فصل: تفسير الآية رقم (17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (17):

{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17)}
ولما وصف سبحانه نفسه بالتواب الرحيم عقب ذلك بيان شرط قبول التوبة بقوله جل شأنه.
{إِنَّمَا التوبة عَلَى الله} أي إن قبول التوبة، وعلى وإن استعملت للوجوب حتى استدل بذلك الواجبة عليه، فالمراد أنه لازم متحقق الثبوت البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواحبات كما يقال: واجب الوجود، وقيل: على عنى من، وقيل: هي عنى عند، وعليه الطبرسي أي إنما التوبة عند الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء} أي المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، والتوبة مبتدأ، وللذين خبره، وعلى الله متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو حذوف وقع حالًا من ضمير المبتدأ المستكن في متعلق الجار الواقع خبرًا على رأي من يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند كونها ظرفًا وجعله بعضهم على حدّ هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، وجوز أن يكون على الله متعلقًا حذوف وقع صفة للتوبة أي إنما التوبة الكائنة على الله وللذين هو الخبر، وهو ظاهر على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته، وذكر أبو البقاء احتمال أن يكون على الله هو الخبر، وللذين متعلقًا حذوف وقع حالًا من الضمير المستكن في متعلق الخبر، ويحتمل أن يكون متعلقًا بما تعلق به الخبر، ولا يخفى أن سوق الآية يؤيد جعل للذين خبرًا كما لا يخفى على من لم يتعسف.
{بجهالة} حال من فاعل يعملون أي يعملون السوء متلبسين بها، أو متعلق بيعملون والباء للسببية، والمراد من الجهالة الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل لا عدم العلم خلافًا للجبائي فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة، والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب كقوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ومن هنا قال مجاهد فيما أخرجه عنه البيهقي في الشعب، وغيره: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به فهو جهالة عمدًا كان أو غيره، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه: كل ذنب عمله العبد وإن كان عالمًا فهو جاهل فيه حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى الله تعالى قول يوسف عليه السلام لأخوته: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون} [يوسف: 89] فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى، وقال الفراء: معنى قوله سبحانه: {بِجَهَالَةٍ} أنهم لا يعلمون كنه ما في المعصية من العقوبة.
وقال الزجاج: معنى ذلك اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية.
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبئ عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {حتى إِذَا حَضَرَ} [النساء: 18] إلخ يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة خطبها: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده الشريفة إلى حلقه تاب الله تعالى عليه» وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وَثَمّ أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم الدين فقال وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت، وروى مثله عن الضحاك، وعن عكرمة الدنيا كلها قريب وعن الإمام القشيري القريب على لسان أهل العلم قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تعتاد النفس السوء ويصير لها كالطبيعة، ولعل مرادهم أنه إذا كان كذلك يبعد عن القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته، و{مِنْ} تبعيضية كأنه جعل ما بين وجود المعصية وحضور الموت زمانًا قريبًا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان تاب فهو تائب في بعض أجزاء زمان قريب، وجعلها بعضهم لابتداء الغاية. ورجح الأول بأن من إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول المشهور، والذي لابتدائيته مذ ومنذ، وفي الإتيان بثم إيذان بسعة عفوه تعالى.

{فَأُوْلَئِكَ} أي المتصفون بما ذكر وما فيه من معنى البعد باعتبار كونهم بانقضاء ذكرهم في حكم البعيد، وجوز أن يكون ذلك إيذانًا ببعد مرتبتهم ورفعة شأنهم من حيث إنهم تائبون، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، والفاء للدلالة على السببية، واسم الإشارة مبتدأ خبره قوله تعالى: {يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ} وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم، وهذا وعد بالوفاء بما وعد به سبحانه أولًا فلا تكرار، وضمن {يَتُوبُ} معنى يعطف فلذا عدي بعلى. وجوز أن يكون ذلك من المذهب الكلامي كأنه قيل: التوبة كالواجب على الله تعالى، وكل ما هو كالواجب عليه تعالى كائن لا محالة فالتوبة أمر كائن لا محالة فالآية الأولى واقعة موقع الصغرى والكبرى مطوية، والآية الثانية واقعة موقع النتيجة.
{وَكَانَ الله عَلِيمًا} فيعلم باخلاص من يتوب {حَكِيمًا} فلا يعاقب التائب، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها، والإظهار في مقام الإضمار للإشعار بعلة الحكم.

.تفسير الآية رقم (18):

{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)}
{وَلَيْسَتِ التوبة} على الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات} أي المعاصي وجمعت باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد لا لأن المراد بها جميع أنواعها وا مر من السوء نوع منها {حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت} بأن شاهد الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال وعاين ملك الموت وانقطع حبل الرجاء {قَالَ إِنّى تُبْتُ الئان} أي هذا الوقت الحاضر، وذكر لمزيد تعيين الوقت، وإيثار قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار والتحاشي عن تسميته توبة، ولو أكده ورغب فيه، ولعل سبب ذلك كون تلك الحالة أشبه شيء بالآخرة بل هي أول منزل من منازلها، والدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل، وحتى حرف ابتداء، والجمل الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة لقوم يعملون السيئات إلى حضور موتهم، وقولهم: كيت وكيت.
{وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} عطف على الموصول قبله أي ليس قبول التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا توبة لهم رأسًا المبالغة في عدم قبول توبة المسوّفين والإيذان بأن وجودها كالعدم بل في تكرير حرف النفي في المعطوف كما قيل إشعار خفي بكون حال المسوّفين في عدم استتباع الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر والكثير من أهل العلم على أن المراد بالذين يعملون السيئات ما يشمل الفسقة والكفرة، ومن الذين يموتون إلخ الكفار فقط، وجوز أن يراد بالموصولين الكفار خاصة، وأن يراد بهما الفسقة وحدهم، وتسميتهم في الجملة الحالية كفارًا للتغليظ، وأن يراد بهما ما يعم الفريقين جميعًا فالتسمية حينئذ للتغليب، وأخرج ابن جرير عن الربيع وابن المنذر عن أبي العالية أن الآية الأولى: نزلت في المؤمنين والثانية: في المنافقين، والثالثة: في المشركين، وفي جعل الوسطى في المنافقين مزيد ذمّ لهم حيث جعل عمل السيئات من غيرهم في جنب عملهم نزلة العدم، فكأنهم عملوها دون غيرهم، وعلى هذا لا يخفى لطف التعبير بالجمع في أعمالهم، وبالمفرد في المؤمنين لكن ضعف هذا القول بأن المراد بالمنافقين إن كان المصرين على النفاق فلا توبة لهم يحتاج إلى نفيها، وإلا فهم وغيرهم سواء.
هذا واستدل بالآية على أن توبة اليائس كإيمانه غير مقبول، وفي المسألة خلاف فقد قيل: إن توبة اليائس مقبولة دون إيمانه لأن الرجاء باق ويصح معه الندم، والعزم على الترك، وأيضًا التوبة تجديد عهد مع الرب سبحانه، والإيمان إنشاء عهد لم يكن وفرق بين الأمرين، وفي «البزازية» أن الصحيح أنها تقبل بخلاف إيمان اليائس، وإذا قبلت الشفاعة في القيامة وهي حالة يائس فهذا أولى، وصرح القاضي عبد الصمد الحنفي في تفسيره إن مذهب الصوفية أن الإيمان أيضًا ينتفع به عند معاينة العذاب، ويؤيده أن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره صرح في «فتوحاته» بصحة الإيمان عند الاضطرار، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيرًا كثيرًا.
وأيد بعضهم القول بقبول توبة الكافر عند المعاينة بما أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة» ولا يخفى أن الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل القول الأول، وأجاب بعض المحققين عنها بأن مفادها أن قبول توبة المسوّف والمصر غير متحقق، ونفي التحقق غير تحقق النفي فيبقى الأمر بالنسبة إليهما بين بين، وأنه تعالى إن شاء عفا عنهما وإن شاء لم يعف وآية {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48] تبين أنه سبحانه لا يشاء المغفرة للكافر المصر ويبقى التائب عند الموت من أي ذنب كان تحت المشيئة، وزعم بعضهم أنه ليس في الآية الوسطى توبة حقيقية لتقبل بل غايه ما فيها قول، إني تبت الآن وهو إشارة إلى عدم وجود توبة صادقة، ولذا لم يقل وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب وعلى تسليم أن التعبير بالقول لنكتة غير ذلك يلتزم القول بأن التقييد بالآن مشعر بعدم استيفاء التوبة للشروط لأن فيه رمزًا إلى عدم العزم على عدم العود إلى ما كان عليه من الذنب فيما يأتي من الأزمنة إن أمكن البقاء، ومن شروط التوبة الصحيحة ذلك فتدبر.
{أولئك} أي المذكورون من الفريقين المترامي حالهم إلى الغاية القصوى في الفظاعة {أَعْتَدْنَا لَهُمْ} أي هيأنا لهم، وقيل: أعددنا فأبدلت الدال تاءًا {عَذَابًا أَلِيمًا} أي مؤلمًا موجعًا، وتقديم الجار على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب مهيئًا لهم، والتنكير للتفخيم، وتكرير الإسناد لما مر، واستدل المعتزلة بالآية على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من المؤمنين فبل التوبة، وأجيب بأن تهيئة العذاب هو خلق النار التي يعذب بها، وليس في الآية أن الله تعالى يدخلهم فيها البتة، وكونه تعالى يدخل من مات كافرًا فيها معلوم من غير هذه الآية، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد أعتدنا لهم عذابًا أليمًا إن لم تعف كما تدل على ذلك النصوص، ويروى عن الربيع أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48].
واعترض بأن أعتدنا خبر ولا نسخ في الأخبار، وقيل: إن {أولئك} إشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فلا إشكال كما لو جعل إشارة إلى الفريقين وأريد بالأول المنافقون، وبالثاني المشركون.

.تفسير الآية رقم (19):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)}
{يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهًا} لما نهى الله سبحانه فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى والأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بنوع من سننهم في النساء أنفسهن أو أموالهن؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وفي رواية البخاري وأبي داود كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت، وروي مثله عن أبي جعفر وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك.
وروي عن الزهري أنها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له بها وينتظر موتها حتى يرثها فالنساء إما مفعول ثان لترثوا على أن يكنّ هنّ الموروثات، وكرهًا مصدر منصوب على أنه حال من النساء، وقيل: من ضمير {تَرِثُواْ} والمعنى لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث على زعمكم كما حل لكم أخذ الأموال وهنّ كارهات لذلك أو مكرهات عليه، أو أنتم مكروهون لهنّ، وإما مفعول أول له، والمعنى: لا يحل لكم أن تأخذوا من النساء المال بطريق الإرث كرهًا والمراد من ذلك أمر الزوج أن يطلق من كره صحبتها ولا يمسكها كرهًا حتى تموت فيرث منها مالها، وقرأ حمزة والكسائي {كَرْهًا} بالضم في مواضعه، ووافقهما عاصم وابن عامر ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بالفتح في جميع ذلك وهما عنى كالضعف والضعف، وقيل: الكره بالضم الإكراه وبالفتح الكراهية، وقرئ لا تحل بالتاء الفوقانية لأن أن ترثوا عنى الوراثة كما قرئ {لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الأنعام: 23] لأنه عنى المقالة، وهذا عكس تذكير المصدر المؤنث لتأويله بأن والفعل، فكل منهما جار في اللسان الفصيح.
{وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} أصل العضل التضييق والحبس، ومنه عضلت المرأة بولدها عسر عليها كأعضلت فهي معضل ومعضل، ويقال: عضل المرأة يعضلها مثلثة عضلًا وعضلًا وعضلانًا بكسرهما، وعضلها منعها الزوج ظلمًا، وعضلت الأرض بأهلها غصت قال أوس:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ** معضلة منا بجيش عرمرم

و {لا} إما ناهية على ما قيل والفعل مجزوم بها، والجملة مستأنفة كما قال أبو البقاء أو معطوفة على الجملة التي قبلها بناءًا على جواز عطف جملة النهي على جملة خبرية كما نسب إلى سيبويه، أو بناءًا على أن الجملة الأولى في معنى النهي إذ معناها لا ترثوا النساء كرهًا فإنه غير حلال لكم، وإما نافية مزيدة لتأكيد النفي، والفعل منصوب بالعطف على ترثوا كأنه قيل: لا يحل ميراث النساء {كرهًا} ولا عضلهن، ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود، {ولا أن تعضلوهن}، وأما جعل لا نافية غير مزيدة والفعل معطوف على المنصوب قبله فقد ردّه بعضهم بأنه إذا عطف فعل منفي بلا على مثبت وكانا منصوبين فالقاعدة أن الناصب يقدر بعد حرف العطف لا بعد لا ولو قدرته هنا بعد العاطف على ذلك التقدير فسد المعنى كما لا يخفى، والخطاب في المتعاطفين إما للورثة غير الأزواج فقد كانوا يمنعون المرأة المتوفى عنها زوجها من التزوج لتفتدي بما ورثت من زوجها، أو تعطيهم صداقًا أخذته كما كانوا يرثونهن كرهًا، والمراد بما آتيتموهن على هذا ما أتاه جنسكم وإلا لم يلتئم الكلام لأن الورثة ما آتوهن شيئًا، وإما للأزواج فإنهم كما كانوا يفعلون ما تقدم كانوا يمسكون النساء من غير حاجة لهم إليهن فيضاروهن ويضيقوا عليهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن بأن يختلعن هورهن، وإلى هذا ذهب الكثير من المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه والالتئام عليه ظاهر، وجوز أن يكون الخطاب الأول للورثة، وهذا الخطاب للأزواج، والكلام قد تم بقوله سبحانه: {كَرْهًا} فلا يرد عليه بعد تسليم القاعدة أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان من غير نداء، فلا يقال: قم واقعد خطابًا لزيد. وعمرو، بل يقال: قم يا زيد، واقعد يا عمرو، وقيل: هذا خطاب للأزواج ولكن بعد مفارقتهم منكوحاتهم، فقد أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش كة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. والمراد من قوله سبحانه: {لِتَذْهَبُواْ} إلخ أن يدفعن إليكم بعض ما آتيتموهن وتأخذوه منهن، وإنما لم يتعرض لفعلهن لكونه لصدوره عن اضطرار منهن نزلة العدم، وعبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ، والإذهاب للمبالغة في تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ والإذهاب لأنه عبارة عن الذهاب مصطحبًا به؛ وذكر البعض ليعلم منه أن الذهاب بالكل أشنع شنيع.
{إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ} على صيغة الفاعل من بين اللازم عنى تبين أو المتعدي، والمفعول محذوف أي مبينة حال صاحبها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم {مُّبَيّنَةٍ} على صيغة المفعول، وعن ابن عباس أنه قرأ {مُّبَيّنَةٍ} على صيغة الفاعل من أبان اللازم عنى تبين أو المتعدي، والمراد بالفاحشة هنا النشوز وسوء الخلق قاله قتادة والضحاك وابن عباس وآخرون ويؤيده قراءة أبيّ إلا أن يفحشن عليكم، وفي الدر المنثور نسبة هذه القراءة لكن بدون عليكم إلى أبيّ وابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن الحسن أن المراد بها الزنا. وحكي ذلك عن أبي قلابة وابن سيرين، والاستثناء قيل: منقطع، وقيل: متصل وهو من ظرف زمان عام أي لا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إيتائهن إلخ، أو من حال عامة أي في حال من الأحوال إلا في هذه الحال، أو من علة عامة أي لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لإيتائهن ولا يأبى هذا ذكر العلة المخصوصة لجواز أن يكون المراد العموم أي للذهاب وغيره، وذكر فرد منه لنكتة أو لأن العلة المذكورة غائية والعامة المقدرة باعثة على الفعل متقدمة عليه في الوجود.
وفي الآية إباحة الخلع عند النشوز لقيام العذر بوجود السبب من جهتهن. وحكي عن الأصم أن إباحة أخذ المال منهن كان قبل الحدود عقوبة لهن. وروي مثل ذلك عن عطاء، فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود، وذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم أن هذا متعلق بالعضل عنى الحبس والإمساك، ولا تعرض له بأخذ المال ففيه إباحة الحبس لهن إذا أتين بفاحشة وهي الزنا عند الأول والسحاق عند الثاني، فالآية على نحو ما تقدم من قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت} [النساء: 15].
{وَعَاشِرُوهُنَّ} أي خالقوهن {بالمعروف} وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هاهنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل. وقيل: المعروف أن لا يضربها ولا يسيء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها، وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كنّ ممن لا يخدمن أنفسهن، والخطاب للذين يسيئون العشرة مع أزواجهم، وجعله بعضهم مرتبطًا بما سبق أول السورة من قوله سبحانه: {وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً} [النساء: 4] وفيه بعد.
{فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي كرهتم صحبتهن وإمساكهن قتضى الطبيعة من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك {فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا} كالصحبة والإمساك.
{وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} كالولد أو الألفة التي تقع بعد الكراهة، وبذلك قال ابن عباس ومجاهد، وهذه الجملة علة للجزاء؛ وقد أقيمت مقامه إيذانًا بقوة استلزامها إياه فإن عسى لكونها لإنشاء الترجي لا تصلح للجوابية وهي تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن الخبر، والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكرهة الأنفس وحدها، فلعل {لكم} فيما تكرهونه {خيرًا كثيرًا} فإن النفس را تكره ما يحمد وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمح النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما تهوى الأنفس، ونكر شيئًا وخيرًا ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميمًا للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه، وقرئ {وَيَجْعَلَ} بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال أي وهو أي ذلك الشيء يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، وقيل: تقديره والله يجعل الله بوضع المظهر موضع المضمر، فالواو حينئذٍ حالية. وفي دخولها على المضارع ثلاثة مذاهب: الأول: منع دخولها عليه إلا بتقدير مبتدأ، والثاني: جوازه مطلقًا. والثالث: التفصيل بأنه إن تضمن نكتة كدفع إيهام الوصفية حسن وإلا فلا، ولا يخفى أن تقدير المبتدأ هنا خلاف الظاهر.