فصل: تفسير الآية رقم (33):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (33):

{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)}
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ} أي شدة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من الأصنام وغيرها {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} خلاصًا من تلك الشدة {إِذَا فَرِيقٌ بِرَبّهِمْ} الذي كانوا دعوه منيبين إليه {يُشْرِكُونَ} أي فاجأ فريق منهم الإشراك وذلك بنسبة خلاصهم إلى غيره تعالى من صنم أو كوكب أو نحو ذلك من المخلوقات؛ وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير {ضُرٌّ وَرَحْمَةً} للتعليل إشارة إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويطغون لأدنى نعمة، و«ثم» للتراخي الرتبى أو الزماني.

.تفسير الآية رقم (34):

{لِيَكْفُرُوا بما آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)}
{لِيَكْفُرُواْ بما ءاتيناهم} اللام فيه للعاقبة وكونها تقتضي المهلة ولذا سميت لام المآل والشرك والكفر متقاربان لا مهلة بينهما كما قيل لا وجه له، وقيل: للأمر وهور للتهديد كما يقال عند الغضب اعصني ما استطعت وهو مناسب لقوله سبحانه: {فَنَمَتَّعُوا} فإنه أمر تهديدي، واحتمال كونه ماضيًا معطوفًا على «يشركون» لا يخفي حاله، والفاء للسبيية، والتمتع التلذذ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب {أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وبال تمتعكم. وقرأ أبو العالية «فيمتعوا» بالياء التحتية مبنيًا للمفعول وهو معطوف على {يَكْفُرُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} بالياء التحتية أيضًا، وعن أبي العالية أيضًا {فيتمتعوا} بياء تحتية قبل التاء وهو معطوف على {أَن يَكْفُرُواْ} أيضًا، وعن ابن مسعود {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} باللام والياء التحتية وهو عطف على {لِيَكْفُرُواْ}.

.تفسير الآية رقم (35):

{أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بما كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)}
{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا} التفات من الخطاب إلى الغيبة إيذانًا بالاعراض عنهم وتعديدًا لجناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، و{أَمْ} منقطعة، والسلطان الحجة فالإنزال مجاز عن التعليم أو الإعلام، وقوله تعالى: {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} عنى فهو يدل على أن التكلم مجاز عن الدلالة، ولك أن تعتبر هنا جميع ما اعتبروه في قولهم: نطقت الحال من الاحتمالات، ويجوز أن يراد بسلطانًا ذا سلطان أي ملكًا معه برهان فلا مجاز أولًا وآخرًا.
وجملة {هُوَ يَتَكَلَّمُ} جواب للاستفهام الذي تضمنته {أَمْ} إذ المعنى بل أأنزلنا عليهما سلطانًا فهو يتكلم {ا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} أي بإشراكهم بالله عز وجل، وصحته على أن {مَا} مصدرية وضمير {بِهِ} له تعالى أو بالأمر الذي يشركون بسببه وألوهيته على أن «ما» موصولة وضمير «به» لها والباء سببية، والمراد نفى أن يكون لهم مستمسك يعول عليه في شركهم.

.تفسير الآية رقم (36):

{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)}
{وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً} أي نعمة من صحة وسعة ونحوهما {فَرِحُواْ بِهَا} بطرا وأشرا فإنه الفرح المذموم دون الفرح حمدًا وشكرًا. وهو المراد في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58] وقال الإمام: المذموم الفرح بنفس الرحمة والممدوح الفرح برحمة الله تعالى من حيث أنها مضافة إلى الله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} شدة {ا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بشؤم معاصيهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي فاجؤوا القنوط من رحمته عز وجل، والتعبير بإذا أولًا لتحقق الرحمة وكثرتها دون المقابل، وفي نسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة تعليم للعباد أن لا يضاف إليه سبحانه الشر وهو كثير كقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ} في الفاتحة، وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة وبيان سبب إصابة السيئة على الاستمرار في القنوط، والمراد بالناس أما فريق آخر غير الأول على أن التعريف للعهد أو للجنس وأما الفريق الأول لكن الحكم الأول ثابت لهم في حال تدهشهم كمشاهدة الغرق وهذا الحكم في حال آخر لهم فلا مخالفة بين قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 33] وقوله سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 63] فلا يحتاج إلى تكلف التوفيق بأن الدعاء اللساني جار على العادة فلا ينافي القنوط القلبي ولذا سمع بعض الخائضين في دم عثمان رضي الله تعالى عنه يدعو في طوافه ويقول: اللهم اغفر لي ولا أظنك تفعل، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء، ولا يخفى أن في المفاجأة نبوة ما عن هذا فتأمل.
وقرئ «يقنطون» بكسر النون.

