فصل: تفسير الآية رقم (47):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (47):

{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)}
{فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} تثبيت له صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الثقة بالله سبحانه والتيقن بانجاز وعده تعالى بتعذيب الظالمين المقرون بالأمر بانذارهم كما يفصح عنه الفاء، وقال الطيبي: واستحسنه التلميذ أنه يجوز أن يحمل الوعد على المفاد بقوله تعالى: {وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ} [إبراهيم: 46] وقد جعله وجهًا آخر لما ذكره الزمخشري من تفسير له بقوله تعالى: {أَنَاْ جَاءتْ رُسُلُنَا} [غافر: 51] و{كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} [المجادلة: 21] وفيه نظر لأنه لا اختصاص لذلك كما قيل بالعذيب لاسيما الأخروي، وإضافة {مُخْلِفَ} إلى الوعد عند الجمهور من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم: هذا معطى درهم زيدًا، وهو لما كان يتعدى إلى اثنين جازت إضافته إلى كل منهما فينصب ما تأخر، وأنشد بعضهم نظيرًا لذلك قوله:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ** وسائره باد إلى الشمس أجمع

وذكر أبو البقاء أن هذا قريب من قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار. وفي الكشاف أن تقديم الوعد ليعلم أنه تعالى لا يخلف الوعد أصلًا كقوله سبحانه: {لاَ يُخْلِفُ الميعاد} [آل عمران: 9] ثم قال جل شأنه: {رُسُلَهُ} ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدًا وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته.
ونظير فيه ابن المنير بأن الفعل إذا تقيد فعول انقطع احتمال إطلاقه وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالًا على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأن الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد سبحانه على ألسنة رسله عليهم السلام فالمهم ذكر الوعد وكونه على ألسنة الرسل عليهم السلام لا يتوقف عليه التهديد والتخويف. وقال «صاحب الإنصاف»: أن هذا النظر قوى إلا أن ما اعترض عليه هو القاعدة عند أهل البيان، كما قال الشيخ عبد القاهر في قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن} [الأنعام: 100] أنه قدم {شُرَكَاء} للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله تعالى شركاء مطلقًا ثم ذكر {الجن} تحقيرًا أي إذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا.
وتعقب بأنه لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا ما ذكره الفاضل الطيبي فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في الكشف من أن ذلك الإعلام إنما نشأ من جعل الاهتمام بشأن الوعد فهو ما سيق له الكلام وما عداه تبع، وإفادة هذا الأسلوب الترقي كإفادة {اشرح لِى صَدْرِى} [طه: 5] الإجمال والتفصيل. نعم أن الظاهر من حال صاحب الكشاف أنه أضمر فيما قرره اعتزالًا وهذه مسألة أخرى، وقيل: {مُخْلِفَ} هنا متعد إلى واحد كقوله تعالى: {لاَ يُخْلِفُ الميعاد}
[آل عمران: 9] فأضيف إليه وانتصب {رُسُلَهُ} بوعده إذ هو مصدر ينحل إلى أن والفعل وقرأت فرقة {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بنسب {وَعْدَهُ} وإضافة {مُخْلِفَ} إلى {رُسُلَهُ} ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهذه القراءة تؤيد إعراب الجمهور في القراءة الأولى وأنه مما يتعدى {مُخْلِفَ} هنا إلى مفعولين {أَنَّ الله عَزِيزٌ} غالب لا يماكر وقادر لا يقادر {ذُو انتقام} من أعدائه لأوليائه فالجملة تعليل للنهي المذكور وتذييل له، وحيث كان الوعد عبارة عن تعذيبهم خاصة كما مرت إليه الإشارة لم يذيل كما قال بعض المحققين بأن يقال: {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} [آل عمران: 9] بل تعرض لوصف العز والانتقام المشعرين بذلك؛ والمراد بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبر عنه بالمكر.

