فصل: تفسير الآية رقم (91):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (91):

{أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)}
{أَن دَعَوْا للرحمن وَلَدًا} بتقدير اللام التعليلية. ومحله بعد الحذف نصب عند سيبويه وجر عند الخليل والكسائي، وهو علة للعلية التي تضمنها {مِنْهُ} لكن باعتبار ما تدل عليه الحال أعني قوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (92):

{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)}
{وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا} وقيل: علة لتكاد إلخ، واعترض بأن كون لـِ {تَكَادُ} [مريم: 90] إلخ معللًا بذلك قد علم من {مِنْهُ} [مريم: 90] فيلزم التكرار. وأجيب بما لا يخلو عن نظر. وقيل: علة لـِ {هدَّا} [مريم: 90] وهو علة للخرور، وقيل ليس هناك لام مقدرة بل أن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالإبدال من الهاء من منه كما في قوله:
على حالة لو أن في القوم حاتما ** على جوده لضن بالماء حاتم

بجر حاتم بالإبدال من الهاء في وجوده، واستبعده أبو حيان للفصل بجملتين بين البدل والمبدل منه، وقيل: المصدر مرفوع على أنه خبر محذوف أي الموجب لذلك دعاؤهم للرحمن ولدًا وفيه بحث. وقيل: هو مرفوع على أنه فاعل هدا ويعتبر مصدرًا مبنيًا للفاعل أي هدها دعاؤهم للرحمن ولدًا. وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعدًا لأن الظاهر كون هذا المصدر تأكيديًا والمصدر التأكيدي لا يعمل ولو فرض غير تاكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا إذا كان أمرًا كضربا زيدًا أو بعد استفهام كاضربا زيدًا وما هنا ليس أحد الأمرين وما جاء عاملًا وليس أحدهما كقوله:
وقوفًا بها صحبي على مطيهم

نادر.
والتزام كون ما هنا من النادر لا يدفع البعد. ولعل ما ذكرناه أدق الأوجه وأولاها فتدبر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. و{دَّعَوَا} عند الأكثرين عنى سموا. والدعاء عنى التسمية يتعدى لمفعولين بنفسه كما في قوله:
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ** أخاها ولم أرضع لها بلبان

وقد يتعدى للثاني بالباء فيقال دعوت ولدي بزيد واقتصر هنا على الثاني وحذف الأول دلالة على العموم والإحاطة لكل ما دعى له عز وجل ولدًا من عيسى. وعزير عليهما السلام. وغيرهما. وجوز أن يكون من دعا عنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير مواليه» وقول الشاعر:
أنا بني نهشل لا ندعى لاب ** عنه ولا هو بالابناء يشرينا

فيتعدى لواحد، والجار والمجرور جوز أن يكون متعلقًا حذوف وقع حالًا من {وَلَدًا} وأن يكون متعلقًا بما عنده، وجملة {مَا يَنبَغِى} حال من فاعل {دَّعَوَا}، وقيل: من فاعل {قَالُواْ} [مريم: 88]، {وينبغي} مضارع انبغى مطاوع بغي عنى طلب وقد سمع ماضيه فهو فعل متصرف في الجملة، وعده ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وغلطه في ذلك أبو حيان، ويمكن أن يقال: مراده أنه لا يتصرف تامًا، {وَأَنْ يَتَّخِذِ} في تأويل مصدر فاعله، والمراد لا يليق به سبحانه اتخاذ الولد ولا يتطلب له عز وجل لاستحالة ذلك في نفسه لاقتضائه الجزئية أو المجانسة واستحالة كل ظاهرة، ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه وأين ذلك ممن هو مبدأ النعم وموالي أصولها وفروعها.
وقد أشير إلى ذلك بقوله سبحانه:

.تفسير الآية رقم (93):

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)}
{إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض} أي ما منهم أحد من الملائكة والثقلين {إِلا اتِى الرحمن عَبْدًا} أي إلا وهو مملوك له تعالى يأوي إليه عز وجل بالعبودية والانقياد لقضائه وقدره سبحانه وتعالى فالاتيان معنوي، وقيل: هو حسي، والمراد إلا ءاتى محل حكمه وهو أرض المحشر منقادًا لا يدعى لنفسه شيئًا مما نسبوه إليه وليس بذاك كما لا يخفى، و{مِنْ} موصولة عنى الذي و{كُلٌّ} تدخل عليه لأنه يراد منه الجنس كما قيل في قوله تعالى: {والذى جَاء بالصدق} [الزمر: 33] وقوله:
وكل الذي حملتني أتحمل

وقيل: موصوفة لأنها وقعت بعد {كُلٌّ} نكرة وقوعها بعد رب في قوله:
رب من أنضجت غيظًا صدره ** قد تمنى لي موتًا لم يطع

ورجح في البحر الأول بأن مجيئها موصوفة بالنسبة إلى مجيئها موصولة قليل: وقرأ عبد الله. وابن الزبير وأبو حيوة. وطلحة. وأبو بحرية. وابن أبي عبلة. ويعقوب {ءات} بالتنوين {مُّقْتَدِرِ الرحمن} بالنصب على الأصل.
ونصب {عَبْدًا} في القراءتين على الحال. واستدل بالآية على أن الوالد لا يملك ولده وأنه يعتق عليه إذا ملكه.

.تفسير الآية رقم (94):

{لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)}
{لَقَدِ} حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج أحد منهم من حيطة علمه وقبضة قدرته جل جلاله.
{أحصاهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا} أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده تعالى قدار.

.تفسير الآية رقم (95):

{وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}
{وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْدًا} أي منفردًا من الأتباع والأنصار منقطعًا إليه تعالى غاية الانقطاع محتاجًا إلى إعانته ورحمته عز وجل فكيف يجانسه ويناسبه ليتخذه ولدًا وليشرك به سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وقيل: أي كل واحد من أهل السموات والأرض العابدين والمعبودين آتيه عز وجل منفردًا عن الآخر فينفرد العابدون عن الآلهة التي زعموا أنها أنصار أو شفعاء والمعبودون عن الأتباع الذين عبدوهم وذلك يقتضي عدم النفع وينتفي بذلك المجانسة لمن بيده ملكوت كل شيء تبارك وتعالى، وفي {ءاتِيهِ} من الدلالة على إتيانهم كذلك البتة ما ليس في يأتيه فلذا اختير عليه وهو خبر {كُلُّهُمْ} وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم أو كل الناس فالمنقول أنه يجوز عود الضمير عليه مفردًا مراعاة للفظه فيقال كلكم ذاهب، ويجوز عوده عليه جمعًا مراعاة لمعناه فيقال: كلكم ذاهبون.
وحكى إبراهيم بن أصبغ في كتاب رؤس المسائل الاتفاق على جواز الأمرين، وقال أبو زيد السهيلي: إن كلا إذا ابتدئ به وكان مضافًا لفظًا أي إلى معرفة لم يحسن إلا أفراد الخبر حملًا على المعنى لأن معنى كلكم ذاهب مثلًا كل واحد منكم ذاهب وليس ذلك مراعاة للفظ وإلا لجاز القوم ذاهب لأن كلا من كل والقوم اسم جمع مفرد اللفظ اه وفي البحر يحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع إلى نقل عن العرب. والزمخشري في تفسير هذه الآية استعمل الجمع وحسن الظن فيه أنه وجد ذلك في كلامهم، وإذا حذف المضاف إليه المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان ولا كلام في ذلك.

.تفسير الآية رقم (96):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)}
{إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا} أي مودة في القلوب لايمانهم وعملهم الصالح، والمشهور أن ذلك الجعل في الدنيا. فقد أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. وعبد بن حميد. وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله تعالى عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض فذلك قول الله تعالى: {إِنَّ الذين ءامَنُواْ} الآية» والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها، والسين لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم سبحانه ذلك، ثم نجزه حين كثر الإسلام وقوى بعد الهجرة، وذكر أن الآية نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعد سبحانه أن يجعل لهم محبة في قلب النجاشي.
وأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحاب كة منهم شيبة بن ربيعة. وعقبه بن ربيعة. وأمية بن خلف فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذا تكون الآية مدنية، وأخرج ابن مردويه. والديلمي عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه: قل اللهم اجعل لي عندك عهدًا واجعل لي في صدور المؤمنين ودًا فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وكان محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه يقول: لا تجد مؤمنًا إلا وهو يحب عليًا كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته.
وروى الإمامية خبر نزولها في علي كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس. والباقر. وأيدوا ذلك بما صح عندهم أنه كرم الله تعالى وجهه قال: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني ما أحبني وذلك أنه قضى فانقضي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق» والمراد المحبة الشرعية التي لا غلو فيه، وزعم بعض النصارى حبه كرم الله تعالى وجهه، فقد أنشد الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لابن إسحق النصراني الرسغني:
عدي وتيم لا أحاول ذكرهم ** بسوء ولكني محب لهاشم

وما تعتريني في علي ورهطه ** إذا ذكروا في الله لومة لائم

يقولون ما بال النصارى تحبهم ** وأهل النهي من أعرب وأعاجم

فقلت لهم إني لأحسب حبهم ** سرى في قلوب الخلق حتى البهائم

وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ثبت كذبك، وأظن أن نسبة هذه الأبيات للنصراني لا أصل لها وهي من أبيات الشيعة بيت الكذب، وكم لهم مثل هذه المكايد كما بين في التحفة الإثني عشرية، والظاهر أن الآية على هذا مدنية أيضًا. ثم العبرة على سائر الروايات في سبب النزول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وذهب الجبائي إلى أن ذلك في الآخرة فقيل في الجنة إذ يكونون إخوانًا على سرر متقابلين، وقيل: حين تعرض حسناتهم على رؤس الأشهاد وأمر السين على ذلك ظاهر. ولعل أفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع وتلاعن، وذكر في وجه الربط أنه لما فصلت قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين، وقد يقال فيه بناء على أن ذلك في الآخرة: إنه جل شأنه لما أخبر بإتيان كل من أهل السموات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة فردًا آنس المؤمنين بأنه جل وعلا يجعل لهم ذلك اليوم ودًا، وفسره ابن عطية على هذا الوجه حبته تعالى إياهم وأراد منها إكرامه تعالى إياهم ومغفرته سبحانه وتعالى ذنوبهم، وجوز أن يكون الوعد يجعل الود في الدنيا والآخرة ولا أراه بعيدًا عن الصواب. ولا يأبى هذا ولا ما قبله التعرض لعنوان الرحمانية لجواز أن يدعى العموم فقد جاء يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
وقرأ أبو الحرث الحنفي {وُدًّا} بفتح الواو وقرأ جناح بن حبيش {وُدًّا} بكسرها وكل ذلك لغة فيه وكذا في الوداد.

.تفسير الآية رقم (97):

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)}
{فَإِنَّمَا يسرناه} أي القرآن بأن أنزلناه {بِلَسَانِكَ} أي بلغتك وهو في ذلك مجاز مشهور والباء عنى على أو على أصله وهو الإلصاق لتضمين {يَسَّرْنَا} معنى أنزلنا أي يسرناه منزلين له بلغتك، والفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه قيل: بعد إيحاء هذه السورة الكريمة بلغ هذا المنزل وأبر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العرب المبين {لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين} المتصفين بالتقوى لامتثال ما فيه من الأمر والنهي أو الصائرين إليها على أنه من مجاز الأول {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا} لا يؤمنون به لجاجًا وعنادًا، واللد جمع الألد وهو كما قال الراغب: الخصم الشديد التأبي، وأصله الشديد اللديد أي صفحة العنق وذلك إذا لم يمكن صرفه عما يريده.
وعن قتادة اللذ ذو الجدل بالباطل الآخذون في كل لديد أي جانب بالمراء، وعن ابن عباس تفسير اللديا بالظلمة، وعن مجاهد تفسيره بالفجار، وعن الحسن تفسيره بالصم، وعن أبي صالح تفسيره بالعوج وكل ذلك تفسير باللازم؛ والمراد بهم أهل مكة كما روى عن قتادة.