.تفسير الآية رقم (37):

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)}
{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا {أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء} أن يبسطه تعالى له: {وَيَقْدِرُ} أي ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه، وهذا اما باعتبار شخصين أو باعتبار شخص واحد في زمانين، والمراد إنكار فرحهم وقنوطهم في حالتي الرخاء والشدة أي أولم يروا ذلك فما لهم لم يشركوا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور أي البسط وضده أو جميع ما ذكر {لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة والله تعالى در من قال:
نكدر الاريب وطيب عيش الجاهل ** قد أرشداك إلى حكيم كامل

قال الطيبي: كانت الفاصلة قوله تعالى: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إيذانًا بأنه تعالى يفعل ذلك حض مشيئته سبحانه وليس الغني بفعل العبد وجهده ولا العدم بعجزه وتقاعده ولا يعرف ذلك إلا من آمن بأن ذلك تقدير العزيز العليم كما قال:
كم من أريب فهم قلبه ** مستكمل العقل مقل عديم

ومن جهول مكثر ماله ** ذلك تقدير العزيز العليم

.تفسير الآية رقم (38):

{فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38)}
{فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ} من الصلة والصدقة وسائر المبرات {والمساكين وابن السبيل} ما يستحقانه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من المؤمنين تبعًا، وقال الحسن هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون لمن بسط له الرزق، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وحاصله على ما في الكشف أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربى حقه إلخ، وذكر الإمام وجهًا آخر مبنيًا على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالاتفاق إيذانًا بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالامساك كما قيل:
إذ جادت الدنيا عليك فجد بها ** على الناس طرا إنها تتقلب

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ** ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب

قال صاحب الكشف روح الله تعالى روحه: إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف النظم الجليل فإن قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق} [الروم: 37] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئش عند زوالها عنه، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح، وسبق النزول على الحكم بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف، وحكى أن أبا حنيفة استدل بالآية على وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكرًا كان أو أنثى إذا كان فقيرًا أو عاجزًا عن الكسب، ووجه بأن {آت} أمر للوجوب، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله انه مالي ولو كان المراد الزكاة لم يقدم حق القربى إذ الظاهر من تقديمه المغايرة، والشافعية أنكروا وجوب النفقة على من ذكر وقالوا: لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين على ما بين في الفقه، والمراد بالحق المصرح به في ذي القربي صلة الرحم بأنواعها وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقة كانت مفروضة قبل فرض الزكاة أو الزكاة المفروضة والآية مدنية أو مكية والنزول سابق على الحكم.
واعترض على هذا بأنه إذا فسر حق الآخرين بالزكاة وجب تفسير الأول بالنفقة الواجبة لئلا يكون لفظ الأمر للوجوب والندب، ولذا استدل أبو حنيفة عليه الرحمة بالآية على ما تقدم، وفيه بحث.
وقال بعض أجلة الشافعية رادًا على الاستدلال: إنه كيف يتم مع احتمال أن يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضًا بدليل ما تلاه، ثم إن {وَءاتِ ذَا القربى} مجمل عند المستدل ومن أين له أنه بين بذي الرحم المحرم، وكذلك قوله تعالى: {حَقَّهُ} ثم قال: والحق أنه أمر بتوفير حقه من الصلة لا خصوص النفقة وصلة الرحمن من الواجبات المؤكدة انتهى، والحق أحق بالاتباع، ودليل الإمام عليه الرحمة ليس هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه.
وخص بعض الخطاب به صلى الله عليه وسلم وقال: المراد بذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء، وفي مجمع البيان للطبرسي من الشيعة المعنى وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس. وروي أبو سعيد الخدري. وغيره أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا وسلمه إليها، وهو المروى عن أبي جعفر. وأبي عبد الله انتهى، وفيه أن هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها رضي الله تعالى عنها ادعت فدكا بطريق الارث، وزعم بعضهم أنها ادعت الهبة وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وبام أيمن رضي الله تعالى عنها فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوة وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب فادعت الارث فكان ما كان وهذا البحث مذكور على أتم وجه في التحفة ان أردته فارجع إليه، وخص بعضهم {ابن السبيل} بالضيف وحقه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل والمشهور أنه المنقطع عن ماله وبين المعنيين عموم من وجه، وقدم ذو القربى اعتناء بشأنه وهو السر في تقديم المفعول الثاني على العطف والعدول عن وآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم، وعبر عن القريب بذي القربى في جميع المواضع ولم يعبر عن المسكين بذي المسكنة لأن القرابة ثابتة لا تتجدد وذو كذا لا يقال في الأغلب إلا في الثابت ألا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأي الصائب فلان ذو رأي ويكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك وكذا نظائر ذلك من قولهم: فلان ذو جاه. وفلان ذو إقدام، والمسكنة لكونها مما تطرأ وتزول لم يقل في المسكين ذو مسكنة كذا قال الإمام: {ذلك} أي الإيتاء المفهوم من الأمر {خَيْرٌ} في نفسه أو خير من غيره {لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله} أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل عروفهم خالصًا أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة.
{وَأُوْلئِكَ} المتصفون بالايتاء {هُمُ المفلحون} حيث حصلوا بانفاق ما يفنى النعيم المقيم، والحصر إضافي على ما قيل: أي أولئك هم المفلحون لا الذين بخلوا بما لهم ولم ينفقوا منه شيئًا.
وقيل: هو حقيقي على أن المتصفين بالايتاء المذكور هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وأنابوا إليه تعالى واتقوه عز وجل فلا منافاة بين هذا الحصر والحصر المذكور في أول سورة البقرة فتأمل.

.تفسير الآية رقم (39):

{وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)}
{وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِبًا} الظاهر أنه أريد به الزيادة المعروفة في المعاملة التي حرمها الشارع وإليه ذهب الجبائي وروي ذلك عن الحسن ويشهد له ما روي عن السدى من أن الآية نزلت في ربا ثقيف كانوا يربون وكذا كانت قريش، وعن ابن عباس ومجاهد. وسعيد بن جبير. والضحاك. ومحمد بن كعب القرظي. وطاوس. وغيرهم أنه أريد به العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة وعليه فتسميتها ربا مجاز لأنها سبب للزيادة، وقيل: لأنها فضل لا يجب على المعطى.
وعن النخعي أن الآية نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضيل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم وهي رواية عن ابن عباس فالمراد بالربا العطية التي تعطى للأقارب للزيادة في أموالهم، ووجه تسميتها بما ذكر معلوم مما ذكرنا، وأيًا ما كان فمن بيان لما لا للتعليل.
وقرأ ابن كثير {ءاتَيْتُم} بالقصر ومعناه على قراءة الجمهور أعطيتم وعلى هذه القراءة جئتم أي ما جئتم به من عطاء ربا {لّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس} أي ليزيد ذلك الربا ويزكو في أموال الناس الذين آتيتموهم إياه، وقال ابن الشيخ: المعنى على تفسير الربا بالعطية ليزيد ذلك الربا في جذب أموال الناس وجلبها، وفي معناه ما قيل ليزيد ذلك بسبب أموال الناس وحصول شيء منها لكم بواسطة العطية، وعن ابن عباس. والحسن. وقتادة وأبي رجاء. والشعبي. ونافع. ويعقوب. وأبي يوة {لتربوا} بالتاء الفوقية مضمومة وإسناد الفعل إليهم وهو باب الأفعال المتعدية لواحد بهمزة التعدية والمفعول محذوف أي لتربوه وتزيدوه في أموال الناس أو هو من قبيل يجرح في عراقيبها نصلي أي لتربوا وتزيدوا أموال الناس، ويجوز أن يكون ذلك للصيرورة أي لتصيروا ذوي ربا في أموال الناس. وقرأ أبو مالك {لتربوها} بضمير المؤنث وكان الضمير للربا على تأويله بالعطية أو نحوها {الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله} أي فلا يبارك فيه تقديره تعالى وحكمه عز وجل: {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكواة} أي من صدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ الله} تبتغون به وجهه تعالى خالصًا {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون} أي ذوو الاضعاف على أن مضعفا اسم فاعل من أضعف أي صار ذا ضعف بكسر فسكون بأن يضاعف له ثواب ما أعطاه كأقوى وأيسر إذا صار ذا قوة ويسار فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله، ويجوز أن يكون من أضعف والهمزة للتعدية والمفعول محذوف أي الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة. ويؤيد هذا الوجه قراءة أبي {المضعفون} اسم مفعول، وكان الظاهر أن يقال: فهو يربو عند الله لأنه الذي تقتضيه المقابلة إلا أنه غير في العبارة إذ أثبت غير ما قبله وفي النظم إذا أتي فيما قبل بجملة فعليه وهنا بجملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع ضمير الفصل لقصد المبالغة فأثبت لهم المضاعفة التي هي أبلغ من مطلق الزيادة على طريق التأكيد بالاسمية والضمير وحصر ذلك فيهم بالاستحقاق مع ما في الإشارة من التعظيم لدلالته على علو المرتبة وترك ما أتوا وذكر المؤتي إلى غير ذلك، والالتفات عن الخطاب حيث قيل: فأولئك دون فأنتم للتعظيم كأنه سبحانه خاطب بذلك الملائكة عليهم السلام وخواص الخلق تعريفًا لحالهم، ويجوز أن يكون التعبير بما ذكر للتعميم بأن يقصد بأولئك هؤلاء وغيرهم، والراجع في الكلام إلى {مَا} محذوف إن جعلت موصولة وكذلك أن جعلت شرطية على الأصح لأنه خبر على كل حال أي فأولئك هم المضعفون به أو فمؤتوا على صيغة اسم الفاعل أولئك هم المضعفون، والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وعلى تقدير مؤتوه العام لا يكون هناك التفات بالمعنى المتعارف، واعتبار الالتفات أولى، وفي الكشاف أن الكلام عليه أملأ بالفائدة وبين ذلك بأن الكلام مسوق لمدح المؤتين حثا في الفعل وهو على تقدير الالتفات من وجوه.
احدها الإشارة بأولئك تعظيمًا لهم والثاني تقريع الملائكة عليهم السلام دحهم. والثالث ما في نفس الالتفات من الحسن. والرابع ما في أولئك على هذا من الفائدة المقررة في نحو:
فذلك أن يهلك فحسبي ثناؤه

بخلافه إذا جعل وصفًا للمؤتين وعلى ذلك التقدير يفيد تعظيم الفعل لا الفاعل وإن لزم بالعرض فلا يعارض ما يفيده بالأصالة فتأمل، والآية على المعنى الأول للربا في معنى قوله عز وجل: {يَمْحَقُ الله الرباا وَيُرْبِى الصدقات} [البقرة: 276] سواء بسواء، والذي يقتضيه كلام كثير أنها تشعر بالنهي عن الربا بذلك المعنى لكن أنت تعلم أنها لو أشعرت بذلك لأشعرت بحرمة الربا عنى العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة على تقدير تفسير الربا بها مع أنهم صرحوا بعدم حرمة ذلك على غيره صلى الله عليه وسلم وحرمتها عليه عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] وكذا صرحوا بأن ما يأخذه المعطى لتلك العطية من الزيادة على ما أعطاه ليس بحرام ودافعه ليس بآثم لكنه لا يثاب على دفع الزيادة لأنها ليست صلة مبتدأة بل قابلة ما أعطى أولا ولا ثواب فيما يدفع عوضًا وكذا لا ثواب في إعطاء تلك العطية أولًا لأنها شبكة صيد، ومعنى قول بعض التابعين الجانب المستغزر يثاب من هبته أن الرجل الغريب إذا أهدى إليك شيئًا لتكافئه وتزيده شيئًا فاثبه من هديته وزده.