فصل: وجوه القراءات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام



.وجوه القراءات:

1- قوله تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا} قرأ الجمهور: {فتبيّنوا} من التبيّن، وقرأ خمزة والكسائي: {فتثبتوا} من التثبت، والمعنى واحد لأن التبيّن معناه في اللغة التثبت والتحقق.
2- قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} قرأ الجمهور: {اقتتلوا} بصيغة الجمع، وقرأ أُبي بن كعب، وابن مسعود: {اقتتلا} بالتثنية على فعل اثنين مذكّرين، وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة: {اقتتلتا} بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنتين مؤنثتين.
3- قوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} قرأ الأكثرون: {بين أخويكم} بياء التثنية، وقرأ أبي بن كعب، وابن جبير: {بين إخوتكم} بالتاء على الجمع، وقرأ الحسن وابن سيرين: {بين إخوانكم} بالنون وألف قبلها ويكون المراد بين الأوس والخزرج.

.وجوه الإعراب:

1- قوله تعالى: {فتبينوا أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بجهالة} في تقديره وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير لئلا تصيبوا وهو مذهب الكوفيّين.
والثاني: أن يكون التقدير كراهية أن تصيبوا أو خشيَة أن تصيبوا وهو مذهب البصريين.
2- قوله تعالى: {واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله} عطف على ما قبله و(أنّ) وما بعدها في تأويل مصدر سدّت مسدّ مفعولي (اعلموا).
3- قوله تعالى: {فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً} في إعرابه وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً على المفعول له.
والثاني: أن يكون مصدراً مؤكداً لما قبله أي تفضلاً من الله.
4- قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا}
(إنْ) شرطية جازمة، و(طائفتان) فاعل لفعل محذوف يفسّره المذكور تقديره: إن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، وإنما قدّرنا ذلك لأنّ الشرط في (إنْ) أن يليها الفعل، فإن وليها اسم قدّروا لها فعلاً يفسّره ما بعده.
قال ابن الأنباري: ولا يجوز أن يحذف الفعل مع شيء من كلمات الشرط العاملة إلاّ مع (إنْ) لأنها الأصل في كلمات الشرط، ويثبت للأصل ما لا يثبتُ للفرع.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل يُقبل خبر الواحد إذا كان عدلاً؟
استدل العلماء بهذه الآية الكريمة: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً ووجه الاستدلال من جهتين:
الأولى: أن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل لم كان ثمة فائدة من ذكر التثبّت، لأن خبر كلٍ من العدل والفاسق مردود، فلما دلّ الأمر بالتثبت في خبر الفاسق، وجب قبول خبر العدل، وهذا الاستدلال كما يقول علماء الأصول من باب (مفهوم المخالفة).
الثانية: أن العلة في ردّ الخبر هي (الفسق) لأن الخبر أمانة، والفسقُ يبطلها، فإذا انتفت العلة النتفى الرد، وثبت أن خبر الواحد ليس مردوداً، وإذا ثبت ذلك وجب حينئذٍ قبوله والعمل به.
وأمّا المجهول: الذي لا تُعلم عدالته ولا فسقه فقد استدل فقهاء الحنفية على قبول خبره، وحجتهم في ذلك أن الآية دلت علىأنّ الفسق شرط وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق فقد انتفى وجوبه، ويبقى ما وراءه على الأصل وهو قبول خبره، لأن الأصل في المؤمن العدالة.
وأنت ترى أنّ هذا الاستدلال مبيٌ على أنّ الأصل العدالة، ولكنّ بعض الفقهاء يعارض في هذا ويقول: الأصل الفسق لأنه أكثر، والعدالة طارئة فلا يقبل قوله حتى يثبت من عدالته.
الترجيح: والظاهر أن مسألة قبول خبر المجهول مبنيّة على هذا، فإن صحّ أن الأصل العدالة فهو باق على عدالته حتى يتبيّن خلافها، وإن كان الأصل عدمها فهو داخل في حكم الفسق حتى تتبيّن عدالته، والمسألة تطلب بالتفصيل من كتب الأصول.
الحكم الثاني: هل يجب البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية؟
استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على أنّ من الصحابة من ليس بعدل، لأنّ الله تعالى أطلق لقب الفاسق على (الوليد بن عقبة) فإنها نزلت فيه، وسببُ النزول لا يمكن إخراجه من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق، وقد أمر الله بالتثبت من خبره، فلا بدّ من البحث عن عدالة الصحابة في الشهادة والرواية.
والمسألة خلافية وفيها أقوال كثيرة نذكرها بإيجاز:
الأول: أن الصحابة كلّهم عدول، ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، وهذا رأي جمهور العلماء سلفاً وخلفاً.
الثاني: أن الصحابة كغيرهم يُبحث عن العدالة فيهم في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين (أبي بكر) و(عمر) رضي الله عنهما.
الثالث: أنهم عدول إلى زمن عثمان رضي الله عنه، ويبحث عن عدالتهم من مقتله، وهذا رأي طائفة من العلماء.
