فصل: تفسير الآية رقم (14):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (14):

{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)}
{لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُورًا واحدا} على تقدير قول إما منصوب على أنه حال من فاعل {دَّعَوَا} [الفرقان: 13] أي دعوا مقولًا لهم ذلك حقيقة كما هو الظاهر بأن تخاطبهم الملائكة لتنبيههم على خلود عذابهم وأنهم لا يجابون إلى ما يدعونه أولا ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجى أو تمثيلًا لهم وتصويرًا لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وخطاب كما قيل أي دعوه حال كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، وإما لا محل له من الإعراب على أنه معطوف على ما قبله أي إذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا دعوا ثبورًا فيقال لهم: لا تدعوا إلخ، أو على أنه مستأنف وقع جوابًا عن سؤال مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل: فماذا يكون عند دعائهم المذكور؟ فقيل: يقال لهم ذلك، والمراد به إقناطهم عما علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيههم على أن عذابهم الملجئ لهم إلى ذلك أبدى لاخلاص لهم منه على أبلغ وجه حيث أشار إلى أن المخلص مما هو فيه من العذاب عادة غير مخلص وما يخلص غير ممكن فكأنه قيل: لا تدعوا اليوم هلاكًا واحدًا فا لا يخلصكم {وادعوا ثُبُورًا} وهلاكًا {كَثِيرًا} لا غاية لكثرته لتخلصوا به وأنى بالهلاك الكثير.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ** تعددت الأسباب والموت واحد

وهذا معنى دقيق لم أعلم أن أحدًا ذكره، وقيل: وصف الثبور بالكثرة باعتبار كثرة الألفاظ المشعرة به فكأنه قيل: لا تقولوا يا ثبوراه فقط وقولوا يا ثبوراه يا هلا كاه يا ويلاه يا لهفاه إلى غير ذلك وهو كما ترى.
وقال شيخ الإسلام: وصفه بذلك بحسب كثرة الدعاء المتعلق به لا بحسب كثرته في نفسه فإن ما يدعونه ثبور واحد في حد ذاته لكنه كلما تعلق به دعاء من تلك الأدعية الكثيرة صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به دعاء آخر، وتحقيقه لا تدعوه دعاء واحدًا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن، ثم قال: وهذا أدل على فظاعة العذاب وهو له من جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا يخفى، وأما ما قيل من أن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدًا إنما هو ثبور كثير اما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف وهم إنما يدعون هلاكًا ينهى عذابهم وينجيهم منه فلابد أن يكون الجواب إقناطًا لهم عن ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب الشديد انتهى، وتعقب القول بأن وصف الثبور بالكثرة بحسب كثرة الدعاء بأنه لا يناسب النظم وكذا كونه بحسب كثرة الألفاظ المشعرة بالثبور لأنه كان الظاهر أن يقال دعاء كثيرًا، وأما قوله: وأما ما قيل إلخ فهو لا يخلو عن بحث فتأمل.
وحكى علي بن عيسى ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه، وجوز أن يكون الثبور في الآية من ذلك كأنهم ندموا على ما فعلوا فقالوا: واصرفاه عن طاعة الله تعالى كما يقال: واندماه فأجيبوا بما أجيبوا، وتقييد النهي والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام المعهودة التي يخلص من عذابها ثبور واحد، ويجوز أن يكون ذلك لتذكيرهم بالساعة التي أصابهم ما أصابهم بسبب التكذيب بها ففيه زيادة إيلام لهم، وقرأ عمر بن محمد {ثُبُورًا} بفتح الثاء في ثلاثتها وفهول بفتح الفاء في المصادر قليل نحو القفول.

.تفسير الآيات (15- 16):

{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)}
{قُلْ} تقريعًا لهم وتهكمًا بهم وتحسيرًا على ما فاتهم {أذلك} إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة فإنها التي كثيرا ما تقابل بالجنة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، وقيل: إشارة إلى ما ذكر من الجنة والكنز في قولهم: {أو يلقى إليه كنز} [الفرقان: 8] إلخ.
