة‏:‏ الكريم‏.‏ والعلج بالكسر، قال ابن دريد‏:‏ هو الصلب الشديد، وبه سمي حمار الوحش علجاً‏.‏ ويحتمل أن تريد‏:‏ إن الأمرد أحب إلي من ذي اللحية‏.‏

قال أبو زيد‏:‏ يقال لكل ذي لحية علج، ولا يقال للغلام إذا كان أمرد علج‏.‏ واستعلج الرجل، إذا خرجت لحيته‏.‏ والأول أنسب لقولها عليف، أي‏:‏ مسمنٌ بالعلف‏.‏ قال الأعلم‏:‏ تعني به معاوية لقوته وشدته، مع سمنه ونعمته‏.‏

وقال العيني‏:‏ الغليف بالغين المعجمة، وهو الذي يغلف لحيته بالغالية‏.‏ ويجوز بالعين المهملة‏.‏

وميسون، قال اللخمي‏:‏ هو زوج معاوية بن أبي سفيان، وأم ابنه يزيد، وكانت بدوية، فضاقت نفسها لما تسرى عليها، فعذلها على ذلك، وقال لها‏:‏ أنت في ملكٍ عظيم، وما تدرين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة‏:‏ فقالت هذه الأبيات، فلما سمعها، قال لها‏:‏ ما رضيت يا ابنة بحدلٍ حتى جعلتني علجاً عليفاً‏!‏ فالحقي بأهلك‏.‏

فطلقها وألحقها بأهلها، وقال لها‏:‏ كنت فبنت‏!‏ فقالت‏:‏ لا والله ما سررنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنا‏!‏ ويقال‏:‏ أنها كانت حاملاً بيزيد، فوضعته في البرية، فمن ثم كان فصيحاً‏.‏

وقال الشريف في حماسته‏:‏ وروى الكلبي عن عوانة، قال‏:‏ لما زفت ميسون بنت بحدلٍ من بادية كلب إلى معاوية، وهو بريف الشام، ثقل عليها الغربة والبعد عن قومها، فسمعها ذات ليلة تقول هذه الأبيات، فقال‏:‏ أنا والله العلج‏:‏ وازداد بها عجباً، وإليها ميلاً‏.‏

قال ابن الكلبي في الجمهرة‏:‏ كان معاوية بن أبي سفيان بعث رسولاً إلى بهدلة بن حسان بن عدي بن جبلة بن سلامة بن عبد الله بن عليم بن جناب يخطب إليه ابنته، فأخطأ الرسول فذهب إلى بحدل بن أنيف، من بني حارثة بن جناب، فزوجه ابنته ميسون بنت بحدل، فولدت له يزيد‏.‏ انتهى‏.‏

ذكره في جمهرة قضاعة، وهي من قبائل اليمن‏.‏

وميسون‏:‏ فيعول، من مسنه بالسوط إذا ضربه، وفعلون من ماس يميس، إذا تبختر، ولا نظير له إلا زيتون، استدل به بعض النحويين على زيادة النون بالزيت المعصور‏.‏

وحكي أرض زتنة، إذا كان فيها الزيتون‏.‏ وبحدل، بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الطويل

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

على أن أحضر منصوب بأن مضمرة، بدليل تمامه‏:‏

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من أوائل الكتاب‏.‏

وهذه رواية الكوفيين، والرفع رواية البصريين‏.‏ قال سيبويه‏:‏ وقد جاء في الشعر‏:‏

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

قال الأعلم‏:‏ الشاهد فيه رفع أحضر بحذف الناصب وتعريه منه‏.‏ والمعنى‏:‏ لأن أحضر الوغى‏.‏ وقد يجوز النصب بإضمار أن ضرورة، وهو مذهب الكوفيين‏.‏ انتهى‏.‏

وفي التذكرة القصرية، وهي أسئلة من أبي الطيب محمد بن طوسي المعروف بالقصري، وأجوبة من شيخه أبي علي الفارسي، قال‏:‏ سألت أبا علي عن أحضر الوغى، أي شيءٍ موضعه‏؟‏ فقال‏:‏ نصبٌ، وهو يريد حاضراً‏.‏ فقلت‏:‏ كيف يجوز أن يكون حالاً وإنما الحضور مزجورٌ عنه لا عن غيره‏؟‏ فقال‏:‏ قد يجوز أن يكون لم يذكر المزجور عنه‏.‏ فقلت‏:‏ قد فهمنا من قوله‏:‏

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

قد نهاه عن حضور الوغى‏.‏ قال‏:‏ صير أن يفهم منه هذا وإن كان ذلك لا يفهم منه إذا قدرته بقولك حاضراً‏.‏ قلت‏:‏ فإن الحضور لم يقع، ونحن نعلم أنه ما نهاه وقد حضر‏.‏ قال‏:‏ هذا مثل قولك‏:‏ هذا صاحب صقر صائداً به غداً‏.‏ قلت‏:‏ فما الحاجة إلى أن قدرته حالاً‏.‏ قال‏:‏ ليتعلق بما قبله، وإلا فلا سبيل إلى تعلقه بما قبله إلا على هذا الوجه‏.‏ انتهى‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد التاسع والخمسون بعد الستمائة

الرمل

لو بغير الماء حلقي شرقٌ

على أن الجملة الاسمية بعد لو وضعت موضع الجملة الفعلية شذوذاً، كما قاله في باب الاشتغال‏.‏

وهذا مذهب ابن جني، ونسبه أبو حيان إلى أبي بكر بن طاهر‏.‏

وهذا صدر، وعجزه‏:‏

كنت كالغصان بالماء اعتصاري

والباء من بغير متعلقة بالخبر، وهو شرق، وحلقي‏:‏ هو المبتدأ‏.‏ وهذا أحد تخاريج ثلاثةٍ في البيت‏.‏

ثانيها‏:‏ لبدر الدين في شرح ألفية والده، قال‏:‏ كان الشأنية محذوفة بعد لو، فهي على بابها من دخولها على الجملة الفعلية، فتكون الجملة الاسمية خبراً لكان المحذوفة‏.‏ ونسبه أبو حيان إلى البصريين‏.‏ ولم يذكر ابن هشام هذا التخريج في المغني‏.‏

ثالثها‏:‏ لأبي علي الفارسي في الإيضاح الشعري قال فيه‏:‏ موضع حلقي رفعٌ بأنه فاعل، والرافع له فعل مضمر يفسره شرق، كأنه قال‏:‏ لو شرق حلقي بغير الماء‏.‏ ولا يكون شرق خبر حلقي‏.‏ هذا الظاهر‏.‏ لأن ما بعد لو لا يكون مبتدأ كما أن ما بعد إن وما بعد إذا لا يكون كذلك‏.‏

فإذا لم يجز أن تجعله خبر حلقي الواقع بعد لو، لأنه يرتفع بفعل مضمر، وجب أن تضمر له مبتدأ، والتقدير هو شرق، فيكون هو شرقٌ، بمنزلة شرق، تفسيراً للفعل المضمر بعد لو، ويكون ذلك بمنزلة ما يحمل على المعنى‏.‏ ألا ترى أن هو شرق، بمنزلة شرق في المعنى‏؟‏ وقوله‏:‏ بغير الماء يتعلق الجار فيه بالفعل الواقع لحلقي، وهو أسهل من أن تعلقه بشرقٍ هذا الظاهر‏.‏ وإن لم تقدر هذا المضمر، لزم أن تكون لو قد ابتدأ بعدها الاسم، فإذا ثبت في هذا الموضع إضمار الفعل فحكم سائر ما أشبهه مثله‏.‏ انتهى مختصراً‏.‏

واختصره ابن هشام في المغني بقوله‏:‏ وقال الفارسي‏:‏ الأصل لو شرق حلقي هو شرق، فحذف الفعل أولاً والمبتدأ آخراً‏.‏ انتهى‏.‏

ونسب أبو جعفر النحاس هذا التخرج لأبي الحسن الأخفش، وأنشد البيت في أبيات سيبويه، وقال‏:‏ أنشده سيبويه في باب من أبواب أن في نسخة أبي الحسن وحده‏.‏ انتهى‏.‏

وقد راجعت الكتاب وهو من رواية المبرد فلم أجده فيه‏.‏

وبتقدير المبتدأ تعرف أن ما نقله ابن جني عن شيخه الفارسي عند الكلام على البيت الآتي خلاف الواقع‏.‏ قال‏:‏ سألنا يوماً أبا علي عن بيت عدي فأخذ يتطلب له وجهاً وتعسف فيه، وأراد أن يرفع حلقي بفعل مضمر يفسره قوله‏:‏ شرق‏.‏ فقلنا له‏:‏ فبم يرتفع إذن شرق‏؟‏ فقال‏:‏ هو بدلٌ من حلقي‏.‏ فأطال الطريق وأعور المذهب‏.‏

ولو قال‏:‏ إن الجملة الاسمية وقعت موقع الفعلية، لكان أقرب مأخذاً وأسهل متوجهاً‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ بالماء اعتصاري، قال أبو علي‏:‏ موضع الجملة نصبٌ بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم الياء في اعتصاري، وكالغصان في موضع حال، والعامل فيه كنت، ولا يكون الخبر، لأن الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل كما يعمل في الظرف إذا تقدمه‏.‏

ولا تكون الباء في قوله بالماء كالجار في قوله‏:‏ إني لكما لمن الناصحين ‏.‏ ولكنه يتعلق بمحذوف في موضع خبر المبتدأ‏.‏

ألا ترى أنك لو قلت إني من الناصحين لكما، لتعلقت اللام بالناصحين‏.‏ ولو قلت‏:‏ كنت مروري بزيد لم تتعلق الباء بالمرور، إنما تتعلق بمحذوف‏.‏

وقوله‏:‏ ولا يكون الخبر، أي‏:‏ لا يكون العامل في الحال الخبر، وهو قوله بالماء الواقع خبراً لقوله اعتصاري‏.‏ والجملة خبر كنت‏.‏

وزعم العيني أن قوله‏:‏ كالغصان خبر كنت‏.‏ ولم يذكر موقع الجملة التي بعده من الإعراب‏.‏ ويجوز على هذا أن تكون خبراً ثانياً‏.‏

وشرق فلانٌ بريقه وبالماء‏:‏ إذا غص به، ولم يقدر على بلعه، وهو من باب تعب‏.‏

والغصان، من غص فلانٌ بالطعام غصصاً من باب تعب، ومن باب قتل لغة، إذا لم يقدر على بلعه‏.‏ والغصة‏:‏ بالضم‏:‏ ما غص به الإنسان من طعام، وغيظٍ على التشبيه به، ويتعدى بالهمزة، نحو‏:‏ أغصصته به‏.‏

قال الجوهري‏:‏ الاعتصار‏:‏ أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء، وهو أن يشربه قليلاً قليلاً ليسيغه‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

وتحقيقه أن الاعتصار معناه‏:‏ الالتجاء، كما قاله أبو القاسم علي بن حمزة البصري فيما كتبه على كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري وهذا نص كلامه، وفيه فوائد‏.‏

وأنشد أبو حنيفة للبعيث‏:‏ الطويل

وذي أشرٍ كالأقحوان تشوفه *** ذهاب الصبا والمعصرات الدوالح

وقال‏:‏ الدوالح‏:‏ الثقال التي تدلح بالماء‏.‏ ويرى أنه معنى قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً ‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن المعصرات الرياح ذات الأعاصير، وهو الرهج والغبار‏.‏

قال الشاعر‏:‏ الكامل

وكأن سهك المعصرات كسونه *** ترب الفدافد والنقاع بمنخل

النقاع‏:‏ جمع نقع، وهو القاع من القيعان‏.‏ وزعموا أن معنى من معنى الباء، كأنه قال‏:‏ وأنزلنا بالمعصرات‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ بل المعصرات الغيوم أنفسها، ذهب إلى معنى البعيث‏.‏ ولا يحتمل قوله غير السحاب لقوله‏:‏ الدوالح، فتكون المعصرات التي أمكنت الرياح من اعتصارها واستنزال قطرها، كما يقال أمضغ النخل وآكل وأطعم، وأفرك الزرع، إذا أمكن ذلك فيه‏.‏

قال أبو القاسم‏:‏ ألم أبو حنيفة بالصواب، ثم حاد عنه‏.‏ المعصرات‏:‏ السحابات بعينها، ولكنها إنما سميت بذلك بالعصر بفتحتين، والعصرة بالضم، وهما الملجأ‏.‏

قال الشاعر‏:‏ الخفيف

فارسٌ يستغيث غير مغاثٍ *** ولقد كان عصرة المنجود

أي‏:‏ ملجأ المكروب‏.‏ وتقول‏:‏ أعصرني فلان، إذا ألجأك إليه‏.‏ واعتصرت أنا اعتصاراً‏.‏

قال عدي بن زيد‏:‏

لو بغير الماء حلقي شرقٌ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فمعنى المعصرات المنجيات من البلاء، المعصمات من الجدب بالخصب، لا ما قال أبو حنيفة، ولا ما قال من قال‏:‏ إنها الرياح ذات الأعاصير‏.‏ فلا تلتفتن إلى القولين معاً‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

وكذا قال أبو عبيد‏:‏ الاعتصار‏:‏ الملجأ‏.‏ والمعنى‏:‏ لو شرقت بغير الماء، أسغت شرقي بالماء، فإذا غصصت بالماء، فبم أسيغه‏؟‏ وقد صار البيت مثلاً للتأذي ممن يرجى إحسانه‏.‏ قال ابن عبد ربه في العقد الفريد‏:‏ هذا البيت أول ما قيل في معناه‏.‏

وقال آخر‏:‏ الطويل

إلى الماء يسعى من يغص بريقه *** فقل أين يسعى من يغص بماء

وقال الأحنف بن قيس‏:‏ من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء ‏.‏ وقال العباس بن أحنف‏:‏ السريع

قلبي إلى ما ضرني داعي *** يكثر أحزاني وأوجاعي

كيف احتراسي من عدوي إذ *** كان عدوي بين أضلاعي

وقال آخر‏:‏ الخفيف

كنت من كربتي أفر إليهم *** فهم كربتي فأين الفرار

والبيت من قصيدة لعدي بن زيد، يخاطب بها النعمان بن المنذر، وكان قد حبسه النعمان‏.‏

وقبله وهو أول القصيدة‏:‏ الرمل

أبلغ النعمان عني مألك *** أنه قد طال حبسي وانتظاري

وأبلغ فعل أمر‏.‏ والمألك‏:‏ بسكون الهمزة وضم اللام‏:‏ الرسالة‏.‏

وقال الزجاج في تفسيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قلنا للملائكة اسجدو‏:‏ ومألك‏:‏ جمع مألكة‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

وبقية القصيدة مذكورة في العقد الفريد وفي الأغاني وغيرهما‏.‏

وقد استعطفه عديٌّ بعدة قصائد فلم تنفعه شيئاً، ثم قتله بعد مدة طويلة في الحبس‏.‏

وقد ذكرنا سبب حبسه وكيفية قتله مع ترجمته في الشاهد الستين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الطويل

يقولون ليلى أرسلت بشفاعةٍ *** إلي فهلاً نفس ليلى شفيعها

لما تقدم في البيت قبله‏.‏ وفيه التخريجان الآخران أيضاً‏.‏

وقد تقدم شرحه في الشاهد الخامس والستين بعد المائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