الرابع: أنهم عدول إلاّ من قاتل علياً كرّم الله وجهه لفسقه بالخروج على الإمام الحق وهذا مذهب المعتزلة.
الترجيح: والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً من أن الصحابة كلهم عدول، ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومزيد ثناء الله عزّ وجلّ عليهم في كتابه العزيز كقوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] أي عدولاً، وقوله سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقوله جلّ ذكره: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]. وقوله جلّ وعلا: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون} [الحشر: 8] وقوله جلّ وعلا: {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة: 119] إلى آخر ما هناك من الآيات الكثيرة.
وكذلك ما ثبت في السنة المطهرة من مدحهم، والثناء عليهم، وبيان أنهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، ونحن نذكر بعض هذه الأحاديث الشريفة التي تشير إلى فضيلتهم باختصار.
أ- قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» الحديث.
ب- وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا أصحابي فالوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه».
ج- وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه».
فهذه الأخبار التي وردت في الكتاب والسنة كلها متضافرة على عدالة الصحابة وأفضليتهم على سائر الناس، وما وقع من بعضهم من مخالفات فليس يسوغ لنا أن نحكم عليهم بالفسق، لأنهم لا يصرّون على الذنب، وإذا تاب الإنسان رجعت إليه عدالته ولا يحكم بفسقه على التأبيد، فهذا (ماعز الأسلمي) الذي ارتكب الفاحشة يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر برجمه: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم».
والقولُ: بأنَّ بعض الصحابة قد وقع في الذنب والمخالفة- بناء على الاعتقاد بعدم عصمتهم- لا يعني أنهم غير عدول، لن الفاسق الذي ترد شهادته وروايته هو الذي يصرّ على الذنب والمعصية، وليس في الصحابة من يصر على ذلك.
وقد عرفتَ ما ذكره الإمام الفخر أنها لم تنزل خاصة بسبب (الوليد بن عقبة) وإنما نزلت عامة في بيان حكم كل فاسق، وأنها نزلت في ذلك الوقت الذي حدثت فيه تلك القصة، فهي مِثْل التاريخ لنزول الآية، وكلامُ الإمام الفخر نفيس فارجع إليه.
الحكم الثالث: هل تقبل شهادة الفاسق أو المبتدع؟
أتفق العلماء على أن شهادة الفاسق لا تقبل عملاً بالآية الكريمة: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا}، وكذلك لا تقبل روايته، لأن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة ودين، والفسقُ يبطلها لاحتمال كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القرطبي: ومن ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها.
وقال الجصّاص: وقوله تعالى: {فتبينوا} اقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقاً، إذ كان كل شهادة خبراً، وكذلك سائر أخباره، فلذلك قلنا: شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك أخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ ما كان من أمر الدين، يتعلّق به إثبات شرع، أو حكم، إو إثبات حق على إنسان.
وقد استثنى العلماء من قبول خبر الفاسق أموراً تتعلّق بالمعاملات وليس فيها شهادة على الغير منها:
أ- قبول قوله في الإقرار على نفسه مثل: لفلان عندي مائة درهم فيقبل قوله كما يقبل في ذلك قول الكافر، لأنه إقرار لغيره بحق على نفسه فلا تشترط فيه العدالة.
ب- قبول قوله في الهدية والوكالة مثل إذا قال: إنّ فلاناً أهدى إليك هذا، يجوز له قبوله وقبضه، ونحوه قوله: وكّلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه.
ج- وكذلك في الإذن بالدخول ونحوه كما إذا استأذن إنسان فقال له: ادخلْ لا تشترط فيه العدالة. ومثل هذا جميع أخبار المعاملات إذا لم يكن فيها شهادة على الغير.
واختلف العلماء في أمر الولاية بالنكاح، (فذهب الشافعي) وغيره إلى أن الفاسق لا يكون وليّاً في النكاح، لأنه يسيء التصرف، وقد يضرّ بمن يلي أمر نكاحها بسبب فسوقه.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح ولايته، لأنه يلي مالها فيلي بُضْعها كالعدل، وهو- وإن كان فاسقاً- إلاّ أنّ غيرته موفّرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحُرمة، وإذا ولي المال فالنكاح أولى.
أما المبتدع: وهو الفاسق الذي يكون فسقه بسبب الاعتقاد، وهو متأول للنصوص كالجبرية والقدرية ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، فمن الأصوليّين من ردّ شهادته وروايته كالإمام الشافعي رحمه الله ومنهم من قبلهما، وفرّق الحنفيّة فقالوا: تقبل منه الشهادة، ولا تقبل منه الرواية، لأنّ من ابتدع بدعة بسبب الدين فلا يبعد أن ينتصر لهواه ويدعو الناس إلى ذلك فنردّ روايته دون شهادته، لأنّ الدعوة إلى مذهبه داعية إلى النقل فلا يؤتمن على الرواية. وهذا مذهب جمهور أئمة الفقه والحديث.
الحكم الرابع: هل تصحّ ولاية الفاسق؟
قال ابن العربي رحمه الله: ومن العجب أن يجوّز الشافعيّ ونظراؤه إمامة الفاسق، ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دَيْن؟! وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس، لمّا فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صُلّي معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسنْ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
ثمّ كان من الناس من إذا صلى معهم تقيّة أعادوا الصلاة لله، ومنهم من كان يجعلها صلاته، وبوجوب الإعادة أقول، فلا ينبغي لأحدٍ أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكنْ يعيدُ سرّاً في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره.
وأمّا أحكامه إن كان والياً فينفذ منها ما وافق الحقّ، ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تُؤْثر، أو قول يُحْكى، فإنّ الكلام كثير، والحقّ ظاهر.
الحكم الخامس: هل يجب قتال أهل البغي؟
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب قتال أهل البغي، الخارجين على الإمام أو أحد المسلمين، ولكنْ بعد دعوتهم إلى الوفاق والصلح، والسير بينهم بما يصلح ذات البين، فإن أقاموا على البغي وجب قتالهم عملاً بقوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله}.
وذهب جماعة منَّن يدَّعي العلم إلى عدم جواز قتال البغاة من المؤمنين، واحتجوا بقوله عليه السلام: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر».
وهذا الحديث لا ينهض حجة لهم، لأنّ من بغى من المؤمنين فقد أمر القرآن بقتاله، فكيف يحتج بمثل هذا الحديث لإبطال حكم الله عز وجلّ؟
قال القرطبي: وهذه الآية دليل على فساد قول من منع من قتال المؤمنين، ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك!! وقد قاتل الصدّيق رضي الله عنه من تمسّك بالإسلام وامتنع من الزكاة، وأمر ألاّ يُتبع مولٍّ، ولا يُجهز على جريح، ولا تَحِلّ أموالهم بخلاف الكفار.
وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزوم المنازل، لما أُقيم حد، ولا أُبطل باطلٌ، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه السلام: «خذوا على أيدي سفهائكم».
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وجوب قتال البغاة بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أ- قوله تعالى: {فقاتلوا التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله} الآية.
ب- حديث: «سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانُهُم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة».
ج- حديث: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قومٌ يحسنون القول ويسيئون العمل، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرّ الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، قالوا يا رسول الله: ما سيماهم؟ قال: التحليق»
د- وقال عليه السلام في عمار: «تقتله الفئة الباغية».
فهذه الأحاديث صريحة في وجوب قتال أهل البغي ومن شايعهم على باطلهم من أهل الفجور والضلال.
قال الجصّاص: ولم يختلف أصحاب رسول الله في وجوب قتال (الفئة الباغية) بالسيف إذا لم يردعها غيره، ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنهم لتقلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم. فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم: (سعد، وأسامة بن زيد، وابن عمر)!! قيل له: لم يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائزٌ أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا الإمام مكتفياً بمن معه، مستغنياً عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك، ألا ترى أنهم قعدوا عن قتال الخوارج، لا على أنهم لم يروا قتالهم واجباً، لكنهم لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم.
الحكم السادس: هل تكون أموال البغاة غنيمة للمسلمين؟
اختلف العلماء في حكم أموال البغاة هل تكون غنيمة للمسلمين؟ أم تردّ إليهم بعد الصلح وانتهاء الحرب؟
أ- فقال محمد بن الحسن الشيباني: إنّ أموالهم لا تكون غنيمة، وإنما يستعان على حربهم بسلاحهم وخيلهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها رُدّ عليهم السلاح والمال.
ب- وقال أبو يوسف: إنّ ما وجد في أيدي أهل البغي من سلاح وعتاد فهو (غنيمة) يقسم ويخمّس.
ج- وقال مالك: لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، وهو مذهب الشافعي.
حجة أبي يوسف: أنهم باغون معتدون فيقسم مالهم غنيمة بين المسلمين.
حجة الجمهور: أنّ بغيهم يُحلّ قتالهم ولا يُحلّ أموالهم وذراريهم لأنهم ليسوا كفاراً، وإنما هم مؤمنون باغون، أو فاسقون خارجون عن الطاعة، والأمر بقتالهم من أجل ردّهم إلى صف المؤمنين.
واستدلوا بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا عبد الله أتدري كيف حُكْم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يُجهز على جريحها، ولا يُقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يُقسم فيئها».
قال القرطبي: والمعوّل في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبراً، ولا ذفَّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمّنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة.
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنهم ليسوا كفاراً، ولأننا لو أخذنا أموالهم وسبينا ذراريهم بألبوا علينا ولم يمكن ردّهم إلى صف المسلمين والله أعلم.
فائدة هامة: حول ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
قال العلامة القرطبي رحمه الله: لا يجوز أن يُنسب إلى إحدٍ من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجلّ، وهم كلّهم بنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عمّا شجر بينهم، وألاّ نذكرهم إلاّ بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبّهم، وأنّ غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.
هذا مع قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً، لأن الشهادة لا تكون إلا بالقتل في الطاعة.
وممّا يدل على ذلك ما قد صحّ بأن قاتل الزبير في النار، وقوله عليه السلام: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار»، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن (طلحة) و(الزبير) غير عاصيين، ولا آثمين بالقتال، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134].