وقيل: إلى الجنة والقصور المجعولة في الدنيا على تقدير المشيئة وكلا القولين لا يعول عليهما لاسيما الأخير أي أذلك الذي ذكر من السعير التي اعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن أهلها ذيت ذيت {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وَعِدَ المتقون} أي وعدها المتقون لأن وعد تتعدى لمفعولين وهذا المحذوف هو العائد على الموصول؛ وإِضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبة الإضافة معلومة للمدح فإن المدح يكون بما هو معلوم، وإن لم تكن معلومة فلافادة خلود الجنة، ولا يخدشه قوله تعالى: {خالدين} [الفرقان: 16] بعد لأنه للدلالة على خلود أهلها لا خلودها في نفسها وإن تلازمًا أو أن ذلك للتمييز عن جنات الدنيا، وقيل: إن جنة الخلد علم كجنة عدن، والمراد بالمتقين المتصفون طلق التقوى لا بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها فقط، ويدل عليه مقابلتهم بالكافرين في النظم الكريم، وقيل: يجوز أن يراد الكاملون في التقوى ووعدها إياهم وعدد خولها ابتداء دون سبق عذاب وهو مختص بهم وليس بذاك، والترديد والتفضيل في {خَيْرٌ} مع أنه لا شك في أنه لا خيرية في السعير للتهكم والتقريع كما أشرنا إليه.
وقال ابن عطية: حيث كان الكلام استفهامًا جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والسعير في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل إذا كان الكلام خيرًا لأن فيه مخالفة الواقع، وأما إذا كان استفهامًا فذلك سائغ، وقال أبو حيان: إن {خَيْرٌ} هنا ليس للدلالة على الأفضلية بل هو على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقول حسان:
فشركما لخيركما الفدا

وقولهم الشقاء أحب أليك أم السعادة والعسل أحلى من الخل، وقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام {السجن أَحَبُّ إِلَىَّ} [يوسف: 33] ولا اختصاص لذلك في استفهام أو خبر.
وما ذكر من أمثلة الخبر يرد على ابن عطية إلا أن يقيد الخير الذي ادعى منه سيبويه فيه بما لم يكن الحكم فيه واضحًا أما إذا كان الحكم فيه واضحًا للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد في الأفضل فإن التفضيل يجوز فيه، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام وما أشرنا إليه هنا أولى بالاعتبار مما أشار ابن عطية وأبو حيان إليه.
{كَانَتْ} تلك الجنة {لَهُمْ} أي في علم الله تعالى أو في اللوح أو المراد تكون على أنه وعد من أكرم الأكرمين عبر عنه بالماضي على طريق الاستعارة لتحقيق وقوعه فإنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وجوز أن يكون هذا باعتبار تقدم وعده تعالى في كتبه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام أياهم بها {جَزَاء} على أعمالهم قتضى الوعد لا بالإيجاب {وَمَصِيرًا} ينقلبون إليه، ولم يكتف بقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء} لعدم استلزامه ذلك فقد يثبت الملك في الدنيا إنسانًا ببستان مثلًا ولا يرأه فضلًا عن أن يسكن فيه، وجملة {كَانَتْ لَهُمْ} إلخ على ما ذكره الطبرسي في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على الموصول في {وُعِدَ المتقون} بتقدير قد أو بدونه، وجوز أن تكون بدلًا من {وُعِدَ المتقون} وتفسيرًا له، وأن تكون استئنافًا في موضع التعليل.
وذكر الزمخشري ما يشعر بأن هذه الجملة تذييل لتذكير النعمة بما خولهم الله تعالى وطيب عيشهم في ذلك المكان الرافع على وجه يتضمن ضد ذلك لأضدادهم فكأنه قيل كلنت لهم جزاء موفورًا لا يدخل تحت الوصف ومصيرًا أي مصيرًا لا يقادر قدره وليس كمصير الكفرة المشار إليه بقوله سبحانه: {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيّقًا} [الفرقان: 13] ويعلم منه فائدة ذكر المصير مع ذكر الجزاء فتأمل، وقوله سبحانه: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ} قيل استئناف وقع جوابًا لسؤال نشأ مما قبله حيث أفاد أن الجنة مسكن لهم والساكن في دار يحتاج إلى أشياء كثيرة لتطيب نفسه بسكناها فكأن سائلا يقول: ما لهم إذا صاروا إليها وسكنوا فيها؟ فقيل لهم فيها ما يشاؤون، وقال الطبرسي: الجملة في موضع الحال من قوله تعالى: {المتقون} [الفرقان: 15] وما موصولة مبتدأ والعائد محذوف و{لَهُمْ} خبره و{فِيهَا} متعلق بما تعلق به أي كائن لهم فيها الذي يشاؤونه من فنون الملاذ والمشتهيات وأنواع النعيم الورحاني والجسماني، ولعل كل فريق يقتنع بما أبيح له من درجات النعيم ويرى ما هو فيه ألذ الأشياء ولا تمتد أعناق هممهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية ولا يخطر بباله ما يخطر طلبة ولا يتأتى له فلا يشاء آخاد المؤمنين رتبة الأنبياء عليهم السلام ولا يتعرضون للشفاعة لمن كتب عليه الخلود في النار مثلا فلا يلزم الحرمان ولا تساوي مراتب أهل الجنان، وعلى ضد هؤلاء فيما ذكر أهل النار فقد قال سبحانه فيهم {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54].
{خالدين} حال من أحد ضمائرهم على ما قيل وظاهره عدم الترجيح، وقال بعض الأفاضل: جعله حالًا من الأول يقتضي كونها حالًا مقدرة ومن الثالث يوهم تقييد المشيئة بها فخير الأمور أوسطها، ورجح بعضهم الثالث لقربه والتقييد غير مخل بل مهم، وجوز كونها حالًا من المتقين ولا يخفى حاله، ولبعض الأجلة هاهنا كلام فيه بحث ذكره الحمصي في حواشي التصريح فليراجع {كَانَ} أي الوعد بما ذكر أو الموعود المفهوم من الكلام فيشمل الوعد بالجنة وبحصول ما يشاؤون لهم فيها وبالخلود على الأول والجنة وحصول المرادات والخلود الموعود بها على الثاني، وقال بعضهم: الضمير للخلود، وآخر لحصول ما يشاؤون لهم فيها أوله ولكون الجنة جزاءً ومصيرًا، والإفراد باعتبار ما ذكر ويغني عنه ما سمعت، والأكثرون على أنه لما يشاؤون وهو اسم كان وقوله تعالى: {على رَبِّكَ} متعلق بها أو حذوف وقع حالًا من قوله سبحانه: {وَعْدًا} وهو خبرها، ولم يجوز تعلق الجار به سواء كان باقيًا على مصدريته أو مؤولًا باسم المفعول أي موعودًا لما علمت من الخلاف في مرجع الضمير بناءً على منع تقديم معمول المصدر عليه وإن كان مؤولًا بغيره أو كان المقدم ظرفًا وفيه خلاف، وجوز أن يكون {على رَبِّكَ} متعلقًا حذوف هو الخبر و{وَعْدًا} مصدرًا مؤكدًا، والأظهر أن يجعل هو الخبر أي كان ذلك وعدًا أو موعودًا {مَّسْئُولًا} أي حقيقًا أن يسئل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون أو سببًا لحصول ذلك فمسؤوليته كناية عن كونه أمرًا عظيمًا، ويجوز أن يراد كون الموعود مسؤولًا حقيقة عنى يسأله الناس في دعائهم بقولهم: {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]، وقال سعيد بن أبي هلال: سمعت أبا حازم رضي الله تعالى عنه يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: ربنا عملنا لك بما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا فذلك قوله تعالى: {وَعْدًا مَسْؤُولًا}.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد هذا عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في الآية: إن الملائكة عليهم السلام لتسأل ذلك في قولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ} [غافر: 8] والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام هو الفائز غانم الوعد الكريم. واستشكلت الآية على مذهب الأشاعرة لأنها تدل على الوجوب على الله تعالى لمكان {على} وعندهم لا يجب عليه سبحانه شيء لاستلزام ذلك سلب الاختيار وعدم استحقاق الحمد، وأجيب بأن الوجوب الذي تدل عليه الآية وجوب قتضى الوعد والممتنع إيجاب الإلجاء والقسر من خارج لأنه السالب للاختيار الموجب للمفسدة دون إيجابه تعالى على نفسه شيئًا قتضى وعده وكرمه فإنه مسبوق بالإرادة والوجوب الناشئ من الإرادة لا ينافي الاختيار، وهذا ظاهر إذا كان الوعد حادثًا وأما إذا كان قديمًا فالسابقية والمسبوقية بحسب الذات وذلك لا يستلزم الحدوث، أو يقال: الحادث بالإرادة تعلقه بالموعود به فافهم.