.تفسير الآية رقم (48):

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)}
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض} ظرف لمضمر مستأنف ينسحب عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم إلى آخره أو معطوف عليه نحو {فارتقب يَوْمَ} [الدخان: 10] إلى آخره، وجعله بعض الفضلاء معمولًا لا ذكر محذوفًا كما قيل في شأن نظائره، وقيل: ظرف للانتقام وهو {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب} [إبراهيم: 44] بعينه ولكن له أحوال جمة يذكر كل مرة بعنوان مخصوص، والتقييد مع عموم انتقامه سبحانه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من تعذيب الكفرة المؤخر إلى ذلك اليوم وجب الحكمة المقتضية له.
وجوزأبو البقاء تعلقه بلا يخلف الوعد مقدرًا بقرينة السابق، وفيه الوجه قبله من الحاجة إلى الاعتذار.
وقال الحوفي: هو متعلق خلف و{إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام} [إبراهيم: 47] جملة اعتراضية، وفيه رد لما قيل: لا يجوز تعلقه بذلك لأن ما قبل إنّ لا يعمل فيما بعدها لأن لها الصدارة، ووجهه أنها لكونها وما بعدها اعتراضًا لا يبالي بها فاصلًا.
وجوز الزمخشري انتصابه على البدلية من {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} [إبراهيم: 44] وهو بدل كل من كل، وتبعه بعض من منع تعلقه خلف لمكان ماله الصدر. والعجب أن العامل فيه حينئذ أنذر فيلزم عليه ما لزم القائل بتعلقه بما ذكر فكأنه ذهب إلى البدل له عامل مقدر وهو ضعيف، وقوله تعالى: {وَالسَّمَوَاتُ} عطف على المرفوع أي وتبدل السموات غير السموات، والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى: {جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] وقد يكون في الصفات كما في قولك: بدلت الحلقة خاتمًا إذا غيرت شكلها، ومنه قوله سبحانه: {يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات} [الفرقان: 70] والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين نص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظي وتصير مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. وتبدل السموات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا. وأنشد:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ** ولا الدار بالدار التي كنت أعلم

وقال ابن الأنباري: تبدل السموات بطيها وجعلها مرة كالمهل ومرة وردة كالدهان.
وأخرج ابن أبي الدنيا. وابن جرير. وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه تكون الأرض كالفضة والسموات كذلك. وصح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: تبدل الأرض أرضًا بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة. وروى ذلك مرفوعًا أيضًا، والموقوف على ما قيل البيهقي أصح.
وقد يحمل قول الإمام كرم الله تعالى وجهه على التشبيه.
وقال الإمام: لا يبعد أن يقال المراد بتبديل الأرض جعلها جهنم وبتبديل السموات جعلها الجنة، وتعقب بأنه بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن والثابت في الكلام والحديث خلافه، وأجيب بأن الثابت خلقهما مطلقًا لا خلق كلهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما ثم تصير السموات والأرض بعضًا منهما، وفيه أن هذا وإن صححه لا يقر به، والاستدلال على ذلك بقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ} [المطففين: 18] وقوله سبحانه: {كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ} [المطففين: 7] في غاية الغرابة من الإمام فإن في إشعار ذلك بالمقصود نظرًا فضلًا عن كونه دالًا عليه. نعم جاء في بعض الآثار ما يؤيد ما قاله، فقد أخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال في الآية: تصير السموات جنانًا ويصير مكان البحر نار أو تبدل الأرض غيرها.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: الأرض كلها نار يوم القيامة؛ وجاء في تبديل الأرض روايات آخر.
فقد أخرج ابن جرير عن ابن جبير أنه قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن تحد قدميه.
وأخرج عن محمد بن كعب القرظي مثله.
وأخرج البيهقي في البعث عن عكرمة كذلك.
وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب أن رجلًا من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تبدل به الأرض؟ فقال: خبزة فقال اليهودي: در مكة بأبي أنت فضحك صلى الله عليه وسلم ثم قال: قاتل الله تعالى يهود هل تدرون ما الدر مكة؟ لباب الخبز.
وقد تقدم خبر أن الأرض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة وهو في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى بعضهم أن التبديل يقع في الأرض ولكن تبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله، ففريق من المؤمنين يكونون على خبز يأكلون منه وفريق يكونون على فضة؛ وفريق الكفرة يكونون على نار، وليس تبديلها بأي شيء كان بأعظم من خلقها بعد إن لم تكن.
وذكر بعضهم أنها تبدل أولًا صفتها على النحو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم تبدل ذاتها ويكون هذا الأخير بعد أن تحدث أخبارها، ولا مانع من أن يكون هنا تبديلات على أنحاء شتى.
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا أن الناس يوم تبدل على الصراط، وفيه من حديث ثوبان: «أن يهوديًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هم في الظلمة دون الجسر».
ولعل المراد من هذا التبديل نحو خاص منه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وتقديم تبديل الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أمرًا بالنسبة إلينا.
{وَبَرَزُواْ} أي الخلائق أو الظالمون المدلول عليهم عونة السياق كما قيل، والمراد بروزهم من أجداثهم التي في بطون الأرض.
وجوز أن يكون المراد ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرًا ويزعمون أنها لا تظهر أو يعملون عمل من يزهم ذلك، ووجه إسناد البروز إليهم مع أنه على هذا لأعمالهم بأنه للإيذان بتشكلهم بأشكال تناسبها. وأنت تعلم أن الظاهر ظهورهم من أجداثهم، والعطف على {تُبَدَّلُ} والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع.
وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة وأن تكون حالًا من {الأرض} بتقدير قد والرابط الواو.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما {وَبَرَزُواْ} بضم الباء وكسر الراء مشددة، جعله مبنيًا للمفعول على سبيل التكثير باعتبار المفعول لكثرة المخرجين {لِلَّهِ} أي لحكمه سبحانه ومجازاته {الواحد} الذي لا شريك له {القهار} الغالب على كل شيء، والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم قهار لا يشاركه غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له ولا مغيث سواه وفي ذلك أيضًا تحقيق إتيان العذاب الموعود على تقدير كون {يَوْمَ تُبَدَّلُ} بدلًا من {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب} [إبراهيم: 44].

