فصل: تفسير الآية رقم (29):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (29):

{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}
{لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْء مّن فَضْلِ الله} قيل: متعلق ضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا إلخ، وقيل: متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع، أو قدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و{لا} مزيدة مثلها في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيرًا و{ءانٍ} مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي أنهم، وقيل: ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئًا من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا حمد صلى الله عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئًا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقولهم: من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت {أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بما صَبَرُواْ} [القصص: 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ} [الحديد: 28] إلخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب، وقال الثعلبي: فأنزل الله تعالى: {مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله} الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ} إلخ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم، وقوله تعالى: {وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله} عطف على أن لا يقدرون داخل معه في حيز العلم، وقوله سبحانه: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل: حال لازمة أو استئناف، وقوله عز وجل: {والله ذُو الفضل العظيم} اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله.
وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو لمن يؤمن منهم بعد، فالمعنى يا أيها الذين آمنوا وسى وعيسى عليهما السلام آمنوا حمد صلى الله عليه وسلم أي أثبتوا على الايمان به أو أحدثوا الايمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم نصيبين من رحمته نصيبًا على إيمانكم بمن آمنتم به أولًا ونصيبًا على إيمانكم حمد صلى الله عليه وسلم آخرًا ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئًا مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الايمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وأيد ذلك ما في صحيح البخاري:«من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيمارجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران» ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا قيل: الخطاب لهم لأن ملتهم غير منسوخة قيل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها حتى يجب عليهم الايمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا أيضًا فكان لهم ثوابان، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم منسوخة لة عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به، ويجاب بأنه لا يبعد أن يثابوا على العمل لتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة الإسلام.
وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيه وإن كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم لا، وقيل: إن {لا} في {لاِنْ لاَ يَعْلَمَ} غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين ولا ينالونه، أو أنهم أي النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون إلخ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله سبحانه: {وَأَنَّ الفضل} إلخ معطوفًا على أن لا يعلم داخلًا معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل: فعلنا لئلا يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناءًا على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظم المفسرين، وقرأ خطاب ابن عبد الله لأن لا يعلم بالإظهار، وعبد الله بن مسعود. وابن عباس. وعكرمة. والجحدري. وعبد الله بن سلمة على اختلاف ليعلم، وقرأ الجحدري أيضًا وليعلم على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياءًا لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة، وروى ابن مجاهد عن الحسن ليلًا مثل ليلى اسم المرأة {يَعْلَمْ} بالرفع، ووجه بأن أصله لأن لا بفتح لام الجر وهي لغة وعليه قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ** تمثل لي ليلى بكل سبيل

فحذفت الهمزة اعتباطًا وأدغمت النون في اللام فصار للا فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياءًا نظير ما فعلوا في قيراط ودينار حيث أن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياءًا للتخفيف فصار ليلا ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، وروى قطرب عن الحسن أيضًا ليلًا بكسر اللام ووجهه كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر؛ وعن ابن عباس كي يعلم، وعنه أيضًا لكيلا يعلم، وعن عبد الله.
وابن جبير. وعكرمة لكي يعلم.
وقرأ عبد الله أن لا يقدروا بحذف النون على أن إن هي الناصبة للمضارع، والله تعالى أعلم.
ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها: {هُوَ الاول والاخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] قالوا: هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل، وقالوا في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز وجل، وقوله تعالى: {يُولِجُ اليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي اليل} [الحديد: 6] إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات.
وقال سبحانه: {اعلموا أَنَّ الله يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد: 17] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال داواة القلب الميت {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات ويرجع ما قالوه فيها على ما قيل إلى حفظها عن إيقاع خلل فيها {فاسقون ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي نصيبين نصيبًا من معارف الصفات الفعلية ونصيبًا من معارف الصفات الذاتية {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا} من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل: إشارة إلى البقاء بعد الفناء، وقيل: هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات الإلهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل: {تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28]؛ وفي بعض الآثار «من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم» وقال سبحانه: {اتقوا الله وَيُعَلّمُكُمُ الله} [البقرة: 282] وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم.

.سورة المجادلة:

بفتح الدال وكسرها والثاني هو المعروف وتسمى سورة قد سمع وسميت في مصحف أبي رضي الله تعالى عنه الظهار.
وهي على ما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى مدنية قال الكلبي: وابن السائب: إلا قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} وعن عطاء: العشر الأول منها مدني باقيها مكي وقد انعكس ذلك على البيضاوي وأنها إحدى وعشرون في المكي والمدني الأخير واثنتان وعشرون في الباقي وفي التيسير هي عشرون وأربع آيات وهو خلاف المعروف في كتاب العدد.
ووجه مناسبتها لما قبلها أن الأولى ختمت بفضل الله تعالى وافتتحت هذه بما هو من ذلك.
وقال بعض الأجلة ذلك: لما كان في مطلع الأولى ذكر صفاته تعالى الجليلة ومنها الظاهر والباطن، وقال سبحانه: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم} افتتح هذه بذكر أنه جل وعلا سمع قول المجادلة التي شكت إليه تعالى ولهذا قالت عائشة فيما رواه النسائي وابن ماجه والبخاري تعليقا حين نزلت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله تعالى: {قد سمع} إلخ وذكر سبحانه بعد ذلك: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} الآية.
وهي تفصيل لإجمال قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر مع تواخيهما في الافتتاح بسبح إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتأهل.
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآية رقم (1):

{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)}
بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ سَمِعَ الله} بإظهار الدار، وقرأ أبو عمرو. وحمزة. والكسائي. وابن محيصن بادغامها في السين، قال خلف بن هشام البزار: سمعت الكسائي يقول: من قرأ قد سمع فبين الدال فلسانه أعجمي ليس بعربي، ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين فصيح متواتر بل الجمهور على البيان {قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار، وقرء تحاورك والمعنى على ما تقدم وتحاولك أي تسائلك {وَتَشْتَكِى إِلَى الله} عطف على {تُجَادِلُكَ} فلا محل للجملة من الإعراب، وجوز كونها حالًا أي تجادلك شاكية حالها إلى الله تعالى، وفيه بعد معنى، ومع هذا يقدر معها مبتدأ أي وهي تشتكي لأن المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون إسمية، واشتكاؤها إليه تعالى إظهار بثها وما انطوت عليه من الغم والهم وتضرعها إليه عز وجل وهو من الشكو، وأصله فتح الشكوة وإظهار ما فيها، وهي سقاء صغير يجعل فيه الماء ثم شاع في ذلك، وهي امرأة صحابية من الأنصار اختلف في اسمها واسم أبيها، فقيل: خولة بنت ثعلبة بن مالك، وقيل: بنت خويلد، وقيل: بنت حكيم، وقيل: بنت الصامت، وقيل: خويلة بالتصغير بنت ثعلبة، وقيل: بنت مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلة بنت الصامت، وقيل: غير ذلك، والأكثرون على أنها خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقيل: هو سلمة بن صخر الأنصاري، والحق أن لهذا قصة أخرى، والآية نزلت في خولة وزوجها أوس، وذلك أن زوجها أوسًا كان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه فدخل عليها يومًا فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه وكان هذا أول ظهار في الإسلام فندم من ساعته فدعاها فأبت، وقالت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فينا، فأتت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت بطني أي كثر ولدي جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن» وفي رواية «مَا أَرَاكُمْ إِلا قَدْ حرمات عَلَيْهِ».
قالت: ما ذكر طلاقًا، وجادلت رسول الله عليه الصلاة والسلام مرارًا ثم قالت: اللهم إني أشكو إليه شدة وحدتي وما يشق علي من فراقه، وفي رواية قالت: أشكو إلى الله تعالى فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك اللهم فأنزل علي لسان نبيك وما برحت حتى نزل القرآن فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا خولة أبشري قالت: خيرًا؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام عليها {قَدْ سَمِعَ الله...} الايات» وكان عمر رضي الله تعالى عنه يكرمها إذا دخلت عليه ويقول: قد سمع الله تعالى لها.
وروى ابن أبي حاتم. والبيهقي في الأسماء والصفات أنها لقيته رضي الله تعالى عنه وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها ووضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش على هذه العجوز قال: ويحك أتدري من هذه؟ قال: لا قال: هذه امرأة سمع الله تعالى شكواها من فوق سبع سموات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها، وفي رواية للبخاري في تاريخه أنها قالت له: قف يا عمر فوقف فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم فقال رضي الله تعالى عنه: وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله تعالى لها فأنزل فيها ما أنزل: {قَدْ سَمِعَ الله} الآيات، والسماع مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية أو كناية عن ذلك، و{قَدْ} للتحقيق أو للتوقع، وهو مصروف إلى تفريج الكرب لا إلى السمع لأنه محقق أو إلى السمع لأنه مجاز أو كناية عن القبول، والمراد توقع المخاطب ذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوقع أن ينزل الله تعالى حكم الحادثة ويفرج عن المجادلة كربها، وفي الأخبار ما يشعر بذلك، والسمع في قوله تعالى: {والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما} على ما هو المعروف فيه من كونه صفة يدرك بها الأصوات غير صفة العلم، أو كونه راجعًا إلى صفة العلم، والتحاور المرادّة في الكلام، وجوز أن يراد به الكلام المردد، ويقال: كلمته فما رجع إلى حوارًا. وحويرًا. ومحورة أي مارد على بشيء، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده، وفي نظمها في سلك الخطاب تغليبًا تشريف لها من جهتين، والجملة استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه الصلاة والسلام إياها وعلمه عز وجل بحالهما من دواعي الإجابة، وقيل: هي حال كالجملة السابقة، وفيه أيضًا بعد، وقوله تعالى: {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تعليل لما قبله بطريق التحقيق أي أنه تعالى يسمع كل المسموعات ويبصر كل المبصرات على أتم وجه وأكمله ومن قضية ذلك أن يسمع سبحانه: {تحاورهما}، ويرى ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء وسائر آثار التضرع، والاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة وتعليل الحكم بما اشتهر به الاسم الجليل من وصف الألوهية وتأكيد استقلال الجملتين، وقوله عز وجل: