فصل: تفسير الآية رقم (3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (3):

{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)}

{وَإِذَ أَسَرَّ} أي واذكر {إِذْ أَسَرَّ} {النبى إلى بَعْضِ أزواجه} هي حفصة على ما عليه عامة المفسرين، وزعم بعض الشيعة أنها عائشة وليس له في ذلك شيعة، نعم رواه ابن مردويه عن ابن عباس وهو شاذ {حَدِيثًا} هو قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات: «لكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا» {فَلَمَّا نَبَّأَتْ} أي أخبرت.
وقرأ طلحة أنبأت {بِهِ} أي بالحديث عائشة لأنهما كانتا متصادقتين، وتضمن الحديث نقصان حظ ضرتهما زينب من حبيبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إنه عليه الصلاة والسلام كما في البخاري. وغيره كان يمكث عندها لشرب ذلك وقد اتخذ ذلك عادة كما يشعر به لفظ كان فاستخفها السرور فنبأت بذلك {وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ} أي جعل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا على الحديث مطلعًا عليه من قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ} [التوبة: 33] والكلام على ما قيل: على التجوز، أو تقدير مضاف أي على إفشائه، وجوز كون الضمير لمصدر {نَبَاتُ} وفيه تفكيك الضمائر، أو جعل الله تعالى الحديث ظاهرًا على النبي صلى الله عليه وسلم فهو نظير ظهر لي هذه المسألة وظهرت على إذا كان فيه مزيد كلفة واهتمام بشأن الظاهر فلا تغفل {عَرَّفَ} أي النبي صلى الله عليه وسلم حفصة {بَعْضَهُ} أي الحديث أي أعلمها وأخبرها ببعض الحديث الذي أفشته.
والمراد أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: قلت كذا لبعض ما أسره إليها قيل: هو قوله لها: «كنت شربت عسلًا عند زينب ابنة جحش فلن أعود» {وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ} هو على ما قيل قوله عليه الصلاة والسلام: «وقد حلفت» فلم يخبرها به تكرمًا لما فيه من مزيد خجلتها حيث إنه يفيد مزيد اهتمامه صلى الله عليه وسلم رضاة أزواجه وهو لا يحب شيوع ذلك، وهذا من مزيد كرمه صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه ** لكن سيد قومه المتغابي

وجوز أن يكون {عَرَّفَ} عنى جازى أي جازاها على بعض بالعتب واللوم أو بتطليقه عليه الصلاة والسلام إياها، وتجاوز عن بعض، وأيد بقراءة السلمى. والحسن. وقتادة. وطلحة. والكسائي. وأبي عمرو في رواية هارون عنه {عَرَّفَ} بالتخفيف لأنه على هذه القراءة لا يحتمل معنى العلم لأن العلم تعلق به كله بدليل قوله تعالى: {حَرَّمَ الله عَلَيهِ} مع أن الإعراض عن الباقي يدل على العلم فتعين أن يكون عنى المجازاة.
قال الأزهري في التهذيب: من قرأ {عَرَّفَ} بالتخفيف أراد معنى غضب وجازى عليه كما تقول للرجل يسيء إليك: والله لأعرفن لك ذلك، واستحسنه الفراء، وقول القاموس: هو عنى الإقرار لا وجه له هاهنا، وجعل المشدد من باب إطلاق المسبب على السبب والمخفف بالعكس، ويجوز أن تكون العلاقة بين المجازاة والتعريف اللزوم، وأيد المعنى الأول بقوله تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ} لتعرف هل فضحتها عائشة أم لا؟ {مَنْ أَنبَأَكَ هذا قَالَ نَبَّأَنِىَ العليم الخبير} الذي لا تخفى عليه خافية فإنه أوفق للإعلام، وهذا على ما في البحر على معنى بهذا، وقرأ ابن المسيب. وعكرمة عراف بعضه بألف بعد الراء وهي إشباع، وقال ابن خالويه. ويقال: إنها لغة يمانية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس. وابن أبي حاتم عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى حفصة تحريم مارية وأن أبا بكر. وعمر يليان الناس بعده فأسرت ذلك إلى عائشة فعرف بعضه وهو أمر مارية وأعرض عن بعض وهو أن أبا بكر. وعمر يليان بعده مخافة أن يفشو، وقيل: بالعكس، وقد جاء أسرار أمر الخلافة في عدة أخبار؛ فقد أخرج ابن عدي. وأبو نعيم في فضائل الصديق، وابن مردويه من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس قالا: إن أمارة أبي بكر. وعمر لفي كتاب الله {وَإِذَ أَسَرَّ النبى إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثًا} قال لحفصة: «أبوك. وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحدًا».
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن الضحاك أنه قال: في الآية أسر صلى الله عليه وسلم إلى حفصة أن الخليفة من بعده أبو بكر ومن بعد أبي بكر عمر، وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران نحوه، وفي مجمع البيان للطبرسي من أجل الشيعة عن الزجاج قال: لما حرم عليه الصلاة والسلام مارية القبطية أخبر أنه يملك من بعده أبو بكر. وعمر فعرفها بعض ما أفشت من الخبر وأعرض عن بعض أن أبا بكر. وعمر يملكان من بعدي، وقريب من ذلك ما رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما في أمر مارية وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرض أن يعاتبهما في الأمر الآخر انتهى.
وإذا سلم الشيعة صحة هذا لزمهم أن يقولوا بصحة خلافة الشيخين لظهوره فيها كما لا يخفى، ثم إن تفسير الآية على هذه الأخبار أظهر من تفسيرها على حديث العسل لكن حديثه أصح، والجمع بين الأخبار مما لا يكاد يتأتى.
وقصارى ما يمكن أن يقال: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد شرب عسلًا عند زينب كما هو عادته، وجاء إلى حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل، واتفق له عليه الصلاة والسلام قبيل ذلك أو بعيده أن وطئ جاريته مارية في بيتها في يومها على فراشها فوجدت فحرم صلى الله عليه وسلم مارية، وقال لحفصة ما قال تطييبًا لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان، ونزلت الآية بعد القصتين فاقتصر بعض الرواة على إحداهما. والبعض الآخر على نقل الأخرى، وقال كل: فأنزل الله تعالى: {مُّنتَظِرُونَ ياأيها النبى} [التحريم: 1] إلخ، وهو كلام صادق إذ ليس فيه دعوى كل حصر علة النزول فيما نقله فإن صح هذا هان أمر الاختلاف وإلا فاطلب لك غيره، والله تعالى أعلم.
واستدل بالآية على أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه من زوجة أو صديق، وأنه يلزمه كتمه، وفيها على ما قيل: دلالة على أنه يحسن حسن العشرة مع الزوجات والتلطف في العتب والإعراض عن استقصاء الذنب، وقد روي أن عبد الله بن رواحة وكان من النقباء كانت له جارية فاتهمته زوجته ليلة، فقال قولًا بالتعريض، فقالت: إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن فأنشد:
شهدت فلم أكذب بأن محمدا ** رسول الذي فوق السماوات من عل

وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ** له عمل في دينه متقبل

وأن التي بالجزع من بطن نخلة ** ومن دانها كل عن الخير معزل

فقالت: زدني، فأنشد:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ** كما لاح معروف من الصبح ساطع

أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا ** به موقنات إن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه ** إذا رقدت بالكافرين المضاجع

فقالت: زدني، فأنشد:
شهدت بأن وعد الله حق ** وأن النار مثوى الكافرينا

وأن محمدًا يدعو بحق ** وأن الله مولى المؤمنينا

وأن العرش فوق الماء طاف ** وفوق العرش رب العالمينا

ويحمله ملائكة شداد ** ملائكة الإله مسومينا

فقالت: أما إذ قرأت القرآن فقد صدقتك، وفي رواية أنها قالت وقد كانت رأته على ما تكره إذن صدق الله وكذب بصري، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم، وقال: «خيركم خيركم لنسائه».

.تفسير الآية رقم (4):

{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)}
{إِن تَتُوبَا إِلَى الله} خطاب لحفصة. وعائشة رضي الله تعالى عنهما على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المعاتبة فإن المبالغ في العتاب يصير المعاتب أولًا بعيدًا عن ساحة الحضور، ثم إذا اشتد غضبه توجه إليه وعاتبه بما يريد، وكون الخطاب لهما لما أخرج أحمد. والبخاري. ومسلم. والترمذي. وابن حبان. وغيره عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر رضي الله تعالى عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إِن تَتُوبَا} إلخ حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالأداوة فنزل ثم أني صببت على يديه فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: {إِن تَتُوبَا} إلخ؟ فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس هما عائشة. وحفصة ثم أنشأ يحدثني الحديث الحديث بطوله؛ ومعنى قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} مالت عن الواجب من مخالفته صلى الله عليه وسلم بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه إلى مخالفته، والجملة قائمة مقام جواب الشرط بعد حذفه، والتقدير إن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أو فحق لكما ذلك فقد صدر ما يقتضيها وهو على معنى فقد ظهر أن ذلك حق كما قيل في قوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

من أنه بتأويل تبين أني لم تلدني لئيمة، وجعلها ابن الحاجب جوابًا من حيث الإعلام كما قيل في: إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس، وقيل: الجواب محذوف تقديره يمح إثمكما، وقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ} إلخ بيان لسبب التوبة، وقيل: التقدير فقد أديتما ما يجب عليكما أو أتيتما بما يحق لكما، وما ذكر دليل على ذلك قيل: وإنما لم يفسروا {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} الت إلى الواجب. أو الحق. أو الخير حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم لأن صيغة الماضي وقد وقراءة ابن مسعود فقد زاغت قلوبكما وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف، وتعقب بأنه إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن مالك من أن الجواب يكون ماضيًا وإن لم يكن لفظ كان، وفيه نظر، والجمع في {قُلُوبُكُمَا} دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، وهو في مثل ذلك أكثر استعمالًا من التثنية والإفراد، قال أبو حيان: لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر كقوله:
حمامة بطن الواديين ترنمي

وغلط رحمه الله تعالى ابن مالك في قوله في التسهيل: ويختار لفظ الأفراد على لفظ التثنية {وَأَنْ تظاهرا عَلَيْهِ} بحذف إحدى التاءين وتخفيف الظاء، وهي قراءة عاصم.
ونافع في رواية، وطلحة. والحسن. وأبو رجاء، وقرأ الجمهور تظاهرًا بتشديد الظاء، وأصله تتظاهرا فأدغمت التاء في الظاء، وبالأصل قرأ عكرمة، وقرأ أبو عمرو في رواية أخرى تظهرا بتشديد الظاء والهاء دون ألف، والمعنى فإن تتعاونا عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره.
{فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه} أي ناصره؛ والوقف على ما في البحر. وغيره هنا أحسن، وجعلوا قوله تعالى: {وَجِبْرِيلُ} مبتدأ، وقوله سبحانه: {وصالح الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَئِكَةُ} معطوفًا عليه، وقوله عز وجل: {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد نصرة الله تعالى متعلقًا بقوله جل شأنه: {ظَهِيرٍ} وجعلوه الخبر عن الجميع، وهو عنى الجمع أي مظاهرون، واختير الافراد لجعلهم كشيء واحد، وجوز أن يكون خبرًا عن {جبريل} وخبر ما بعده مقدر نظير ما قالوا في قوله:
ومن يك أمسي بالمدينة رحله ** فإني وقيار بها لغريب

وجوز أن يكون الوقف على {جبريل} أي {مولاه وَجِبْرِيلُ} مولاه {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} مبتدأ، وما بعده معطوف عليه، والخبر {ظَهِيرٍ}، وظاهر كلام الكشاف اختيار الوقف على {المؤمنين} فظهير خبر الملائك، وعليه غالب مختصريه، وظاهر كلامهم التقدير لكل من جبريل وصالح المؤمنين خبرًا وهو إما لفظ مولى مرادًا به مع كل معنى من معانيه المناسبة أي {وَجِبْرِيلُ} مواه أي قرينه {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} مولاه أي تابعه، أو لفظ آخر بذلك المعنى المناسب وهو قرينه في الأول وتابعه في تابعه، ولا مانع من أن يكون المولى في الجميع عنى الناصر كما لا يخفى، وزيادة {هُوَ} على ما في الكشاف للإيذان بأن نصرته تعالى عزيمة من عزائمه وأنه عز وجل متولى ذلك بذاته تعالى، وهو تصريح بأن الضمير ليس من الفصل في شيء، وأنه للتقوى لا للحصر، والحصر أكثري في المعرفتين على ما نقله في الإيضاح، وإن كان كلام السكاكي موهمًا الوجوب؛ هذا والمبالغة محققة على ما نص عليه سيبويه وحقق في الأصول، وأما الحصر فليس من مقتضى اللفظ فلا يرد أن الأولى أن يكون {وَجِبْرِيلُ} وما بعده مخبرًا عنه بظهير وإن سلم فلا ينافيه لأن نصرتهم نصرته تعالى فليس من الممتنع على نحو زيد المنطلق. وعمرو، كذا في الكشف، ووجه تخصيص جبريل عليه السلام بالذكر مزيد فضله بل هو رأس الكروبيين، والمراد بالصالح عند كثير الجنس الشامل للقليل والكثير، وأريد به الجمع هنا، ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر، ولذا عم بالإضافة، وجوز أن يكون اللفظ جمعًا، وكان القياس أن يكتب وصالحوا بالواو إلا أنها حذفت خطًا تبعًا لحذفها لفظًا، وقد جاءت أشياء في المصحف تبع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط نحو: {ويدع الإنسان} [الاسراء: 11]. {ويدع الداع} [القمر: 6]. و{سَنَدْعُ الزبانية} [العلق: 18] {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم} [ص: 21] إلى غير ذلك، وذهب غير واحد إلى أن الإضافة للعهد فقيل: المراد به الأنبياء عليهم السلام.
وروى عن ابن زيد. وقتادة. والعلا بن زياد، ومظاهرتهم له قيل: تضمن كلامهم ذم المتظاهرين على نبي من الأنبياء عليهم السلام وفيه من الخفاء ما فيه؛ وقيل: علي كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه ابن مردويه. وابن عساكر عن ابن عباس، وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} علي بن أبي طالب؛ وروى الإمامية عن أبي جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت أخذ بيد علي كرم الله تعالى وجهه فقال: يا أيها الناس هذا صالح المؤمنين.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري أنه قال: هو عمر بن الخطاب، وأخرج هو. وجماعة عن سعيد بن جبير قال: {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} نزل في عمر بن الخطاب خاصة، وأخرج ابن عساكر عن مقاتل بن سليمان أنه قال: {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر. وعمر. وعلي رضي الله تعالى عنهم، وقيل: الخلفاء الأربعة.
وأخرج الطبراني في الأوسط. وابن مردويه عن ابن عمر. وابن عباس قالا: نزلت {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} في أبي بكر. وعمر، وذهب إلى تفسيره بهما عكرمة. وميمون بن مهران. وغيرهما، وأخرج الحاكم عن أبي أمامة. والطبراني. وابن مردويه. وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر. وعمر، وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أبي يقرؤها {وصالح الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر. وعمر، ورجح إرادة ذلك بأنه اللائق بتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام فإنه جمع بين الظهير المعنوي والظهير الصوري كيف لا وأن جبريل عليه السلام ظهير له صلى الله عليه وسلم يؤيده بالتأييدات الإلهاية وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له عليه السلام أشد تأثيرًا في قلوب بنيتهما وتوهينًا لأمرهما.
وأنا أقول العموم أولى، وهما وكذا علي كرم الله تعالى وجهه يدخلان دخولًا أوليًا، والتنصيص على بعض في الأخبار المرفوعة إذا صحت لنكتة اقتضت ذلك لا لإرادة الحصر، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك: من صالح المؤمنين أبو بكر. وعمر، وفائدة {بَعْدَ ذَلِكَ} التنبيه على أن نصرة الملائكة عليهم السلام أقوى وجوه نصرته عز وجل وإن تنوعت، ثم لا خفاء في أن نصرة جميع الملائكة وفيهم جبريل أقوى من نصرة جبريل عليه السلام وحده.
وقيل: الإشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة فالتعظيم بالنسبة إليها، وفي التنبيه على هذا دفع توهم ما يوهمه الترتيب الذكري من أعظمية مظاهرة المتقدم، وبالجملة فائدة {بَعْدَ ذَلِكَ} نحو فائدة ثم في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ} [البلد: 17] وهو التفاوت الرتبي أي أعظمية رتبة ما بعدها بالنسبة إلى ما قبلها وهذا لا يتسنى على ما نقل عن البحر بل ذلك للاشارة إلى تبعية المذكورين في النصرة والإعانة عز وجل، وأيًا ما كان فإن شرطية وتظاهرا فعل الشرط، والجملة المقرونة بالفاء دليل الجواب، وسبب أقيم مقامه، والأصل فإن تظاهرا عليه فلن يعدم من يظاهره فإن الله مولاه، وجوز أن تكون هي بنفسه الجواب على أنها مجاز أو كناية عن ذلك، وأعظم جل جلاله شأن النصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم على هاتين الضعيفتين إما للإشارة إلى عظم مكر النساء أو للمبالغة في قطع حبال طعمهما لعظم مكانتهما عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وعند المؤمنين لأمومتهما لهم وكرامة له صلى الله عليه وسلم ورعاية لأبويهما في أن تظاهرهما يجديهما نفعًا.
وقيل: المراد المبالغة في توهين أمر تظاهرهما ودفع ما عسى أن يتوهمه المنافقون من ضرره في أمر النبوة والتبليغ وقهر أعداء الدين لما أن العادة قاضية باشتغال بال الرجل بسبب تظاهر أزواجه عليه، وفيه أيضًا مزيد إغاظة للمنافقين وحسم لأطماعهم الفارغة فكأنه قيل: فإن تظاهرا عليه لا يضر ذلك في أمره فإن الله تعالى هو مولاه وناصره في أمر دينه وسائر شؤونه على كل من يتصدى لما يكرهه {وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك} مظاهرون له ومعينون إياه كذلك، ويلائم هذا ترك ذكر المعان عليه حيث لم يقل ظهير له عليكما مثلًا، وكذا ترك ذكر المعان فيه وتخصيص صالح المؤمنين بالذكر، وتقوى هذه الملاءمة على ما روى عن ابن جبير من تفسير صالح المؤمنين بمن برئ من النفاق فتأمل.