.تفسير الآية رقم (17):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)}
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالى: {قُلْ أذلك} [الفرقان: 15] إلخ أي قل لهم ذلك واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم الله عز وجل، والمراد تذكيرهم بما فيه من الحوادث الهائلة على ما سمعت في نظائره أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هو له وفظاعة ما فيه والإيذان بأن العبارة لا تحيط ببيانه أي ويوم يحشرهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال.
وقرأ الحسن. وطلحة. وابن عامر. وكثير من السبعة {نَحْشُرُهُمْ} بنون العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأ الأعرج {يَحْشُرُهُمْ} بكسر الشين، قال صاحب اللوامح: في كل القرآن وهو القياس في الأفعال المتعدية الثلاثية لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فعل بضمها في الماضي، وقال ابن عطية: وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين، وفيه كلام ذكره أبو حيان في البحر {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} عطف على مفعول {يَحْشُرُهُمْ} وليست الواو للمعية وجوز ذلك أبو البقاء، والمراد بالموصول عند الضحاك. وعكرمة. والكلبي الأصنام بناءً أن السياق فيها وينطقها الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، وقيل: تتكلم بلسان الحال وليس بذاك.
وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد به الملائكة. وعيسى. وعزير. وأضرابهم من العقلاء الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى وهو قول الجمهور على ما في البحر لأن السؤال والجواب يقتضيانه لاختصاصهما بالعقلاء عادة وإن كان الجماد ينطق يومئذٍ، وجاء فيما يشبه الاستفهام الآتي النص عليهم نحو قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] وقوله سبحانه: {قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ} [المائدة: 116] والظاهر أن المراد بما على هذا القول العقلاء المعبودون الذين ليس منهم إضلال كالملائكة والأنبياء عليهم السلام لا ما يشملهم والشياطين مثلًا فإن الجواب يأبى ذلك بظاهره كما لا يخفى، وأطلقت {مَا} على العقلاء إما على أنها تطلق عليهم حقيقة أو مجازًا أو باعتبار الوصف كأنه قيل: أو معبوديهم، وقال بعض الأجلة: المراد ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبئ عنه أنك إذا رأيت شبحًا من بعيد تقول: ما هو؟ أو لأنه أريد بها الوصف فلا تختص حينئذٍ بغير العقلاء كما إذا أريد بها الذات أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيهًا على بعدهم عن استحقاق العبادة وتنزيلهم في ذلك منزلة من لا علم له ولا قدرة أو اعتبارًا لغلبة عبدتها وكثرتهم {فَيَقُولُ} أي الله عز وجل للمعبودين من دونه أثر حشر الكل تقريعًا للعبدة وتبكيتًا لهم.
وقرأ الحسن. وطلحة. وابن عامر {فنقول} بنون العظمة أيضًا، ومن قرأ ممن عداهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا التفاتًا من التكلم إلى الغيبة، وفي نون العظمة هناك إشارة إلى أن الحشر أمر عظيم.
{ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء} بأن دعوتموهم إلى عبادتكم وإضافة {عِبَادِى} قيل للترحم أو لتعظيم جرمهم لعبادة غير خالقهم أو لتعظيم أمر إضلالهم بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عبادًا لله عز وجل و{هَؤُلاء} بدل منه، وجوز أن يكون نعتًا له {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} أي عن السبيل بأنفسهم لا خلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد من كتاب أو رسول فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى: {وَهُوَ يَهْدِى السبيل} [الأحزاب: 4] والأصل إلى السبيل أو للسبيل.
وذكر بعض الأجلة أنه لم يقل عن السبيل للمبالغة فإن ضله عنى فقده وضل عنه عنى خرج عنه. والأول أبلغ لأنه يوهم أنه لا وجود له رأسًا، وتقديم الضميرين على الفعلين لما أن المراد بالسؤال التقريعي هو المتصدي للفعل لا نفسه.