فصل: تفسير الآية رقم (11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (11):

{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11)}
{قَالُواْ يأَبَانَا} خاطبوه عليه السلام بذلك تحريكًا لسلسلة النسب وتذكيرًا لرابطة الأخوة ليتسببوا بذلك استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما أحس بحسدهم فكأنهم قالوا: {مالك} أي أيّ شيء {لاَتَأْمَنَّا} لا تجعلنا أمناء {دَخَلُواْ على يُوسُفَ} مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا {وَإِنَّا لَهُ لناصحون} مريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ما يخل بذلك، وجملة {لاتأمنا} في موضع الحال، وكذا جملة {يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لناصحون} والاستفهام الك فيه معنى التعجب، والكلام ظاهر في أنه تقدم منهم سؤال أن يخرج عليه السلام معهم فلم يرض أبوهم بذلك.
وقرأ الجمهور {لاَ تَأْمَنَّا} بالادغام والإشمام، وفسر بضم الشفتين من انفراج بينهما إشارة إلى الحركة مع الادغام الصريح كما يكون في الوقف وهو المعروف عندهم وفيه عسر هنا، ويطلق على إشراب الكسرة شيئًا من الضمة كما قالوا في قيل، وعلى إشمام أحد حرفين شيئًا من حرف آخر كما قالوا في الصراط، وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما. وأبو جعفر. والزهري. وعمرو بن عبيد بالادغام من غير إشمام، وإرادة النفي ظاهرة، وقرأ ابن هرمز بضم الميم مع الادغام، وهذه الضمة منقولة إلى الميم من النون الأولى بعد سلب حركتها.
وقرأ أبي. والحسن. وطلحة بن مصرف. والأعمش لا تأمننا بالاظهار وضم النون على الأصل، وهو خلاف خط المصحف لأنه بنون واحدة، وقرأ ابن وثاب. وأبو رزين لا تيمنا بكسر حرف المضارعة على لغة تميم؛ وسهل الهمزة بعد الكسرة ابن وثاب، ولم يسهل أبو رزين.
وأخرج ابن المنذر. وأبو الشيخ عن عاصم أنه قرأ بذلك حضر عبيد بن فضلة فقال له: لحنت، فقال أبو رزين: مالحن من قرأ بلغة قومه.

.تفسير الآية رقم (12):

{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)}
{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا} نصب على الظرفية الزمانية وهو يطلق على اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل مطلقًا، وأصله غدو فحذفت لامه وقد جاء تاما أي ابعثه معنا غدًا إلى الصحراء {يَرْتَعْ} أي يتسع في أكب الفواكه ونحوها، وأصل معنى الرتع أن تأكل وتشرب ما تشاء في خصب وسعة، ويقال: رتع أقام في خصب وتنعم، ويسمى الخصب رتعة بسكون التاء وفتحها، وذكر الراغب أن الرتع حقيقة في أكل البهائم ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير، وعلى ذلك قوله:
وإذ يخلو له الحمى رتع

{وَيَلْعَبْ} بالاستباق والانتضال ونحوهما مما يتدرب به لقتال العدو، وليس المراد لعب لهو وإلا لم يقرّهم عليه يعقوب عليه السلام وإنما عبروا عن ذلك به لكونه على هيئته تحقيقًا لما رموه من استصحاب يوسف عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام من صغر السن، وقرأ الجمهور {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} بالياء والجزم، والابنان. وأبو عمرو بالنون والجزم، وكسر العين الحرميان، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها، ويروى عن ابن كثير نرتع بالنون {وَيَلْعَبْ} بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد، وقرأ العلاء بن سيابة {يَرْتَعْ} بالياء وكسر العين مجزومًا محذوف اللام {وَيَلْعَبْ} بالياء أيضًا وضم الباء على أنه مستأنف أو خبر مبتدأ محذوف أي وهو يلعب.
وقرأ مجاهد. وقتادة. وابن محيصن نرتع بنون مضمونة وعين ساكنة من أرتعنا ونلعب بالنون أيضًا، وكذلك أبو رجاء إلا أنه بالياء التحتية فيهما، والقراءتان على حذف المفعول أي نرتع المواشي أو غيرها، والفعلان في هذه القراآت كلها مبنيان للفاعل.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} بالياء والبناء للمفعول فيهما، وخرج ذلك على أن نائب الفاعل ضمير غد، والأصل يرتع فيه ويلعب فيه، ثم حذف الجار واتسع فعدى الفعل للضمير فصار يرتعه ويلعبه، ثم بنى للمفعول فاستتر الضمير الذي كان منصوبًا لكونه نائبًا عن الفاعل، ومن كسر العين من الفعل الأول فهو عنده من المراعاة على ما روي عن مجاهد أي يراعى بعضنا بعضًا ويحرسه.
وقال ابن زيد: من رعى الإبل أن نتدرب في الرعي وحفظ المال، أو من رعى النبات والكلأ، والمراد نرعى مواشينا إلا أنه أسند ذلك إليهم مجازًا، أو تجوز عن أكلهم بالرعي، وضعف ابن عطية القراءة بإثبات الياء، وقال: إن إثباتها في مثل هذا الموضع لا يجوز إلا في الشعر كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ** بما لاقت لبون بني زياد

وقيل: إن تقدير حذف الحركة في الياء ونحوها للجازم لغة وليس من الضرورة في شيء، وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان أنه كان يقرأ نلهو ونعلب {وَإِنَّا لَهُ لحافظون} أي من أن يناله مكروه، والجملة في موضع الحال والعامل فيها فعل الأمر أو الجواب وليس ذلك من باب الأعمال كما قال أبو حيان لاْن الحال لا تضمر، وذلك الباب لابد فيه من الاضمار إذا أعمل الأول، وقد أكدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من إيراد الجملة اسمية وتحليتها بأن واللام، وإسناد الحفظ إلى كلهم وتقديم {لَهُ} على الخبر احتيالًا في تحصيل مقصدهم.

.تفسير الآية رقم (13):

{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)}
{قَالَ} استئناف بياني كأن سائلًا يقول: فماذا قال أبوهم لهم؟ فقيل: قال: {إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} لشدة مفارقته عليّ وقلة صبري عنه، واللام الداخلة على خبر إن إذا كان مضارعًا قيل: تقصره على الحال وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: تكون له ولغيره، واستدلوا بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} [النحل: 124]، وقيل: إنها للحال إن خلت عن قرينة ومعها تكون لغيره، وجعلوا من ذلك ما في الآية، وبعضهم جعلها هنا للحال، واستشكل بأن الذهاب مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله وهو غير جائز لأنه أثره ولا يعقل تقدم الأثر على المؤثر.
وأجيب بأن التقدير قصد. أو توقع أن تذهبوا به، فالكلام على تقدير المضاف وهو الفاعل وليس ذاك أمرًا مستقبلًا بل حال، ولا يمتنع في مثل ذلك حذف الفاعل لما صرحوا به أنه إنما يمتنع إذا لم يسدّ مسدّه شيء وهنا قد سدّ، ولا يجب أن يكون السادّ هو المضاف إليه كما ظن بل لو سدّ غيره كان الحذف جائزًا أيضًا، ومن هنا كان تقدير قصدكم أن تذهبوا صحيحًا، ويحتمل أن يكون ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقال بعضهم: إنه يمكن دفع الاشكال من غير حاجة إلى تقدير المضاف بأن يقال: إن الذهاب يحزنه باعتبار تصوره كما قيل نظيره في العلة الغائية، وقال شهاب: ذلك التحقيق أظن أن ما قالوه في توجيه الاشكال مغلطة لا أصل لها فان لزوم كون الفاعل موجودًا عند وجود الفعل إنما هو في الفاعل الحقيقي لا النحوي واللغوي فإن الفعل قد يكون قبله سواء كان حالًا كما فيما نحن فيه. أو ماضيًا كما أنه يصح أن يكون الفاعل في مثله أمرًا معدومًا كما في قوله:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ** فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدًا

ولم يقل أحد في مثله إنه مجتاج إلى التأويل فان الحزن والغم كالسرور والفرح يكون بالشيء قبل وقوعه كما صرح به ابن هلال في فروقه، ولا حاجة إلى تأويل. أو تقدير. أو تنزيل للوجود الذهني منزلة الخارجي على القول به، أو الاكتفاء به فإن مثله لا يعرفه أهل العربية. أو اللسان فإن أبيت إلا اللجاج فيه فليكم من التجوز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سببًا للحزن الآن اه.
وأنت تعلم أنهم صرحوا بأن فعل الفاعل الاصطلاحي إما قائم به أو واقع منه، وقيام الشيء بما لم يوجد بعد ووقوعه منه غير معقول، وحينئذ فالتأويل بما يصح القيام أو الوقوع في فاقد ذلك بحسب الظاهر واجب كذا قيل فتدبر، وقرأ ابن هرمز.
وابن محيصن ليحزني بالادغام، وبذلك قرأ زيد بن علي رضي الله عنهما، وقرأ أيضًا تذهبوا به من أذهب رباعيًا، ويخرج كما قال أبو حيان على زيادة الباء في {بِهِ} كما خرج بعضهم {تَنبُتُ بالدهن} [المؤمنون: 20] في قراءة من ضم التاء وكسر الباء الموحدة على ذلك أي ليحزني أن تذهبوه.
{وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب} هو يحوان معروف وخصه بالذكر لأن الأرض على ما قيل: كانت مذئبة، وقيل: لأنه سبع ضعيف حقير فنبه عليه السلام بخوفه عليه السلام عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظم منه افتراسًا من باب أولى، ولحقارة الذئب خصه الربيع بن ضبع الفزاري في كونه يخشاه لما بلغ من السن ما بلغ في قوله:
و الذئب أخشاه إن مررت به ** وحدي وأخشى الرياح والمطرا

وقيل: لأنه عليه السلام رأى في المنام أن ذئبًا قد شد عليه فكان يحذره، ولعل هذا الحذر لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم بعينها واقعة، وإلا فالذئب في النوم يؤول بالعدو.
وادعى بعضهم أنه عليه السلام ورى بالذئب عن واحد منهم فانه عليه السلام أجل قدرًا من أن لا يعلم أن رأياه تلك من أي أقسام الرؤيا هي، فإن منها ما يحتاج للتعبير. ومنها ما لا يحتاج إليه، والكامل يعرف ذلك.
وتعقب بأنه يحتمل أن يكون الأمر قد خفي عليه كما قد خفي مثل ذلك على جده إبراهيم عليه السلام وهو بناء على ما ذكره شيخنا ابن العربي قدس سره من أن رؤياه عليه السلام ذبح ولده من الرؤيا المعبرة بذبح كبش لكنه خفي عليه ذلك ولا يخفى ما فيه، والمذكور في بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في منامه كأنه على ذروة جبل وكأن يوسف في بطن الوادي فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله فدرأ عند واحد ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام، وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقًا سندًا يعول عليه ولا حاجة بنا إلى اعتبارها لتكلف الكلام فيها، وبالجملة ما وقع منه عليه السلام من هذا القول كان تلقينا للجواب من غير قصد وهو على أسلوب قوله سبحانه: {مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم} [الإنفطار: 6] والبلاء موكل بالمنطق.
وأخرج أبو الشيخ. وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلقنوا الناس فيكذبوا فان بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا: أكله الذئب» والحزن ألم القلب لفوت المحبوب. والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه، ولذلك أسند الأول إلى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسع عليه السلام، والثاني إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب والذئب أصله الهمزة وهي لغة الحجاز، وبها قرأ غير واحد.
وقرأ الكسائي. وخلف. وأبو جعفر. ووريش. والأعمش. وغيرهم بابدالها ياءًا لسكونها وانكسار ما قبلها وهو القياس في مثل ذلك، وذكر بعضهم أنه قد همزه على الأصل ابن كثير. ونافع في رواية قالون. وأبو عمرو وقفًا، وابن عامر. وحمزة درجًا وأبدلا وقفًا، ولعل ذلك لأن التقاء الساكنين في الوقف وإن كان جائزًا إلا أنه إذا كان الأول حرف مد يكون أحسن.
وقال نصر: سمعت أبا عمر ولا يهمزه، والظاهر أنه أراد مطلقًا فيكون ما تقدم رواية وهذه أخرى، ويجمع على أذؤب. وذئاب. وذؤبان، واستقاقه عند الزمخشري من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة.
وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذب لأن الذئب يفعله في عدوه، قيل: وهو أنسب ولذا عد تذاءبت الريح من المجاز في الأساس لكن قيل عليه: إن أخذ الفعل من الأسماء الجامعدة كابل قليل مخالف للقياس {وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون} لاشتغالكم بالرتع واللعب. أو لقلة اهتمامكم بحفظه.

.تفسير الآية رقم (14):

{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)}
{قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحال أنا جماعة جديرة بأن تعصب بنا الأمور وتكفي بآرائنا وتدبيراتنا الخطوب، واللام الداخلة على الشرط موطئة للقسم، وقوله سبحانه: {إِنَّا إِذَا لخاسرون} جواب مجزئ عن الجزاء، والخسار إما عنى الهلاك تجوزًا عن الضعف. أو استحقاقه، أو عن استحقاق الدعاء به أي بضعفاء عاجزون. أو مستحقون للهلاك لاغناء عندنا ولا نفع في حياتنا، أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسار والدمار فيقال: خسرهم الله تعالى ودمرهم إذ أكل الذئب أخاهم وهم معه، وجوز أن يكون عناه الحقيقي أي إن لم نقدر على حفظه وهو أعز شيء عندنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها وإنما اقتصروا على جواب خوف أبيهم عليه السلام من أكل الذئب مع أنه ذكر في وجه عدم مفارقته أمرين: حزنه لمفارقته. وخوفه عليه من الذئب لأنه السبب القوي في المنع دون الحزن لقصر زمانه بناءًا على سرعة عودهم به، أو لأن حزنه بالذهاب به إنما هو للخوف عليه، فنفي الثاني يدل على نفي الأول، أو لكراهتهم لذلك لأنه سبب حسدهم له فلذلك أعاروه أذنًا صماء.