.تفسير الآية رقم (49):

{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)}
{وَتَرَى المجرمين} عطف على {بَرَزُواْ} [إبراهيم: 48]. والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار، وأما البروز فهو دفعي لا استمرار فيه وعلى تقدير حالية {بَرَزُواْ} فهو معطوف على {تُبَدَّلُ} [إبراهيم: 48] وجوز عطف على عامل الظرف المقدم على تقدير كونه ينجزه مثلًا {يَوْمَئِذٍ} يوم إذ برزوا لله تعالى أو يوم إذ تبدل الأرض أو يوم إذ ينجز وعده، والرؤية إذا كانت بصرية فالمجرمين مفعولها وقوله تعالى: {مُقْرِنِينَ} حال منه، وإن كانت علمية فالمجرمين مفعولها الأول {مُقْرِنِينَ} مفعولها الثاني.
والمراد قرن بعضهم مع بعض وضم كل لمشاركه في كفره وعمله كقوله تعالى: {وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ} [التكوير: 7] على قول، وفي المثل إن الطيور على أشباهها تقع، أو قرنوا مع الشياطين الذين أغووهم كقوله تعالى: {فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين} [مريم: 68] إلخ أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملكات الرديئة والأعمال اليئة غب تصورها وتشكلها بما يناسبها من الصور الموحشة والأشكال الهائلة، أو قرنوا مع جزاء ذلك أو كتابه فلا حاجة إلى حديث التصور بالصور، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم وجاء ذلك في بعض الآثار والظاهر أنه على حقيقته.
ويحتمل على ما قيل أن يكون تمثيلًا لمؤاخذتهم على ما تقرفته أيديهم وأرجلهم، وأصل المقرن بالتشديد من جمع في قرن بالتحريك وهو الوثاق الذي يربط به {فِى الاصفاد} جمع صفد ويقال فيه صفاد وهو القيد الذي يوضع في الرجل أو الغل الذي يكون في اليد والعنق أو ما يضم به اليد والرجل إلى العنق ويسمى هذا جامعة؛ ومن هذا قول سلامة بن جندل:
وزيد الخيل قد لا قى صفادا ** يعض بساعد وبعظم ساق

وجاء صفد بالتخفيف وصفد بالتشديد للتكثير وتقول: أصفدته إذا أعطيته فتأتي بالهمزة في هذا المعنى، وقيل: صفد وأصفد معًا في القيد والإعطاء، ويسمى العطاء صفدًا لأنه يقيد.
ومن وجد الإحسان قيدا تقييدًا.
والجار والمجرور متعلق قرنين أو حذوف وقع حالًا من ضميره أي مصفدين، وجوز أبو حيان كونه في موضع الصفة لمقرنين: