فصل: تفسير الآية رقم (79):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (79):

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)}
{فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} الويل مصدر لا فعل له من لفظه، وما ذكر من قولهم: وال مصنوع كما في البحر ومثله ويح وويب وويس وويه وعول، ولا يثنى ولا يجمع ويقال: ويلة ويجمع على ويلات وإذا أضيف فالأحسن فيه النصب ولا يجوز غيره عند بعض وإذا أفردته اختير الرفع ومعناه الفضيحة والحسرة وقال الخليل: شدة الشر؛ وابن المفضل الحزن وغيرها الهلكة وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع وقد تكون ترحمًا ومنه ويل أمه مسعر حرب وورد من طرق صححها الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الويل واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره» وفي بعض الروايات: «إنه جبل فيها» وإطلاقه على ذلك إما حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي من إطلاق لفظ الحال على المحل ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية لأن العرب تكلمت به في نظمها ونثرها قبل أن يجيء القرآن ولم تطلقه على ذلك وعلى كل حال هو هنا مبتدأ خبره {لِلَّذِينَ} فإن كان علمًا لما في الخبر فظاهر، وإلا فالذي سوغ الابتداء به كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه بالداعي كما تخصص سلام في سلام عليك بالمسلم فإن المعنى سلامي عليك وكذلك المعنى هاهنا دعائي عليهم بالهلك ثابت لهم والكتابة معروفة. وذكر الأيدي تأكيدًا لدفع توهم المجاز، ويقال: أول من كتب بالقلم إدريس، وقيل: آدم عليهما السلام، والمراد بالكتاب المحرف، وقد روي أنهم كتبوا في التوراة ما يدل على خلاف صورة النبي صلى الله عليه وسلم وبثوها في سفهائهم وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل وصاروا إذا سئلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ما هذا هو الموصوف عندنا في التوراة ويخرجون التوراة المبدلة ويقرؤنها ويقولون: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله، ويحتمل أن يكون المراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة وروّجوه على العامة، وقد قال بعض العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بإشارة لا يعرفها إلا العالمون، ولو كان متجليًا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضًا بنقله من لسان إلى لسان، وقد وجد في التوراة ألفاظ إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته عليه الصلاة والسلام بتعريض هو عند الراسخين جلي، وعند العامة خفي، فعمد إلى ذلك أحبار من اليهود فأوّلوه، وكتبوا تأويلاتهم المحرفة بأيديهم.
{ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله} إعظامًا لشأنه وتمكينًا له في قلوب أتباعهم الأميين، و{ثُمَّ} للتراخي الرتبي، فإن نسبة المحرفة والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحًا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل، والإشارة إما إلى الجميع، أو إلى الخصوص.
{لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} أي ليحصلوا بما أشاروا إليه غرضًا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو وإن جل أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم، وهو علة للقول كما في البحر ولا أرى في الآية دليلًا على المنع من أخذ الأجرة على كتابة المصاحف، ولا على كراهية بيعها، والأعمش تأول الآية واستدل بها على الكراهة وطرف المنصف أعمى عن ذلك نعم ذهب إلى الكراهة جمع منهم: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وبه قال بعض الأئمة: لكن لا أظنهم يستدلون بهذه الآية، وتمام البحث في محله.
{فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} الفاء لتفصيل ما أجمل في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ} إلخ، حيث يدل على ثبوت الويل للموصوفين بما ذكر لأجل اتصافهم به بناءً على التعليق بالوصف من غير دلالة على أن ثبوته لأجل مجموع ما ذكر أو لا بل كل واحد فبين ذلك بقوله: {وَيْلٌ لَهُمْ} إلخ مع ما فيه من التنصيص بالعلة، ولا يخفى ما في هذا الإجمال والتفصيل من المبالغة في الوعيد والزجر والتهويل. ومن تعليلية متعلقة بويل أو بالاستقرار في الخبر، وما قيل: موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي: كتبته وقيل: مصدرية والأول: أدخل في الزجر عن تعاطي المحرف والثاني: في الزجر عن التحريف وما الثانية مثلها، ورجح بعضهم المصدرية في الموضعين لفظًا ومعنى لعدم تقدير العائد، ولأن مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب، وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن العبد كما يعاقب على نفس فعله، يعاقب على أثر فعله، لإفضائه إلى حرام آخر وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام وغاير بين الآيتين بأنه بين في الأولى: استحقاقهم العقاب بنفس الفعل وفي الثانية: استحقاقهم له بأثره، ولذا جاء بالفاء ولا يخفى أنه كلام خال عن التحقيق كما لا يخفى على أرباب التدقيق ومما ذكرنا ظهر فائدة ذكر الويل ثلاث مرات، وقيل: فائدته أن اليهود جنوا ثلاث جنايات. تغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والافتراء على الله تعالى، وأخذ الرشوة. فهددوا بكل جناية بالويل وكأنه جعل محط الفائدة في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ} إلى آخر المعطوف كما في خبر: «لا يؤمّن الرجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء» وهو على بعده لا يظهر عليه وجه إيراد الفاء في الثاني، ثم الظاهر أن مفعول الكسب خاص وهو ما دل عليه سياق الآية وقيل: المراد بـ {مَا يَكْسِبُونَ} جميع الأعمال السيئة ليشمل القول ولا يخفى بُعده وعدم التعرض للقول لما أنه من مبادئ ترويج {ما كتبت أيديهم} والآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة النبي صلى الله عليه وسلم على حالها فغيروها، وقيل: خاف ملوكهم على مُلكهم إذا آمن الناس فرشوهم فحرفوا، والقول بأنها نزلت في الذين لم يؤمنوا بنبي ولم يتبعوا كتابًا، بل كتبوا بأيديهم كتابًا وحللوا فيه ما اختاروا، وحرّموا ما اختاروا، وقالوا: هذا من عند الله غير مرضي، كالقول بأنها نزلت في عبد الله بن سرح كاتب النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير القرآن فارتد.

.تفسير الآية رقم (80):

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)}
{وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} جملة حالية معطوفة على قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} [البقرة: 75] عند فريق منهم، وعند آخرين على {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} [البقرة: 72] عطف قصة على قصة، واختار بعض المحققين أنها اعتراض لرد ما قالوا حين أوعدوا على ما تقدم بالوليل بل جميع الجمل عنده من قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق} [البقرة: 75- 83] إلخ، ذكر استطرادًا بين القصتين المعطوفتين، فالضمير في {قَالُواْ} عائد على {الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب} [البقرة: 79] والمس اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة وذكر الراغب أنه كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد كقوله:
وألمسه فلا أجده

والمراد من النار نار الآخرة، ومن المعدودة المحصورة القليلة، وكنى بالمعدودة عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصوّر القليل متيسر العدد والكثير متعسره، فقالوا: شيء معدود أي قليل وغير معدود أي كثير والقول بأن القلة تستفاد من أن الزمان إذا كثر لا يعد بالأيام، بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام} إلى {أَيَّامًا معدودات} [البقرة: 183، 184] وبقوله سبحانه: {إِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يومًا عدد عبادتهم العجل؛ ثم ينادى أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم، وهي سبعة آلاف سنة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوبًا في التوراة إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها، وقد قالوا ذلك حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية.
{قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا} تبكيت لهم وتوبيخ والعهد مجاز عن خبره تعالى، أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى الأيام المعدودة وسمي ذلك عهدًا لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر، وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهدًا بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله} إلى قوله سبحانه: {ا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ} [التوبة: 75- 77].
واعترض: بأنه لا وجه للتخصيص، فإن {لَن تَمَسَّنَا} إلخ فرع الوعد والوعيد لأن مساس النار وعيد، وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للوعيد، لأن المقصود بالاستفهام الوعد لا الوعيد فإنه ثابت في حقهم. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله، وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار؟ ويؤول إلى هل أسلفتم عند الله أعمالًا توجب ما تدعون؟ والمعنى الأول أظهر.
وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بإدغامه، وحذفت من اتخذ همزة الوصل لوقوعها في الدرج.
{فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ} جواب شرط مقدر، أي إن اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم اتخذتم إذ ليس المعنى على الاستقبال وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى كان وفيه خلاف معروف فإن قلت: لا يصح جعل {فَلَن يُخْلِفَ الله} جزاء لامتناع السببية والترتب لكون {لَنْ} لمحض الاستقبال قلت: ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

ولو سلم فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف العهد فيما يستقبل من الزمان فقط، كما في قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل: 53] كذا أفاده العلامة، والجواب الأول: مبني على أن الفاء الفصيحة لا تنافي تقدير الشرط، وأنها تفيد كون مدخولها سببًا عن المحذوف سواء ترتب عليه أو تأخر لتوقفه على أمر آخر بدليل أن قوله:
فقد جئنا خراسانا

علم عندهم في الفصيحة مع كونه بتقدير الشرط وعدم الترتب كما في شرح المفتاح الشريفي ومبنى الثاني: على أن المراد حكمهم لا حكمه تعالى حين النزول، ولخفاء ذلك قال المولى عصام: الأظهر أنه دليل الجزاء وضع موضعه، أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهدًا فقد نجوتم لأنه لن يخلف الله عهده فافهم.
ومن الناس من لا يقدر محذوفًا ويجعل الفاء سببية ليكون اتخاذ العهد مترتبًا عليه عدم إخلاف الله تعالى عهده ويكون المنكر حينئذٍ المجموع فتفطن.
وهذه الجملة كما قال ابن عطية اعتراضية بين {اتخذتم} والمعادل فلا موضع لها من الإعراب، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الاختلاف من قضية الألوهية والعهد مضاف إلى ضميره تعالى لذلك أيضًا، أو لأن المراد به جميع عهوده لعمومه بالإضافة، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقق مضمون كلامهم، وإن كان معلقًا على الاتخاذ المعلق بحبال العدم واستدل بالآية من ذهب إلى نفي الخلف في الوعد والوعيد بحمل العهد على الخبر الشامل لهما، وادعى بعضهم أن العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه فلا دليل فيها على نفي الخلف في الوعيد.
{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {أَمْ} يحتمل أن تكون متصلة للمعادلة بين شيئين عنى أي هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم على الله ما لا تعلمون وخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير لأولئك المخاطبين لعلم المستفهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع أحدهما، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين فلا يكون الاستفهام على حقيقته، ويعلم من هذا أن الواقع بعد {أَمْ} المتصلة قد يكون جملة لأن التسوية قد تكون بين الحكمين وبهذا صرح ابن الحاجب في الإيضاح، ويحتمل أن تكون منقطعة عنى بل والتقدير بل أتقولون، ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد همزتها من التوبيخ على القول، وظاهر كلام صاحب المفتاح تعين الانقطاع حيث جعل علامة المنقطعة كون ما بعدها جملة، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه وتعالى ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدم وقوعه المبالغة في التوبيخ، فإن التوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على الأعلى بطريق الأولى، وقولهم المحكي وإن لم يكن صريحًا بالافتراء عليه جل شأنه لكنه مستلزم له لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى.