فصل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد الثالث والثلاثون بعد السبعمائة

الطويل

فلا وأبي دهماء زالت عزيزة

على أن قد فصل بالجار والمجرور، أعني الجملة القسمية، وهو وأبي دهماء بين لا النافية، وبين زالت‏.‏

وهذا الفصل شاذ‏.‏ وإليه ذهب ابن هشام في المغني، إلا أنه لم يقيده بالشذوذ ولا بالقلة‏.‏ وكأنه مطرد عنده‏.‏ قال في بحث الجملة المعترضة‏:‏ ويفصل بني حرف النفي، ومنفيه، كقوله‏:‏ المنسرح

ولا أراها تزال ظالمة

وقوله‏:‏

فلا وأبي دهماء زالت عزيزة

قال شارحه ابن الملا الحلبي‏:‏ ويجوز أن تكون لا رداً، وحرف النفي محذوفاً، ولا اعتراض‏.‏ انتهى‏.‏

وقد رد الشارح المحقق هذا الجواز، فقال‏:‏ وليس مما حذف منه حرف النفي إلخ‏.‏

ومراده الرد على الفراء، فإنه ذهب في موضعين من تفسيره إلى أن حرف النفي منه محذوف‏:‏ الأول في سورة يوسف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تالله تفتؤ تذكر يوسف ، قال‏:‏ أي لا تزال تذكر يوسف‏.‏ ولا قد تضمر مع الأيمان، لأنها إذا كانت خبراً لا يضمر فيها لا، لم تكن إلا بلام‏.‏

ألا ترى أنك تقول‏:‏ والله لآتينك‏.‏ ولا يجوز‏:‏ والله آتيك، إلا أن تكون تريد لا‏.‏ فلما تبين موضعها، وفارقت الخبر أضمرت‏.‏

قال امرؤ القيس‏:‏ الطويل

فقلت يمين الله أبرح قاعد ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وأنشدني بعضهم‏:‏

فلا وأبي دهماء زالت عزيزة *** على قومها ما فتل الزند قادح

يريد‏:‏ لا زالت‏.‏

والموضع الثاني في سورة الكهف، عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ‏.‏

قال‏:‏ لا يكون تزال، وأبرح، وأفتأ إلا بجحد ظاهر ومضمر‏.‏ فأما الظاهر فقد تراه في القرآن‏:‏ ولا يزالون مختلفين ‏.‏ والمضمر فيه الجحد قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏تفتؤ معناه لا تفتؤ‏.‏

ومثله قول الشاعر‏:‏

فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وكذلك قول امرئ القيس‏:‏

فقلت يمين الله أبرح قاعد ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى‏.‏

وقد جعله ابن عصفور من باب حذف النافي، وهو ما، لكن روى صدره على خلاف هذا، قال‏:‏ ومنه حذف ما النافية وهو قليل جداً، وهو قوله‏:‏

لعمر أبي دهماء زالت عزيزة *** على قومها ما فتل الزند قادح

يريد‏:‏ ما زالت عزيزة‏.‏ انتهى‏.‏

وكذا رواه المرادي في شرح التسهيل وخرجه‏.‏ إلا أنه قال‏:‏ أي لا زالت عزيزة‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ فلا وأبي دهماء إلخ ، الفاء في التقدير داخلة على واو القسم، أي‏:‏ فو أبي دهماء، لا زالت عزيزة‏.‏

أقسم الشاعر بوالد هذه المرأة‏.‏ فأبى مضاف إلى دهماء وهي اسم امرأة، واسم زالت الضمير الراجع إلى دهماء، وعزيزة خبرها، وهي من العزة بالعين المهملة وبالزاء المعجمة، وجملة‏:‏ لا زالت جواب القسم، وعلى قومها متعلق بعزيزة، وما مصدرية ظرفية‏.‏

وفتل بالفاء بعدها مثناة فوقية، روى بشدها وتخفيفها، وهو فعل ماض، والزند مفعوله، وقادح فاعله‏.‏

وقد ذكر أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات صفة الزند والزندة، وكيفية الفتل، فلا بأس بإيراده هنا، قال‏:‏ أفضل ما اتخذت منه الزناد شجرتا المرخ والعفاء، بفتح العين المهلمة بعدها فاء، فتكون الأنثى، وهي الزندة السفلى مرخاً، ويكون الذكر وهو الزند الأعلى عفاراً‏.‏ أخبرني بعض علماء الأعراب أن العفار شجر، يشبه صغار شجر الغبيراء، منظره من بعيد كمنظره وأما المرخ فقد رأيته ينبت قضباناً سمحة طوالاً لا ورق لها‏.‏ ولفضل هاتين الشجرتين في سرعة الوري، وكثرة النار، سار قول العرب فيهما مثلاً، فقالوا‏:‏ في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار، أي‏:‏ ذهبا بالمجد فكان الفضل لهما‏.‏

ولذلك قال الأعشى‏:‏ المتقارب

زنادك خير زناد الملو *** ك خالط فيهن مرخ عفارا

ويختار أن تكون الزندة من المرخ، والزند من العفار‏.‏

ومن فضيلة المرخ في كثرة النار، وسرعة الوري، ما ذكر أبو زياد الكلابي فإنه قال‏:‏ ليس في الشجر كله أورى زناداً من المرخ، قال‏:‏ وربما كان المرخ مجتمعاً ملتفاً، وهبت الريح، فحك بعضه بعضاً، فأورى، فاحترق الوادي كله‏.‏ ولم نر ذلك في شيء من الشجر‏.‏

ثم بعد أن ذكر الأشجار التي تتخذ منها الزناد، قال‏:‏ وصفة الزندة‏:‏ عود مربع في طول الشبر وأكثر، وفي عرض إصبع وأشف، وفي صفحاتها فرض، وهي نقر، الواحدة منها فرضة، وتجمع فراضاً أيضاً‏.‏ والزند الأعلى نحوها، غير أنه مستدير، وطرفه أدق من سائره‏.‏

فأما وصف الاقتداح بها، فإن المقتدح إذا أراد أن يقتدح بالزناد، وضع الزندة ذات القراض بالأرض، ووضع رجليه على طرفيها، ثم وضع طرف الزند الأعلى في فرضة من فراض الزندة، وقد تقدم فهيأ في الفرضة مجرى للنار إلى جهة الأرض يحز، وقد حزه بالسكين في جانب الفرضة، ثم فتل الزند بكفه كما يفتل المثقب، وقد ألقى في الفرضة شيئاً من التراب يسيراً يبتغي بذلك الخشنة، ليكون الزند أعمل في الزندة، وقد جعل إلى جانب الفرضة عند مفضى الحز، رية تأخذ فيها النار، فإذا فتل الزند، لم يلبث الدخان أن يظهر، ثم تتبعه النار فتنحدر في الحز، وتأخذ في الربة‏.‏ وتلك النار هي السقط‏.‏ انتهى كلامه باختصار كثير‏.‏

وقد صحف بعضهم قوله‏:‏ ما فتل الزند قادح، وروى‏:‏ ما قيل للزند قادح، على أنه فعل ماض مجهول من القول‏.‏ وجر الزند باللام‏.‏

وهذا البيت لم أقف له على تتمة، ولا قائل‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الرابع والثلاثون بعد السبعمائة

مجزوء الكامل

تنفك تسمع ما حيي *** ت بها لك حتى تكونه

على أن حرف النفي محذوف، والتقدير‏:‏ لا تنفك‏.‏

وظاهره أن حذف النافي أي حرف نفي كان، يجوز حذفه من هذه الأفعال، سواء وقعت جواب قسم كالآية والبيت الذي بعده‏:‏ أم لا كهذا البيت، فإنه لم يتقدمه شيء‏.‏ وهو الظاهر أيضاً من كلام الزمخشري في المفصل، ومن كلام ابن هشام في شرح الشواهد‏.‏

لكن ابن يعيش قيد حرف النفي بكونه لا، وأنه لا يحذف من هذه الأفعال إلا إذا وقعت جواب قسم‏.‏ قال‏:‏ إن حرف النفي قد يحذف في بعض المواضع، وإنما يسوغ حذفه إذا وقع في جواب القسم، وذلك لأمن اللبس، كقوله‏:‏

تزال حبال مبرمات أعده ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

ولا يجوز أن يحذف من هذه الحروف غير لا، لأنه لا يجوز حذف لم وما، لأن لم عاملة فيما بعدها، ولا يجوز أن تحذف، وتعمل، وكذلك ما قد تكون عاملة في لغة أهل الحجاز‏.‏ انتهى‏.‏

ويؤخذ منه أنه لا يجوز حذف إن أيضاً؛ لأنها قد تعمل عمل ليس‏.‏

وفي كلامه نظر‏:‏ أما أولاً‏:‏ فلأنه قد مثل بهذا البيت تبعاً لصاحب المفصل، وتنفك فيه ليس جواب قسم‏.‏

وأما ثانياً‏:‏ فلأن الكلام في حروف النفي الداخلة على الأفعال، وما الحجازية داخلة على المبتدأ والخبر، فأين هذا من ذاك‏؟‏ وهل هو إلا اشتباه‏.‏

وقد تبعه المرادي في شرح التسهيل في الثاني، قال‏:‏ وينقاس الحذف في المضارع جواب قسم، وشذ في الماضي جواب قسم، كقوله‏:‏

لعمر أبي دهماء زالت عزيزة

أي‏:‏ لا زالت‏.‏ وشد في المضارع غير جواب، كقوله‏:‏ الوافر

وأبرح ما أدام الله قومي *** بحمد الله منتطقاً مجيداً

أي‏:‏ لا أبرح، وقيل‏:‏ لا حذف‏.‏

والمعنى‏:‏ أزول عن أن أكون منتطقاً مجيداً، أي‏:‏ صاحب نطاق وجواد، ما أدام الله قومي، فإنهم يكفونني ذلك‏.‏ انتهى‏.‏

ودعوى عدم الحذف تعسف وقع في أشد مما فر منه‏.‏

وأغرب من قول المرادي ما ذهب إليه ابن عصفور، من أنه ضرورة، قال‏:‏ ومنه إضمار لا النافية في غير جواب القسم، كقوله‏:‏

تنفك تسمع ما حييت ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى‏.‏

فلله در الشارح المحقق ما أجود اختياره، وما أرصن سبكه‏.‏

وقوله‏:‏ تنفك تسمع‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، جملة‏:‏ تسمع مع فاعله الضمير خبر لا تنفك، وما‏:‏ مصدرية ظرفية‏.‏

وحييت بالخطاب، أي‏:‏ مدة حياتك‏.‏ ولا وجه لقول بعض أفاضيل العجم في شرح أبيات المفصل‏:‏ وقوله‏:‏ ما حييت بيان لقوله‏:‏ تنفك تسمع، وتأكيد له‏.‏ انتهى‏.‏

وبهالك متعلق بتسمع على تقدير مضاف، أي‏:‏ بخبر هالك‏.‏ وسمع هنا ليست مما يتعدى لمفعولين، وتعديها بالباء أحد استعمالاتها كما تقدم، كقولهم‏:‏ تسمع بالمعيدي‏.‏

ويجوز أن تكون الباء زائدة فتكون متعدية إلى مفعول واحد، كقولك‏:‏ سمعت الخبر‏.‏ وهذا أيضاً أحد استعمالاتها‏.‏

وحتى حرف جر بمعنى إلى، والهاء في تكونه ضمير الهالك‏.‏ والأكثر في خبر كان، إذا كان ضميراً أن يكون منفصلاً‏.‏ وهذا من القليل‏.‏

وقد استشهد صاحب اللباب لقلته بهذا البيت‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ أي لا تزال تسمع‏:‏ مات فلان، حتى تكون الهالك‏.‏ والخطاب لغير معين، مثله في‏:‏ بشر مال البخيل بحادث ووارث‏.‏ وتسمع خبر، والباء وحتى متعلقان به، وما ظرف له، والهاء من تكونه راجعة للهالك باعتبار لفظه دون معناه، لأن السامع غير المسموع‏.‏

ومثله مسألة التنازع‏:‏ ظنني وظننت زيداً قائماً إياه‏.‏ وقد غمض هذا المعنى على ابن الطراوة فمنع المسألة، وخالف الأئمة‏.‏

وبعده‏:‏

والمرء قد يرجو الرج *** ء مؤملاً والموت دونه

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كثيراً ما يتمثل بهما‏.‏ انتهى‏.‏

وكذا رواه العيني‏.‏

والذي رواه ابن المستوفي وغيره‏:‏

والمرء قد يرجو الحياة

ومؤملاً‏:‏ حال من ضمير يرجو‏.‏ وقال العيني‏:‏ مؤمل إن كان اسم فاعل فهو حال من المرء، وإن كان اسم مفعول، فهو مفعول ليرجو‏.‏ هذا كلامه‏.‏ فتأمله‏.‏

ودون هنا بمعنى أمام وخلف، لأنه من الأضداد‏.‏ وجملة‏:‏ والموت دونه حال إما من ضمير مؤمل، ومن ضمير يرجو‏.‏

والبيتان نسبهما أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأمثال لخليفة بن براز، وهو جاهلي‏.‏ وقد أخذ البيت بعضهم، فقال‏:‏ الطويل

يقال فلان مات في كل ساعة *** ويوشك يوماً أن تكون فلانا

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الخامس والثلاثون بعد السبعمائة

الطويل

تزال حبال مبرمات أعده *** لها ما مشى يوماً على خفه جمل

على أن تزال جواب قسم، وحذف منه حرف النفي، أي‏:‏ لا تزال‏.‏ والقسم في بيت قبله، وهو‏:‏

حلفت يميناً يا ابن قحفان بالذي *** تكفل بالأرزاق في السهل والجبل

تزال حبال مبرمات ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل *** فعندي لها عقل وقد زاحت العلل

وروى أيضاً‏:‏

وتقسم ليلى يا ابن حفان بالذي

إلخ‏.‏ فجلمة‏:‏ لا تزال بتقدير لا، جواب القسم الذي هو تقسم ليلى‏.‏ ومبرمات‏:‏ محكمات‏.‏ وأعدها‏:‏ أهيئها‏.‏ وضمير لها للإبل في شعر قبل هذا يأتي آنفاً‏.‏

وما مصدرية ظرفية‏.‏ وجمل فاعل مشى، وسكن للقافية‏.‏ وعقل‏:‏ جمع عقال، وهو ما يربط به ركبة البعير‏.‏ وزاحت، بإعجام الأول، بمعنى زالت‏.‏

وكان من حديث هذه الأبيات ما رواه أبو تمام في الحماسة‏:‏ أن سالم بن قحفان جاء إليه أخو امرأته زائراً، فأعطاه بعيراً من إبله، وقال لامرأته‏:‏ هاتي حبلاً يقرن به ما أعطيناه إلى بعير‏.‏ ثم أعطاه بعيراً آخر، وقال‏:‏ مثل ذلك، ثم أعطاه مثل ذلك، فقالت‏:‏ ما بقي عندي حبل‏!‏ فقال‏:‏ علي الجمال وعليك الحبال‏.‏

وأنشأ يقول‏:‏

لقد بكرت أم الوليد تلومني *** ولم أجترم جرماً فقلت لها مهلا

فلا تعذليني بالعطاء ويسري *** لكل بعير جاء طالبه حبلا

فإني لا تبكي علي إفاله *** إذا شبعت من روض أوطانها بقلا

فلم أر مثل الإبل مالاً لمقتن *** ولا مثل أيام الحقوق لها سبلا

فرمت إليه خمارها، وقالت‏:‏ صيره حبلاً لبعضها‏.‏ وأنشأت تقول‏:‏

حلفت يميناً يا ابن قحفان ‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏ الأبيات الثلاثة

انتهى‏.‏

ولم يتكلم الخطيب التبيريزي بشيء في شرحه على هذه الأبيات‏.‏

والإفال‏:‏ أولاد الإبل‏.‏ قال ابن المستوفي في قوله‏:‏

فإني لا تبكي على إفالها

قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الإبل بهائم، لا تهتم بي إذا مت، بل تربع وتشبع، والثاني‏:‏ موتي عندها، وأنا أنحرها أحب إليها، فلعله يأخذها من لا ينحرها، ولا يغمهما موتى لأني جواد‏.‏ انتهى وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على أمالي القالي‏:‏ إن هذا مأخوذ من قول ضمرة بن ضمرة‏:‏ الكامل

أرأيت إن صرخت بليل هامتي *** وخرجت منها بالياً أثوابي

هل تخمشن إبلي علي وجوهه *** وتعصبن رؤوسها بسلاب

والسلاب‏:‏ عصائب سود‏.‏ يقال‏:‏ امرأة مسلبة، إذا لبست السواد حداداً‏.‏

وسالم بن قحفان بضم القاف وسكون المهملة بعدها فاء، لم أقف له على خبر، ولا على زوجته ليلى‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد السادس والثلاثون بعد السبعمائة

وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الطويل

خراجيج ما تنفك إلا مناخة *** على الخسف ونرمي بها بلداً قفرا

على أنه خطئ ذو الرمة فيه، لأن ما تنفك وأخواته بمعنى الإيجاب من حيث المعنى، لا يتصل الاستثناء بخبرها، كما بينه الشارح المحقق‏.‏

وذكر عنه جوابين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن تنفك تامة، ومناخة حال، وعلى الخسف متعلق بمناخة، ونرمي معطوف على مناخة‏.‏

وثانيهما‏:‏ أنها ناقصة، وعلى الخسف‏:‏ خبرها، ومناخة حال‏.‏ وذكر ما ورد على هذا الجواب‏.‏

والمخطئ هو أبو عمرو بن العلاء‏.‏

قال المرزباني في كتاب الموشح‏:‏ أخبرني محمد بن يحيى، حدثنا الفضل ابن الحباب، حدثنا بكر بن محمد المازني، حدثنا الأصمعي، سمعت أبا عمرو بن العلاء، يقول‏:‏ أخطأ ذو الرمة في قوله‏:‏

حراجيج ما تنفك إلا مناخة ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

في إدخاله إلا بعد قوله‏:‏ ما تنفكK قال الصولي‏:‏ وحدثنا محمد بن سعيد الأصم، وأحمد بن يزيد، قالا‏:‏ حدثنا يزيد المهلبي عن إسحاق الموصلي، أنه كان ينشد هذا البيت لذي الرمة‏:‏

حراجيج ما تنفك آلا مناخة

والآل‏:‏ الشخص‏.‏ ويحتج ببيته الذي ذكر فيه الآل في غير هذه القصيدة، وهو قوله‏:‏ الوافر

فلم تهبط على سفوان حتى *** طرحن سخالهن وصرن آلا

وعلى هذا يكون آل‏:‏ خبر تنفك، ومناخة‏:‏ صفته، وأنت الصفة لأن الشخص مما يؤنث ويذكر‏.‏ فرواية‏:‏ إلا بالتشديد غلط من الراوي، لا من القائل‏.‏

ويرد عليه أن ذا الرمة لما قرأ البيت عند ابن العلاء غلطه فيه بما ذكره النحويون‏.‏

وقال ابن عصفور في كتاب الضرائر‏:‏ إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله ما تنفك إلا مناخة، فطن له، فقال‏:‏ إنما قلت‏:‏ آلا مناخة، أي‏:‏ شخصاً‏.‏ وكذا قال ابن هشام في شرح الشواهد، قال ابن الأنباري في الإنصاف‏:‏ ألال‏:‏ الشخص‏.‏ يقال‏:‏ هذا آل قد بدا، أي‏:‏ شخص‏.‏ وبه سمي الآل؛ لأنه يرفع الشخوص أول النهار وآخره‏.‏

وبه يضمحل توقف ابن الملا الحلبي في شرح المغني، في قوله بقي شيء، وهو أن صاحب القاموس على تبحره لم يذكر مجيء الآل بمعنى الشخص‏.‏ انتهى‏.‏

وخرجه المازني كما قال ابن يعيش على زيادة إلا، وتبعه أبو علي في القصريات، وقال‏:‏ إلا هاهنا زائدة، لولا ذلك لم يجز هذا البيت، لأن تنفك في معنى تزال، ولا يزال لا يتكلم به إلا منفياً عنها‏.‏ انتهى‏.‏

ونسب ابن هشام في المغني هذا التخريج إلى الأصمعي وابن جني، قال‏:‏ وحمل عليه ابن مالك قوله‏:‏ الطويل

أرى الدهر إلا منجنوناً بأهله

وإنما المحفوظ‏:‏ وما الدهر إلا‏.‏ ثم إن ثبتت رايته فتتخرج على أن أرى جواب لقسم مقدر، وحذفت لا كحذفها في‏:‏ تالله تفتؤ ودل على ذلك الاستثناء المفرغ‏.‏ انتهى‏.‏

ولم يذكر ابن عصفور غيره، وغير احتمال التمام، لكنه جعله من الضرائر‏.‏ قال‏:‏ ومنها زيادة إلا في قوله‏:‏

أرى الدهر إلا منجنون ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

هكذا رواه المازني، يريد‏:‏ يرى الدهر منجوناً‏.‏ وكذلك جعلها في قول الآخر‏:‏ البسيط

ما زال مذ وجفت في كل هاجرة *** بالأشعث الورد إلا وهو مهموم

يريد‏:‏ هو مهموم، فزاد إلا والواو في خبر زال‏.‏

وفي قول الآخر‏:‏ الطويل

وكلهم حاشاك إلا وجدته *** كعين الكذوب جحدها واحتفالها

يريد‏:‏ وكلهم حاشاك وجدته‏.‏

وفي قول ذي الرمة‏:‏

حراجيج ما تنفك إلا مناخة ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

يريد‏:‏ ما تنفك مناخة‏.‏

ويحتمل أن يجعل زال وتنفك تامتين، وتكون إلا داخلة على الحال‏.‏ وكذلك تجعل إلا في قوله‏:‏

وكلهم حاشاك إلا وجدته

إيجاباً للنفي الذي يعطيه معنى الكلام، أي‏:‏ ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته‏.‏ وعليه حمله الفراء‏.‏ وأما أرى الدهر إلا منجنوناً فلا تكون إلا فيه إلا زائدة‏.‏ انتهى‏.‏

وقد رأيت تخريج ابن هشام بيت المنجون‏.‏

وأول من ذهب إلى أن تنفك في بيت ذي الرمة تامة هو الفراء في تفسيره، عند قوله‏:‏ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة‏:‏ قد يكون الانفكاك على جهة يزال، ويكون على الانفكاك الذي تعرفه‏.‏

فإذا كانت على جهة يزال، فلا بد لها من فعل، وأن يكون معها جحد، فتقول‏:‏ ما انفككت أذكرك، تريد‏:‏ ما زلت أذكرك‏.‏ فإذا كانت على غير معنى يزال، قلت‏:‏ قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء، فيكون بلا جحد، وبلا فعل‏.‏

وقد قال ذو الرمة‏:‏

قلائص لا تنفك إلا مناخة ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فلم يدخل فيها إلا إلا وهو ينوي بها التمام، وخلاف يزال، لأنك لا تقول‏:‏ ما زلت إلا قائماً‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

ونسبه ابن الأنباري في الإنصاف إلى الكسائي، قال‏:‏ وهذا الوجه رواه هشام عن الكسائي‏.‏

وبما ذكرنا يعلم أن قول المرادي في شرح التسهيل‏:‏ وخرجه قوم منهم على أنها ناقصة، خلاف الواقع‏.‏ وتنفك على هذا مطاوع فكه، إذا خلصه وفصله‏.‏

قال الزمخشري في حواشي المفصل‏:‏ وفي تصحيح البيت وجيه، وهو أن يريد لا تنفك عن أوطائها، أي‏:‏ لا تنفصل عنها، إلا ولها بعد الانفصال هاتان الحالتان‏:‏ إما الإناخة على الخسف في المراحل، والسير في البلد القفر‏.‏ انتهى‏.‏

وبهذا يظهر قول الشارح المحقق‏:‏ مناخة حال، ونرمي معطوف عليه‏.‏

وقال ابن عقيل والمرادي في شرحيهما للتسهيل‏:‏ كأنه قال‏:‏ ما تتخلص، وما تنفصل علن السير، إلا في حال إناختها على الخسف، وهو حبسها على غير علف‏.‏

يريد أنها تناخ معدة للسير عليها، فلا ترسل من أجل ذلك في المرعى‏.‏ وأو بمعنى إلى، وسكن الياء للضرورة‏.‏ انتهى‏.‏

والوجه الأول أوجه‏.‏ والخسف، بفتح المعجمة‏:‏ النقيصة، يقال‏:‏ رضي بالخسف، أي‏:‏ بالنقيصة‏.‏ وبات على الخسف، أي‏:‏ جائعاً‏.‏ ورطبت الدابة على الخسف، أي‏:‏ على غير علف‏.‏ وعلى بمعنى مع‏.‏

وقال الشارح المحقق‏:‏ جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها، كقوله‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع

يريد أن الإناخة إنما تكون على العلف، فجعل الخسف بدلاً منه، كما جعل الضرب الوجيع بدلاً من التحية‏.‏ ونرمي بالنون مع البناء للمعلوم، ويروى‏:‏ يرمى بالمثناة التحتية مع البناء للمفعول‏.‏

وبها‏:‏ نائب الفاعل، وبلداً ظرف للرمي، وهو بمعنى المكان والأرض، لا بمعنى المدينة‏.‏ والحرجوج كعصفور‏:‏ الناقة الضامر، قاله أبو زيد‏.‏ وقد روى مُناخة بالرفع أيضاً‏.‏

قال ابن المستوفي‏:‏ قال أبو البقاء‏:‏ روي مناخة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وموضع الجملة حال؛ وبالنصب على الحال، وتكون تنفك تامة‏.‏

وكذا رواه ابن الأنباري في الإنصاف‏.‏

وأم التخريج الثاني من التخريجين اللذين ذكرهما الشارح المحقق فهو للأخفش أبي الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي، قال في كتاب المعاياة‏:‏ أراد‏:‏ لا تنفك على الخسف، ونرمي بها بلداً قفراً، إلا وهي مناخة؛ لأنه لا يجوز لا تنفك إلا مناخة، كما لا تقولك لا تزال إلا مناخة‏.‏ انتهى‏.‏

وقد تبعه على هذا جماعة منهم الزجاج‏.‏ قال ابن جني في بعض أجزائه‏:‏ وقد قال فيه بعض أصحابنا قولاً، أراه أبا إسحاق، ورأيت أبا علي قد أخذ به، وهو ن يجعل خبر ما تنفك الظرف، كأنه قال‏:‏ ما تنفك على الخسف، ونصب مناخة على الحال، وقدم إلا عن موضعها‏.‏ وقد جاء في القرآن والشعر نقل إلا عن موضعها‏.‏ انتهى‏.‏

ومنهم أبو البقاء، قال‏:‏ يجوز أن تكون تنفك الناقصة، ويكون على الخسف الخبر، أي‏:‏ ما تنفك على الخسف، إلا إذا أنيخت‏.‏ وعليه المعنى‏.‏ انتهى‏.‏

وقد رده جماعة منهم صاحب اللباب، وهو محمد بن محمد بن أحمد الأسفرايني المعروف بالفضل، قال فيه‏:‏ وخطئ ذو الرمة في قوله‏:‏ حراجيج لا تنفك إلا مناخة، والاعتذار بجعله حالاً، وعلى الخسف خبراً ضعيف، لما أن الاستثناء المفرغ قلما يجيء في الإثبات، ويقدر المستثني منه بعده‏.‏ وتقدير التمام في تنفك أحسن منه‏.‏ والله أعلم‏.‏ انتهى‏.‏

قال شارحه الفالي‏:‏ معناه أن الاستثناء المفرغ في الإثبات قليل‏.‏ وبعد تسليمه إنما يأتي إذا قدر المستثنى منه قبله لفظاً، وهاهنا يقدر بعده؛ لأن قوله إلا مناخة مستثنى من أحوال الضمير المستتر في على الخسف، أي‏:‏ ما تنفك مهانة مظلومة في جميع الأحوال، إلا في حال الإناخة‏.‏

وذلك غير معهود في الاستثناء المفرغ، فإن أعم العام في الاستثناء المفرغ يقدر قبله لا بعده‏:‏ فإنك إذا قلت‏:‏ ما ضربت إلا راكباً، فالتقدير‏:‏ ما ضربت في حال من الأحوال إلا في حال الركوب‏.‏

ولذا جاز في الإثبات، نحو‏:‏ قرأت إلا يوم كذا، التقدير‏:‏ قرأت في جميع الأيام إلا يوم كذا‏.‏ فالمستثنى منه يقدر قبل الاستثناء لا بعده‏.‏ انتهى‏.‏

ومنهم الشارح المحقق كما حرره‏.‏

ومنهم ابن هشام في المغني قال فيه‏:‏ قال جماعة كثيرة‏:‏ هي ناقصة، والخبر على الخسف، ومناخة‏:‏ حال‏.‏ وهذا فاسد لبقاء الإشكال، إذ لا يقال‏:‏ جاء زيد إلا راكباً‏.‏ انتهى‏.‏

وقول أبي البقاء‏:‏ وعليه المعنى مردود؛ فإن الحالية سواء نصبت مناخة، ورفعتها كما روي، بتقدير مبتدأ محذوف، والجملة حال، يكون التقدير فيها‏:‏ هي مستمرة على الخسف في كل حال إلا حال الإناخة، فإنها تكون حينئذ ذات راحة‏.‏ وهذا غير مراد الشاعر، إذ مراده وصف هذه الإبل بأنها لا تتخلص من تعب إلا إلى مثله، فليس لها حال راحة أصلاً‏.‏

وسيبويه قد أورد هذا البيت في باب والتي ينتصب بعدها المضارع بإضمار أن، قال‏:‏ ولو رفعت لكان عربياً جائزاً على وجهين‏:‏ على أن تشرك بين الأول والآخر، وعلى أن يكون مقطوعاً من الأول‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ويسلمون إن شئت كان على الإشراك، وإن شئت كان على‏:‏ ووهم يسلمون‏.‏

وقال ذو الرمة‏:‏

حراجيج لا تنفك إلا مناخة ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فإن شئت كان على لا تنفك ترمي، وعلى الابتداء‏.‏ انتهى‏.‏

يريد بالأول العطف على خبر تنفك، وبالثاني القطع‏.‏

قال النحاس‏:‏ سألت عنه علياً، يعني الأخفش الصغير، فقال‏:‏ لك أن تجعل نرمي معطوفاً، ولك أن تقطعه، ولك أن تقدر، وبمعنى إلى أن، وتسكن الياء في موضع نصب‏.‏

والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة، يقال لها‏:‏ أحجية العرب‏.‏ وأولها‏:‏

لقد جشأت نفسي عشية مشرف *** ويوم لوى حزوى فقلت لها‏:‏ صبرا

نحن إلى مي كما حن نازع *** دعاه الهوى فارتاد من قيده قصرا

جشأت‏:‏ نهضت‏.‏ ومشرف وحزوى‏:‏ موضعان‏.‏ واللوى‏:‏ منقطع الرمل‏.‏ وصبرا‏:‏ اصبري‏.‏

والنازع‏:‏ البعير يحن إلى وطنه‏.‏ فارتاد من قيده قصراً، أي‏:‏ طلب السعة، فوجده مقصوراً‏.‏ ويقال‏:‏ ارتاد جدباً، وارتاد خبراً، أي‏:‏ طلب الخصب، فوقع على جدب‏.‏ إلى أن قال‏:‏

فيا مي ما أدراك أين مناخن *** معرقة الألحي يمانية سجرا

قد اكتفلت بالحزن واعوج دونه *** ضوارب من خفان مجتابة سدرا

حراجيج ما تنفك إلا مناخة ‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

أنخن لتعريس قليل فصارف *** يغني بنابيه مطلحة صعرا

معرقة الألحي‏:‏ قليلة لحم الألحي، جمع لحي‏.‏ وإذا كثر لحم لحيها فهو عيب‏.‏ يقال‏:‏ ناقة سجراء‏:‏ تضرب إلى الحمرة‏.‏

وقوله‏:‏ قد اكتفلت بالحزن، أي‏:‏ صيرت الناقة الحزن خلفها، كالرجل الذي يركب الكفل، فإنما يركب على أقصى الكفل؛ كما تقول‏:‏ اكتفلت الناقة، أي‏:‏ ركبت موضع الكفل من الناقة‏.‏

والحزن‏:‏ ما غلظ من الأرض‏.‏ والضارب‏:‏ منخفض كالوادي‏.‏ وخفان‏:‏ موضع‏.‏ ومجتابة سدراً، أي‏:‏ لابسة سدراً‏.‏ واعوج، يعني‏:‏ الضوارب ليست على جهة الناقة‏.‏

والحراجيج‏:‏ الضمر‏.‏ والخسف‏:‏ الجوع، وهو ن تبيت على غير علف، والتعريس‏:‏ النزول في آخر الليل‏.‏ وصارف، أي‏:‏ فبعضها صارف يصرف بنابيه من الضجر والجهد‏.‏ ومطلحة‏:‏ معيية‏.‏ وصعر‏:‏ فيها ميل من الجهد والهزال‏.‏

وهذا نقلته من شرح ديوانه‏.‏

وترجمته تقدمت في الشاهد الثامن من أول الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد السابع والثلاثون بعد السبعمائة

وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الوافر

تحية بينهم ضرب وجيع

على أن جعل الضرب الوجيع كالتحية، كما جعل الخسف كالأرض التي يناخ عليها‏.‏

يريد أن الخسف جعل بدلاً من الأرض، كما أن الضرب جعل بدلاً من التحية، ولا يريد أنهما من باب التشبيه، فإنه غير صحيح فيهما؛ فإن الأول ليس فيه من أركان التشبيه غير الخسف، ولا يقال لمثله إلا استعارة، وإن كان أصله التشبيه‏.‏ فإن كان المشبه به مذكوراً، والمشبه غير مذكور، فهو استعارة تصريحية، وإن كان بالعكس، فهو استعالة بالكناية‏.‏

والخسف وإن أمكن أن يجعل من الاستعارة بالكناية، لكنه لما شبه بما بعده علم أن مراده أنه من باب التنويع، كما يأتي بيانه‏.‏

وأم الثاني فهو ليس من التشبيه قطعاً، إذ المعهود في مثله أن يشبه الأول بالثاني لا العكس، إذ لا يقال في زيد أسد‏:‏ إن أسداً مشبه بزيد‏.‏ ولم يجيزوا أيضاً أن تشبه التحية بالضرب، لأنه من باب التنويع، وهو من خلاف مقتضى الظاهر، وهو ادعاء أن مسمى اللفظ نوعان‏:‏ متعارف، وغير متعارف‏.‏ على طريق التخييل، بأن ينزل ما يقع في موقع شيء بدلاً عنه‏.‏ منزلته بدون تشبيه، ولا استعارة، سواء كان بطريق الحمل، كقوله‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع وفي الاستثناء المنقطع، كقوله‏:‏ الرجز

وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس

على معنى أنيسها اليعافير‏.‏ أي‏:‏ إن كان يعد أنيساً فلا أنيس إلا هو‏.‏ وبدونهما، كقوله‏:‏ الكامل

غضبت حنيفة أن تقتل عامر *** يوم النسار فأعقبوا بالصيلم

أي‏:‏ إنهم لما طلبوا إلينا العتبى، وضعنا لهم السلاح مكانها‏.‏ وهذا تهكم‏.‏ والصيلم‏:‏ الداهية‏.‏

وحيث أطلق التنويع فالمراد به هذا، كما تراهم يقولون‏:‏ من باب‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع

فيجعلون المثال أساساً وقاعدة، وليس من المجاز في شيء؛ لأن طرفيه مستعملان في حقيقتهما؛ ولا تشبيهاً كما صرحوا به، بل التشبيه يعكس معناه، ويفسده‏.‏

قال الشيخ في دلائل الإعجاز‏:‏ اعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله‏:‏ الطويل

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه

سبيل قولهم‏:‏ عتابه السيف‏.‏ وذلك لأن المعنى في بيت أبي تمام على أنك تشبه شيئاً بشيء، لجامع بينهما في وصف‏.‏ وليس المعنى في عتابك السيف على أنك، تشبه عتابه بالسيف، بدلاً من العتاب‏.‏

ألا ترى أنه يصح أن تقول‏:‏ مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي، ولا يصح أن تقول‏:‏ عتابك كالسيف، اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر، وشيء ليس هو غرضهم بهذا الكلام، فتريد أنه قد عاتب عتاباً خشناً مؤلماً‏.‏

ثم إنك إذا قلت السيف عتابك، خرجت به إلى معنى ثالث، وهو أن تزعم أن عتابه قد بلغ في إيلامه، وشدة تأثيره مبلغاً، صار له السيف، كأنه ليس بسيف‏.‏ انتهى‏.‏

وليس هذا من قبيل التشبيه الذي ذكر معه ما يحل دخول أداة التشبيه، كقوله‏:‏ الكامل

أسد دم الأسد الهزبر خضابه

فإنه لا سبيل إلى التصريح بأداة التشبيه، لدلالة التشبيه على أنه دون الأسد، ودلالة الوصف على أنه فوقه‏.‏ فالوصف مانع‏.‏ وأما هنا فالتشبيه يعكس المعنى المراد‏.‏ وأيضاً فإن المقصود نفي ما صدر به، يعني لا تحية بينهم‏.‏ والتشبيه لا يفيد هذا المعنى‏.‏

وليس الشيخ أبا عذرة هذا، بل صرح به النحاة، منهم سيبويه، وقد فصله في باب الاستثناء من كتابه، ونقله ابن عصفور، وابن الطراوة، قالوا‏:‏ إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين، إما أن تكون إحداهما قائمة مقام الأخرى، ومشبهة بها، وهي نفسها‏.‏

فإن كانت قائمة مقامها كان الخبر ما تريد إثباته، نحو قول عبد الملك بن مروان‏:‏ كان عقوبتك عزلك، وكان زيد زهيراً‏.‏ فالعزل ثابت لا العقوبة‏.‏ والتشبيه بزهير ثابت‏.‏

ولو قلت‏:‏ كان عزلك عقوبتك، كان معاقباً لا معزولاً، ولو قلت‏:‏ كان زهير زيداً، أثبت التشبيه لزهير بزيد‏.‏

قال ابن الطراوة‏:‏ وقد غلط في هذا أجلة من الشعراء، منهم المتنبي في قوله‏:‏ الطويل

ثياب كريم ما يصون حسانه *** إذا نشرت كان الهبات صوانها

فذمه، وهو يرى أنه مدحه‏.‏ ألا ترى أنه أثبت الصون، ونفى الهبات، كأنه قال‏:‏ الذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان‏.‏ وقد أجيب عن المتنبي‏.‏

فإذا لم يكن في شيء من أطرافه تجوز، ولم يقصد التشبيه، فهو حقيقة، يجعل بدل الشيء القائم مقامه فرداً منه ادعاء‏.‏ فالتصرف في النسبة‏.‏

ألا ترى لو قلت إن كان الضرب تحية، فهو تحيتهم، كان حقيقة قطعاً‏.‏ فجعل الغرض المقدر كالظاهر، وهو نوع على حجة، من خلاف مقتضى الظاهر‏.‏

وأما وجه بلاغته وعلى ماذا يدل، فقد حققه صاحب الكشاف في مواضع‏:‏ منها انه قال في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم لا ينفع مال ولا بنون الآية‏.‏ هو من باب‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع

وما ثوابه إلا السيف‏.‏ وبيانه أن يقال‏:‏ هل لزيد مال وبنون، فتقول‏:‏ ماله وبنوه سلامة قلبه‏.‏ تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك‏.‏

وقال في موضع آخر‏:‏ إنه يدل على إثبات النفي؛ فمعنى‏:‏ ليس بها أنيس إلا اليعافير، أي‏:‏ إنه لا أنيس بها قطعاً‏.‏ لأنه جعل أنيسها اليعافير دون غيرها‏.‏ وهي ليست بأنيس قطعاً‏.‏ فدل على أنه لا أنيس بها‏.‏

وهو قريب مما لو قلت‏:‏ إن كانت اليعافير أنيساً فإنها أنيس‏.‏ ووجه دلالته على إثبات النفي أنه استعملته العرب مراداً به الحصر، فإن الكلام قد يدل عليه، نحو‏:‏ الجواد زيد، والكرم في العرب، وشر أهر ذا ناب‏.‏ ولذا ذكره النحاة في باب الاستثناء‏.‏ والحصر الملاحظ فيه جار على نهج الاستثناء المنقطع، لأنه من التنويع عند الخليل‏.‏ فعلى هذا وضح إفادته ثبات النفي وظهر عدم التجوز في مفرداته، وأنه لا يتصور فيه التشبيه‏.‏

وأما قوله في المائدة في تفسير‏:‏ بشر من ذلك مثوبة فإن قلت‏:‏ المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة، قلت‏:‏ وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع

ومنه‏:‏ فبشرهم بعذاب أليم ‏.‏ انتهى‏.‏

فمراده أن الآية من باب الإيجاز، وأن في الكلام تنويعاً مقدراً‏.‏ وهذا تفريع مبني عليه‏.‏

والتقدير‏:‏ إن نقمتم منهم، وادعيتم لهم العقوبة، فعقوبتهم المثوبة‏.‏ وقد صرح في سورة مريم، وهذا دأبه، يجمل في محل، ويفصل في آخر‏.‏

وقال في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً ، فإن قل‏:‏ كيف قيل خير ثواباً، كأن لمفاخراتهم ثواباً حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه‏؟‏ قلت‏:‏ كأنه قيل‏:‏ ثوباهم النار، على طريقة قوله‏:‏

فأعتبوا بالصيلم

وقوله‏:‏

تحية بينهم ضرب وجيع

ثم بني عليه خير ثواباً‏.‏ وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له‏:‏ عقابك النار‏.‏ انتهى‏.‏

والمراد أن بعض التنويع، قد يستعمل في مقام التهكم‏.‏ وقد صرح به ابن فارس في فقه اللغة للصاحبي في باب ما يجري مجرى التهكم والهزء، فقال‏:‏ ومن هذا الباب أتاني فقريته جفاء، وأعطيته حرماً‏.‏

وقول الفرزدق‏:‏

قريناهم المأثورة البيض

انتهى‏.‏

وقد يستعمل بدونه كما في قوله‏:‏ يوم لا ينفع مال ولا بنون الآية‏.‏ وفي الحديث‏:‏ من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له وقد فسر بهذا المعنى، ولا يمكن فيه التهكم‏.‏

وهذا المصراع عجز، وصدره‏:‏

وخيل قد دلفت لها بخيل *** تحية بينهم ضرب وجيع

والخيل‏:‏ اسم جمع الفرس، لا واحد له من لفظه، والمراد به الفرسان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا خيل الله اركبي ‏.‏ وأراد بالخيل الأول خيل الأعداء، وبالثاني خيله، والضمير في بنهم للخيلين‏.‏

ودلفت‏:‏ دنوت وزحفت، من دلف الشيخ من باب ضرب، إذا مشى مشياً ليناً‏.‏ والباء للتعدية، أي‏:‏ جعلتها دالفة إليها‏.‏ فاللام بمعنى إلى‏.‏ وتحية مضاف، وبينهم مضاف إليه مجرور بكسر النون، لأنه ظرف متصرف، ولو فتح كان مبنياً لإضافته للمبني‏.‏

وزعم ميربادشاه في حاشية البيضاوي أن معناه إن ضربهم الوجيع كتحية بينهم، على التشبيه البليغ المقلوب‏.‏ وقد بينا بطلانه‏.‏

ووصف الضرب بالوجيع مجازاً‏.‏ ويجوز أن يكون وجيع بمعنى موجع، والمعنى رب خيل للأعداء، أقبلت عليهم بخيل أخرى كان التحية بينهم ضرباً وجيعاً، أي‏:‏ كان مكان التحية هذا النوع من الضرب‏.‏

وقد أورده سيبويه في باب الاستثناء، وقال‏:‏ جعلوا الضرب تحية كما جعلوا اتباع الظن علمهم‏.‏

وأورده ثانياً في باب أو، وقال‏:‏ العرب تقول‏:‏ تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل‏.‏

قال الأعلم‏:‏ الشاهد فيه جعل الضرب تحية على الاتساع المقدم ذكره‏.‏ وإنما ذكر هذا تقوية لجواز البدل فيما لم يكن من جنس الأول‏.‏ يقول‏:‏ إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلاً من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع‏.‏

وهذا البيت نسبه شراح أبيات الكتاب وغيرهم، إلى عمرو بن معد يكرب الصحابي، ولم أره في شعره‏.‏

والعجب من شيخنا الشهاب الخفاجي أنه نسبه إليه في حاشية البيضاوي، وقال‏:‏ هو من قصيدة مسطورة له في المفضليات، مع أنه غير موجود شعره في المفضليات لا من كثيره، ولا من قليله‏.‏

قال ابن رشيق في العمدة، في باب السرقات الشعرية‏:‏ ومما يعد سرقاً، وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف، كقول عنترة‏:‏ الوافر

وخيل قد دلفت لها بخيل *** عليها الأسد تهتصر اهتصارا

وقول عمرو بن معد يكرب‏:‏ الوافر

وخيل قد دلفت لها بخيل *** تحية بينهم ضرب وجيع

وقول الخنساء ترثي أخاها صخراً‏:‏ الوافر

وخيل قد دلفت لها بخيل *** فدارت بين كبشيها رحاها

وقول الأعرابي‏:‏ الوافر

وخيل قد دلفت لها بخيل *** ترى فرسانها مثل الأسود

وأمثال هذا كثير‏.‏ انتهى‏.‏

وإن يكن البيت لعمرو بن معد يكرب فقد تقدمت ترجمته في الشاهد الرابع والخمسين بعد المائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الرجز

إذ ذهب القوم الكرام ليسي

على أن ليس لنقصان فعليتها جاز ترك نون الوقاية معها‏.‏

وصدره‏:‏

عددت قومي كعديد الطيس

وتقدم شرحه في الشاهد الثاني والتسعين بعد الثلمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الطويل

فأنت طلاق والطلاق ألية

وهذا صدر، وعجزه‏:‏

ثلاثاً ومن يخرق أعق وأظلم

على أن جملة‏:‏ والطلاق ألية من المبتدأ والخبر اعتراضية‏.‏

وتقدم شرحه مفصلاً في الشاهد الخامس والأربعين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الثامن والثلاثون بعد السبعمائة

الوافر

وكوني بالمكارم ذكريني

على أنه جاء خبر كان جملة طلبية‏.‏ وهذا مختص بالشعر‏.‏

والمعنى‏:‏ كوني مذكرة بالمكارم، وليس يريد كوني بالمكارم‏.‏ يقوي ذلك قوله قبله‏:‏

ألا يا أم فارع لا تلومي *** على شيء رفعت به سماعي

وكوني بالمكارم ذكريني *** ودلي دل ماجدة صناع

فالمعنى‏:‏ لا تلوميني على شيء رفعت به صيتي، وذكري، وذكريني به‏.‏

والبيتان أوردهما أبو زيد في نوادره، ونسبهما إلى بعض بني نهشل، وقائلهما جاهلي‏.‏

قال ابن عصفور في كتاب الضرورة‏:‏ جعل ذكريني في موضع مذكرة، وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب كان، وإنما فعل ذلك لأن كوني أمر في اللفظ، ومحصول الأمر منه لها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى أمراً لها بتذكيره استعمل فيه لفظ الأمر‏.‏ انتهى‏.‏

وقال السكري فيما كتب على نوادر أبي زيد‏:‏ المعنى‏:‏ وصيري مذكرة لي بالمكارم‏.‏ وتقديره في العربية رديء، لو قلت‏:‏ يا فلان كن بغلام بشرني، لم يجز‏.‏ وهو يريد يا أم فارعة، فحذف الهاء استخفافاً، وذلك شاذ لأنه ليس بمنادى، إنما المنادى الأم‏.‏

والصناع، بفتح الصاد‏:‏ الرفيقة الكف‏.‏ والماجدة‏:‏ الكريمة‏.‏ يقول‏:‏ اضبطي دلالك بمنفعة وصنعة، ولا تكوني خرقاء لا تنفع أهلها‏.‏ انتهى‏.‏

وقال أبو زيد‏:‏ قوله‏:‏ سماعي، أي ذكري، وحسن الثناء علي‏.‏ ودلي بفتح الدال، من دلت تدل، ودللت أنا أدل، مثل خجلت أخجل‏.‏ انتهى‏.‏

قال ابن عقيل‏:‏ الدل قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك‏.‏ قاله أبو عبيدة‏.‏ والصناع‏:‏ الماهرة الحاذقة بعمل اليدين‏.‏

وقال الأخفش في حواشيه على النوادر‏:‏ قوله‏:‏ كوني بالمكارم ذكريني، تقديره‏:‏ كوني ممن أقول له ذكرني إذا سهوت، فجرى هذا على الحكاية، كما قال‏:‏

سمعت الناس ينتجعون غيثاً

أراد‏:‏ سمعت قائلاً يقول‏:‏ الناس ينتجعون غيثاً، فحكى‏.‏ هذا كلامه‏.‏

وقال ابن هشام في المغني‏:‏ جملة‏:‏ ذكريني مؤولة بالجملة الخبرية، أي‏:‏ وكوني تذكرينني‏.‏ انتهى‏.‏

وإنما أوله لما عرف من أن شرط خبر كان، إذا كانت جملة أن تكون خبرية‏.‏ وقال السخاوي‏:‏ يجوز أن يكون الخبر محذوفاً، وذكريني أمراً مستأنفاً، أي‏:‏ كوني بالمكارم مذكرة ذكريني‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد التاسع والثلاثون بعد السبعمائة

الطويل

قنافذ هداجون حول بيوتهم *** بما كان إياهم عطية عودا

على أن كان في البيت عند البصريين إما شأنية، وإما زائدة، فيكون عطية في الأول‏:‏ مبتدأ، وعوداً‏:‏ فعل ماض، وألفه للإطلاق، وفاعله ضمير عطية، ومفعوله إياهم المتقدم على المبتدأ؛ والأصل عودهم، فلما تقدم انفصل، وجملة‏:‏ عودهم خبر المبتدأ، والجملة الكبرى، أعني عطية عودهم، في محل نصب خبر كان، واسمها ضمير الشأن‏.‏

قال ابن هشام في شرح الشواهد‏:‏ ويجوز أن يكون اسم كان ضميراً مستتراً فيها عائداً على ما الموصولة، أي‏:‏ بسبب الأمر الذي كان هو عطية عودهم إياه، وجملة‏:‏ عطية عودهم خبر كان وحذف العائد، لأنه ضمير منصوب‏.‏

ويجوز أيضاً أن يكون عطية اسم كان، وتقديم معمول الخبر للضرورة‏.‏ وهذا الجواب عندي أولى لاطراده في نحو قوله‏:‏ البسيط

باتت فؤادي ذات الخال سالبة *** فالعيش إن حم لي عيش من العجب

إذ الأصل‏:‏ باتت ذات الخال سالبة فؤادي‏.‏ ولا يجوز تقدير ذات مبتدأ، لنصب سالبة‏.‏ واعترض على هذه الأوجه بأن الخبر الفعلي لا يسبق المبتدأ، فكذا معموله‏.‏ والجواب‏:‏ أن المانع من تقديم الفعل خشية التباس الاسمية بالفعلية، وذلك مأمون مع تقدم المعمول‏.‏ انتهى‏.‏

وأوضحه في المغني بقوله‏:‏ ولانتفاء الأمرين، وهما تهيئة العامل للعمل مع قطعه، وإعمال الضعيف مع إمكان القوي، جاز عند البصريين، وهشام تقديم معمول الخبر على المبتدأ في نحو‏:‏ زيد ضرب عمراً، وإن لم يجز تقديم الخبر‏.‏

وقال البصريون في نحو قوله‏:‏

بما كان إياهم عطية عودا

إن عطية مبتدأ، وإياهم مفعول عود، والجملة خبر كان، واسمها ضمير الشأن‏.‏

وقد خفيت هذه النكتة على ابن عصفور، فقال‏:‏ هربوا من محذور، وهو أن يفصلوا بين كان واسمها بمعمول خبرها، فوقعوا في محذور آخر، وهو تقديم معمول الخبر حين لا يتقدم الخبر‏.‏ وقد بينا أن امتناع تقدم الخبر في ذلك لمعنى مفقود في تقدم معموله‏.‏ انتهى‏.‏

وبهذه الأجوبة يرد على الكوفيين قولهم‏:‏ يجوز أن يلي كان، وإحدى أخواتها معمول خبرها غير الظرف‏.‏ واحتجوا بهذين البيتين‏.‏ قال ابن الناظم، وبقوله‏:‏ البسيط

فأصبحوا والنوى عالي معرسهم *** وليس كل النوى يلقي المساكين

وقد خطأه ابن هشام فيه، بأنه لو كان المساكين اسماً لكان يجب أن يقال‏:‏ يلقون وتلقي، وإنما كان فيه عند الفريقين مسندة إلى ضمير الشأن‏.‏

والبيت من قصيدة للفرزدق مذكورة في النقائض، هجا بها جريراً‏.‏

وقوله‏:‏ قنافذ هداجون‏:‏ جمع قنفذ بالذال المعجمة المهملة، وهو حيوان معروف، يضرب به المثل في سرى الليل، يقال‏:‏ أسرى من قنفذ‏.‏ وهو خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ هم قنافذ‏.‏ وهذا تشبيه بليغ كما حققه السعد التفتازاني، لا استعارة بالكناية كما توهم العيني، مع اعتراضه بأنه خبر مبتدأ كما ذكرنا‏.‏

وهداجون‏:‏ فعالون من الهدج، بالإسكان، والهدجان بالتحريك، وهو السير السريع‏.‏ وفعله كضرب‏.‏ ويروى‏:‏ دراجون من درج الصبي والشيخ، وفعله كدخل، ومعناه تقارب الخطو بمنزلة مشي الصبي‏.‏

وعطية‏:‏ أبو جرير‏.‏ يقول‏:‏ إن رهط جرير كالقنافذ، لمشيهم في الليل للسرقة والفجور، وإن أبا جرير هو الذي عودهم ذلك‏.‏

وقد هجاه الأخطل بمثل هذا أيضاً، قال من قصيدة‏:‏ البسيط

أما كليب بن يربوع فليس له *** عند التفاخر إيراد ولا صدر

مخلفون ويقضي الناس أمرهم *** وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا

مثل القنافذ هداجون قد بلغت *** نجران وبلغت سوءاتهم هجر

وترجمة الفرزدق قد تقدمت في الشاهد الثلاثين من أوائل الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

الشاهد الأربعون بعد السبعمائة

وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الرجز

ما دام فيهن فصيل حياً

على أنه يجوز في باب كان الإخبار عن النكرة المحضة إذا حصلت الفائدة كما هنا، فإن قوله‏:‏ فصيل اسم دام‏.‏ وحياً خبرها، وحصلت الفائدة من تقديم فيهن، وهو متعلق بالخبر، ولو حذفت فيهن انقلب المعنى، لأنك إذا قلت‏:‏ ما دام فصيل حياً، فالمراد أبداً، كما تقول‏:‏ ما طلعت شمس، وما ناح قمري‏.‏ فلما لم تتم الفائدة إلا به حسن تقديمه، لمضارعته الخبر في الفائدة‏.‏

ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولم يكن له كفواً أحد فإن قوله‏:‏ له، وإن لم يكن خبراً، فإنه به يتم المعنى، لأن سقوطها يبطل معنى الكلام إلى ذكر له صار بمنزلة الخبر الذي لا يستغنى عنه، وإن لم يكن خبراً‏.‏

ولم يكن بمنزلة قوله‏:‏ ما كان فيها أحد خيراً منك، لأنك لو حذفت فيها كان كلاماً صحيحاً‏.‏

وهذا البيت أورده سيبويه في باب الإخبار عن النكرة بالنكرة، وأمثلته في كان وأخواتها؛ قال فيه‏:‏ وتقول‏:‏ ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت فيها مستقراً، ولم تجعله على قولك‏:‏ فيها زيد قائم، أجريت الصفة على الاسم‏.‏

فإن جعلته على قولك‏:‏ فيها زيد قائم، نصبتها، تقول‏:‏ ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن‏.‏

وإذا أردت أن يكون مستقراً مكتفى به فكلما قدمته، كان أحسن، لأنه إذا كان عاملاً في شيء قدمته، كما تقدم أظن وأحسب‏.‏ وإذا ألغيته أخرته، كما تؤخرهما، لأنهما ليسا يعملان شيئاً‏.‏ والتقديم هاهنا والتأخير، والإلغاء والاستقرار، عربي جيد كثير‏.‏ فمن ذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولم يكن له كفواً أحد ‏.‏

وأهل الجفاء يقولون‏:‏ ولم يكن كفؤاً له أحد؛ كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرة‏.‏

قال الشاعر‏:‏ الرجز

لتقربن قرباً جلذي *** ما دام فيهن فصيل حيا

وقد دجا الليل فهيا هيا

انتهى كلام سيبويه‏.‏

قال ابن يعيش‏:‏ سيبويه يسمي الظرف الواقع خبراً‏:‏ مستقراً، لأنه يقدر باستقر، وإن لم يكن خبراً سماه لغواً‏.‏ وتقديم الظرف وتأخيره إذا كان مستقراً جائز عنده، وإنما يختار تقديمه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما تصنع بقوله سبحانه‏:‏ ولم يكن له كفواً أحد قدم الظرف‏.‏ مع أنه لغو‏؟‏ قيل‏:‏ لما كانت الحاجة ماسة، والكلام غير مستغن عنه، كأنه خبر مقدم لذلك‏.‏

ألا ترى أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله الصمد مبتدأ وخبر‏.‏ وقوله‏:‏ ولم يكن له كفواً أحد معطوف عليه، وما عطف على الخبر كان في حكم الخبر، فلذلك لم يكن من العائد في قوله‏:‏ له بد، لأن الجملة إذا وقعت خبراً افتقرت إلى العائد‏.‏ قال‏:‏ وأهل الجفاء يقولون‏:‏ ولم يكن كفؤاً له أحد‏.‏ أراد بأهل الجفاء الأعراب الذين لم يبالوا بخط المصحف، ولم يعلموا كيف هو‏.‏

فأما قوله‏:‏

ما دام فيهن فصيل حياً

فإنه قدم الظرف هاهنا، وإن لم يكن مستقراً، فإنه متعلق بالخبر، وذلك لجواز التقديم عنده مع أنه قد تدعو الحاجة إليه، ولا يسوغ حذفه، إذ حذفه يغير المعنى، ويصير بمعنى الأبد، كقولك‏:‏ ما طلعت الشمس‏.‏ فلما كان المعنى متعلقاً به صار كالمستقر فقدمه لذلك‏.‏ انتهى‏.‏

وقد أورد الشارح المحقق هذا الكلام في آخر البحث في الحروف المشبهة بالفعل، وقال‏:‏ يجوز الإخبار عن النكرة في باب إن، وفي باب كن، بالنكرة والمعرفة‏.‏

وجوزه أبو حيان في الأول دون الثاني، قال في تذكرته‏:‏ نصب إن وأخواتها للنكرات لا ينحصر، وقد أخبر بالمعرفة، وهذا غريب، ولا يجوز في الابتداء ولا في كان‏.‏ حكى سيبويه‏:‏ إن قريباً منك زيد، وإن بعيداً منك زيد‏.‏

وأنشد سيبويه‏:‏ الطويل

وإن شفا عبر مهراقة

وحكى‏:‏ إن ألفاً في دراهمك بيض، وإن بالطريق أسداً رابض‏.‏

وجاز عندي أن يكون المعرفة خبراً عن النكرة هنا لما كان المعنى واحداً، وأنه لما كان فضلة، فكأنه غير مسند إليه، فجاز تنكيره، ولما كان الخبر مرفوعاً، صار كأنه مسند إليه فكان معرفة‏.‏

وذكر الجرمي هذه المسألة في الفرخ، وقال‏:‏ إنه يبتدأ بالنكرة، ويخبر بالمعرفة عنها في هذا الباب‏.‏ وقال‏:‏ جائز ذلك، لأنهم لا يقدمون خبر إن، كما يتسعون في ذلك، فأعطوا إن ما منعوا في كان‏.‏ وقد منعوا خبر كان، ومنعوا أن يكون خبرها معرفة، واسمها نكرة، فأعطوا كل واحد منهما ما منعه صاحبه‏.‏ انتهى‏.‏

والشارح تابع في ذلك لابن مالك‏.‏ وكثرة السماع يشهد لصحة قولهما‏.‏

وهذه الأبيات الثلاثة نسبها ابن السيرافي وابن خلف لابن ميادة‏.‏ وتقدمت ترجمته في الشاهد التاسع عشر من أوائل الكتاب‏.‏

وقوله‏:‏ لتقربن، قال ابن السيرافي‏:‏ هو جواب قسم محذوف، وهو بضم الراء وكسر الباء‏.‏

قال الجوهري‏:‏ قربت أقرب قرابة، مثل كتبت أكتب كتابة، إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة‏.‏ والاسم القرب بفتحتين‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ قلت لأعرابي‏:‏ ما القرب‏؟‏ قال‏:‏ سير الليل لورد الغد‏.‏ قلت‏:‏ ما الطلق‏؟‏ قال‏:‏ سير الليل لورد الغب‏.‏ وقال‏:‏ أقرب القوم فهم قاربون، ولا يقال‏:‏ مقربون‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ هذا الحرف شاذ‏.‏

أقول‏:‏ قد سمع ثلاثية فلا شذوذ‏.‏ وقال أبو الحسن الأخفش‏:‏ لتقربن‏:‏ لتردن‏.‏ وليلة القرب‏:‏ ليلة الورد‏.‏ وهذا خطاب لناقته‏.‏

يقول‏:‏ لتسيرن إلى الماء سيراً حثيثاً‏.‏ والجلذي بضم الجيم وسكون اللام بعدها ذال معجمة، ومعناه السريع الشديد، فهو وصف القرب‏.‏ وقيل‏.‏ منادى مرخم‏.‏ وجلذية‏:‏ اسم ناقته‏.‏ والضمير في فيهن عائد على الإبل، ودل عليه سياق الكلام، وذكر الناقة، فأضمر وإن لم يجر لها ذكر‏.‏

والفصيل‏:‏ ولد الناقة، وغنما ذكره لأنه ناقته من جملة الإبل يسوقها إلى الماء سوقاً حثيثاً‏.‏ فيقول‏:‏ لا أعذرك ما دام فيهن فصيل يطيق السير‏.‏ ودجا الليل‏:‏ أظلم‏.‏ وهيا هيا زجر لها، وتصويت حتى تسير، أي‏:‏ مبادرة‏.‏ وليس منه فعل، وهي مكسورة الأول‏.‏ وقد حكيت بالفتح‏.‏ قاله ابن خلف‏.‏

وقوله‏:‏ وليس منه فعل، يناقضه قول الجواليقي في شرح أدب الكاتب‏:‏ يقال‏:‏ هوى يهوي هياً وهوياً وهوياناً، إذا سقط‏.‏ وأنشد هذا الرجز، ثم قال‏:‏ يريد‏:‏ اهوي واعجلي‏.‏ انتهى‏.‏

ومقتضاه أنه بالفتح لا بالكسر، وأنه مصدر لا اسم فعل، إلا أن يكون هذا هو الأصل ثم نقل إلى اسم الفعل‏.‏

وأنشد بعده‏:‏